فهو شرط لقبول استدراكه، وليس شرطًا في قدرة المرء على الاستدراك؛ فقد يستطيع الكافر أن يستدرك، ولكن لا عبرة لاستدراكه؛ لأن الاستدراك الأصولي من علوم الشريعة، فمن لم يكن متشبعًا بالشريعة لا يسوغ له الاستدراك على علومها.
2 - التكليف: فيشترط في المستدرِك أن يكون بالغًا عاقلاً؛ حتى يتمكن من فهم نصوص وعبارات الأصوليين على الوجه الصحيح، وهذا لا يتم للصغير والمجنون؛ لعدم اكتمال ملكاتهم العقلية التي يتم بها الإدراك والتمييز.
3 - العدالة (1): فمن كان عدلاً اطمأن القلب إلى استدراكه؛ لأن غرضه في ذلك مرضاة الله، ونشر العلم، ومن لم يكن كذلك لم يطمئن القلب إلى استدراكه كأن يكون غرضه الخصومة مع المستدرَك عليه.
ثانيًا: شروط صحة الاستدراك.
المراد بها الشروط التي تُكَوِّن الملكة (2) التي يقتدر بها المستدرِك على الاستدراك. وإن شئت أن تطلق عليها الآلات التي يشترط أن تتوفر في المستدرِك، وأقرر ذلك--------------------------------------------
(1) العدالة: استقامة السيرة والدين. ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا. يُنظر: المستصفى (2/ 231).
والحنفية قسموها إلى قسمين: عدالة كاملة: اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصَّغائر.
وأمَّا العدالة القَاصِرة: فتكفي بظاهر الإسلام، واعتدال العقل، مع السلامة عن فسق ظاهر. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (2/ 740 - 742).
والعدالة الكاملة من موجبات قبول الشهادة والرواية، وأما القاصرة فهي أقل من مرتبة الكاملة، ويعتد بها في حالة عدم وجود من تتحقق فيه صفات العدالة الكاملة. يُنظر: معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: 280).
(2) الْمَلَكَةُ: صفة راسخة في النفس. وتحقيقه أنه تحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة: كيفية نفسانية، وتسمى "حالة " ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال فتصير ملكة. التعريفات (ص: 296)؛ ومثله في: التعاريف (ص: 675).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
بكلام الإمام الشافعي عندما قال: (ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها … ) (1).
وعلى غِرارِه أقول: لا يستدرك إلا من جمع الآلة التي له الاستدراك بها، وهذه الآلات يمكن تقسيمها إلى قسمين: الآلات العامة، والآلات الخاصة.
أما الآلات العامة فهي التي تشترط في جميع الاستدراكات، وهي:
1 - العلم بأصول الفقه: وهذا من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك؛ إذ كيف يستدرك على علم لا يفقهه؟ !
وقد نص على هذا الشرط ابن عاصم (2) في منظومته مرتقى الوصول إلى علم الأصول (3) فقال:
وما بِها من خطأٍ ومن خَلَلْ … أَذِنْتُ في إصلاحه لمن فَعَلْ
لكن بشرط العلم والإنصافِ … فذا وذا من أَجمَلِ الأوصَاف
فالاستدراك الأصولي ينطلق من مقدمات علمية أساسية، وينتهي إلى نتائج قيمة تسهم في بناء المعرفة الأصولية وتطورها؛ فلذلك يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالجوانب العلمية للموضوع المستدرك فيه.--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص: 498).
(2) هو: أبو عبدالله، محمد بن محمد بن عاصم القيسي، الغرناطى، الأندلسي، المالكي، المعروف بـ (ابن عاصم)، الإمام، الوزير، الكاتب الجليل، البليغ الخطيب، الشاعر المفلق، الناثر الحجة، قاضي الجماعة، بها كان يكنى، من أكابر فقهائها وعلمائها. من تصانيفه: "إيضاح الغوامض في الفرائض"، و" مرتقى الوصول إلى الضروري من الأصول الصغرى"، و" مهيع الوصول في علم الأصول"، (ت: 821 هـ).
تُنظر ترجمته في: نفح الطيب (6/ 148)؛ أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (1/ 145)؛ هدية العارفين (6/ 185).
(3) (ص: 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
فيجب على المستدرك أن يكون واسع الاطلاع في المسألة المستدرك فيها، واقفًا على أقوال الأصوليين فيها، فاهمًا لدلالات عباراتهم.
ومن العلم بأصول الفقه: العلم بالمسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها؛ كتقديم المنطوق على المفهوم، والنص على الظاهر، ونحو ذلك.
2 - العلم باللغة العربية: بالقدر الذي يمكن صاحبه من فهم كلام الأصوليين، ومعرفة دلالات ألفاظهم، وسياق كلامهم؛ حتى يسلم له الاستدراك.
الآلات الخاصة: وهي التي تشترط في بعض الاستدراكات لا جميعها؛ ومنها:
1 - العلم بالمنطق: بأن يعرف شرائط الحدود (1) والبراهين (2)، وكيفية تركيب المقدمات، وغير ذلك.
وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على البراهين والحدود والتعريفات، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على إكمال الأقوال أو دفع توهم.
مثاله: (قال الرازي: أما النظر: فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخرى) (3).
فاستدرك عليه القرافي بقوله: (قوله: "ترتيب تصديقات" هو صيغة جمع، مع أن البرهان القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام--------------------------------------------
(1) الحد: قول دال على ماهية الشيء. وهو على قسمين: تام وناقص؛ فالحد التام: ما يتركب من الجنس والفصل القريبين؛ كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق. وأما الحد الناقص: ما يكون بالفصل القريب وحده أو به وبالجنس البعيد؛ كتعريف الإنسان بالناطق، أو بالجسم الناطق يُنظر: التعريفات (ص: 112)؛ إيضاح المبهم (ص: 8).
(2) البرهان هو: القياس المؤلف من اليقينيات. يُنظر: التعريفات (ص: 64)؛ إيضاح المبهم (ص: 18).
(3) المحصول (1/ 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو تمام إحداهما. وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلومًا، وثبوت الآخر لها معلومًا، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم فيتوسط بينهما التغير. فنقول: التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتين الملازمتين ولا يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضًا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الدليل على مقدمتين تامتين" (1).
فيلحظ أن استدراك القرافي على الرازي في حده للنظر كان مستمدًّا من علم المنطق، وما يذكر فيه من مقدمات القياس المنطقي، وقواعد المنطق؛ كقوله: (لازم اللازم لازم).
2 - العلم بالمسائل الكلامية المبحوثة في أصول الفقه: وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على تلك المسائل؛ كاستدراك النقد، أو تصويب الخطأ، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على الحدود.
مثال: مسألة تكليف المعدوم، وأصل هذه المسألة من مسائل علم الكلام (2)؛ هل يصح أن يخاطب الله المعدوم بطلب فعل شيء أو تركه بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟
قال إمام الحرمين: "وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة؛ إذ قالوا: لو كان الكلام أزليًا لكان أمرًا، ولو كان أمرًا لتعلق بالمخاطب في عدمه" (3).--------------------------------------------
(1) نفائس الأصول (1/ 196 - 207).
(2) ولما أدرك الآمدي أن الأصولي لا شأن له بهذه المسألة؛ أوجب عليه أن يقلد فيها قول المتكلمين، فقال: (وقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه). الإحكام للآمدي (2/ 205).
(3) البرهان (1/ 274).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وقال ابن برهان: "وهذه المسألة رسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي، آمر بأمر قديم، وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك (1) " (2).
وكل مذهب كان يستدل بأدلة، ويستدرك عليه الخصم ما استدل به؛ فمن ذلك مثلاً: ما استدل به المانعون لتكليف المعدوم حيث قالوا: إن الأمر: هو استدعاء الفعل بالقول من الدون، والمعدم غير موجود، فالفعل منه لا يقع؛ فلا يتعلق الأمر به. (3)
استدرك عليهم: بأن المحال خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه، ولا يستحيل منه الفعل إذا وجد مستجمعًا شرائط التكليف. (4)--------------------------------------------
(1) كلام الله عند المعتزلة حادث مخلوق، فلا يجيزون خطاب المعدوم.
ومذهب أهل السنة والجماعة: إثبات قدم نوع الكلام وتجدد آحاده، فالله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو جل جلاله يتكلم بصوت يُسمع. يُنظر مسألة كلام الله في: شرح العقيدة الطحاوية (1/ 172 - 206)؛ شرح مختصر الروضة (2/ 9 - 20)؛ كتاب القرآن كلام الله حقيقة في مجموع الفتاوى (12/ 5 وما بعدها)؛ شرح الكوكب المنير (2/ 9 - 114).
(2) الوصول إلى الأصول (1/ 176).
(3) لم أقف على هذه المسألة في المعتمد، وذكر هذا الدليل لهم في: العدة (2/ 390)؛ التمهيد لأبي الخطاب (1/ 356).
(4) المراجع السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
•المطلب الرابع
المستدرك به
وهو اللفظ أو المعنى الأصولي الصادر من المُستدرِك، والذي حصل به التصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد، أو التخطئة، أو التوجيه للأولى.
ويمكن حده بأنه: المُعقَّب به على اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.
مثاله: قال الغزالي في حد النسخ: "الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه" (1).
فاستدرك عليه ابن رشيق بقوله: "والتحقيق في ذلك: أن هذا ليس حدًّا للنسخ؛ بل للناسخ، والنسخ غير الناسخ على ما سيأتي تحقيقه في أركان النسخ وشروطه.
وأما حد النسخ: فهو قطع استمرار مؤاخذة المكلف بموجب الخطاب الأول بسبب دليل شرعي مستقل نقلي" (2).
فالمستدرك به هو قول ابن رشيق: "والتحقيق في ذلك … " إلى قوله: "مستقل نقلي".--------------------------------------------
(1) المستصفى (2/ 35).
(2) لباب المحصول في علم الأصول (1/ 290).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
• المبحث الثاني
أسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.
وفيه تمهيد، ومطلبان:
- تمهيد: المراد بأسباب الاستدراك الأصولي.
- المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.
- المطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.
* * … * ** * … * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
تمهيد
المراد بأسباب الاستدراك الأصولي
الأسباب في اللغة: جمع سبب، وذكر ابن فارس أنه ممكن أن يكون شاذًّا عن أصل الباب القطع، وممكن أن يُقال: إنه أصلٌ آخر يدلُّ على الطول وامتداد. (1)
ويطلق (السبب) في اللغة على عدة معان؛ منها:
المعنى الأول: الطريق (2)، ومنه قوله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] أي: أخذ طريقًا فسار. (3)
المعنى الثاني: الحبل، وسمي سببًا لكونه يتوصل به إلى المقصود؛ كنزح الماء من البئر. (4)
المعنى الثالث: الباب، ومنه قوله تعالى: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر: 36 - 37] أي: أبوابها (5).
وكلها ترجع إلى معنى واحد، فيطلق السبب على كل ما يتوصل به إلى مقصود ما. (6)--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة (3/ 64).
(2) أساس البلاغة (ص: 282) مادة: (سبب).
(3) يُنظر: تفسير السمرقندي (2/ 360).
(4) يُنظر: لسان العرب (7/ 100 - 101)؛ المصباح المنير (1/ 262)؛ القاموس المحيط (ص: 95) مادة: (سبب).
(5) التبيان في تفسير غريب القرآن (ص: 367).
(6) يُنظر: الصحاح (ص: 468)؛ لسان العرب (7/ 100)؛ المصباح المنير (1/ 262) مادة: (سبب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وفي الاصطلاح الأصولي: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. (1)
وعلى هذا يمكن حد أسباب الاستدراك الأصولي بأنها: ما يلزم من وجودها وجود الاستدراك، ومن عدمها عدم الاستدراك.
فالمراد بالأسباب في هذا البحث: دراسة الدوافع التي أدت ببعض الأصوليين للاستدراك.
إن منشأ الاستدراك متعدد ومتنوع، ومن خلال ما سبق وما تبين لي أثناء البحث يمكن تقسيم أسباب الاستدراك إلى مطلبين:
المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.
والمطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.--------------------------------------------
(1) عرف السبب بتعريفات كثيرة؛ ولعل من أفضلها ما سقته، وهو تعريف القرافي في تنقيح الفصول (ص: 81)؛ الفروق (1/ 172) (4/ 302)؛ نفائس الأصول (1/ 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
•المطلب الأول
أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه
وهي ثلاثة أسباب: الوهم، والخطأ، والنسيان، وأقرر ذلك بقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في استدراكها على ابن عمر (1)
رضي الله عنهما في الميت يُعذب ببكاء أهله (2)؛ حيثُ جمعت أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه في مقولتها: "وَهِم أبو عبدالرحمن، أو أخطأ، أو نسي" (3).
وسأبدأ في تقريرها بالنسيان؛ وذلك لأنه من العوارض الفطرية، والفطري مقدم على المكتسب، أما الوهم والخطأ فمن العوارض المكتسبة.
وأخرت الخطأ عن الوهم؛ لأن الوهم من أسباب الوقوع في الخطأ، فناسب تقديم السبب.--------------------------------------------
(1) هو: عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى القرشي العدوي، الصحابي الجليل، هاجر للمدينة وعمره عشر سنين، من أكثر الناس عبادة وزهدًا واتباعًا للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المكثرين في الرواية، وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم ببدر فاستصغره، ثم بأحد فكذلك، ثم بالخندق فأجازه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة، (ت: 75 هـ) وقيل غير ذلك.
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (3/ 950)؛ تقريب التهذيب (1/ 315)؛ الإصابة (4/ 181).
(2) والحديث في الصحيحين، يُنظر: صحيح البخاري، ك: ، الجنائز، ب: قَولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «يُعذَّبُ المَيِّتُ بِبَعضِ بُكاءِ أَهلِهِ عليه … ، (1/ 432/ح: 1226)، ك: الجنائز، ب: ما يُكْرهُ من النِّياحَةِ على الْميِّتِ … ، (1/ 434/ح: 1230)، ك: الجنائز، ب: البكاء عند المريض، (1/ 439/ح: 1242)؛ صحيح مسلم، ك: ، ب: الْميِّتِ يُعذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عليه، (2/ 638 - 643/ح: 927/ ح: 929/ح: 931/ح: 932).
(3) بهذا اللفظ يُنظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 85)، وأصله في صحيح مسلم، وسيأتي ذكر لفظ صحيح مسلم وتخريجه في الفصل السادس، المبحث الأول (ص: 810) من البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
• السبب الأول: نسيان المستدرَك عليه:
أصل مادة النسيان: النون والسين والياء أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك الشيء. (1)
وهو في اللغة: ضد الذُّكر والحفظ. والنِّسيانُ أيضًا: الترك، قال الله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (2)} [التوبة: 67]، وقال: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة، 237]. (3)
وأما في الاصطلاح فعرف بعدة تعريفات؛ منها: غيبة الشيء عن القلب؛ بحيث يحتاج إلى تنبيه جديد (4).
وذكر علماء الأصول للنسيان عدة تعريفات؛ منها:
جهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة. (5)
ومن علماء الأصول من يجعل النسيان والسهو معنى واحدًا كالتفتازاني (6)، ومنهم من يفرق بينهما كالعطار (7)؛ حيثُ قال: "السهو: الذهول؛ أي الغفلة--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة (5/ 421) مادة: (نسي).
(2) قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته. يُنظر: تفسير الطبري (10/ 175)؛ زاد المسير (3/ 467).
(3) يُنظر: الصحاح (ص: 1035)؛ لسان العرب (14/ 250) مادة: "نسا". ويُنظر كذلك: المطلع (ص: 408).
(4) الكليات (ص: 506).
(5) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (4/ 455).
(6) التلويح (2/ 363).
(7) هو: حسن بن محمد بن محمود العطار، من علماء مصر، أصله من بلاد المغرب، وولد وتوفي بالقاهرة، أخذ العلم عن شيوخ الأزهر، وتولى مشيخته، من مصنفاته: "حاشية على شرح المحلى على جمع الجوامع"؛ و"حاشية على التهذيب في المنطق"، (ت: 1250 هـ).
تُنظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (3/ 146)؛ الأعلام (2/ 236)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: 533).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. بخلاف النسيان؛ فهو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله" (1).
وجمعت بينهما لحصر الأسباب في النقاط الثلاثة التي ذكرتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو (2)، ولم يظهر لي فرق في استعمال الأصوليين للكلمتين.
ودونك أمثلة توضح هذا السبب:
• المثال الأول:
ما ذكره ابن حزم في فصل (تمام الكلام في تعارض النصوص): "وقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حَدَّث به بنفسه، وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة: «نكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان» (3). وبالرواية عن ابن عباس «نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم» (4).
قال علي (5): وهذا ترجيح صحيح؛ لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.--------------------------------------------
(1) حاشية العطار على جمع الجوامع (1/ 216)؛ وكذلك الكفوي في الكليات فرق بينهما، يُنظر (ص: 506).
(2) سبق بيان النسيان في اللغة، وأما السهو: فأصل السين والهاء والواو يدل على الغفلة، يقال: سهوت في الصلاة أسهو سهوًا. يُنظر: مقاييس اللغة (3/ 107) مادة: (سهو).
(3) الحديث في صحيح مسلم، بلفظ: «عن يَزيدَ بن الْأصَمِّ حَدَّثَتْني ميْمُونَةُ بنت الْحَارثِ أن رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تزَوَّجَهَا وهو حلَالٌ. قال: وكَانَتْ خَالَتي وخَالَةَ بن عبَّاسٍ» يُنظر: صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (2/ 1032/ح: 1411).
(4) يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: عُمْرةِ الْقضَاءِ، (4/ 1553/ح: 4011)؛ صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (2/ 1031 - 1032/ح: 1410).
(5) المراد به: ابن حزم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
قال علي: إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه، فتناقض وهدم ما بنى في قوله: نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن، وتركوا ذلك في هذا المكان، وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس -رحمة الله عليه- إذا حدثوا بحديث ميمونة المذكور: وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم (1)، فقالوا: كلا، لا نترك حديثًا حدثناه البحر عبدالله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه!
قال علي: فإن كان كون أحد الرواة أعدل وجب أن نترك له رواية من دونه في العدالة؛ فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم كما بين السماء والأرض، وإن كان لا معنى لذلك فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل.
قال أبو محمد (2): ونسوا أنفسهم أيضًا، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس (3): «أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتي تمس ركبته، وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة (4) وهو عليه السلام يقول: لبيك عمرة--------------------------------------------
(1) هو: أبو عوف، يزيد بن الأصم، واسمه: عمرو بن عبيد بن معاوية البكّائي، مدني، تابعي، ثقة، وهو ابن خالة ابن عباس رضي الله عنه، خالتهما ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، (ت: 103 هـ).
تُنظر ترجمته في: تقريب التهذيب (1/ 599)؛ معرفة الثقات (2/ 360)؛ مشاهير الأمصار (1/ 74).
وروايته عنها المذكورة في صحيح مسلم السابق تخريجه (ح: 1411).
(2) أي ابن حزم.
(3) هو: أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر النجّاري الخزرجي الأنصاري، صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، أسلم صغيرًا، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة (93 هـ).
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (1/ 109)؛ سير أعلام النبلاء (3/ 395)؛ الإصابة (1/ 126).
(4) هو: أبو محمد، طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى، (ت: 36 هـ) في موقعة الجمل.
تُنظر ترجمته في: مشاهر الأمصار (1/ 7)؛ تقريب التهذيب (1/ 282)؛ الإصابة (3/ 529).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» (1). وفي قول البراء بن عازب (2) إذ يقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية حجه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سقت الهدي وقرنت» (3).
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحِلَّ من عُمرَتِكَ؟ فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وبين لها لِمَ فعل ذلك (4)» (5). فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته، وقد اضطرب عنها أيضا فيه، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة -رضي الله عن جميعهم- (6)، ولكلام عن جابر (7)
لم يدع أنه سمعه، وهو مع ذلك أيضًا يحتمل التأويل،--------------------------------------------
(1) أصله في صحيح مسلم، ك: الحج، ب: إهْلَالِ النبي صلى الله عليه وسلم وَهَدْيهِ، (2/ 915/ح: 1251).
(2) هو: أبو عمارة، البراء بن عازب بن الحارث الحارثى الأنصاري، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا؛ وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم استصغره يوم بدر فرده، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، (ت: 72 هـ).
تُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (1/ 177)؛ الإصابة (1/ 278)؛ تهذيب التهذيب (1/ 372).
(3) سنن أبي داود، ك: المناسك، ب: في الْإقْرَانِ، (2/ 158/ح: 1797)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: الحج، ب: إفراد الحج، (2/ 346/ح: 3705)، ك: الحج، ب: الْحجُّ بِغيْرِ نِيّةٍ يقْصِدُهُ الْمحْرِمُ، (5/ 352/ح: 3726). قال الألباني: صحيح. يُنظر: صحيح سنن أبي داود (1/ 505).
(4) وهو قوله: «إني لَبَّدتُ رأسي، وَقَلَّدتُ هديي، فلَا أحِلُّ حتى أَنحَرَ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: من لبَّدَ رأسه عند الإحرامِ وحَلَقَ، (2/ 616/ح: 1638)، ك: اللباس، ب: التّلْبِيدِ، (5/ 2213/ح: 5572). قوله: لبَّدْتُ رأسي: أيْ شعْرَ رَأْسي وهو أن يُجْعلَ فيه شيء مُلْتَصقٌ. يُنظر: نيل الأوطار (5/ 34).
(5) يُنظر التخريج في المراجع السابقة.
(6) حيث نقل عن أنس والبراء وحفصة أنه صلى الله عليه وسلم حج قارنًا. وروت عائشة ذلك في الصحيحين. يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: كيْفَ تُهلُّ الْحَائضُ والنُّفَسَاءُ … ، (2/ 563/ح: 1481)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام … ، (2/ 870/ح: 1211).
(7) هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو عبدالرحمن، وقيل: أبو محمد، جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، أحد المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه صحبة، كان مع من شهد العقبة، (ت: 78 هـ)، وقيل غير ذلك، وهو آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتًا بالمدينة، وكان عمره عند موته (94) سنة.
تُنظر ترجمته في: الاستيعاب (1/ 219)؛ مشاهير الأمصار (1/ 11)؛ الإصابة (1/ 434).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وقد اضطرب عنه أيضًا في ذلك (1)، ولا شك عند ذي عقل أنه عليه السلام أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة، وأن أنسًا والبراء وحفصة الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه صلى الله عليه وسلم ذلك وباشروه يقول ذلك أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه؛ ولكن هكذا يكون من اعتقد قولًا قبل أن يعتقد برهانه" (2).
• بيان الاستدراك
استدرك ابن حزم على القائلين بتعارض النصوص، والتخلص من هذا التعارض بعدة طرق؛ منها:
الترجيح: بأن يكون راوي أحد الخبرين باشر الأمر الذي حدث به بنفسه، والآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثّل ذلك بالرواية عن ميمونة «نكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان». وبالرواية عن ابن عباس: «نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم»، بأن قولهم هذا نسيانٌ؛ لترجيحهم الخبر الذي راويه أضبط وأتقن؛ حيثُ رجحوا في هذا الخبر حديث ميمونة الذي يرويه يزيد بن الأصم، وتركوا رواية ابن عباس، وابن عباس أحفظ وأتقن من ابن الأصم.--------------------------------------------
(1) روي عن جابر وعائشة أن نسكه صلى الله عليه وسلم في الحج الإفراد. يُنظر حديث عائشة في: صحيح البخاري، ك: ب: التَّمَتّعِ وَالْإقْرَانِ وَالْإفْرَادِ بالْحَجِّ … ، (2/ 567/ح: 1487)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام … ، (2/ 876/ح: 1211). ويُنظر حديث جابر في: صحيح البخاري، ك، ب: ، (3/ 568/ح: 1493)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام … ، (2/ 884/ح: 1216)، ك: الحج، ب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، (2/ 887/ح 1218).
ويُنظر مسألة نوع نسكه صلى الله عليه وسلم في نيل الأوطار (5/ 39)؛ حيث فصل فيها وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.
(2) الإحكام لابن حزام (2/ 178 - 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
واستدرك عليهم أيضًا نسيانهم ما رحجوا به هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس: «أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة وهو عليه السلام يقول: لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا». وفي قول البراء بن عازب إذ يقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية حجه فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سقت الهدي وقرنت».
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحل من عمرتك؟ فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وبين لها لم فعل ذلك».
فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به البراء وحفصة، لخبر عن عائشة التي لم تباشر الرواية ولم تدع أنها سمعته.
• المثال الثاني:
ما ذكره ابن حزم في عدم حجية عمل أهل المدينة حيث قال: " … وبالسند المذكور … حدثنا عمرو بن مُسْلِمِ بن عَمَّار اللَّيْثِيِّ (1) قال: كنا في الحمام (2) قُبيل الأضحى، فأطلى (3) فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ (4)
يكره--------------------------------------------
(1) عمرو بن مسلم بن عمار بن أكيمة الليثي، قال عنه ابن معين: ثقة. وفي رواية: لا بأس به، (ت: 101 هـ)، وهو ابن (79) سنة.
تُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (1/ 72)؛ تهذيب الكمال (22/ 240)؛ تهذيب التهذيب (8/ 91).
(2) الحمام: مشتق من الحميم، وهو الماء الحار. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(3) قوله: "فأطلى فيه أناس ": أي أزالوا شعر العانة بالنورة. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(4) هو: أبو محمد، سعيد بن المسيب المخزومي، سيد التابعين، ومن الأئمة الأعلام وفقهاء المدينة، كان محدثًا ومفسرًا وفقيهًا وورعًا، اختلفوا في سنة وفاته، والذي عليه أكثر المحدثين أنه في سنة (105 هـ).
تُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (2/ 161)؛ سير أعلام النبلاء (4/ 217)؛ تذكرة الحفاظ (1/ 56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
هذا (1) وينهى عنه. فلقيت سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك، حدثتني أُمُّ سَلَمَةَ زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -فذكرت- «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (2)، أو كلاما هذا معناه.
قال علي: عمرو بن مُسْلِمٍ هذا هو ابن أُكَيْمَة الذي يروي عنه مَالِك وغيره.
قال عَلي: فإن كان عمل أهل المدينة الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الباب الذي ذكرنا؛ فنحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل، ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته، ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا من نحو إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المرور في المسجد (3)، وبيع أهل سوق المدينة الوَرْق (4) بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة، ولا ينكر ذلك--------------------------------------------
(1) قوله: "إن سعيدًا يكره هذا ": أي يكره إزالة الشعر فى عشر ذى الحجة لمن يريد التضحية؛ لا أنه يكره مجرد الإطلاء، ودليل ذلك: احتجاجه بحديث أم سلمة وليس فيه ذكر الإطلاء؛ إنما فيه النهي عن إزالة الشعر. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 140).
(2) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وهو مُرِيدُ التَضحِية أَنْ يأخذ من شعره أو أظفارهِ شيئًا (3/ 1565 - 1566/ح: 1977).
(3) إشارة إلى حديث عائشة رضي الله عنها: «أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد». رواه مسلم، في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد (2/ 668/ح 973).
(4) الورق: بكسر الراء، والإسكان للتخفيف، الدراهم المضروبة. يُنظر: الصحاح (ص: 1134)؛ المصباح المنير (2/ 655) مادة: (ورق).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
أحد منهم (1).
ومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أَهلَّ ذو الحجة بشهادة سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ -فقيه أهل المدينة- عليهم بذلك. (2)
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على المالكية احتجاجهم بعمل أهل المدينة وأن لا دليل لهم فيه، وأوجب أن لا حجة إلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأن أهل المدينة قد نسوا بعض الأحاديث؛ ومن ذلك: ما استشهد به من نسيانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يضحي بأن لا يمس شيئًا من شعره وظفره، ونسيانهم هذا الأمر بشهادة شاهد من أهلها؛ وهو سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ، وإنكارهم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مرور الجنازة بالمسجد؛ وذلك بسبب نسيانهم صلاة النبي على سهيل بن بيضاء (3) في المسجد. وعدم إنكارهم على من باع الوَرْقَ بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة بسبب نسيانهم الحكم.--------------------------------------------
(1) إشارة إلى حديث عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا الأمر لا يصلح. قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع. فقال: ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا. وائت زيد بن أرقم؛ فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال مثل ذلك» .. رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب النهي عن بيع الوَرِقِ بالذهب دينًا، (3/ 1212/ح 1589).
(2) الإحكام لابن حزم (2/ 239).
(3) هو: سهيل بن بيضاء القرشي الفهري، وبيضاء أمه، وهو لقب لها واسمها دعد، واسم أبيه: وهب بن ربيعة بن هلال ابن الحارث بن فهر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع فهاجر من مكة إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، ومات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد.
تُنظر ترجمته في: الإصابة (3/ 208)؛ تعجيل المنفعة (1/ 170)؛ الجرح والتعديل (4/ 245).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
• المثال الثالث:
ما ذكره ابن حزم في إبطال القياس: "واحتج بعضهم بقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] قالوا: وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة - يعني اشتراط العدالة-، واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط، فكان ذلك في سائر الأحكام قياسًا على الطلاق والرجعة.
قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم؛ فأول ذلك: أن المحتج بهذا إن كان مالكيًّا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق (1)، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة (2)، وهم غير موصوفين بعدالة، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب.
وإن كان حنفيًّا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض (3)، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول (4)، والأقارب العدول (5) " (6).--------------------------------------------
(1) لم أقف على هذا في كتب المالكية؛ بل نقل ابن رشد الاتفاق على أن شهادة الفاسق لا تقبل. يُنظر: بداية المجتهد (4/ 1772). ويُنظر قول المالكية في رد شهادة الفاسق في التلقين (2/ 531).
(2) يُنظر: التلقين (2/ 541)؛ القوانين الفقهية (ص: 202)؛ حاشيتا قليوبي وعميرة (4/ 319).
(3) المبسوط (16/ 141)؛ تبيين الحقائق (5/ 182).
(4) يُنظر: المدونة (16/ 285)؛ رسالة القيرواني (ص: 133)؛ المبسوط (16/ 135)؛ بدائع الصنائع (6/ 267).
(5) يُنظر: القوانين الفقهية (ص: 203)؛ بدائع الصنائع (6/ 272)؛ البحر الرائق (7/ 57)؛ حاشية العدوي (2/ 450).
(6) الإحكام لابن حزم (7/ 406).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على الجمهور القائلين بحجية القياس قياسهم سائر الأحكام على الطلاق والرجعة في اشتراط العدالة فقال: إن كان المحتج بالقياس مالكيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الطبيب الفاسق، وشهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة؛ حيث قبلوا شهادتهم وهم ليسوا عدول.
وإن كان المحتج بالقياس حنفيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الكفار بعضهم على بعض.
• المثال الرابع:
ما ذكره البيضاوي في مسألة (التعليل بالوصف المركب): "قيل: لو عُلِّلَ بالمُرَكَّبِ فإذا انتفى جزء تنتفي العِلِّيَّة، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل الحاصل. قلنا: العلة عَدَمِيَّة فلا يلزم ذلك" (1).
فاستدرك عليه الإسنوي: "وأجاب المصنف (2) بأن العِليَّة صفة عدمية … ولم يجب الإمام (3) به عن هذه الشبهة؛ وإنما أجاب به عن شبهة أخرى … فترك صاحب الحاصل (4) ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، والظاهر أنه إنما حصل عن سهو" (5).
• بيان الاستدراك:
تعليل الحكم بالوصف المركب؛ كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد--------------------------------------------
(1) منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي- (2/ 916).
(2) المراد به البيضاوي.
(3) المراد به الرازي، ويُنظر: المحصول (5/ 305 - 308).
(4) المراد به تاج الدين الأرموي، يُنظر: الحاصل (3/ 203 - 204).
(5) نهاية السول (2/ 917 - 918).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)