• الاستدراك بـ (اختلاف المناط (1) يمنع القياس):
ذكر الهندي في مسألة (اتفاق الأكثر هل يُعد إجماعًا وحجة؟ ) من بين أدلة القائلين بأن اتفاق الأكثر يُعد حجة قولهم: "وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد، فكذا أقوال المجتهدين.
وجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس؛ فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل، فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر؛ لعدم تحقيق المناط" (2).
• الاستدراك بـ (لا قياس في مقابلة النص):
ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ الْمَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (3): "أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان؛ كان قوله حجة في كل مكانٍ؛ كالرسول صلى الله عليه وسلم " (4).
فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (من كان قوله حجة في مكان--------------------------------------------
(1) المناط لغة: مفعل من ناطه نوطًا: علقه، واسم موضع التعليق: مناط. يُنظر: الصحاح (ص: 1077)؛ المصباح المنير (2/ 630) مادة: (نوط).
وفي الاصطلاح: متعلق الحكم. أي أن الحكم تعلق بذلك الوصف. يُنظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3333)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: 287).
(2) نهاية الوصول (6/ 2628).
(3) سبق تخريجه (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).
(4) يُنظر: المحصول (4/ 164).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 600)
كان حجة في كل مكان؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم).
قلنا: هذا قياس طردي في مقابلة النص فكان باطلاً -والله أعلم-" (1).
• الاستدراك بـ (ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية):
ذكر الرازي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) سؤال الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] على دلالة الصيغة على الوجوب، ثم ذكر استدراكه على هذا السؤال، فقال: "قوله (2): دلت الآية على أن مخالف أمرِ الله يستحقُّ العقاب، أو على أن مخالف كلِّ أمر يستحق العقاب؟
قلنا: دلت على الثاني لوجوه: … الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف مُشعر بالعلية" (3).
• الاستدراك بـ (التقسيم الحاصر (4)):
قال الرازي في مسألة (شكر المنعم عقلاً): "الفصل الثامن: في أن شكر المنعم غير واجب عقلاً. وقالت المعتزلة: بوجوبه عقلاً" (5).--------------------------------------------
(1) يُنظر: المحصول (4/ 166).
(2) أي الخصم.
(3) المحصول (2/ 57).
(4) التقيسم في اللغة: مصدر قسم بمعنى: جزأ وفرق. يُنظر: لسان العرب (12/ 102)؛ القاموس المحيط (ص: 1149) مادة: (قسم).
وقسمه علماء الأصول إلى قسمين: التقسيم الحاصر (ما كان دائرًا بين النفي والإثبات) والتقسيم المنتشر (هو ما لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات). يُنظر: البرهان (2/ 815)؛ نهاية السول (2/ 873)؛ الإبهاج (6/ 2386).
(5) المحصول (1/ 147).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 601)
واستدل على مذهبه بدليل من المعقول؛ وهو: "أنه لو وجب لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة، والقسمان باطلان؛ فالقول بالوجوب باطل.
إنما قلنا: إنَّه لا يجوز أن يكون لفائدة لأن تلك الفائدة إما أن تكون عائدة إلى المشكور، أو إلى غيره.
والأول باطل؛ لأن الله تعالى منزه عن جلب المنافع، ودفع المضار.
والثاني باطل؛ لأن الفائدة العائدة إلى الغير إما جلب المنفعة، أو دفع المضرة … ".
ثم ذكر استدراكًا من الخصم: "فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أن يقال: وجب الشكر لمجرد كونه شكرًا؟ وذلك لأن وجوب كل شيء لو كان لأجل شيء آخر؛ لزم التسلسل؛ فثبت أنه لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون واجبًا لذاته.
وعندنا: الشكر واجب لنفس كونه شكرًا؛ كما أنَّ دفع الضرر عن النفس واجب لنفس كونه دفعًا للضرر؛ ولذلك فإن العقلاء يعلمون وجوبه عندما يعلمون كونه شكرًا للنعمة وإن لم يعلموا جهة أخرى من جهات الوجوب" (1).
فأجاب عن استدراكهم: "قولهم: لِمَ لا يجوز أن يجب لنفس كونه شكرًا؟
قلنا: قولنا: لو وجب الشكر لوجب إما لفائدة أولا لفائدة؛ تقسيم دائر بين النفي والاثبات، فلا يحتمل الثالث ألبتة" (2).--------------------------------------------
(1) المحصول (1/ 150 - 151).
(2) المرجع السابق (1/ 153 - 154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 602)
• الاستدراك بـ (الدوران (1)):
قال العلاء البخاري في مسألة (القياس في اللغة) دليل الخصم القائل بجواز القياس: "إنا رأينا أن عصير العنب لا يسمى خمرًا قبل الشدة المطربة، فإذا حصلت تلك تسمى خمرًا، وإذا زالت مرة أخرى زال الاسم، والدوران يُفيد ظن العِلِّية، فيحصل ظن أن العلة لذلك الاسم هي: الشدة، ثم رأينا الشدة حاصلة في النبيذ، ويلزم من حصول علة الاسم ظن حصول الاسم، وإذا حصل ظن أنه مسمى بالخمر، وقد علمنا أن الخمر حرام؛ حصل ظن أن النبيذ حرام، والظن حجة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ" (2).
فاستدرك عليهم العلاء البخاري بقوله: "الدوران إنما يُفيد ظن العلية فيما يحتمل الغلبة، وههنا لم يوجد الاحتمال؛ لانتفاء المناسبة بين الألفاظ والمعاني أصلاً، وحصول العلم بأن شيئًا من المعاني لم يكن داعيًا للواضع إلى تسميته بذلك الاسم، وإذا لم يوجد احتمال العلية لم يكن الدوران مفيدًا ظن العِلية" (3).
• وأما الأدلة المختلف فيها فكثيرة، ذكرنا منها في ثنايا البحث: قول الصحابي (4)، الاستقراء (5)، وأذكر الآن الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا)، والاستدراك بدليل (العرف والعادة)، والاستدراك بدليل (الحس (6)).--------------------------------------------
(1) الدوران لغة: مصدر دار يدور دورانًا إذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. يُنظر: الصحاح (ص: 361)؛ لسان العرب (5/ 323). مادة: (دور).
اصطلاحًا: ترتُّبُ حكمٍ على وصفٍ وجودًا وعدمًا. وسماه الآمدي وابن الحاجب بـ (الطرد والعكس). يُنظر: الإحكام للآمدي (3/ 374)؛ مختصر ابن الحاجب (2/ 1106)؛ شرح الكوكب المنير (4/ 191 - 192).
(2) كشف الأسرار للبخاري (3/ 564).
(3) المرجع السابق (3/ 565).
(4) يُنظر: (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.-خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).
(5) يُنظر: (ص: 540 - 545).
(6) علماء الأصول لا يذكرون دليل الحس من بين الأدلة المختلف فيها في بناء الأحكام الشرعية؛ وإنما يذكرونه كدليل لتخصيص العموم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 603)
• مثال الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا):
قال القاضي أبو يعلى في مسألة (تعلق الأمر بالمعدوم): "الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة ....
وذهب المعتزلة (1) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (2) فيما ذكره أبو عبدالله الجرجاني في أصوله إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم تختص بالموجودين في وقته، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل" (3).
ثم ذكر استدراكًا من الخصم بقاعدة (شرع من قبلنا) فقال: "فإن قيل: فكيف يصح هذا على أصلكم وقد قلتم: إن شريعة من قبلنا ليس بشرع لنا، فلو كان الخطاب غائبًا لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني؟
قيل: الصحيح من الروايتين: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وعلى الرواية الثانية: ليس بشرع لنا؛ لقيام الدلالة على نسخه" (4).--------------------------------------------
(1) يُنظر: المعتمد (1/ 140).
(2) يُنظر: مذهب الحنفية في: تيسير التحرير (2/ 131)؛ فواتح الرحموت (1/ 146)؛ حاشية المطيعي (1/ 304).
(3) يُنظر: العدة في أصول الفقه (2/ 386 - 387).
(4) يُنظر: المرجع السابق (2/ 392).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 604)
• أمثلة الاستدراك بـ (دليل العادة والعرف (1)):
• المثال الأول:
ذكر الباجي في مسألة (دلالة صيغة افعل) من بين أدلة القائلين بالتوقف وعدم حمل الصيغة على أحد محتمليه إلا بقرينة تدل على المراد: "أما هم فاحتج من نصر قولهم في ذلك بأن لفظ (الأمر) لو كان يدل على الوجوب بمفرده؛ لوجب إذا صُرف إلى الندب بقرينة أن يكون ذلك مجازًا لا حقيقة.
والجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن اللفظ إنما يستغني عن قرينة فيما شهر بالاستعمال فيه، ويفتقر إلى قرينة فيما عُرْفه أن يستعمل في غيره أكثر؛ كالغائط الذي هو حقيقة في المطمئن من الأرض، ومجاز في قضاء الحاجة، ثم مع ذلك يفتقر إلى قرينة في استعماله في حقيقته، ولا يفتقر إلى قرينة في استعماله في مجازه؛ وإنما ذلك بحسب عرف الاستعمال" (2).--------------------------------------------
(1) العادة: ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. يُنظر: التعريفات (ص: 188)؛ الكليات (ص: 617).
والعرف: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. يُنظر: التعريفات (ص: 193)؛ الكليات (ص: 671).
وقيل في الفرق بينهما ثلاثة أقول:
- الأول: أنه لا فرق بينهما، فهما بمعنى واحد.
- الثاني: أن العرف مخصوص بالقول، والعادة مخصوصة بالعمل.
- الثالث: بينهما عموم وخصوص مطلق، فالعادة أعم من العرف، إذ العادة تطلق على العادة الجماعية وهي العرف، وتطلق أيضا على العادة الفردية، فكل عرف عادة لا العكس. يُنظر: العرف والعادة في رأي الفقهاء (ص: 11 - 13).
(2) إحكام الفصول (1/ 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 605)
• المثال الثاني:
قال الشيرازي في مسألة (تكرار الأمر وما يقتضيه الأمر الثاني): "إذا كرر الأمر فقال: (صَلِّ)؛ هل يقتضي الأمر الثاني استئناف فعلي أمور لا تنبني على ما ينبني عليه الأمر المفرد؟
فإن قلنا: إنه يقتضي التكرار؛ فلا فائدة في ذكر الأمر الثاني؛ لأن الأمر الأول قد استغرق الأوقات في التكرار، فيجب عليه ما استطاع إلى قيام الساعة، فلا يتصور تكليفه الفعل بحكم الأمر الثاني؛ لأنه لا سبيل إلى الامتثال لاشتغاله بالأمر الأول، ويحمل الثاني على التأكيد.
فإن قلنا: إن الأمر يقتضي مرة واحدة؛ ففيه وجهان: قال أبو بكر الصيرفي: لا يقتضي التكرار. ومنهم من قال: الأمر الثاني يقتضي فعلاً ثانيًا" (1).
واختار الشيرازي أنه يقتضي فعلاً ثانيًا، وذكر من بين أدلة المخالف القائل بأنه لا يقتضي التكرار قوله: "قالوا: ولأن السيد من العرب إذا قال لعبده: اسقني، وكرر الأمر عليه؛ لا يقتضي ذلك تكرار الفعل منه وإن وجد دال منه بلفظين واحد بعد الآخر، فلو كان الأمر يقتضي تكرار الفعل لاقتضاه في هذا الوضع" (2).
.... وجواب آخر: وهو أنا حملناه على مرة واحدة هناك بحكم العرف؛ وذلك لأن العرف أنه قصد باستدعاء الماء يشربه لحاجته إليه، وحمل الماء إليه مرة واحدة فيه كفاية له في الحال فلم يحتج إلى تكرار؛ بخلاف مسألتنا فإنه ليس بيننا وبين الله تعالى في خطابه عرف يحمل عليه، فوجب أن نحمله على موجبه في اللغة" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: شرح اللمع (1/ 231 - 232).
(2) يُنظر: المرجع السابق (1/ 233).
(3) يُنظر: المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 606)
• المثال الثالث:
قال الآمدي في مسألة (حجية الإجماع): "اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافًا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة" (1).
ثم ذكر عددًا من الاستدراكات بين الخصمين بدليل (العادة)، فبعد أن ذكر دليل القائلين بحجية الإجماع في استدلالهم بالسنة بعدد من روايات الصحابة المختلفة الألفاظ المتفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة أورد استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع: (فإن قيل: هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر ولا تفيد اليقين، وإن سلمنا التواتر؛ ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة جميعهم عن الكفر لا بتأويل ولا شبهة. ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة، أو فيما يوافق النص المتواتر، أو دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد ....
والجواب عن السؤال الأول من وجهين: … الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكًا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين، والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الأزمان، واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه.
فإن قيل: من المحتمل أن أحدًا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال فلا قطع قولكم: إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع لا نسلم ذلك.--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (1/ 266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 607)
وما المانع أن يكون استدلالهم على الإجماع لا بهذه الأحاديث؛ بل بغيرها، سلمنا استدلالهم بها على ذلك لكنه دور؛ لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على الإجماع، والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع. ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها؛ وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها قطعًا للشك والارتياب.
قلنا: جواب الأول: أن الإجماع من أعظم أصول الدين، فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير؛ لاشتهر ذلك فيما بينهم، وعظم الخلاف فيه؛ كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع؛ كاختلافهم في دية الجنين، وقوله: أنت علي حرام، وحد الشرب، ومسائل الجد والإخوة، إلى غير ذلك، ولو كان كذلك؛ لكانت العادة تحيل عدم نقله؛ بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع؛ بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله ....
وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الأخبار لم يكن بالإجماع؛ بل بالعادة المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول الأحكام، والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالإجماع؛ وذلك كالاستدلال بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال". (1)
• مثال الاستدراك بـ (دليل الحس):
قال ابن رشد عند حديثه عن (أركان الحكم): "وأما المحكوم فيه: (وهو الفعل) فإنه مجاز كونه مكتسبًا للعبد باختياره، مع اعتقاد اكتسابه طاعةً وامتثالاً .... وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبًا؛ بل يرى أن--------------------------------------------
(1) يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 290 - 294).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 608)
ليس ههنا فعل مكتسب للإنسان أصلاً، وأن ما يُظهر كون الإنسان فاعلاً للشيء فأمر مصاحب ولاحِق؛ لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلاً إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين (1) " (2).
ثم استدرك على مذهب الأشعري بدليل الحس فقال: "وهذه مخالفة للحس، ورأي غريب جدًّا عن طباع الإنسان" (3).
• الاستدراك بالقواعد الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ؛ ومنها:
• الاستدراك بقاعدة (صيغة الأمر المجردة عن القرائن تفيد الوجوب):
قال القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم): "واحتج من قال: إنها على الوقف: بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون فعله واجبًا، ويحتمل أن يكون ندبًا، ويحتمل أن يكون مباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصًا دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الإقتداء به.
والجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبًا عامًا فيه وفي أمته،--------------------------------------------
(1) يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها، ولا في صفة من صفاته، وأن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها سوى اكتسابها، فالفاعل الحقيقي هو الله، وإضافتها إلى الخلق مجاز. ولقد عدَّ المحققون منهم (الكسب) هذا من محالات الكلام، وضربوا له المثل في الخفاء والغموض فقالوا: (أخفى من كسب الأشعري). والإيمان والطاعة عندهم بتوفيق الله، والمعصية بخذلانه، والتوفيق خلق القدرة على الطاعة، والخذلان خلق القدرة على المعصية. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد، فالعباد لهم قدرة ومشيئة لكن هي داخلة تحت قدرة ومشيئة الله كما قال تعالى: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)} [التكوير: 28 - 29]، ففعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكنه مخلوق ومفعول لله تعالى، وهناك فرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية (2/ 639 - 652)؛ تقريب التدمرية (ص: 112)؛ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (1/ 89 - 90).
(2) الضروري في أصول الفقه (ص: 53).
(3) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)
وإنما يكون ندبًا أو خاصًا له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت متجردة عن القرائن: اقتضت الوجوب، وإنما يحمل على الندب بقرينة" (1).
• الاستدراك بقاعدة (الآمر هل يدخل تحت الأمر؟ ):
ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم) دليل الخصم القائلين بعدم حملها على الوجوب: "واحتج: بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه، ومعلوم أن المتبوع أوكد حالاً من التبع، فإذا كان كذلك، وكان ظاهر فعله لا ينبئ عن وجوبه عليه؛ فلئلا يدل على وجوبه علينا أولى.
والجواب: أن هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر؛ فإنهم جعلوه دالاًّ على الوجوب في حق غيره، ولا يدل على وجوبه عليه؛ لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته كالأمر" (2).
• الاستدراك بقاعدة (دلالة النهي المجردة عن القرائن):
ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك الخصم على وجه الاستدلال بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، ووجه الاحتجاج بها: أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق؛ فكان منهيًّا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. (3)
فقال: "فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل على التحريم كما سيأتي تقريره في النواهي" (4).--------------------------------------------
(1) العدة في أصول الفقه (3/ 748).
(2) المرجع السابق (3/ 746).
(3) الإحكام للآمدي (1/ 288).
(4) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
• الاستدراك بقاعدة (هل للعموم صيغ؟ ):
ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراكًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، "ووجه الاحتجاج بالآية: أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرمًا لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول عليه السلام في التوعد؛ كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح.
فإن قيل: لا نسلم أن (مَنْ) للعموم على ما سيأتي في مسائل العموم؛ حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين" (1).
وذكر أيضًا استدركًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110] بأن الألف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، فإذا أمروا بشيء إما أن يكون معروفًا أو منكرًا؛ لا جائز أن يكون منكرًا؛ وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه؛ لا آمرين به، وإن كان معروفًا فخلافه يكون منكرًا؛ وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شيء فإما أن يكون منكرًا أو معروفًا، لا جائز أن يكون معروفًا؛ وإلا لكانوا آمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم؛ لا ناهين عنه، وإن كان منكرًا فخلافه يكون معروفًا؛ وهو المطلوب. (2)
فقال: "فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق -على ما سيأتي-، وعلى هذا فلا تكون الآية عامة في الأمر بكل معروف، ولا النهي--------------------------------------------
(1) يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 267).
(2) يُنظر: المرجع السابق (1/ 285).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
عن كل منكر" (1).
• الاستدراك بقاعدة (الفعل في سياق الإثبات لا يعم):
قال البيضاوي في مسألة (حجية القياس): "استدل أصحابنا بوجوه: الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا}.
قيل: المراد الاتعاظ؛ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية.
قلنا: المراد القدر المشترك.
قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي.
قلنا: بلى؛ ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم" (2).
قال الإسنوي في شرحه: "الاعتراض الثاني: أنه لا يلزم من الأمر بالاعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس؛ فإن القدر المشترك معنى كُلي، والقياس جُزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي.
وأجاب في المحصول (3) بوجهين: أحدهما - وعليه اقتصر المصنف-: أن ما قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرًا بشيء من جزئياتها على التعيين مسلم؛ لكن ههنا قرينة دالة على العموم؛ وهي جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء معيار العموم.
فاستدرك الإسنوي على هذا الجواب بقوله: "وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيارًا للعموم إذا كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله؛--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي (1/ 285).
(2) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (2/ 797).
(3) (5/ 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
إما قطعًا أو ظنًّا، ونحن لا نسلم أن الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا؛ فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم" (1).
• الاستدراك بقاعدة (معيار العموم جواز الاستثناء):
ذكر الإسنوي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) استدراك الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] في إفادة الصيغة للوجوب بقوله: "واعترض الخصم بأربعة أوجه … الرابع - وهو أيضًا اعتراض على المقدمة الثانية (2) -: أن قوله: (عن أمره) مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، ونحن نُسَلِّمه، ولا يفيد كون جميع الأوامر كذلك مع أن المُدَّعَى هو الثاني.
وأجاب في المحصول (3) بثلاثة أوجه:
أحدها -وعليه اقتصر المصنف (4) -: أنه عام؛ بدليل جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني، وسيأتي أن معيار العموم جواز الاستثناء" (5).--------------------------------------------
(1) نهاية السول (2/ 801 - 802).
(2) المقدمة الأولى: الآتي بالمأمور به موافق له، والمخالف ضد الموافق، فإذا ثبت أن الآتي موافق؛ ثبت أن التارك مخالف، والمخالف للأمر على صدد العذاب.
المقدمة الثانية: أمر الله المخالفين لأمره بالحذر من العذاب، والحذر عنه يكون بعد قيام المقتضى لنزوله.
وإذا ثبت المقدمتان ثبت تارك الأمر على صدد العذاب، إذ لا معنى للوجوب إلا هذا. يُنظر: نهاية السول (1/ 404).
فالمعترض في هذا الاعتراض يعترض على المقدمة الثانية: (أمر الله المخالفين لأمره بالحذر من العذاب).
(3) يُنظر: المحصول (2/ 57).
(4) أي البيضاوي، يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (1/ 402).
(5) يُنظر: نهاية السول (1/ 407).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
• الاستدراك بقاعدة (تقييد المطلق خلاف الأصل):
ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ المدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا، كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ»: " … سلمنا صحة متنه؛ لكن لِمَ لا يجوزُ أن يكون ذلك محمولاً على من خرج منها لكراهية المقام بها؟ مع أن في المقام بها بركة عظيمة؛ بسبب جوار الرسول وجوار مسجده صلى الله عليه وسلم ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها؛ لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين، ومن كان كذلك فهو خبث" (1).
فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (نحمله على من كره المقام بالمدينة).
قلنا: تقييد المطلق خلاف الأصل، ولو جاز ذلك لجاز في قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115]، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأ» (2)
حمله على بعض الصور، ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل، وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة؛ فكذا ها هنا" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: المحصول (4/ 163).
(2) الحديث له طرق متعددة، وألفاظ مختلفة؛ فمن أقربها:
- حديث مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أجاركم من ثلاث: … وألا تجتمعوا على ضلالة». أخرجه أبو داود، ك: الفتن والملاحم، ب: في ذكر الفتن ودلائلها، (4/ 98/ح: 4253).
- حديث أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة … ». أخرجه ابن ماجة، ك: الفتن، ب: السواد الأعظم، (2/ 1303/ح: 3950).
- حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة … ». أخرجه الترمذي، ك: الفتن، ب: ما جاء في لزوم الجماعة، (4/ 466/ح: 2167).
قال الحاكم في الرواية السابقة: "إن المعتمر بن سليمان أحد أئمة الحديث وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصح بمثلها الحديث، فلا بد من أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثم وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا أدعي صحتها، ولا أحكم بتوهينها؛ بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام". يُنظر: المستدرك على الصحيحين (1/ 201).
(3) يُنظر: المحصول (4/ 165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
•المطلب الثاني
مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاتها
المراد بمادة الاستدراك بالعلوم الأخرى: هو التعقيب على الخصم باستعمال العلوم الأخرى.
• مثال الاستدراك بـ (علوم القرآن):
قال الجويني في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟ ): "وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن؛ ولكن ما ذكر لا يفيد الحكم على الآية (1)؛ بل يفيد تطرق التأويل إليها، ولولا ما مهدنا لكانت الآية نصًّا، وهي من آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدع أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها" (2).
فاستدرك عليه الإبياري في شرحه فقال: "قوله: (ولم يدَّعِ أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها) ليس كما قال؛ بل للعلماء في هذه الآية مذاهب (3): منهم من يقول: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: إنها مخصوصة، ومنهم من يقول: إنها مقرة؛ ولكن ألحق بهذه الأشياء غيرها، وكأن هذا القائل سلك مسلك الخبر؛ أي: لا محرم ذلك الوقت إلا ما اشتملت عليه الآية، ثم تجددت بعد ذلك أحكام. فدعوى الإجماع على نفي النسخ باطلة" (4).--------------------------------------------
(1) وهي قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام: 145].
(2) البرهان (1/ 375 - 376).
(3) يُنظر هذه المذاهب في: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 205 - 206)؛ زاد المسير (3/ 140).
(4) التحقيق والبيان (2/ 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
• مثال الاستدراك بـ (علم القراءات):
• المثال الأول:
قال الطوفي: "فالمسألة الأولى: (القراءات السبع متواترة خلافًا لقوم) اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان: فالقرآن هو الوحي النازل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز. والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور، في كمية الحروف، أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل، وتحقيق أو تسهيل، ونحو ذلك، بحسب اختلاف لغات العرب، ولا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن، أما القراءات فوقع النزاع فيها، والمشهور أنها متواترة، وقال بعض الناس: ليست متواترة" (1).
ثم ذكر في آخر المسألة تنبيهًا فقال: "تنبيه: اعلم أني سلكت في هذه المسألة طريقة الأكثرين في نصرة أن القراءات متواترة، وعندي في ذلك نظر، والتحقيق: أن القراءات متواترة عن الأئمة السبعة (2)، أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأئمة السبعة فهو محل نظر؛ فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تستكمل شروط التواتر، ولولا الإطالة والخروج عما نحن فيه لذكرت طرفًا من طرقهم؛ ولكن هي موجودة في كتب العراقيين، والحجازيين،
والشاميين، وغيرهم، فإن عاودتها من مظانها وجدتها كما وصف لك" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: شرح مختصر الروضة (2/ 21).
(2) وهم: عبدالله بن عامر اليحصبي (ت: 118 هـ)، وعبدالله بن كثير الداري (ت: 120 هـ)، وعاصم بن أبي النجود البصري (ت: 127 هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (ت: 154 هـ)، وحمزة بن حبيب الزيات (ت: 158 هـ)، ونافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم (ت: 169 هـ)، وعلي بن حمزة الكسائي النحوي (ت: 189 هـ). يُنظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 327)؛ الإتقان في علوم القرآن (2/ 478 - 479)؛ مباحث في علوم القرآن (ص: 182 - 184).
(3) يُنظر: شرح مختصر الروضة (2/ 22 - 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
• المثال الثاني:
قال المرداوي: "القراءات السبع متواترة عند العلماء إذا تواترت عن قارئها. واحترزنا بذلك عما يحكى عن بعضهم آحادًا؛ فإن ذلك من الشاذ الآتي بيانه.
فالقراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة من علماء السنة" (1).
ثم ذكر استدراكًا لإطلاق القول بأنها متواترة، فذكر قول ابن الحاجب وأبي شامة (2) من علماء القراءات وفصل القول في المسألة، وهذا كله من علم القراءت، فقال: "قال ابن الحاجب ومن تبعه: (لا من قبيل صفة الأداء) (3)، وقال أبو شامة وغيره: (ولا صفة الألفاظ المختلف فيها بين القراء) (4)، وهو ظاهر كلام أحمد وجمع.
وهذا بيان وتقييد لما أطلقه الجمهور من تواتر القراءات السبع؛ فإنه ليس على إطلاقه؛ بل يستثنى منه ما قاله ابن الحاجب وغيره، وهو ما كان من قبيل صفة الأداء؛ كالمد (5)، والإمالة (6)، وتخفيف الهمزة (7)، ونحوه.--------------------------------------------
(1) يُنظر: التحبير شرح التحرير (3/ 1359).
(2) هو: أبو القاسم، عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ النحوي الأصولي، ولي مشيخة الإقراء بالتربية الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان متواضعًا، من مصنفاته: "شرح الشاطبية" و"اختصر تاريخ دمشق" مرتين، و"المحقق في علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول"، (ت: 665 هـ) في رمضان.
تُنظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار (2/ 673)؛ فوات الوفيات (1/ 617)؛ طبقات الحفاظ (1/ 510).
(3) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (1/ 379).
(4) لم أقف على قوله في كتابه إبراز المعاني من حرز الأماني.
(5) المد: عبارة عن زيادة مَطٍّ في حرف المد على المد الطبيعي، وهو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه. يُنظر: النشر في القراءات العشر (1/ 313)؛ الإتقان في علوم القرآن (2/ 616).
(6) سيذكر تعريفها المرداوي.
(7) تخفيف الهمز: أي تسهيل الهمز بينها وبين الحرف الذي من حركتها؛ وذلك لأن الهمز أثقل الحروف نطقًا، وأبعدها مخرجًا، فتنوع العرب في تخفيفها؛ ومن ذلك: إن كانت مضمومة سهلت بين الهمزة والواو، وإن كانت مفتوحة فبين الهمزة والألف، وأما إن كانت مكسورة فبين الهمزة والياء، وهذا يسمى إشمامًا. يُنظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 320)؛ الإتقان في علوم القرآن (2/ 627).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
ومراده بالتمثيل بالمد، والإمالة: مقادير المد، وكيفية الإمالة؛ لا أصل المد والإمالة؛ فإن ذلك متواتر قطعًا. فالمقادير كمد حمزة (1) وورش (2)
فإنه قدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، ورجحوه، ومد عاصم قدر ثلاث ألفات، والكسائي (3) قدر ألفين ونصف، وقالون (4) قدر ألفين، والسوسي (5) قدر ألف ونصف، ونحو ذلك.--------------------------------------------
(1) هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات، وقيل له: الزيات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، وهو أحد القراء السبعة، كان إمامًا حجة قيمًا بكتاب الله تعالى، حافظًا للحديث، بصيرًا بالفرائض والعربية، عابدًا، (ت: 156 هـ).
تُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (3/ 262)؛ سير أعلام النبلاء (7/ 90)؛ معرفة القراء الكبار (1/ 111).
(2) هو: أبو سعيد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن عبدالله بن عمرو بن سليمان القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، وقيل: أصله من إفريقية، انتهت إليه رئاسة الإقراء في مصر في زمانه، و (ورش) لقب غلب عليه، لقبه به شيخه نافع لشدة بياضه، (ت: 197 هـ).
تُنظر ترجمته في: الثقات (8/ 452)؛ معرفة القراء الكبار (1/ 152)؛ الوافي بالوفيات (20/ 21).
(3) هو: أبو الحسن، علي بن حمزة الأسدي، مولاهم الكوفي، المقراء النحوي، أحد الأعلام، من مصنفاته: "كتاب القراءات"، و" كتاب العدد"، و "كتاب الهجاء"، (ت: 189 هـ) بالري مع محمد بن الحسن الشيباني في يوم واحد.
تُنظر ترجمته في: الثقات (8/ 458)؛ معجم الأدباء (4/ 87)؛ معرفة القراء الكبار (1/ 120).
(4) هو: أبو موسى، عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبدالصمد بن عمر بن عبدالله الزرقي، ويقال: المري مولى بني زهرة، الملقب بـ"قالون"، مقرئ المدينة ونحويها، يقال: إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيراً، وهو الذي سماه قالون؛ لجودة قراءته، فإن (قالون) باللغة الرومية: جيد، (ت: 220 هـ).
تُنظر ترجمته في: لسان الميزان (4/ 407)؛ غاية النهاية في طبقات القراء (1/ 542)؛ شذرات الذهب (2/ 48).
(5) هو: أبو شعيب، صالح بن زياد بن عبدالله بن إسماعيل بن إبراهيم بن الجارود بن مسرح الرستبي السوسي، -نسبة إلى السوس بلدة بخوزستان -، مقرئ أهل الرقة وعالمهم، وكان صاحب سُنة، (ت: 261 هـ).
تُنظر ترجمته في: الأنساب (3/ 335)؛ معرفة القراء الكبار (1/ 193)؛ شذرات الذهب (2/ 143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
وكذلك الإمالة تنقسم إلى محضة؛ وهي: أن يُنْحى بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وإلى بين بين، وهي كذلك، إلا أنها تكون إلى الألف والفتحة أقرب (1)، وهي المختارة عند الأئمة، أما أصل الإمالة فمتواتر قطعًا.
وكذلك التخفيف في الهمز، والتشديد فيه، منهم من يسهل، ومنهم من يبدله، ونحو ذلك، فهذه الكيفية هي التي ليست متواترة؛ ولهذا كره الإمام أحمد (2) وجماعة من السلف (3) قراءة حمزة؛ لما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك؛ لأن الأمة إذا اجتمعت على فعل شيء لم يكره فعله. وهل يظن عاقل أن الصفة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وتواترت إلينا يكرهها أحد من العلماء أو من المسلمين؟ ! فعلمنا بهذا أن هذه الصفات ليست متواترة، وهو واضح.
وكذلك قراءة الكسائي؛ لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام كما نقله السروجي (4) في الغاية (5)، فلو كان ذلك متواترًا لما كرهه--------------------------------------------
(1) يُنظر: النشر في القراءات العشر (2/ 30)؛ الإتقان في علوم القرآن (2/ 583).
(2) ذكر ابن قدامة: "ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: فإن لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن بكر بن عياش. وأثنى على قراءة أبي عمرو بن العلاء، ولم يكره قراءة أحد من العشر إلا قراءة حمزة والكسائي؛ لما فيها من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد … قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: إمام كان يصلي بقراءة حمزة أصلي خلفه؟ قال: لا يبلغ به هذا كله؛ ولكنها لا تعجبني قراءة حمزة". يُنظر: المغني (1/ 292). ويُنظر كذلك: الشرح الكبير (1/ 535)؛ الفروع (1/ 370).
(3) ذكر ابن الجزري عبدالله بن إدريس، وذكر أنه هو والإمام أحمد إنما كرها من سمعاه ناقلاً عن حمزة. يُنظر: غاية النهاية في طبقات القراء (1/ 238). وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (33/ 65) إنكار سفيان بن عُيينة ويزيد ين هارون لقراءة حمزة.
(4) هو: أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن عبدالغني السروجي الحنفي، شمس الدين، نسبة إلى "سروج" بنواحي حران من بلاد الجزيرة، كان حنبليًا في أول حياته، ثم صار حنفيًا ومن كبار المذهب عندهم، قاضي القضاة بمصر، وعزل قبل موته بأيام، من مصنفاته: "الغاية في شرح الهداية" ولم يكمله، و"تحفة الأصحاب ونزهة ذوي الألباب"، و"اعتراضات على الشيخ ابن تيمية في علم الكلام" وقد رد عليه ابن تيمية، (ت: 710 هـ)، ودفن بقرب الشافعي.
تُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (1/ 123)؛ الطبقات السنية (1/ 261)؛ الأعلام (1/ 86).
(5) الغاية في شرح الهداية، لأبي العباس أحمد السروجي، شرح فيه الهداية للمرغيناني في الفقه، وأطال فيه النفس ولم يكمله، تكلم فيه على الأحاديث وعللها. يُنظر: المراجع السابقة.
والكتاب مخطوط مصور على مايكروفيلم في جامعة الملك سعود برقم (1366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)