• المثال الثالث:
ذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) استدراكًا من الفريق القائل بأنه يقتضي التكرار: "فإن قيل: فَلِمَ حصل الاستفسار عنه؟
قلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلمَ حسن الاستفسار؟ " (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن قدامة على الخصم بقادح القلب؛ حيث قلب عليه استدراكه.
فإن قال الخصم القائل بأن الأمر يفيد التكرار: إنه يحسن الاستفسار في الأمر؛ فيقال: أردت الأمر مرة واحدة أو دائماً؟ ولو كان الأمر يفيد المرة لما حَسُن الاستفسار عن المراد.
فأجيب عن هذا الاستدراك بقلبه على الخصم فيقال: لو كان يُفيد التكرار لما حَسُن الاستفسار عن المراد.
• ثامنًا: الاستدراك بقادح (المعارَضة):
قادح المعارضة: على ضربين:
الأول: معارضة في الأصل: أن يذكر المعترض في الأصل الذي قاس عليه المستدل مُقتضيًا آخر للحكم غير ما ذكره المستدل.
مثال لمعارضة الأصل: أن يقول المستدل في القتل بالمثقَّل: قتلٌ عمدٌ عدوان؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على القتل بالمحدَّد.
فيعترض عليه المعترض: بأن العلة في الأصل كون القتل عمدًا عدوانًا جارحًا. (2)--------------------------------------------
(1) يُنظر: روضة الناظر (2/ 567).
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (4/ 113)؛ مختصر ابن الحاجب (2/ 1151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)
الثاني: معارضة في الفرع: أن يذكر المعترض في الفرع ما يقتضي نقيض حكم المستدل إما بنص أو إجماع ظاهر، أو بوجود وصفًا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل (1). (2)
مثال منع السببية في الفرع: أن يقول الحنبلي في المرتدة: بَدَّلَتْ دينها فَتُقتل؛ كالرجل. فيقول الحنفي: أُنثى فلا تُقتل بكفرها؛ كالكافرة الأصلية. فيُبين أن تبديل الدين ليس سببًا لقتل المرأة. (3)
وجه كونه قادحًا: أن فيه إقامة دليل مخالف لدليل الخصم، ولا يمكن العمل بالدليل مع وجود معارض له.
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (التعبد بخبر الواحد عقلاً): "قوله: (وأجاب عن الأول) أي: هذا الخصم المانع لجواز التعبد بخبر الواحد أجاب عن الوجوه التي احتج بها المجوزون له؛ فأجاب عن الوجه الأول بأن قال: قولكم: (يجب العمل بخبر الواحد أخذًا بالاحتياط) معارض بأن الاحتياط في ترك العمل به لأن العمل به تصرف من المكلف في نفسه التي هي مملوكة لغيره - وهو خالقه عز وجل بالظن، وفي ذلك خطر؛--------------------------------------------
(1) أي أن المعارضة في الفرع تكون بأمرين: أحدهما: ذكر دليل آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل على خلاف ما دل عليه قياسه. وهذا هو فساد الاعتبار، وقد مر في (ص: 559) من هذا البحث.
الثاني: أن يُبدي المعترض في فرع قياس المستدل وصفًا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع كون وصفه سببًا لثبوت الحكم. ومنع الحكم في الفرع لوصف يُبديه المعترض هو حقيقة القلب - وسبق ذكره في (ص: 359) من البحث، - وأما منع السببية فهو راجع إلى قياس الشبه المتردد بين أصلين. يُنظر: شرح مختصر الروضة (3/ 539 - 541).
(2) يُنظر: الإحكام للآمدي (4/ 112، 124)؛ مختصر ابن الحاجب (2/ 1151، 1158)؛ شرح مختصر الروضة (3/ 527، 539 - 540).
(3) يُنظر: شرح مختصر الروضة (3/ 541).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)
لجواز أن يقال له: لم تصرفت في ملكنا من غير مستند قاطع؟ وكيف أضعت حقنا من نفسك بظن لم تكن منه على يقين؟ وهذا كما قلنا في وجوب شكر المنعم عقلاً؛ حيث كان الخطر في تركه معارضًا بالخطر في فعله؛ حيث كان الشكر إتعابًا لنفس الشاكر بغير إذن مالكها" (1).
• المثال الثاني:
قال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (نفي المساواة هل يقتضي العموم؟ ): "نفي المساواة في مثل قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20]، يقتضي العموم - أعني نفي المساواة من كل وجه-؛ كما أن نفي غير المساواة يقتضي العموم.
وذهب أبو حنيفة إلى أن نفي المساواة لا يقتضي العموم (2).
احتج الحنفية بثلاثة وجوه: … الثالث: أن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للعموم؛ كقولنا: زيد وعمرو متساويان؛ فإنه يقتضي تساويهما من جميع الوجوه؛ لأنه لو لم يقتض تساويهما في جميع الأمور؛ لم يستقم الإخبار بمساواتهما؛ إذ لا وجه لاختصاصهما حينئذ بوصف المساواة؛ إذ ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات؛ لكنه يستقيم الإخبار بالمساواة بين الشيئين بالإجماع، فيكون للعموم، فيكون نفي المساواة بين الشيئين لا يعم؛ لأن نفي الإيجاب الكلي سلب جزئي (3).
أجاب عن الثالث: بالمعارضة؛ فإن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للخصوص؛ لأنه لو لم يكن للخصوص لم يصدق مساواة بين الشيئين أصلاً، إذ ما من--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة (2/ 115).
(2) يُنظر: تيسير التحرير (1/ 250)؛ فواتح الرحموت (1/ 289).
(3) يُنظر موضوع التناقض عند أهل المنطق في: معيار العلم (ص: 80 - 83)؛ شرح السلم للملوي وحاشية الصبان (ص: 111)؛ آداب البحث والمناظرة (1/ 89).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)
شيئين إلا ويصدق بينهما نفي المساواة في شيء من الصفات. وأقله أن يصدق نفي المساواة بينهما في تعينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يكون مساويًا للآخر في تعينه، فلا يصدق ثبوت المساواة بينهما من جميع الوجوه.
وإذا كانت المساواة في جانب الإثبات للخصوص تكون مساواة في جانب النفي للعموم؛ لأن نقيض الجزئي الموجب السالب الكلي (1) " (2).
• بيان الاستدراك:
استدل الحنفية في قولهم: إن نفي المساواة لا يدل على العموم: بأن المساواة بين الشيئين في الإثبات تفيد العموم في تساويهما؛ لأنه لو لم يقتض العموم لم يكن لوصف المساواة فائدة؛ لأن ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات، فإذا ثبت ذلك فقولنا: (يستوي) معناه: كل وجه استواء ثابت في الإيجاب، فهذا كلي موجب.
وقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الكلي الموجب جزئي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بعض وجوه الاستواء ليس بثابت، وهو المطلوب.
استدرك على دليل الحنفية هذا بقادح المعارضة، فقيل: الجواب بالمعارضة بالمثل بأن يقال: المساواة في الإثبات ليس للعموم؛ بل للخصوص؛ وهو بعض المساواة؛ وإلا لم يصدق إثبات مساواة لشيئين أبدًا؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما نفي مساواة ولو في تعينهما، فيكون قولنا: (يستوي) موجبًا جزئيًا بمثابة بعض وجوه المساواة ثابت.
وقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بمثابة لا شيء من وجوه المساواة بثابت، وهو المطلوب. (3)--------------------------------------------
(1) يُنظر: معيار العلم (ص: 80 - 83)؛ شرح السلم للملوي وحاشية الصبان (ص: 111)؛ آداب البحث والمناظرة (1/ 89).
(2) يُنظر: بيان المختصر (2/ 169 - 173)، ويُنظر أيضًا الردود والنقود للبابرتي (2/ 151).
(3) يُنظر: شرح العضد الإيجي (2/ 633).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)
• تاسعًا: الاستدراك بقادح (القول بالمُوْجَب):
المراد بقادح القول بالموجَب: تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. (1)
مثاله: أن يقول المستدل في وجوب زكاة الخيل: الخيل حيوان تجوز المسابقة عليه؛ فتجب الزكاة فيه كالإبل. فيقول المعترض: أنا قائل بموجب قياسك؛ فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة؛ ولكن نزاعنا في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل؛ لا زكاة الاتِّجار بها. (2)
ووجه كونه قادحًا: أن به يتبين أن قياس الخصم ليس في محل الخلاف.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) دليل الخصم القائلين أنه يفيد التكرار: "قالوا: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا» (3). فأمر صلى الله عليه وسلم أن نأتي من أمره ما استطعنا، ونحن نستطيع الإتيان بالمأمور على الدوام والتكرار، فوجب أن يكون ذلك بظاهر الأمر.
والجواب: أنه لا حجة لهم في هذا الخبر، ونحن قائلون بموجبه؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن نأتي مما أمر به ما استطعنا، فالذي اقتضى الأمر في الفعل مرة واحدة، وما زاد على--------------------------------------------
(1) يُنظر: روضة الناظر (2/ 328 - 331)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: 402)؛ التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (2/ 210)؛ تشنيف المسامع (3/ 361 - 364).
(2) يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: 402)؛ روضة الناظر (2/ 330).
(3) الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، يُنظر: صحيح البخاري، ك: التمني، ب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (6/ 2658/ح: 6858)؛ صحيح مسلم، ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، (4/ 1830/ح: 1337).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)
ذلك فغير مأمور به ولا مدخل فيه، ونحن نقول: إنه يجب أن يأتي من الصلاة التي أمر بها ما استطاع، إن قدر على فعله من قيام أتى بها قائمًا، وإن لم يقدر فقاعدًا، وإن لم يقدر فمومئًا" (1).
• المثال الثاني:
قال السمعاني في مسألة (الآمر هل يدخل في الأمر؟ ): "لا يدخل الآمر في الأمر عند عامة الفقهاء (2). وذهبت طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل.
والمسألة مصورة في النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان آمرًا، فأما الأمر الوارد من قبل الله - تعالى- بذكر الناس وأمرهم بشيء لفعله؛ فقد اتفقوا أن الرسول يدخل في ذلك. (3)
وتعلق من قال بدخوله في الأمر قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل، فإذا قال للأمة: افعلوا كذا؛ فيصير كأن الله - تعالى- قال: افعلوا كذا، فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيه، مثلما يدخل غيره .... " (4).
ثم استدرك السمعاني على دليل الخصم بقادح القول بالمُوْجَب فقال: "والذي قاله الخصم: إنَّه يصير كأن الله -تعالى- قال: افعلوا.
قلنا: إذا قال تعالى: افعلوا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يكون مأمورًا، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيكون آمرًا، والكلام في دخول الآمر في الأمر، فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه آمرًا؛--------------------------------------------
(1) شرح اللمع (1/ 223).
(2) ذكر القاضي أبو يعلى: أنه قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. يُنظر: العدة في أصول الفقه (1/ 343). ونقل الشوكاني عن ابن برهان في "الأوسط" قوله: "ذهب معظم العلماء إلى أن الآمر لا يدخل تحت الخطاب". يُنظر: إرشاد الفحول (1/ 471).
(3) ذكره الجويني مذهبًا لسائر الأصوليين، وذكر أن المخالف لذلك شرذمة لا يؤبه لهم. يُنظر: البرهان (1/ 365).
(4) يُنظر: القواطع (1/ 220 - 221).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
وهذا كالسيد يقول لغلامه: اسقني؛ فإنه لا يدخل السيد في هذا الأمر، وإن كان يجوز أن يدخل في أمر غيره" (1).
• عاشرًا: الاستدراك بقادح (الفَرْق):
المراد بقادح الفَرق: إبداء معنى مناسب للحكم يوجد في الأصل ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل. (2)
مثاله: قول المستدل الحنفي على عدم اشتراط الطهارة في الوضوء: الوضوء طهارة بالماء فلا يفتقر إلى نية؛ كإزالة النجاسة، فيجيبه المعترض: الوضوء طهارة حكمية، وإزالة النجاسة طهارة عينية، فافترق حكمهما. (3)
ووجه كونه قادحًا: أن به يتضح عدم التسوية بين الأصل والفرع في الحكم، وهذا يعني انتفاء القياس؛ إذ القياس هو التسوية.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (الأمر المعلق على الشرط يقتضي التكرار أو المرة؟ ): "إذا علق الأمر بشرط وقلنا: إن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار ففي المعلق بشرط وجهان:
أصحهما: لا يقتضي التكرار.
ومن أصحابنا من قال: يقتضيه ....--------------------------------------------
(1) القواطع (1/ 222).
(2) يُنظر: المنخول (ص: 417)؛ تقريب الوصول (ص: 383)؛ كشف الأسرار للبخاري (4/ 80)؛ شرح الكوكب المنير (4/ 320).
(3) يُنظر: تقريب الوصول (ص: 383).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
واحتج القائل الآخر (1): بأن تعلق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة إذ كل واحد منهما سبب فيه، فإذا كان تكرار العلة يوجب تكرار الحكم فكذلك تكرار الشرط.
قيل: لا نسلم هذا؛ بل بينهما فرق ظاهر؛ وهو أن العلة دلالة تقتضي الحكم فتكرر الحكم بتكررها، والشرط ليس بدلالة على الحكم، ألا ترى أنه لا يقتضيه؛ وإنما هو مصحح له، فدل على الفرق بينهما" (2).
وقال في مسألة (إنكار الأصل رواية الفرع): "إذا نسي المروي عنه الحديث والراوي عنه ثقة؛ لم يسقط الحديث ....
وقال أصحاب أبي حنيفة: يسقط الحديث.
واحتجوا: بأن الخبر كالشهادة، ثم إنكار شهود الأصل الشهادة يبطل الشهادة؛ فكذلك إنكار المروي عنه الخبر يجب أن يبطل الخبر.
والجواب: هو أن باب الشهادة آكد من باب الخبر، ألا ترى أن شهادة العبيد لا تقبل وأخبارهم تقبل، فدل على الفرق بينهما" (3).
• المثال الثاني:
ذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) من بين أدلة القائلين بأنه يقتضي التكرار، قولهم: "لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا؛ فإن قوله: (صم) معناه: لا تفطر، وقوله: (لا تفطر) يقتضي التكرار أبدًا" (4).--------------------------------------------
(1) أي: القائل بأن الأمر المعلق على الشرط يقتضي التكرار.
(2) يُنظر: التبصرة (ص: 27 - 28).
(3) يُنظر: المرجع السابق (ص: 206 - 207).
(4) يُنظر: روضة الناظر (1/ 564).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
فاستدرك ابن قدامة على هذا الدليل بقادح الفرق فقال: "والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي وجود المأمور مطلقًا، والنهي يقتضي ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
ولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر.
ولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.
وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة؛ اقتضى العموم. ولو قال: افعل مرة واحدة؛ اقتضى التخصيص بلا خلاف" (1).
• بيان الاستدراك:
لما استدل القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار، بقياسهم الأمر المطلق على النهي المطلق، بجامع الاشتراك في الاقتضاء والطلب، ولأن الأمر في الحقيقة نهي عن ضده.
وبيانه: إذ الأمر بالشيء نهي ضده، فقوله: (صم) معناه: (لا تفطر)، والأمر كالنهي من حيث الاقتضاء والطلب، والنهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله.
والنهي يقتضي وجوب الترك أبدًا؛ فكذلك الأمر يجب أن يقتضي فعل الشيء أبدًا؛ إذ لا فرق بين الأمر والنهي.
فاستدرك على استدلالهم هذا بقادح الفرق، فقيل لهم: لا نسلم قياسكم الأمر على النهي؛ لأنه قياس فاسد؛ لوجود الفارق بين الأمر والنهي، وهذه الفروق هي:--------------------------------------------
(1) يُنظر: المرجع السابق (1/ 568).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
1 - أن الأمر المطلق يقتضي وجود المأمور به مطلقًا؛ كالصلوات والزكاة والحج ونحو ذلك من المأمورات الشرعية. أما النهي فإنه يقتضي ألا يوجد المنهي عنه مطلقًا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك من المنهيات الشرعية.
1 - أن الوجود المطلق -وهو مقتضى الأمر- لا يعم، في حين أن النفي المطلق -وهو مقتضى النهي- فإنه يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
فلو قال في اليمين: والله لأصومن؛ برَّ بصيام يوم واحد، ولو قال: والله لا أصوم؛ حنث بفعل مرة واحدة.
ولو قال في النذر: لله علي أن أصوم؛ كان وافيًا بنذره بصيام يوم واحد، في حين لو قال: لله علي ألا أصوم؛ حنث بصوم يوم واحد.
ولو قال في التوكيل لوكيله: طلق زوجتي فلانة؛ كان ممتثلاً إذا طلق مرة واحدة، ولو قال له: لا تطلق زوجتي؛ كان مخالفًا لو طلق مرة واحدة.
ولو قال في الخبر عن نفسه: سوف أصوم؛ صدق وعده بصوم يوم واحد، أما لو قال: ما صمت؛ كان كاذبًا لو صام يومًا واحدًا.
2 - أن الأمر يقتضي إثبات المأمور به - بأن يفعل -، والنهي يقتضي نفي المنهي عنه - بألا يفعل-، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، في حين أن النكرة في سياق الإثبات لا تعم.
3 - أن النهي لو قيده بالمرة فقال: لا تفعل كذا مرة؛ اقتضى دوامه، ولو قال: افعله مرة؛ لم يقتض دوامه.
فهذه الفروق بين الأمر والنهي جعلت قياسكم الأمر على النهي - في أن كلاًّ منهما يقتضي التكرار- فاسدًا. (1)--------------------------------------------
(1) يُنظر: إتحاف ذوي البصائر (4/ 1612 - 1613).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)
• تنبيهان:
الأول: قوادح القياس كثيرة، وقد اختلف في عددها -كما أشرتُ في مقدمة المبحث-، منها ما يرجع إلى حجية القياس؛ كقول المعترض الظاهري: هذا قياس لا يلزمني، أو يقول المعترض: قياسك هذا في اللغة، والقياس في اللغة باطل.
وأذكر للاستدراك بهذين الأصلين الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
ذكر ابن حزم في فصل: (أقسام الأخبار عن الله تعالى) في القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد؛ حيث ذهب إلى أن هذا القسم إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا، فذكر أدلته في ذلك وأسئلة الخصم؛ ومنها: "وقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس؛ فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع؟
قال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا؛ لأننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان -كما ذكرنا- بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع .... " (1).
• المثال الثاني:
قال الغزالي في (كتاب الأوامر، فصل: أقسام الكلام): "الأمر: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، ويندرج تحته الندب. وقيل: قول يتضمن إيجاب المأمور به، ويخرج منه الندب.
واستدل القاضي على صحة الحد الأول وكون الندب أمرًا بكونه طاعة،--------------------------------------------
(1) الإحكام لابن حزم (1/ 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)
ولم يقع طاعة لكونه مرادًا؛ إذ المعصية مرادة فوقع طاعة؛ لكونه مأمورًا به (1) " (2).
فاستدرك عليه الغزلي بقوله: "وهذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع طاعة لكونه مطلوبًا؛ فإن سمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ فلا قياس في اللغة، ولم ينقل متواترًا، ونقل الآحاد لا يوجب العلم" (3).
• بيان الاستدراك:
يرى القاضي الباقلاني أن صيغة (افعل) مشتركة بين الندب والإيجاب، ولا تحمل على أحدهما إلا بقرينة (4)؛ لذلك عرف الأمر بأنه: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فيندرج تحت هذا التعريف الندب.
واستدل القاضي على كون الندب أمرًا بكونه طاعة، ولم يقع الندب طاعة لكونه مرادًا، إذ المعصية مرادة أيضًا ولم تقع طاعة، فدل ذلك على وقوع الندب طاعة لكونه مأمورًا به.
فاستدرك الغزلي على القاضي بأن هذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع الندب طاعة لكونه مطلوبًا، فهل تسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؟ فإن كان جواب القاضي: نعم؛ فهذا قياس في اللغة، والقياس في اللغة لا يصح، وإن كان جواب القاضي بلا؛ فإنه لا يسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ وإنما نقل عن أهل اللغة، فهذا النقل إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولم ينقل عنهم متواترًا، وإن نقل عن بعضهم تسمية المطلوب أمرًا فهو نقل آحاد، ونقل الآحاد لا يوجب العلم.--------------------------------------------
(1) يُنظر قول القاضي في مختصر التقريب (2/ 5 - 7).
(2) المنخول (ص: 102 - 103).
(3) المرجع السابق (ص: 103).
(4) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (2/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)
• المثال الثالث:
ذكر السيف الآمدي في مسألة (اشتراط اتصال الاستثناء بالمستثنى) من بين أدلة القائلين بصحة الاستثناء المنفصل: "الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول؛ فجاز تأخيره؛ كالنسخ والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم" (1).
ثم ذكر استدراكه على هذا الدليل فقال: "والجواب: … وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة؛ فلا يصح لما سبق (2) " (3).
التنبيه الثاني: أن الاختلاف في القوادح اختلاف تنوع، فلا يمتنع اجتماع بعضها على دليل الخصم.
• المثال الأول:
قال القاضي أبو يعلى في مسألة: (نسخ القرآن بالسنة شرعًا): "لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك … وبهذا قال الشافعي (4)، وقال أبو حنيفة: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (5)، وحكي ذلك عن مالك (6) والمتكلمين من المعتزلة (7) والأشعرية، واختلف أهل الظاهر في ذلك (8) " (9).--------------------------------------------
(1) يُنظر: الإحكام للآمدي (2/ 355).
(2) أي في مسألة القياس في اللغة، تُنظر في الإحكام (1/ 80).
(3) يُنظر: المرجع السابق (2/ 356).
(4) يُنظر: الرسالة (ص: 181).
(5) يُنظر: التوضيح (2/ 79 - 82)؛ فواتح الرحموت (2/ 78).
(6) يُنظر: إحكام الفصول (1/ 423)؛ رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (4/ 513).
(7) يُنظر: المعتمد (1/ 393).
(8) لم يشر ابن حزم إلى وقوع اختلاف بينهم في هذه المسألة؛ بل قال: إن السنة تنسخ القرآن؛ سواء كانت منقولة بالتواتر أو الآحاد. يُنظر: الإحكام لابن حزم (4/ 505).
(9) يُنظر: العدة في أصول الفقه (2/ 288 - 789).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)
ثم ذكر من أدلة الخصم القائل بجواز النسخ: "واحتج بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص الأعيان، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، كذلك النسخ.
والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد والقياس؛ فإن التخصيص بهما جائز، ولا يجوز النسخ بهما، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ كله، والتخصيص يبقي بعضه، ولا يسقط جملته، فافترقا" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك القاضي أبو يعلى على الخصم القائل: بجواز نسخ القرآن بالسنة في قياسهم النسخ على التخصيص بقادح النقض بخبر الواحد والقياس؛ لأن التخصيص بهما جائز دون النسخ. واستدرك أيضًا بقادح الفرق؛ حيث ذكر الفرق بين النسخ والتخصيص، فالنسخ يزيل حكم اللفظ كله، أما التخصيص فيبقي بعض حكم اللفظ.
• المثال الثاني:
قال الرازي في مسألة: (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض) في عرضه لأدلة الشافعية (2): "واحتج الشافعي رضي الله عنه بوجوه:
أولها: أنَّ الشرط متى تعقَّب جملاً عاد إلى الكلِّ، فكذا الاستثناءُ، والجامع: أن كل واحد منهما لايستقلُّ بنفسه.
وأيضًا: فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى في آية القذف: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] جارٍ مجرى قوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] إن لم يتوبوا" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: العدة في أصول الفقه (2/ 796 - 797).
(2) وقد مر الخلاف في المسألة قريبًا، فليُنظر (ص: 569).
(3) يُنظر: المحصول (3/ 46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 593)
ثم استدرك الرازي على دليل الشافعية الأول بقادح المنع فقال: "أما أدلة الشافعية فالجواب عن الأول: أن نمنع الحكم في الأصل، وبتقدير تسليمه فنطالبُ بالجامع.
قوله: (إنهما يشتركان في عدم الاستقلال، واقتضاء التخصيص).
قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.
قوله: (ثانيًا: معنى الشرط والاستثناء واحد).
قلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلاً؛ كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، وإن سلمتم الفرق طالبناكم بالجامع" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك الرازي على دليل الشافعي في قياسه الاستثناء على الشرط، واستخدم في استدراكه قادح المنع؛ حيث منع حكم الأصل؛ وهو عود الشرط المتعقَّب جملاً إلى الكلِّ، ثم قال بتقدير تسليم حكم الأصل -وهو عود الشرط على جميع الجمل المتعاطفة-: نعترض عليكم بقادح المطالبة، فنطالبكم بالجامع بين الأصل - وهو الشرط -، والفرع -وهو الاستثناء-.
فإن قلتم: الجامع بينهما: عدم استقلال كل منهما بنفسه، واقتضاؤهما التخصيص. قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.
فإن قلتم: معنى الشرط والاستثناء واحد.
قلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلاً: كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، والقياس إنما يكون بين شيئين.--------------------------------------------
(1) يُنظر: المحصول (3/ 52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 594)
وإن سلمتم الفرق بين الشرط والاستثناء؛ طالبناكم بالجامع بينهما.
فهذا الاستدراك اجتمع فيه قادح المنع والمطالبة.
• المثال الثالث:
قال الآمدي في مسألة (العمل بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بحجية خبر الواحد: "ومنها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135] أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والأمر للوجوب، ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه؛ فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبًا عليه، وإنما يكون ذلك واجبًا أن لو كان القبول واجبًا؛ وإلا كان وجود الشهادة كعدمها، وهو ممتنع" (1).
فاستدرك عليهم بقادح المنع، ثم بفرض التسليم بقادح القول بالموجَب، فقال: "ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي.
وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك غير أنا نقول بموجب الآية؛ فإن الشهادة لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به، وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قيامًا بالقسط ولا شهادة لله، وعند ذلك فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد وجواز العمل به، وهو دور ممتنع" (2).--------------------------------------------
(1) يُنظر: الإحكام للآمدي (2/ 77).
(2) يُنظر: المرجع السابق (2/ 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 595)
* القسم الثاني: الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى:
أما الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى؛ فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال قواعد الأصول غير القوادح.
ومن أمثلة هذه الاستدراكات:
• الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم الشرعي؛ ومنها:
• الاستدراك بقاعدة (انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة):
قال البيضاوي في مسألة (حكم الأعيان والمنافع قبل ورد الشرع): "الأصل في المنافع: الإباحة؛ لقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 29]، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِي} [الأعراف: 32]، {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] ".
قال الإسنوي في شرحه: "الثانية: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وجه الدلالة: أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ بل هو للإنكار؛ وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع بها؛ لمقتضى اللام -كما تقدم-، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم؛ وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة".
ثم استدرك الإسنوي على وجه الدلالة في قول: (إذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة) فقال: "وفيه نظر؛ فقد تقدم في أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة" (1).
• الاستدراك بقاعدة (القضاء يجب بأمر ثانٍ):
ذكر الباجي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ) استدلال القائلين بعدم تكليفهم: "استدلوا بأن العبادات لو كانت واجبة على الكفار لوجب--------------------------------------------
(1) نهاية السول (2/ 935).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 596)
عليهم قضاؤها إذا أسلموا؛ كما يجب ذلك على تارك الصلاة المسلم.
والجواب: أن القضاء يجب بأمرٍ ثانٍ؛ ولذلك وجبت الجمعة على المكلفين ولم يجب عليهم قضاؤها" (1).
• الاستدراك بقاعدة (الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة؟ ):
ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك أبي الحسين البصري على قول الخصم المانعين حجية الإجماع في اعتراضهم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] بأن التوعد في الآية إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين: "وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط؛ وإنما هي معصية على سبيل الرد عليه؛ لأن من صدق النبي عليه السلام وفعل بعض المعاصي لا يقال: إنه مشاق للرسول، ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورًا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد" (2).
فقدر الآمدي استدراكًا على قول أبي الحسين البصري مستخدمًا في ذلك قاعدة: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فقال: "فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع؛ ولكن القول بأنه لا يكون مأمورًا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وهو باطل بما سبق تقريره" (3).--------------------------------------------
(1) يُنظر: إحكام الفصول (1/ 231).
(2) يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 271 - 272). ويُنظر قول أبي الحسين في المعتمد (2/ 7 - 8).
(3) يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 272).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 597)
• الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة:
الأدلة على قسمين، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.
أما المتفق عليها: فالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (1)
وقد ذكرنا جملة منها في البحث عند الحديث عن مادة الاستدراك بالكتاب والسنة والإجماع. (2)
وفي مسائل السنة يذكر الأصوليون خبر الواحد، وعليه أقرر:
• الاستدراك بـ (خبر الواحد):
• المثال الأول:
بعد أن ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (حجية الإجماع) الأخبار الدالة على حجيته ذكر استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع (3): "فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة.
قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريقة تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع.
وجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى … أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد رده … " (4).--------------------------------------------
(1) يُنظر: الإحكام للآمدي (1/ 211 - 212)؛ مختصر ابن الحاجب (1/ 370)؛ شرح الكوكب المنير (2/ 5).
(2) يُنظر: (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.- خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) مبحث: مادة الاستدراك النقلي من الفصل الرابع.
(3) والقائل بهذا القول النظام والرافضة، يُنظر: العدة في أصول الفقه (4/ 1064).
(4) ينظر: العدة في أصول الفقه (4/ 1081 - 1082). ويُنظر كذلك مسألة (المجتهدون في أحكام الفروع هل المصيب منهم واحد أو الكل؟ ) (5/ 1554) استخدم فيها المعياران من مسائل الأخبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 598)
• بيان الاستدراك:
في المثال ذكر مسألتين من مسائل الأخبار: الأول منهما: ما ذكره الخصم في استدراكه على الاستدلال بالأخبار في حجية الإجماع: بأن هذه أخبار آحاد، وأخبار الآحاد تفيد الظن؛ فلا يجوز الاحتجاج بها لإثبات أصل من أصول الدين؛ وهو الإجماع.
والثاني: ما استدرك به القاضي على قولهم هذا في منع الاحتجاج بأخبار الآحاد: بأن أخبار الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً به يوجب العلم.
• المثال الثاني:
استدرك الشيرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) على الأخبار التي استدل بها المالكية في إثبات حجية هذا النوع من الإجماع فقال: "والجواب: أن هذه الأخبار آحاد؛ فلا يثبت بها أصل من أصول الدين" (1).
وذكرنا أمثلة للاستدراك بموضوعات القياس؛ كالسبر والتقسيم (2)، والقياس في اللغة (3)، وقوادح القياس (4). وأذكر أمثلة لاستدراكات بمواد آخر لموضوعات القياس؛ منها:--------------------------------------------
(1) يُنظر: التبصرة (ص: 224).
(2) يُنظر أمثلة منهج الاستدراك التحليلي في (ص: 547 - 549). ويُنظر كذلك أمثلة الاستدراك العقلي بالقياس الاستثنائي المنفصل (السبر والتقسيم) في (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.-خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).
(3) يُنظر: (ص: 591 - 592).
(4) يُنظر: (ص: 560 - 588).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 599)