عليه وسلم يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم، إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب. وقد أخرج النّسائي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة بلفظ: "كنت آكلُ مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حيّسًا في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه أصبعي، فقال: حَس أوأوّه، لو أطاع فيكنَّ ما رأتكُنَّ عينٌ، فنزل الحجاب".
وأخرج ابن مَرْدويه عن ابن عبّاس قال: "دخل رجلٌ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأطال الجلوس، فخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلَّك آذيتَ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلبم: لقد قُمتُ ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعل، فقال له عمر: يا رسول الله: لو اتَّخذتَ حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهنَّ، فنزلت آية الحجاب".
وطريق الجمع بينها أن أسباب النزول تعددت، وكانت قصة زينب آخرها. للنص على قصتها في الآية، أو أن ذلك وقع كله قبل قصة زينب، ولقربه منها أطلق نزول الحجاب بهذا السبب، أو أن المراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59].
رجاله ستة مرَّ تعريفهم، وفيه ذكر سَوْدة بنت زَمْعة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومرَّ تعريف يحيى بن بُكير، والليث بن سعد، وعقيل بن خالد، وابن شهاب في الحديث الثالث من بدء الوحي.
ومرَّ تعريف عروة وعائشة في الحديث الثاني منه أيضًا.
وأما سَوْدة فهي سَوْدة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس القُرشية العامِرِية، أمها الشموس بنت قيس بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 271)
كان تزوجها السَّكران بن عمرو أخو سُهيل بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعًا إلي الحبشة، فلما قدما مكة مات زوجها، فتزوجها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت أول امرأة تزوجها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد خديجة. قالت له خَوْلة بنت حكيم: أفلا أخطب عليك؟ قال: "بلى إنكنَّ معشرَ النساء أرفق بذلك". فخطبت عليه سَوْدة بنت زَمْعة وعائشة، فتزوَّجَهما، فبنى بسودة بمكة، وعائشة إذ ذاك بنت ست سنين، حتى بني بها بعد ذلك حين قدم المدينة.
وروي عن ابن عبّاس أن سَوْدة خشيت أن يطلِّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلِّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا … إلى قوله تعالى خَيْرٌ} [النساء: 128]. وأخرج عن عائشة أنه بعثها إليها بطلاقها، وفي رواية أنه قال لها: "اعتدّي"، وأنها قعدت له على الطريق، فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة.
وروي عن معمر قال: بلغني أنها كلمته، فقالت: ما بي على الأزواج من حرص، ولكني أحب أن يبعثني الله في أزواجك.
وفي "الصحيح" عن عائشة: استأذنت سَوْدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة -يعني: ثقيلة- فأذن لها، ولأن أكون استأذنته أحب إلي.
وصح عن عائشة أنها قالت: ما من الناس أحد أحبُّ إلي أن أكون في فسلاخه من سَوْدة، إلا أن بها حدة، كانت تسرع منها العنة.
وعن الأعمش عن إبراهيم قال: قالت سَوْدة للنبي صلى الله عليه وسلم: صليت خلفك الليلة، فركعت بي حتى أمسكت أنفي مخافة أن يقطُرَ الدم، فضحك. وكانت تضحكه بالشيء أحيانًا.
وعن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سَوْدة بغِرارةٍ من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم. قالت: في غرارة مثل التمر؟! ففرقتها.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 272)
ورُوي عن أبي الأسود يتيم عروة أن سَوْدة قالت: يا رسول الله: إذا مِتْنا صلّى بنا عثمان بن مَظْعون حتى تأتينا أنت. فقال لها: "يا بنتَ زَمْعة، لو تعلمين علمَ الموتِ لعلمت أنه أشد مما تظنين".
توفيت رضي الله عنها في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويُقال: ماتت زمن معاوية سنة أربع وخمسين، ورجحه الواقدي.
روى عنها ابن عبّاس، ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة.
روي لها خمس أحاديث، أخرج البخاري منها حديثين.
والعامِرِيّة في نسبها مرَّ في الستين من العلم.
وهنا ذُكر عمر بن الخطاب، ومرَّ تعريفه في أول حديث من البخاري.
لطائف إسناده:
منها أن فيه صيغة التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وفيه تابعيان ابن شهاب وعُروة، وقرينان الليث وعقيل، ورواته ما بين مصري ومدني، وهو على شرط الستة إلا يحيى، فإنه على شرط البخاري ومسلم.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الاستئذان.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 273)
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِى حَاجَتِكُنَّ". قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى الْبَرَازَ.
قوله: "قد أُذِن" أي: بالبناء للمفعول، أي: أذن الله.
وقوله: "أن تخرجنَ" أي: بأن تخرجن، أي: بخروجكن.
وقوله: "قال هشام: تعني البراز" أي: تعني عائشة رضي الله تعالى عنها بالحاجة البَراز -بفتح الموحدة- كما مرَّ، وفي بعض الأصول: "يعني" النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال الداوودي: قوله: "قد أُذن أن نخرجن" دالٌّ على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، فإنما أراد أن يستترن بالجلبابات حتى لا يبدو منهن إلا العين.
وهذا الحديث طرف من حديث جاء في التفسير مطولًا، وحاصله أن سَوْدة خرجت بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عُمر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما والله لا تخفَيْن علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يتعشّ، فأوحى الله تعالى إليه، فقال: "إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرُجْنَ لحاجتِكُنَّ" أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلما اتخذت فيها الكنف منعهنَّ من الخروج إلا لضرورة شرعية.
قال عياض: فرض الحجاب ممن اختصصن به، فهو فرض عليهنَّ بلا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 274)
خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنَّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وان كن مستترات إلا ما دَعَت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في "الموطأ": أن حفصة لما توفي عمر ستَرَها النساء عن أن يُرى شخصها. وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليُستر شخصُها.
قال في "الفتح": ليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنَّ بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحجُجْنَ ويطُفْن، وكان الصحابة ومن بعدَهم يسمعون منهنَّ الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد جاء في الحج قول ابن جُرَيْج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب.
قلت: ما اعترض به لا اعتراض به ولا دليل له فيما ذكر، فإن قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]، كاف للقاضي عياض في منع رؤية أشخاصهن، فقد قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: {مَتَاعًا} أي: حاجة ما، فتوى أو عارية أو شيئًا من الموافق. وقد قالوا: إن هذه الآية دالة على أن مكالمتهن من وراء حجاب لا تجوز إلا في حادثة تعرِضُ أو مسألة يُستَفْتى بها، وإذا كان الكلام من وراء الحجاب بهذه المثابة فكيف تجوز رؤية أشخاصهنَّ، ولم يُروَ عن أحد من الصحابة والتابعين أنه روى عنهنَّ بدون حجاب، وأما طوافُهن وسعيُهنَّ فذلك لضرورة العبادة التي لا تمكن إلا به، ولم يوجد في السنة إخلاء المطاف والمسعى لأحد، إذ لا اختصاص لأحد به دون أحد في وقت من الأوقات، فلا يمكن أن يقال بإخلاء المطاف لهن حتى لا تُرى أشخاصهن.
وفي الحديث مَنْقَبة كبيرة لعمر، وهذا أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن.
وفيه أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهنَّ الحاجة إليه من مصالحهن.
وفيه مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب، وحيث لا يقصد التَّعنُّت.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 275)
وفيه جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضرورة، وجواز الاغلاظ في القول لمن يَقْصد الخير.
وفيه جواز وعظ الرجل أمه في الدين، لأن سَوْدة من أمهات المؤمنين.
وفيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنه لم يأمرْهُنَّ بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه، حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهنَّ في الخروج.
رجاله خمسة:
الأول: زكريا بن يَحْيى بن صالح بن سُليمان بن مَطَر البَلْخي أبو يحيى اللُّؤلؤي، وهو زكريا بن أبي زكريا الفقيه الحافظ.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وكان صاحب سنة وفضل، ممن يردُّ على أهل البِدع، وهو صاحب كتاب "الإيمان". قال قُتيبة: فتيان خراسان أربعة، فذكره فيهم.
روى عن: عبد الله بن نُمير، ووكيع، والحكم، وابن المبارك، وأبي أسامة، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، والتِّرمذي بواسطة وجعفر الفِرْيابي، وإسماعيل بن محمد بن أبي كثير.
روي البخاري في كتابه عن زكريا بن يحيى غير منسوب، عن عبد الله بن نُمير، وعن أبي أسامة، واختلف فيه من هو. وقد روى في العيدين عن زكريّاء بن يحيى أبي السكين عن المحاربي وقال أبو الوليد الباجي يشبه عندي أن يكون الراوي عن ابن نُمير هو ابن أبي السُّكَيْن، وأشار الدّارقُطني إلى ذلك، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": ويشبه أن يكون هو الراوي عن أبي أسامة أيضًا حملًا للمطلق على المقيد في العيدين. وقال في "مقدمته": روى البخاري في "الصحيح" حديثًا واحدًا عن أبي السُّكيْن في العيدين، عن المحاربي، عن محمد بن سُوقَة، وعن أحمد بن يعقوب عن إسحاق بن سعيد، كلاهما عن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 276)
سعيد بن جبير، عن ابن عمر في قصته مع الحجاج حين أصابه سنان الرمح.
قال فيه البخاري: حدثنا زكريّاء بن يحيى أبو السُّكَيْن. وأخرج ثلاثة أحاديث أخرى في "الصحيح" عن زكرياء بن يحيى غير مكنّى ولا منسوب، إثنان منها عن عبد الله بن نُمير، والآخر عن أبي أسامة. وزكريّاء بن يحيى في هذه المواضع الثلاثة هو البَلْخِي، وليس لأبي السُّكَيْن عنده سوى الأول، فبين كلاميه في كتابيه تناف ظاهر فانظره.
مات زكريّاء اللُّؤلؤي هذا سنة ثلاثين ومئتي سنة، وهو ابن ست وخمسين سنة، ودفن عند قُتيبة بن سعيد ببغداد.
واللؤلؤيُّ في نسبه نسبة إلى اللؤلؤ الجوهر النفيس المعروف، إما لإخراجه أو بيعه أو غير ذلك، وإليه ينسب كثير من المحدثين: كأبي علي محمد بن أحمد بن عُمر اللُّؤلؤي راوي السنن عن أبي داود، وعبد الله بن خالد بن يزيد اللّؤلؤي حدث بسرَّ من رأى عن غُنْدر ورَوْح بن عُبادة، وأبي عبد الله محمد بن إسحاق البَلْخي اللؤلؤي روى عن عمرو بن بشْر، عن أبيه، عن جده، وعنه موسى الحمال.
وأما زكريّاء أبو السُّكَيْن فهو زكريّاء بن يحيى بن عمر بن حصن بن خميد بن مُنْهِبِ -اسم فاعل من أنهب- بن حارثة بن خُريم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي الكوفي نزيل بغداد.
وروى عن: أبيه، وعم أبيه زحر، وعن المحاربي، وعن عبد الله بن نُمَيْر، وأبي بكر بن عَيّاش، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، والحسن بن الصباح البزار، والحسن بن محمد بن الصبّاح الزَّعفرانيّ وهما من أقرانه، وابن صاعد، وغيرهم.
ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الخطيب: ثقة. وقال الدّارقطني: كوفي ليس بالقوي، يحدث بأحاديث ليست بمضيئة. وقال مرة: يحدث بأحاديث
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 277)
خطأ. وقال مرة: متروك. وتقدم قريبًا قول ابن حجر في "مقدمته": إن البخاري لم يخرج له إلا حديث العيدين، وذكرته هنا لقوله المار في "تهذيب التهذيب": إن الظاهر عنده أنه هو الراوي عن أبي أسامة.
مات سنة إحدى وخمسين ومئتين.
الثاني: من السند أبو أسامة حمّاد بن أسامة مرَّ تعريفه في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف هشام بن عُروة وأبو عُروة وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الحديث الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بَلْخي وكوفي ومدني، وفيه رواية الأب عن الابن.
أخرجه البخاري هنا، وفي التفسير عن زكريّاء أيضًا، ومسلم في الاستئذان.
باب التبرز في البيوت
عقَّبَ المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء إلى البَراز لم يستمرَّ، بل اتُّخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت، فاستغْنَيْن عن الخروج إلا للضرورة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 278)
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِى حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ.
قوله: "فوق ظهر بيت حفصة" قد مرّت الروايات في باب من تبرَّزَ على لبِنَتَيْن. ومرَّ الجمع بينها هناك.
وقوله: "مستدبرَ القبلة مستقبلَ الشام" لا يقال: شرط الحال أن تكون نكرة ومستدبر مضاف لمعرَّف فيعرف، لأن إضافته لفظية، وهي لا تفيد التعريف.
وتقدمت مباحث هذا الحديث والذي بعده في الحديث السابق في الترجمة المذكورة آنفًا.
رجاله ستة:
الأول: إبراهيم بن المنذر، مرَّ تعريفه في الحديث الأول من كتاب العلم.
ومرَّ تعريف محمد بن يحيى بن حَبّان وعمه واسع في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
ومرَّ تعريف عبد الله بن عُمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الثاني: من السند أنَس بن عِياض بن ضمْرة، وقيل: ابن عبد الرحمن، وقيل: ابن جُعْدُبة. وقال ابن حبان في "الثقات": من ظن أنه أخو يزيد بن عِياض بن جُعْدُبة فقد وهم، نعم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة، أبو ضمرة الليثي المدني.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 279)
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الخطأ. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة والنّسائي: لا بأس به. وقال يونُس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه. وحُكِيَ عن إسماعيل بن رشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه ويقول فيه الخير، وإنه وإنه، وقد سمع وكتب. وحكى أحمد بن صالح أنه ذُكر عند مالك، فقال: لم أر عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين. وقال مروان: كانت فيه غفلة الشاميين، ووثقه، ولكنه كان يعرض كتبه على الناس.
روى عن: هشام بن عُروة، وشَريك بن أبي نمر، وأبي حازم، وربيعة، وصالح بن كَيْسان، وابن جُرَيْج، والأَوْزاعي، وجماعة.
وروى عنه: ابن وَهْب، وبقِيّة بن الوليد، ومات قبله، والشافعيّ، والقَعْنَبِيّ، وابن المديني، وأحمد بن حَنْبل، وقُتيبة، وإبراهيم بن المُنْذر، وخلق.
مات سنة مئتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد، وليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه.
الثالث: عُبيد الله -بالتصغير- بن عبد الله بن عُمر بن حَفْص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب أبو عُثَمان القُرشي العَدَوي المدني، أمه فاطمة بنت عمر بن عاصم بن عُمر.
وثقه ابن مَعين، وأبو حاتم، وأبو زُرعة. وقال النَّسائي: ثقة ثبت. وقال ابن مَنْجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. وكذا قال ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت في حديث نافع منه. وقيل لابن مَعين: مالك أحب إليك عن نافع أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يفضل. وقال جعفر الطّيالسي: سمعت يحيى بن مَعين يقول: عُبيد الله عن القاسم عن عائشة الذهب المُشَبّك بالدُّر. فقلت: هو أحب إليك أو الزُّهري عن عُروة عن عائشة؟ قال: هو إلي أحب. وقال أحمد بن صالح: عُبيد الله أحب إلى من مالك في حديث نافع.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 280)
وذُكر ليحيى بن سعيد قول ابن مَهدي: إن مالكًا أثبت في نافع من عبيد الله، فغضب. وقال: أبو حاتم: عُبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وقال: لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور، لزم عُبيد الله ضيعته، واعتزل، فلما قُتل محمد رجع إلى المدينة، وكان حجة ثقة كثير الحديث.
روى عن أم خالد بنت خالد ولها صحبة، وعن أبيه، وخاله حبيب بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وعبد الله بن دينار، وأبي الزِّناد، وعطاء بن أبي رباح، وخلق.
وروى عنه: عبد الله، وحُميد الطويل -وهو من شُيوخه- وأيوب السِّخْتِياني ومات قبله، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو أكبر منه، والحمّادان، والسُّفيانان، وشعبة، وابن المبارك، ويحيى القطّان، وخلق.
مات بالمدينة سنة سبع وأربعين ومئة.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم: عبيد الله، ومحمد بن يحيى، وواسع. ورواية صحابي عن صحابي على قول من يعدُّ واسعًا من الصحابة. وتقدم ذكر من أخرجه في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب، وهو هذا بعينه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 281)
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
لم يقع في رواية يحيى الأنصاري هذه "مستدبر القبلة" كما في رواية عبيد الله السابقة ، لأن ذلك من لازم من استقبل الشام بالمدينة ، وإنما ذكرت في رواية عُبيد الله للتأكيد والتصريح به.
وقال هنا: "مستقبل بيت المقدس"، وفي السابقة "مستقبل الشام"، فغاير في اللفظين، والمعنى واحد، لأنهما في جهة واحدة.
رجاله ستة:
الأول: يعقوب بن إبراهيم الدُّوْرَقي مرَّ في الحديث الثامن من كتاب الإيمان.
ومرَّ يحيى بن سعيد في الحديث الأول من بدء الوحي.
ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
ومرَّ محمد بن يحيى بن حَبّان وعمه واسع في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
الثاني: من السند يزيد بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السُّلَمي مولاهم، أبو خالد الواسِطيّ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير. قيل: أصله من بخارى.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 282)
قال أبو حاتم: ثقة صدوق، لا يسأل عن مثله. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد. وقال أبو زُرعة: والإِتقان أكثر من حفظ السَّرْد. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وما رأيت أحفظ منه. وقاله العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا حسن الصلاة جدًّا، وكان يصلي الضُّحى ستة عشر ركعة، وكان قد عَمِيَ.
وقال الحسن بن عَرَفة: قلت ليزيد: ما فعلت تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان يُعد من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وقيل لأحمد: يزيد بن هارون له فقه؟ قال: نعم، ما كان أفطنه وأذكاه وأفهمه. قيل له: فابن عُلَيّة؟ قال: كان له فقه، لا أعلم أني أخْبُره خُبْري يزيد، ما كان أجمع أمر يزيد، صاحب صلاة، حافظ، متقن للحديث، صوّانه، وحَسَنُ مذهبٍ.
وقال عفان: ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه، يقوم كأنه أسطوانة، لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة. وقال يحيى: ابن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلستُ قط إلا حديثًا واحدًا عن عون. فما بُورك لي فيه.
وقال محمد بن قُدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد ولا فخر. وقال علي بن شُعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أُسأل عنها. وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقول: إن في مجلسه سبعين ألف رجل. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت له كتابًا قطُّ ولا حديثًا إلا حفظًا. وقال أحمد بن الطيب: سمعت يزيد يقول لهارون مستمليه: بلغني أنك تريد أن تُدخل علي في حديثي، فاجهد جهدك، لا أرعى الله تعالى عليك إن رعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 283)
وقال الزَّعفراني: ما رأيت خيرًا من يزيد. وذكره ابن حِبان في "الثقات" وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، ممن يُحفظ حديثه. وقال زكريّاء بن يحيى: كنا نسمع أن يزيد من أحسن أصحابنا صلاة، وأعلمهم بالسنة.
وذكر ابن أبي خَيْثمة عن أبيه أنه كان بعد أن كُفَّ بصره إذا سُئل عن الحديث لا يعرفه أمر جاريته أن تحفظ له من كتابه، وكان ذلك يُعاب عليه، وكان المتقدمون يحترزون عن الشيء اليسير من التساهل، لأن هذا يلزم منه اعتماده على جاريته، وليس عندها من الإتقان ما يميز بعض الأجزاء من بعض، فمن هنا عابوا عليه هذا الفعل. قال ابن حجر: وهنا في الحقيقة لا يلزم منه الضَّعْف والتليين.
روى عن: حُميد الطويل، وعاصم الأحْول، وسليمان التَّميمي، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، ومسلم بن سعيد، وهمّام، ووَرْقاء، وهشام بن حَسّان، وهشام الدَّسْتُوائي، وخلق.
وروى عنه: بقِيّ بن الوليد ومات قبله، وآدم بن أبي إياس، وأحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وهارون الحمال، ويعقوب الدَّوْرقي. وأدركه البخاري بالسن لكن مات قبل أن يرحل، فأخذ من كبار أصحابه، وخلق كثير.
مات في خلافة المأمون في غُرة ربيع الآخر سنة ست ومئتين.
والسُّلمي في نسبه مرَّ في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الواسطيّ في الخامس منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواته أئمة أجلاّء أعلام، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض.
ومرَّ ذكر المواضع التي أُخرج فيها عند أول ذكره في الحديث الحادي عشر من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 284)
باب الاستنجاء بالماء
أي: هذا باب في حكم الاستنجاء بالماء، والاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النَّجْوة من الأرض لقضاء الحاجة، والنَّجوة المرتفع من الأرض، كانوا يستترون به إذا قعدوا للتخلي، وهو استفعال من النَّجْو، ومعناه إزالة النَّجو، وهو الأذى الباقي في فم أحد المخرجين بالحجر أو بالماء.
وأراد المصنف بهذه الترجمة الرد على مَنْ كره الاستنجاء بالماء، وعلى مَنْ نفى وقوعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، متمسكًا بما رواه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حُذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، أنه سُئل عن الاستنجاء بالماء. فقال: إذًا لا يزال في يديَّ نتنٌ. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي من الماء. وعن ابن الزُّبير قال: ما كنا نفعله. وعن سعيد بن المسيِّب أنه سُئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إنه وضوء النساء. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مَطْعوم.
قلت: كيف يصح إنكار الاستنجاء بالماء مع ما هو مطبَقٌ عليه عند المفسرين من أن قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]، نزلت في أهل قباء، أو أهل المدينة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام سألهم عن الطهارة التي مدحهم الله تعالى بها، فقالوا له: كنا نُتْبِعُ الحجارة بالماء. فقال: "هو ذاك، فعليكُموه" رواه البزار.
وروى ابن خُزيمة في "صحيحه" أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتاهم في مسجد قُباء، فقال: "إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم"، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنه كان لنا جيرانٌ من اليهود، فكانوا يغسِلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. وقال ابن العربي: إن هذا الحديث لم يصح، والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 285)
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ.
قوله: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خرج لحاجته" لفظة "كان" تشعر بالتكرار والدوام، وكلمة "إذا" ظرف، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه جملة "أجيء"، و"خرج" أي: من بيته أو من بين الناس، "لحاجته" أي: البول أو الغائط.
وقوله: "أجيء أنا وغلام" الجملة في محل نصب على أنها خبر كان، والعائد محذوف، أي: أجيئه، وضمير أنا ضمير متصل، أبرزه ليصح العطف على ضمير الرفع المتصل.
وزاد المصنف في الرواية الآتية عقب هذه: "منا" أي: من الأنصار، كما صرح به الإسماعيلي في روايته، ولمسلم: "نحوي" أي: مقارب لي في السنن.
والغلام هو المترعرع، وقال في "المحكم": من لدن الفطام إلى سبع سنين. وقال الزَّمَخْشري: الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلام، فهو مجاز. والغلام المذكور لم يُسَمَّ.
وقال في "الفتح": إن إيراد المصنف لحديث أنس مع الطرف المعلق الآتي قريبًا من حديث أبي الدَّرداء يشعر إشعارًا قويًّا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود، وقد مرَّ أن لفظ الغلام يُطلق على غير الصغير مجازًا، وقد
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 286)
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: "إنك لغلامٌ معلّم"، وعلى هذا فقول أنس: "وغلام منّا" أي: من الصحابة أو من خدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وأما رواية الإسماعيلي التي فيها: "من الأنصار" فلعلها من تصرف الراوي، حيث رأى في الرواية "منا"، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى، فقال: "من الأنصار"، أو إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن كان العرف خَصَّه بالأوس والخزرج.
وقيل: الغلام أبو هُريرة، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، فيمكن أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس. ويؤيده ما رواه المصنف في ذكر الجن عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته. لكن يبعده أن إسلام أبي هُريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هُريرة كبير، فكيف يقول أنس كما مرّ لمسلم: "وغلامٌ نحوي" أي: مقارب لي في السن.
وعند مسلم في حديث جابر الطويل في آخر الكتاب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انطلق لحاجته. فاتّبعه جابر بإداوة، فيحتمل أن يفسر به المبهم، ولاسيما وهو أنصاري.
ووقع عند الإسماعيلي عن شُعبة: "فاتَّبعتُه وأنا غلامٌ" بتقديم الواو، فتكون حالية، لكن تعقبه الإسماعيلي بأن الصحيح: "أنا وغلام" أي: بواو العطف.
وقوله: "معنا إِداوة" بسكون العين وفتحها، وبكسر الهمزة في الإداوة، وهي إناء صغير من جلد كالسطحية مملوءة ماء.
وقوله: "يعني: يستنجي به" قائل يعني هو هشام، أي: يعني أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستنجي بالماء. وقد تعقب الأصيلي البخاري في
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 287)
استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قائلًا: إن قوله هنا: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد هشام الراوي، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، فيُحتمل أن يكون الماء لوضوئه.
وزعم بعضهم أن قوله: "يستنجي" مدرَجٌ من عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، وحينئذ فلا حجة فيه.
وهذا يرده ما عند الإسماعيلي عن شعبة: "فانطلقت أنا وغلام من الأنصار، معنا إداوة من الماء يستنجي منها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم". ولمسلم عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء". وللمؤلف عن عطاء بن أبي مَيْمونة: "إذا تبرَّزَ لحاجته، أتيته بماء، فيغتسل به". وعند ابن خُزيمة في "صحيحه" عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الغَيْضة، فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماءٍ فاستنجى منها". وفي "صحيح" ابن حبان، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من غائط قطُّ إلا مسَّ ماء". وعند الترمذي، وقال: حسن صحيح أنها قالت: "مرنَ أزواجكُنَّ أن يغسِلوا أثر الغائط والبول، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفعله". وهذا كله يرد على الأصيلي وعلى مَنْ كره الاستنجاء بالماء فيما مر.
وقال بعضهم لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسنة قاضية عليهم، استعمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوة ماء.
والذي عليه جمهور السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم أن الجمع بين الحجر والماء أفضل، فيقدم الحجر لتخفيف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل بالماء، وسواء فيه البول والغائط. وكلام القفّال الشاشي يقتضي تخصيصه بالغائط. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، لكونه يزيل عين النجاسة وحكمها، والحجر يزيل العين فقط. والخُنْثى المشكل يتعيّن فيه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 288)
الماء كالأنثى، ويشترط في الحجر الطهارة إلا في الجمع بينه وبين الماء كما قاله الغزالي.
رجاله أربعة:
الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك، مرَّ تعريفه في الحديث العاشر من كتاب الإيمان.
ومرَّ تعريف شُعبة بن الحجّاج في الحديث الثالث منه.
ومرَّ تعريف أنس بن مالك في الحديث السادس منه أيضًا.
الثاني: من السند عطاء بن أبي مَيْمونة، واسمه مَنيع البصري أبو مُعاذ مولى أنس، ويقال: مولى عِمْران بن حُصَيْن.
وثقه ابن مَعين، والنسائي، وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: صالح لا يُحتج بحديثه. ووثقه أيضًا يعقوب بن سُفيان. وقال البزار: بصري مشهور. وقال ابن عَدي: في أحاديثه ما يُنكر. وقال البُخاري وغير واحد: كان يرى القدر.
احتج به الجماعة سوى الترمذي، وليس له في البخاري سوى حديث الاستنجاء هذا.
روى عن: أنس، وعِمران، وجابر بن سَمُرة، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه إبراهيم وروح، وخالد الحذّاء، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم.
مات بالطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومئة.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته كلهم بصريون، وهم من فرسان الستة إلا عطاء، فإن التّرمذي لم يخرّج له.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 289)
وهو من رباعيات البُخاري. أخرجه البخاري هنا وفي الطهارة أيضًا وفي الصلاة. ومسلم والنسائي وأبو داود في الطهارة أيضًا.
باب مَنْ حمل معه الماء لطهوره
" حمل" بضم الحاء وكسر الميم الخفيفة، أو بفتح الحاء والميم.
وقوله: "لطُهوره" بضم الطاء ليتطهر به، وفي رواية: "لطَهورٍ" بفتح الطاء، وحذف الضمير.
وقال أبو الدرداء أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد.
هذا الخطاب لعَلْقمة بن قيْس، والمراد بصاحب النعلين وما ذُكر معهما عبد الله بن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك. وصاحب النعلين في الحقيقة هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل لابن مسعود: صاحب النعلين مجازًا لكونه كان يحملهما.
و"الطَّهور" بفتح الطاء، و"الوِساد" بكسر الواو، أي: صاحب نعلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومائه الذي يتطهر به، ومخدته، أي: لم لا تسألون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وهو في العراق بينكم؟ وكيف تحتاجون معه إلى أهل الشام أو إلى مثلي؟.
وهذا التعليق وصله البخاري بتمامه في المناقب.
وأبو الدَّرداء هو عُوَيْمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قَيْس بن أمية. وقيل: عُويمر بن عبد الله بن زيد بن قَيْس بن أمية بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخَزْرجَ بن الحارث بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. وقيل: اسم أبي الدرداء عامر بن مالك، وعُوَيْمر لقب له. واسم أمه مجّة بنت واحد بن عمرو بن الأطنابة. وقيل: واقدة بنت واقد.
قيل: إنه أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا. روي عن شُريح بن عُبيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: "نعمَ الفارس
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 290)