ابن الصلاح (1) في قوله بعد أن حكى ذلك: إن فيه نظرًا، أو إنه ينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ أن يكون مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ (2).
وجه التعقيب عليه: معارضته للإجماع، وأنه لا يجب على السامع أن يبين: هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا؟ " (3).
• المثال الثاني:
قال أمير حاج في مسألة (تقليد العوام لأعيان الصحابة): "تكملة: نقل الإمام في البرهان (4) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم، أي بل قال: عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ووضعوا ودونوا؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل، وبينوها وجمعوها؛ بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد، ولم يقرروا لأنفسهم أصولاً تفي بأحكام الحوادث كلها؛ وإلا فهم أعظم وأجل قدرًا، … وحاصل هذا: أنه امتنع تقليد غير هؤلاء الأئمة؛ لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت؛ لا لأنه--------------------------------------------
(1) هو: أبو عمرو، عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الكردي الموصلي الشهرزوري الشافعي، تقي الدين، كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وهو شيخ ابن خلكان المؤرخ المشهور. من مصنفاته: "المقدمة في علوم الحديث"، وشرح قطعة من "صحيح مسلم" اعتمدها النووي في شرحه وله "الفتاوى"، (ت: 643 هـ).
تُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (3/ 243)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 113)؛ طبقات الحفاظ (1/ 503).
(2) يُنظر: مقدمة ابن الصلاح (ص: 132).
(3) التحبير شرح التحرير (5/ 2031 - 2032)
(4) (2/ 1360 - 1363).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 660)
لا يقلد، ومن ثمة قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام (1): (لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقًا؛ وإلا فلا). وقال أيضًا: (إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام؛ لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله هذا) (2).
وقد تعقب بعضهم أصل الوجه لهذا: بأنه لا يلزم من سير هؤلاء كما ذكر وجوب تقليدهم؛ لأن من بعدهم جمع وسبر كذلك إن لم يكن أكثر ولا يلزم وجوب اتباعهم؛ بل الظاهر في تعليله في العوام أنهم لو كلفوا تقليد الصحابي لكان فيه من المشقة عليهم من تعطيل معايشهم، وغير ذلك ما لا يخفى .... " (3).
• المثال الثالث:
قال أمير بادشاه في مسألة (جواز تكليف المجتهد عقلاً بطلب المناط ليحكم في محاله): "ثم بعد جوازه - أي: تكليف المجتهد بطلب المناط- وقع التكليف به سمعًا.
قيل: ثبت وقوعه ظنًّا، وهذا القول لأبي الحسين (4)، … وقيل: وقع قطعًا، وهو قول الأكثر؛ لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]؛ فإن الاعتبار: رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وكذا سمى الأصل الذي ترد إليه النظائر عبرة،--------------------------------------------
(1) هو: أبو محمد، عبدالعزيز بن عبدالسلام بن القاسم بن الحسن بن مُهَذَّب السُّلمي الشافعي، لقب بـ (عز الدين) و (سلطان العلماء)، من أكبر تلاميذ السيف الآمدي، درس عليه الأصول، كان زاهدًا ورعًا قويًّا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، له مواقف معروفة في مواجهة التتار والفرنجة، من مصنفاته: "التفسير الكبير"، و"القواعد الكبرى"، و"الفتاوى الموصلية"، (ت: 660 هـ).
تُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (8/ 209)؛ البداية والنهاية (13/ 235)؛ طبقات ابن قاضي شهبة (2/ 109).
(2) يُنظر: كلام العز بن عبدالسلام في: فتاويه (ص: 40)؛ البحر المحيط (6/ 290).
(3) يُنظر: التقرير والتحبير (3/ 472).
(4) يُنظر: المعتمد (2/ 331 - 332).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 661)
وهذا يشمل الاتعاظ، والقياس العقلي والشرعي، وسياق الآية للاتعاظ، فتدل عليه عبارة، وعلى القياس إشارة … وأما ظهور كونه - أي: الاعتبار- في الاتعاظ بالنظر إلى خصوص السبب؛ لنزول الآية المشار إليها بقوله، ولبعد أن يراد بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا} بعد قوله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}، فقيسوا الذرة بالبر، كما هو لازم الاستدلال لعدم المناسبة، فلا يحمل كلامه تعالى عليه.
والجواب عنه ما أفاده بقوله: (فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب)، فانتفى الأول (وهو ظهور كونه للاتعاظ)، وبه (أي: بأن العبرة لعمومه) انتفى الثاني أيضًا؛ إذ المرتب على السبب المذكور الاعتبار الأعم منه (أي: من قياس الذرة على البر) أي: فاعتبروا الشيء بنظيره في مناطه، الظرف متعلق بنظيره؛ لما فيه من معنى الفعل في المثلات (أي: العقوبات - جمع مثلة بفتح الثاء وضمها متعلق بالاعتبار -) وغيرها.
وهذا الطريق في إثبات التكليف بالقياس أيسر من إثباته (أي: التكليف به دلالة) كما ذهب إليه صدر الشريعة (1)؛ لأن فهم الأمر بالقياس من الأمر بالاعتبار بطريق اللغة من غير اجتهاد؛ لئلا يلزم إثبات القياس بالقياس بعيد جدًّا؛ فإن من المعلوم أنه لا يفهم كل من يعرف اللغة ذلك كما أفاده بقوله: (إذ لا يُفْهم فَهْمَ اللغة) نصب على المصدرية؛ فإن المنفي إنما هو هذا النوع من الفهم لا مطلقه، (الأمر بالقياس) قائم مقام فاعل يفهم، (في الأحكام) متعلق بالقياس من الأمر بالاتعاظ.
والشارح تعقب المصنف (2)
في هذا فليرجع إليه.--------------------------------------------
(1) يُنظر: التوضيح (2/ 125 - 127).
(2) المراد بالشارح: أمير حاج، والمصنف: ابن الهمام. وعبارة أمير حاج: "وهذا الطريق في إثبات التكليف بالقياس بطريق القطع من الآية أيسر من إثباته -أي التكليف به- بطريق القطع منها دلالة، كما تنزل إليه صدر الشريعة وقال: وطريقها في هذه الصورة: أن الله ذكر هلاك قوم بناء على سبب؛ وهو اعتزازهم بالقوة والشوكة، ثم أمر بالاعتبار ليكف عن مثال ذلك السبب؛ لئلا يترتب عليه مثل ذلك الجزاء. فالحاصل: أن العلم بالعلة يوجب العلم بحكمها، فكذا في الأحكام الشرعية من غير تفاوت، وهذا المعنى يفهم من لفظ (الفاء) وهي للتعليل، فيكون مفهومًا بطريق اللغة من غير اجتهاد، فيكون دلالة نص لا قياسًا؛ حتى لا يكون إثبات القياس بالقياس؛ بل في التلويح. وفيه نظر؛ لأن الفاء؛ بل صريح الشرط والجزاء لا يقتضي العلة التامة حتى يلزم أن يكون علة وجوب الاتعاظ هذه القضية السابقة، غاية ما في الباب أن يكون لها دخل في ذلك، وهذا لا يدل على أن كل من علم وجود السبب يجب عليه الحكم بوجود المسبب؛ بل ما ذكره من التحقيق مما يشك فيه الأفراد من العلماء، فكيف يجعل من دلالة النص وقد سبق أنه يجب أن يكون مما يعرفه كل من يعرف اللغة؟ ! وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (إذ لا يفهم فهمَ اللغة الأمر بالقياس في الأحكام من الأمر بالاتعاظ). وقد أجيب: أولاً: بأن الفاء تدل على العلية في الجملة، وظاهر أن لا علة هنا لوجوب الاتعاظ سوى القضية السابقة فتكون كل العلة، وعلى تقدير التسليم لكونها لها دخل في العلة تثبت أيضًا أن لها دلالة على العلية في الجملة .. وثانيًا: بأن التحقيق الذي ذكره صدر الشريعة مما لا ينبغي أن يشك فيه عارف باللغة، فلو شك فيه واحد من أفراد العلماء فقد يكون لعدم علمه باللغة أو ممن يظهر الشك عنادًا، هذا والشرط في دلالة النص أن يكون المعنى الذي هو مناط الحكم ثابتًا في المنصوص عليه لغة بحيث يعرفه أهل اللسان، وأما في غيره فلا يشترط أن يكون مناط الحكم مما يعرفه أهل اللسان". التقرير والتحبير (3/ 325 - 326).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 662)
وظني أن ما ذكره (1) غير متجه" (2).
• ثالثًا: صيغة (تتبع):
• المثال الأول:
قال الجويني في مسألة (حجية القياس): "إذا قلنا: إن سبيل الأقيسة السمعية سبيل الأمارات التي تنصب؛ فلسنا نقول ذلك من تلقاء أنفسنا؛ ولكن كل صورة دلت الدلالة القطعية على نصب وصف من الأوصاف فيها علماً على حكم، فنقدره علماً، وكل صورة قامت فيها دلالة قطعية سمعية على منع العلل وامتناع نصب الأمارات؛ فلا نقدرها، ولا نتمسك بها.--------------------------------------------
(1) أي ما ذكره الشارح أمير حاج من استدراك على ابن الهمام غير متجه، فأمير بادشاه يستدرك أيضًا على أمير حاج.
(2) يُنظر: تيسير التحرير (4/ 108 - 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 663)
والجملة في ذلك الأقيسة السمعية لا تدل لأعيانها عقلاً؛ وإنما تدل بأن تنصب أدلة مواضعة وتوقيفاً.
فإن عادوا (1) بعد ذلك وقالوا: فما الدليل على انتصابها أمارات حيث تطردونها.
قلنا: سنذكر ذلك بعد فراغنا عن تتبع شبهكم بما ينقضها ويبطلها - إن شاء الله تعالى-" (2).
• المثال الثاني:
قال الجويني: "ذهب النهرواني والقاشاني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان:
أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به، ولهذا صيغ؛ منها …
والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه، …
وما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء ....
ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه، وأبدوا لهم صفحة الخلاف، وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به … " (3).
• المثال الثالث:
قال السمعاني في مسألة (إثبات الكفارات والحدود بالقياس): "ومنع أبو الحسن الكرخى (4) أيضًا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة؛ كأجرة الحمام، وقطعة الشارب، والاستصناع فيما جرت به العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك.--------------------------------------------
(1) أي المنكرون لحجية القياس.
(2) يُنظر: التلخيص (3/ 168).
(3) يُنظر: البرهان (2/ 774 - 777).
(4) يُنظر: الفصول في الأصول (4/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 664)
وقد تتبع الشافعى -رحمة الله عليه- مذاهبهم، وأبان أنهم لم يفوا بشيء مما ذكروه، ونورد كلام الشافعي رضي الله عنه على وجهه … " (1).
• رابعًا: صيغة (لكن):
(لكن) حرف استدراك (2)، وكثيرًا ما يؤتى بهذه الصيغة بعد لفظ (سلمنا) في مناقشة الخصوم: (سلمنا … ولكن … ). وأضرب لذلك مثلاً، ثم أذكر أمثلة لاستعمال هذه الصيغة بغير هذا الأسلوب (3).
• مثال لصيغة (لكن) بعد لفظ (سلمنا):
قال الرازي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): "الحقُّ: أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، وهو قول الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه؛ صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله.
خلافًا لِعِيسَى بنِ أَبَانَ (4) … واحتج المخالف: بأن مخالفة الراوي إن كانت لا عن طريق؛ كان ذلك قادحًا في عدالته، فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر.
وإن كانت عن طريق فذلك الطريق إما محتمل، أو قاطع، ولو كان الدليل محتملاً--------------------------------------------
(1) يُنظر: القواطع (4/ 89 - 90).
(2) يُنظر: مغني اللبيب (1/ 383)؛ الجنى الداني (ص: 105)؛ ويُنظر في كتب الأصول: القواطع (1/ 59)؛ أصول السرخسي (1/ 211)؛ شرح الكوكب المنير (1/ 266).
(3) هذا الأسلوب يكثر في كتب الجمهور؛ وخاصة المحصول للرازي، والإحكام للآمدي.
(4) هو: أبو موسى، عيسى بن أبان بن صدقة، تفقه على محمد بن الحسن ولزمه ستة أشهر، وصف بالذكاء، والسخاء، وسعة العلم، ولي قضاء البصرة حتى مات، من تصانيفه: "إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأي"، و"الجامع"، (ت: 221 هـ) بالبصرة.
تُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (2/ 170 - 172)؛ أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: 147 - 153)؛ الجواهر المضيئة (2/ 678). ويُنظر قول عيسى بن أبان في: أصول السرخسي (2/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 665)
لذكره؛ إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولما بطل ذلك تعين القطع.
والجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره، فلعله لم تتفق تلك المناظرة.
سلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل لكنه لم يشتهر، والله أعلم" (1).
أمثلة لصيغة (لكن):
• المثال الأول:
قال السمعاني في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) في رده على الواقفية: "وأما الذي قالوا: إنَّ هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة، ويقع البيان بهما عند إرادة أحد وجوههما.
قلنا: نحن لا ننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة؛ ولكن ليس هذا من جملتها؛ لأنه لو كان يقول القائل لغيره: (افعل) حقيقة في أن يفعل، وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل، أو غير ذلك مما ذكروه؛ لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولو كان كذلك لما سبق إلى أفهامنا عند سماعها من دون قرينة أنَّ المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه. كما أنَّه لما كان اسم اللون مشتركًا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض.
ومعلوم أنّا إذا سمعنا قائلاً يقول لغيره: (افعل)، وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة؛ فإنَّ الأسبق إلى أفهامنا أنه طلب للفعل. كما أنّا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارًا؛ فإن الأسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الأبله الذي يُشبَّه بها.
وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أنَّ الاسم مشترك، وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا--------------------------------------------
(1) يُنظر: المحصول (3/ 126 - 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 666)
ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل" (1).
• المثال الثاني:
قال الغزالي في (ما يعلم كذبه من الأخبار): "القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه، وهي أربعة … الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره؛ لتوفر الدواعي على نقله .... وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى، وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه.
فإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه؛ كإفراده صلى الله عليه وسلم الحج أو قرانه (2) … ونقلت الأمة سور القرآن، ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما؛ حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن (3)، وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضًا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة.--------------------------------------------
(1) يُنظر: قواطع الأدلة (1/ 88).
(2) اختلف العلماء في نسكه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع هل كان قارنًا أو مفردًا، فقال الحنفية والحنابلة: إنه كان قارنًا، وقال المالكية والشافعية: كان مفردًا. يُنظر: الحاوي (4/ 45)؛ المبسوط للسرخسي (4/ 26)؛ البيان والتحصيل (4/ 76)؛ شرح الزركشي على الخرقي (1/ 553). ويُنظر المسألة في نيل الأوطار (5/ 39)؛ حيث فصل فيها، وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.
(3) يُنظر: تفسير القرطبي (20/ 251)، نقل هذا الرأي عن ابن مسعود، وتوجيه العلماء له. وعقد الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن باب في " الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبدالله بن مسعود لكونهما قرآنًا منزلاً، وتأويل ما روي في إسقاطها من مُصحفه وحكِّه إياهما، وتركه إثبات فاتحة الكتاب في إمامه، ما يتصل بهذه الفصول". يُنظر: الانتصار للقرآن (1/ 300 - 330).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 667)
والجواب: … وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعًا من القرآن كسائر السور، وابن مسعود رضي الله عنه لم ينكر كونهما من القرآن؛ لكن أنكر إثباتهما في المصحف" (1).
• المثال الثالث:
قال الطوفي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ): "قوله (2): (والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربًا ولا نية لكافر).
هذا تقرير لضعف مذهب القائلين: بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية كترك المحظورات، دون مأموراته كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإيجادها، وما يترتب عليها من مصلحة عاجلة؛ كإغناء الفقراء بالزكاة ونحوه. والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا يصح إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي ونحو ذلك، وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، والمؤمن والكافر فيه سيان.
وتقرير الجواب: أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق والإيمان، قلنا: نعم، وكذلك نقول؛ لكن ليس كلامنا في الصحة؛ إنما هو في التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك وفوائده" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: المستصفى (2/ 167 - 173).
(2) أي مختصر الروضة (البلبل) - مطبوع مع شرح مختصر الروضة - (1/ 210).
(3) يُنظر: مختصر الروضة (1/ 214 - 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 668)
• المجموعة الثانية: صيغ العنونة والتصدير؛ وفيها ست صيغ.
هذه المجموعة لا تكون للاستدراك على الإطلاق؛ بل إذا كان يقصد بها التنبيه على أمر سابق يشعر بالمخالفة.
• أولاً: التصدير بـ (اعلم (1)):
• المثال الأول:
قال السمعاني في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى العالم؟ ): واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأن هذا فى غير الأنبياء لم يوجد، ولا يوجد توهمه في المستقبل، فأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فقد وجد فقلنا على ما وجد، وهذا القدر كاف في هذه المسألة، والله أعلم" (2).
• المثال الثاني:
قال الغزالي في مسألة (خلاف التابعي في زمان الصحابة هل يعتد به في انعقاد الإجماع؟ ): "واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان؛ فلا يختص كلامه بالتابعي" (3).--------------------------------------------
(1) مما يدل على أن هذه الصيغة من صيغ الاستدراك: ما قاله الصدر المحبوبي: "واعلم أن تقرير فخر الإسلام _رحمه الله تعالى_ على هذا الوجه … " فقال التفتازاني في شرحه: "قوله: (واعلم أن) الاستدراك المذكور إنما هو على ما أورده المصنف - رحمه الله تعالى - من تقرير فخر الإسلام - رحمه الله تعالى -؛ لا على عبارته في كتابه المشهور … ". فشرح الصيغة بأنها استدراك. يُنظر: التوضيح والتلويح (1/ 214 - 215). فأكد التفتازاني أن صيغة " أعلم " هنا للاستدراك.
(2) القواطع (5/ 96).
(3) المستصفى (2/ 340).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 669)
• المثال الثالث:
قال الطوفي في مسألة (المُعرَّب (1) في القرآن): "واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم؛ فهي - كما ذكرناه في مبدأ اللغات -، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات" (2).
• ثانيًا: العنونة بـ (التنبيه) (3):
وقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (4)
• ثالثًا: العنونة بـ (تتمة):
قال الزركشي بعد أن ذكر مسألة (الشروع بخصلة هل يعيّنها؟ ): "تتِمَّة: وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التَّخيِير، وقد يكون على التَّرتِيب … " (5).
• رابعًا: العنونة بـ (تذنيب (6)):
• المثال الأول:
قال التاج الأرموي في (ترجيح الأخبار): "القول في الترجيح بالحكم هو من خمسة أوجه:--------------------------------------------
(1) هو: ما أصله أعجمي ثم عُرِّب، أي: استعملته العرب على نحو استعمالها لكلامها، فقيل: مُعَرَّبٌ توسطًا بين العجمي والعربي. شرح مختصر الروضة (2/ 32).
(2) يُنظر: المرجع السابق (2/ 40).
(3) وأكثر من يعنون بالتنبيه من الأصوليين: القرافي في " نفائس الأصول"، والزركشي في " البحر المحيط".
(4) يُنظر: (ص: 214 - 216).
(5) يُنظر: البحر المحيط (1/ 203).
(6) سيأتي المراد بالتذنيب في كلام السبكي الكبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 670)
المبقي لحكم الأصل (1)، متأخر الورود عن الناقل له (2)، خلافًا للجمهور (3) ".
ذكر بعد هذا الوجه تذنيبًا فقال: "تذنيب: العاملون بالنقل (4) لا يجعلون ذلك من باب الترجيح، قالوا: لأن الناقل (5) ناسخ، وأعمال الناسخ لا يكون ترجيحًا له على المنسوخ.
جوابه: ليس بيقين تأخر النقل عن المقرر ليكون ناسخًا؛ بل ذلك عندهم هو الأولى، وذلك ترجيح" (6).
• المثال الثاني:
قال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (الواجب المعين والمخير): "تذنيب: الحكم قد يتعين على الترتيب فيحرم الجمع؛ كأكل المُذكَّى والميتة، أو يباح كالوضوء والتيمم، أو يسن ككفارة الصوم" (7).
قال السبكي الكبير: "التذنيب: من قولهم ذنَّب الرَّجلُ عمامتَه إذا أفضل منها--------------------------------------------
(1) أي: الخبر المقرر لمقتضى البراءة الأصلية. يُنظر: نهاية السول (2/ 1000). وهذا الخبر رجحه التاج الأرموي على الخبر الناقل في حالة وجود تعارض بينهما، وهو ما اختاره الرازي. يُنظر: المحصول (5/ 433).
(2) أي: الخبر الناقل للبراءة الأصلية، وهذا الخبر رجحه الجمهور على الخبر المبقي لحكم الأصل في حالة وجود التعارض. يُنظر: المرجع السابق.
(3) يُنظر: روضة الناظر (2/ 396)؛ شرح تنقيح الأصول للقرافي (ص: 424 - 425)؛ نهاية الوصول (8/ 3718).
(4) وهم الجمهور.
(5) أي الخبر الناقل لحكم البراءة الأصلية.
(6) يُنظر: الحاصل (3/ 251 - 252).
(7) منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (2/ 252). وهذه الأمثلة التي ذكرها فيها نظر. يُنظر: نهاية السول (1/ 91)؛ البحر المحيط (2/ 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 671)
شيئًا فأرخاه كالذَّنَبِ، وذنَّبَت البُسْرة (1): بدأ فيها الإرطاب (2) مِن قِبَل ذَنَبِها (3).
فالتذنيب هنا معناه: تتمة للمسألة وليس فرعًا منها؛ لأنها في المخيَّر، وهو في المرتَّب؛ ولكن التخيير والترتيب اشتركا في أنَّ كلاًّ منهما حُكمٌ يتعلق بأمور؛ فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المُذكَّى، ويحرم الجمع بينهما؛ لعدم الاضطرار المبيح للميتة، ووجوب التيمم وإباحته مرتب على الوضوء؛ لاختصاصه بحالة العجز" (4).
• المثال الثالث:
قال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (عود ضمير خاص لا يخصص) وهي آخر مسألة في باب العموم والخصوص: "تذنيب: المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حُمل المطلق عليه، عملاً بالدليلين؛ وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيد؛ وإلا فلا" (5).
قال الإسنوي: "لما كان المطلق عامًّا بدلياً، والمقيد أخص منه؛ كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص؛ فلذلك ذكره في بابه، وترجم له بالتذنيب" (6).
• خامسًا: العنونة بالتكميل وتكملة:
• المثال الأول:
قال ابن جُزي بعد أن ذكر تنقيح المناط: "تكميل: يقول الفقهاء: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.--------------------------------------------
(1) البسر: البلح إذا أخذ في الطول والتلون (أي الحمرة أو الصفرة). يُنظر: المصباح المنير (1/ 60) مادة: (بلح).
(2) ذكر هذا المعنى الفيومي، فليُنظر: المصباح المنير (1/ 210) مادة (ذنب).
(3) أي: مُؤخَّرِها.
(4) الإبهاج (2/ 253).
(5) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول- (1/ 549 - 550).
(6) نهاية السول (1/ 550).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 672)
فأما تنقيح المناط فقد بيناه، والمناط: هو العلة.
وأما تخريج المناط: فهو تعيين العلة من أوصاف غير مذكورة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الْبُرّ بالْبُرِّ مِثْلًا … » (1)، فننظر هل العلة في ذلك الطعمية (2)، أو الاقتيات (3)، أو الكيل، أو الوزن (4)، أو غير ذلك.
وأما تحقيق المناط: فهو أن يتفق على تعيين العلة ويطلب أن تثبت في محل النزاع" (5).
• المثال الثاني:
قال الطوفي بعد مسألة (النهي هل يقتضي الفساد؟ ): "تكملة لمسألة النهي:
قال الآمدي: مذهب أكثر الفقهاء من الشافعية (6) والحنفية (7) والمالكية (8) والحنابلة (9) وأهل الظاهر (10) وجماعة من المتكلمين: أن النهي عن عين--------------------------------------------
(1) جزء من حديث عبادة بن الصامت، يُنظر: صحيح مسلم، ك: المساقاة، ب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (3/ 1210 - 1211/ح: 1587).
(2) التعليل بالطعم مع اتحاد الجنس مذهب الشافعية. يُنظر: الحاوي (5/ 83).
(3) التعليل بالاقتيات والادخار مذهب المالكية. يُنظر: مواهب الجليل (4/ 346).
(4) التعليل بالكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس مذهب الحنفية والحنابلة. يُنظر: بدائع الصنائع (5/ 185)؛ الكافي (2/ 53).
(5) تقريب الوصول (ص: 370 - 372)، ويُنظر كذلك (ص: 127).
(6) وقد نص عليه الشافعي في الرسالة عند حديثه عن الأنكحة المنهي عنها فقال: "فأما إذ عقد بهذه الأشياء كان النكاح مفسوخًا بنهي الله في كتابه وعلى لسان نبيه". يُنظر: الرسالة (ص: 373). ويُنظر: شرح اللمع (1/ 297)؛ المستصفى (3/ 199).
(7) هذه النسبة للحنفية فيها نظر، فقد نقل عنهم أقوال وتفاصيل. يُنظر: الفصول في الأصول (2/ 171)؛ تقويم الأدلة (ص: 54)؛ أصول السرخسي (1/ 97)؛ المغني للخبازي (ص: 73)؛ فواتح الرحموت (1/ 438).
(8) يُنظر: إحكام الفصول (1/ 234)؛ محصول ابن العربي (ص: 71)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: 173)؛ مفتاح الوصول (ص: 418).
(9) يُنظر: العدة (2/ 432)؛ التمهيد لأبي الخطاب (1/ 369)؛ روضة الناظر (1/ 605)؛ شرح الكوكب المنير (3/ 84).
(10) يُنظر: الإحكام لابن حزم (3/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 673)
التصرف المفيد لحكمه يدل على فساده؛ لكن من جهة اللغة أو الشرع اختلفوا فيه. ومذهب القفال والغزالي (1) وأبي عبدالله (2) وأبي الحسين البصريين وأبي الحسن الكرخي والقاضي عبدالجبار (3): أنه لا يدل على فساده.
قال (4): والمختار أنه لا يدل على فساده من جهة اللغة؛ بل من جهة المعنى" (5).
• المثال الثالث:
قال ابن الهمام بعد مسألة (لا يرجع المقلد فيما قلد فيه): "تكملة: نقل الإمام (6) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم الذين سبروا ووضعوا ودونوا، وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين (7) منع تقليد غير الأربعة (8)؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في--------------------------------------------
(1) يُنظر: المنخول (ص: 126)؛ المستصفى (3/ 199) ..
(2) هو: أبو عبدالله، الحسين بن علي بن إبراهيم، الملقب بـ (الجعل)، كان حنفيًا في الفروع، معتزليًا في الأصول، وإليه انتهت رئاسة أصحابه في عصره، وتتلمذ على الكرخي وأبي هاشم الجبائي، ومن تلاميذه: القاضي عبدالجبار الهمداني، من مصنفاته: "الإيمان"، و"شرح مختصر الكرخي"، و"شرح الأصول الخمسة"، (ت: 369 هـ).
تُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (8/ 73)؛ شذرات الذهب (3/ 68)؛ طبقات المعتزلة (ص: 105).
(3) يُنظر قول الكرخي وأبي عبدالله وأبي الحسين البصريين والقاضي عبدالجبار في: المعتمد (1/ 171).
(4) أي: الآمدي. يُنظر: الإحكام له (2/ 231).
(5) يُنظر: شرح مختصر الروضة (2/ 441 - 442).
(6) المراد به: الجويني في البرهان. يُنظر: التقرير والتحبير (3/ 472)؛ تيسير التحرير (4/ 255). ويُنظر: البرهان (2/ 1360 - 1363).
(7) المراد به: ابن الصلاح. يُنظر: التقرير والتحبير (2/ 472)؛ تيسير التحرير (4/ 256). ويُنظر: أدب المفتي والمستفتي (1/ 162 - 163).
(8) الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. يُنظر: المراجع السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 674)
غيرهم الآن لانقراض أتباعهم (1)، وهو صحيح" (2).
• سادسًا: العنونة بـ (فائدة) (3):
وقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (4)
• المجموعة الثالثة: صيغ أسباب الاستدراك، وفيها أربع صيغ.
• أولاً: التعبير بـ (النسيان والسهو والذهول والهفوة):
وقد سبق ذكر أمثلة للنسيان والسهو فلا داعي للتكرار (5)، ونذكر أمثلة للتعبير بالذهول والهفوة.
• أمثلة التعبير بـ (الذهول):
• المثال الأول:
قال الجويني في مسألة (التقليد في الفروع) بعد أن ذكر أقوال الأصوليين في المسألة: "ونحن نقدم على الخوض في الحجاج فصلاً ذهل عنه معظم المتكلمين في هذا الباب فنقول: لو رددنا إلى جائزات العقول؛ لكان أخذ العالم بقول عالم آخر من الجائزات -لو قامت به حجة سمعية-؛ وليس من المستحيلات، فكان يجوز أن يقول الرب تعالى: لكل عالم أن يأخذ بقول عالم مثله ويترك الاجتهاد. ثم لو ثبت ذلك لم يكن ذلك تقليدًا؛ بل يصير قول العالم المفتي علماً وأمارة في حق العالم المستفتى، ويكون متمسكاً بما نصبه الله تعالى حجة له.--------------------------------------------
(1) وبانقراض الأتباع تعذر ثبوت نقل حقيقة مذاهبهم. يُنظر: تيسير التحرير (4/ 256).
(2) التحرير (ص: 552).
(3) وأكثر من يعنون بفائدة من الأصوليين: القرافي في " نفائس الأصول " والزركشي في " البحر المحيط".
(4) يُنظر: (ص: 212 - 214).
(5) يُنظر: (ص: 152 - 161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 675)
ومعظم من خاض في هذا الفن بنى الأدلة بناء يدل على منع التقليد عقلاً" (1).
• المثال الثاني:
استدرك التفتازاني على صدر الشريعة المحبوبي قوله في بيان (الشرعية):
" (فيدخل في حد الفقه حُسن كل فعل وقبحه عند نفاة كونهما عقليين): "اعلم أن عندنا وعند جمهور المعتزلة: حُسْنُ بعض الأفعال وقبحها يدركان عقلاً، وبعضها لا؛ بل يتوقف على خطاب الشارع. فالأول لا يكون من الفقه؛ بل هو علم الأخلاق، والثاني هو الفقه" (2).
فقال التفتازاني: "قوله: (فيدخل) يريد أن تعريف الفقه على رأي الأشاعرة شامل للعلم عن دليل بحسن الجود والتواضع (أي وجوبهما أو ندبهما)، وقبح البخل والتكبر (أي حرمتهما أو كراهتهما)، وما أشبه ذلك؛ لأنها أحكام لا تدرك لولا خطاب الشرع على رأيهم، مع أن العلم بها من علم الأخلاق؛ لا من علم الفقه. وأقول: إنما يلزم ذلك لو كانت هذه الأحكام عملية بالمعنى المذكور وهو ممنوع، كيف والأمور المذكورة أخلاق ملكات نفسانية جعل المصنف العلم بحسنها وقبحها من علم الأخلاق، وقد صرح فيما سبق بأنه يزاد عملاً على معرفة النفس ما لها وما عليها ليخرج علم الأخلاق، وبأن معرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات- أي الأخلاق الباطنية والملكات النفسانية - علم الأخلاق، ومن العمليات علم الفقه، فكأنه نسي ما ذكره ثمة أو ذهل عن قيد العملية هاهنا" (3).
• بيان الاستدراك:
استدرك التفتازاني على المحبوبي قوله: إن تعريف الفقه على مذهب--------------------------------------------
(1) يُنظر: التلخيص (3/ 435 - 436).
(2) التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (1/ 43).
(3) التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (1/ 43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 676)
الأشاعرة القائلين بأن العقل لا مدخل له في الأحكام يستلزم منه دخول علم الأخلاق في حد الفقه، لأنها أحكام لا تدرك بالعقل عندهم؛ بل بخطاب الشرع.
فاستدرك عليه التفتازاني: بأن هذا اللازم إنما يصح لو كان علم الأخلاق من الأحكام العملية، وليس كذلك. كما استدرك على المحبوبي نسيانه ما ذكره سابقًا في تعريف الفقه: معرفة النفس ما لها وما عليها (1). بزيادة قيد: ويزداد عملاً؛ ليخرج علم الأخلاق؛ حيث قال: "ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقادات؛ كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات (أي: الأخلاق الباطنة، والملكات النفسانية)، والعمليات؛ كالصلاة والصوم والبيع ونحوها، فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة مالها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوف؛ كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك، ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أردت بالفقه هذا المصطلح زدت: (عملاٌ) على قوله: (مالها وما عليها)، وإن أردت ما يشمل الأقسام الثلاثة لم تزد" (2).
فالتفتازاني يقرر نسيان المحبوبي إما لقيد: "عملاً" في تعريف الفقه سابقًا، أو قيد "العملية" في هذه الأحكام - الجود والتواضع والبخل والتكبر -.
• المثال الثالث:
قال أمير حاج في مسألة (البيان يكون بالفعل كالقول): "فلو تعاقبا -أي القول والفعل الصالح كل منهما أن يكون بيانًا- وعلم المتقدم؛ فهو -أي المتقدم- البيان قولاً كان أو فعلاً؛ لحصوله به، والثاني تأكيد؛ وإلا إذا لم يعلم المتقدم فأحدهما من غير تعيين هو البيان .... فإن تعارضا، قالوا: كما لو طاف بعد آية الحج طوافين، وأمر بطواف واحد، وقد ورد كلاهما، فعن علي رضي الله عنه: «أَنَّه جَمَعَ بينَ الْحجِّ والْعُمْرَةِ؛ فَطَافَ طوَافَيْنِ،--------------------------------------------
(1) وهو تعريف أبي حنيفة رحمه الله. يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (1/ 31)؛ كشف الأسرار للبخاري (1/ 25).
(2) التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (1/ 34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 677)
وسَعَى سعْيَيْنِ»، وحدَّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، رواه النسائي (1) بإسناد رواته موثقون. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أَحرَمَ بالْحَجِّ وَالْعمْرَةِ أَجزَأَهُ طوَافٌ وَاحدٌ وَسَعيٌ وَاحدٌ عنهما حتى يَحلَّ مِنْهمَا جميعًا» رواه الترمذي، وقال: "حسن صحيح غريب (2) ".
فالمختار وفاقا للإمام الرازي (3) وأتباعه (4) وابن الحاجب (5): أن البيان هو--------------------------------------------
(1) لم أقف عليه عند النسائي؛ وإنما عند الدراقطني برواية علي رضي الله عنه من عدة طرق، حكم على رواته، بالضعف والوهم والترك. يُنظر: سنن الدارقطني (2/ 236).
وأخرجه كذلك الدارقطني برواية عن ابن عمر من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عمر، (2/ 258/ح: 99)، وقال: "لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث".
ومن رواية عبدالله بن مسعود من طريق أبي برة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود، وقال الدراقطني: "أبو بردة هذا هو عمرو بن يزيد ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء". يُنظر: سنن الدارقطني (2/ 264/ح: 132).
ورواية عن عمران بن حصين من طريق محمد بن يحيى الأزدي عن عبدالله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن الحصين، وقال الدارقطني: "يقال: إن محمد بن يحيى الأزدي حدث بهذا من حفظه فوهم". يُنظر: سنن الدارقطني (2/ 264/ح: 133). ويُنظر: نصب الراية (3/ 109).
والنسائي هو: أبو عبدالرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني، الحافظ، القاضي، كان كثير التهجد والعبادة، يصوم يومًا ويفطر يومًا، من مصنفاته: " السنن"، " الخصائص " في فضل علي رضي الله عنه، " فضائل الصحابة"، (ت: 303 هـ).
تُنظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (2/ 698)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/ 14)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 88).
(2) يُنظر: سنن الترمذي، ك: الحج، ب: ما جاء أن الْقارِنَ يطُوفُ طوافًا واحدًا، (3/ 284/ح: 948).
وأصله في مسلم، ك: الحج، ب: بيان جواز التّحلُّل بالإحصار وجواز القِرَانِ، (2/ 409/ح: 1230).
(3) يُنظر: المحصول (3/ 183).
(4) يُنظر: الحاصل (2/ 399)؛ التحصيل (1/ 419).
(5) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (2/ 887 - 888).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 678)
القول؛ لأنه يدل بنفسه والفعل لا يدل إلا بأحد أمور ثلاثة: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل، أو بالدليل العقلي؛ وهو: أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلاً صالحًا أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، وما هو مستقل بنفسه في الدلالة أولى مما يحتاج فيها إلى غيره .... وقول أبي الحسين: البيان هو المتقدم منهما قولاً كان أو فعلاً (1) يستلزم لزوم النسخ للقول بلا ملزم لو كان المتقدم الفعل، فإن كان الفعل إذا كان طوافين فقد وجبا علينا، فإذا أمر بطواف واحد؛ فقد نسخ أحد الطوافين عنا، وهو باطل، وإنما استلزم النسخ بلا ملزم لإمكان الجمع بأن يكون القول هو البيان، بخلاف ما إذا كان المتقدم القول فإن حكم الفعل كما سبق (2).
قلت: وقد ذهل الإسنوي (3) فجعل هذا بعينه تفريعًا على قول الإمام وموافقيه فتنبه له" (4).
• بيان الاستدراك:
ذكر أمير حاج في هذه المسألة البيان بالفعل فقال: لو ورد بعد المجمل القول والفعل، وكان كلاهما صالحًا أن يكون بيانًا لذلك المجمل؛ فأيهما يرجح فيقدم؟
اجتماع الفعل مع القول في بيان المجمل له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونعلم السابق منهما، ففي هذه الحالة المُبَيِّن هو السابق منهما؛ سواء كان القول أو الفعل؛ وذلك لأن البيان حصل به، ويكون الثاني منهما تأكيدًا للأول.
الحالة الثانية: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونجهل السابق منهما، ففي هذه--------------------------------------------
(1) يُنظر: المعتمد (1/ 313).
(2) أي يكون الفعل الثاني: تأكيدًا له، فيُستحب الطواف الثاني.
(3) يُنظر: نهاية السول (1/ 568).
(4) يُنظر: التقرير والتحبير (3/ 50 - 52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 679)