من تخاليط كثيرة، وخطأ في حكاية النقل عن الأئمة، واختصار مخل لعباراتهم.
وللذهبي " المغني في الضعفاء "، فيه فوائد كثيرة، لكن الذهبي ربما أختصر العبارة وتصرف فيها فأخل.
وفي " الميزان " بعض الشبه من هذا، ومما يؤخذ عليه فيه أنه يقول في عدد من الرواة: " لا يعرف "، وهذا إذا لم يسبق إليه، فربما كان مستنده فيه ما قاله ابن حجر عائباً ذلك منه: " إذا لم يجد المزي قد ذكر للرجل إلا راوياً واحداً جعله مجهولاً، وليس هذا بمطرد " (1).
أما تتمة ابن حجر " لسان الميزان " فمليئة بالفائدة.
وفي الجملة: يجب أن تحتاط وتحقق في الأخذ من هذه الكتب، إذ ليس بمجرد ذكر الراوي فيها تسليم للقدح فيه، كما سأذكره في فصل (اختلاف الجرح والتعديل).
الأصل السادس: يطلب نقد رواة الآثار كما يطلب نقد رواة الحديث.
على هذا رأينا أئمة هذا الشأن، لا يفرقون في تحقيق أهلية الراوي بين من يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن يروي الآثار عن الصحابة والتابعين.
لكن ليس هذا على معنى المساواة في قدر التشديد بين الصورتين، فإنهم إذا كانوا يفرقون فيما يرويه الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام وما يرويه في الرقائق، فتفريقهم بين ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يروى عن غيره أولى بالاعتبار.
وإنما المقصود أنهم يخضعون الجميع للنقد، ولا يستسهلون نسبة رأي إلى صحابي أو عالم بمجرد أن وجد منسوباً إليه، بل كانوا يحققون إسناده.--------------------------------------------
(1) تهذيب التهذيب (4/ 224 _ ترجمة: النضر بن عبد الله السلمي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
فهذا مثلاً (بزيع أبو خازم الكوفي) صاحب الضحاك بن مزاحم، ضعفوه، وقال ابن عدي: " لا يعرف في الرواة، إلا في روايته عن الضحاك بن مزاحم بحروف في القرآن، ولا أعرف له شيئاً من المسند، وإنما أنكروا عليه ما يحكي عن الضحاك في التفسير، فإنه يعرف عن الضحاك بتفسير لا يأتي به غيره، ولا أعرف له مسنداً " (1).
* * *--------------------------------------------
(1) الكامل (2/ 241).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
الفصل الرابع
تفسير الجهالة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
المبحث الأول:
من هو الراوي المجهول؟
عرف الخطيب (المجهول) بقوله: " المجهول عند أصحاب الحديث هو: كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد عنه " (1).
قلت: وفي هذا نظر، فإنا وجدنا العدالة أثبتها أهل الشأن لرواة لم يشتهروا بالعلم، ولم يعرفوا إلا من جهة راو واحد عن أحدهم.
والتحقيق أن الجهالة باعتبار مقابلتها في هذا العلم للعدالة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جهالة عين
ولها صورتان:
الأولى: كون الراوي لا يسمى، كأن يأتي في الإسناد: (عن رجل).
والثانية: أن يسمى، لكن لم يعرف عنه سوى اسمه من جهة تلميذ واحد روى عنه لا يروي عنه غيره، ولم يعرف ذلك التلميذ بالتحري فيمن يروي عنهم، ولا يدري أحد من أهل الحديث من يكون ذلك الراوي.--------------------------------------------
(1) الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: 149).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول)، و: (لا يعرف)، و: (لا يدرى من هو)، و: (نكرة).
وهذا الصنف من الرواة يوجد عن أحدهم في العادة الحديث والحديثان والشيء اليسير.
وهل يدخل في هذه الصورة الصحابة؟
قال الحاكم: " المحدث إذا لم يعرف شخصه، لم يكن له أن يروى عنه بإجماع الأمة " (1).
قلت: وهذا بعمومه يتناول الصحابة، وللحاكم قول أبين من هذا ذكرته في الكلام على جهالة الصحابي في (تفسير التعديل)، وبينت هناك أن الصحابي مستثنى مما يطلب لإثبات العدالة في غيره، وكل ما هو مطلوب لقبول حديثه صحبته، ولو لم يسم.
القسم الثاني: جهالة حال
ولها صورتان:
الأولى: كون الراوي معروفاً برواية أكثر من واحد عنه.
والثانية: روى عنه واحد، لكن انضمت إليه قرينة زادت من قدر العلم به، كمجيء ذكره في خبر لا في إسناد، أو أن يكون العلم به وبحديثه جاءنا من رواية ثقة عنه لم يعرف بالرواية عن المجروحين، كإبراهيم النخعي، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح.
لكنه مع العلم بوجوده وارتفاع جهالة عينه فإنه لم تثبت أهليته في الحديث.--------------------------------------------
(1) سؤالات مَسعود السجزي للحاكم (النص: 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
نعم، تثبت له العدالة الدينية بذلك على ما تقدم في (التعديل).
ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول الحال)، وربما أطلق بعض علماء الجرح والتعديل وصف: (مجهول) ويعنون هذا المعنى، كما يقع من أبي حاتم الرازي.
ويوصف هذا أيضاً بـ (المستور).
وزوال الراوي بجهالة الحال إنما يكون باختبار حديثه وتبين حفظه وإتقانه بذلك، وهو الطريق الذي سلكه أئمة الحديث للحكم على الرواة، فإن ثبت حفظه فهو ثقة أو صدوق، وإن تبين سوء حفظه نزل على ما يناسبه من الأصاف.
وقد لا يتهيأ للناقد تبين حال الراوي إذا كان لم يرو إلا القليل من الحديث، فيثبت له الوصف بالجهالة الموجبة لرد حديثه، حتى تندفع عنه شبهة الضعف بالمتابعة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سألته عن عطاء العطار؟ فقال: " روى عنه حماد بن سلمة، وهشام بن حسان " فقلت: كيف حديثه؟ فقال: " كم روى؟! شيئاً يسيراً " (1).
وقال ابن عدي في (عمران بن عبد الله البصري): " غير معروف، وأنكر عليه البخاري الحديث الواحد في التسبيح، وإذا كان الرجل غير معروف بالروايات؛ فإنه يقع في حديثه المناكير " (2).
وقال البخاري في (قيس أبي عمارة الفارسي): " فيه نظر " (3)، فقال ابن--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: 786).
(2) الكامل (6/ 173).
(3) التاريخ الأوسط (2/ 108).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
عدي: " هذا الذي أشار إليه البخاري إنما هو حديث واحد، وليس الذي يبين من الضعف في الرجل وصدقه إذا كان له حديث واحد " (1).
وقال ابن عدي في (سلم العلوي): " قليل الحديث جداً، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليلاً، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر " (2).
* * *--------------------------------------------
(1) الكامل (7/ 171).
(2) الكامل (4/ 352).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
المبحث الثاني:
جهالة الراوي سبب لرد حديثه
الجهالة سبب لرد حديث الراوي، ما لم تثبت استقامة حديثه ذلك.
وهذا قديم عند أهل العلم أنهم لا يحتجون بحديث المجهول.
قال عبد الله بن عون: " لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفاً بالطلب " (1).
وقال الشافعي: " لا نقبل خبر من جهلناه، وكذلك لا نقبل خبر من لم نعرفه بالصدق وعمل الخير " (2).
وقال: " من حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب، ولا يقبل الخبر إلا ممن عرف بالاستئهال لأن يقبل خبره، ولم يكلف الله أحداً أن يأخذ دينه عمن لا يعرف " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (1/ 1 / 28) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: 405) وابنُ عدي (1/ 257) والخطيب في " الكفاية " (ص: 251) من طريق إبراهيم بن المنذر الحِزامي، قال: سمعت أيوب بن واصل يقول: سمعت عبد الله بنَ عون، به. وإسناده حسن.
(2) اختلاف الحديث (ص: 45).
(3) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (1/ 207) وإسناده صحيح، والمعنى لهذا القوْل عن الشافعي أيضاً في " الرسالة " (ص: 376 _ 377).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
وقال: " كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا عمن عرف، وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب " (1).
وقال البيهقي: " لا يجوز الاحتجاج بأخبار المجهولين " (2).
وقال الذهبي: " لا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة " (3).
وقال ابن رجب: " ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح ولا يحتج به " (4).
قلت: وقد جرح الأئمة بالجهالة، وردوا بها الكثير من الحديث.
فمن أمثلته (هبيرة بن يريم الشيباني)، تابعي تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عنه قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " لا، هو شيبة بالمجهولين " (5).
وهذا ابن عدي أدخل في المجروحين جماعة من المجهولين كانت حجته تعود تارة إلى نكارة حديثهم، وتارة إلى قلة الرواية بحيث لا يتبين من مقدارها استقامة ما رووا، فمن كلامه:
قوله في (إبراهيم بن عبد السلام المخزومي): " ليس بمعروف، حدث بالمناكير، وعندي أنه يسرق الحديث " (6).--------------------------------------------
(1) الأم (12/ 369).
(2) الخلافيات (2/ 178 _ 179).
(3) ميزان الاعتدال (2/ 234).
(4) شرح علل الترمذي (1/ 347).
(5) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (4/ 109 _ 110).
(6) الكامل في ضعفاء الرجال (1/ 419).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
وقوله في (إبراهيم بن هانئ) شيخ لبقية بن الوليد: " ليس بالمعروف، يحدث عنه بقية، ويحدث إبراهيم هذا عن ابن جريج بالبواطيل " (1).
وقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي): " ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة " (2).
وقوله في (بشير بن زياد الخراساني): " غير مشهور، في حديثه بعض النكرة " وقال: " ليس بالمعروف، إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه، ولم أجد أحداً يروي عنه غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة " (3).
وقوله في (بكر بن يزيد المدني): " ليس بمعروف، ولا أعلم يروي عنه غير القعنبي (4)، وهو مجهول من أهل المدينة، والقعنبي أصله من المدينة سكن البصرة، ويروي عن قوم من أهل المدينة غير معروفين، لا يروي عنهم غيره " (5).
وقال مثل هذا في (بهلول بن راشد) (6)، و (سليمان بن أبي خالد البزار) (7)، و (سليط بن مسلم) (8) ، و (عبد الله بن سليمان) (9)، وهؤلاء جميعاً روى عنهم القعنبي.
وقوله في (تمام بن بزيع السعدي): " ليس بالمعروف، ولا يحدث عنه من البصريين غير محمد بن أبي بكر المقدمي، وهو قليل الحديث " (10).--------------------------------------------
(1) الكامل (1/ 421).
(2) الكامل (1/ 422).
(3) الكامل (2/ 183).
(4) هوَ عبد الله بن مسلمة القعنبي.
(5) الكامل (2/ 201).
(6) الكامل (2/ 251).
(7) الكامل (4/ 295).
(8) الكامل (4/ 549).
(9) الكامل (5/ 430).
(10) الكامل (2/ 279).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
وقوله في (الحسن بن عبد الله الثقفي): " ليس بمعروف، منكر الحديث "، وقال بعد أن ذكر له حديثين: " وهذان الحديثان بهذا الإسناد منكران، ولا أعلم أنّ للحسن بن عبد الله الثقفي غيرهما، وإن كان للحسن رواية غير ما ذكرته يكون مثل ما ذكرته في الإنكار " (1).
وقوله في (محمد بن عباد بن سعد) شيخ لمعن بن عيسى: " ليس بالمعروف، ومعن يحدث عن قوم ٍ من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين " (2).
وكذلك صنع العقيلي، فمن كلامه في جماعة من المجهولين:
قوله في (إياس بن أبي إياس): " مجهول، حديثه غير محفوظ " (3).
وقوله في (إبراهيم بن زكريا الواسطي): " مجهول، وحديثه خطأ " (4).
وقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الجبلي): " ليس بمعروف في النقل، والحديث غير محفوظ " (5).
وقوله في (بلهط بن عباد): " مجهول في الرواية، حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه " (6).
وقوله في (الحسن بن علي الهمداني): " مجهول، لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به " (7).
وهكذا رأيت من صنيع ابن حبان، لكن على خطته فيمن لم يرو عنه إلا مجروح، فمن كلامه:
قوله في (عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري)، وذكر له أثراً عن علي بن--------------------------------------------
(1) الكامل (3/ 167 _ 168).
(2) الكامل (7/ 478).
(3) الضعفاء، للعُقيلي (1/ 35).
(4) الضعفاء (1/ 53).
(5) الضعفاء (1/ 56).
(6) الضعفاء (1/ 166).
(7) الضعفاء (1/ 235).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
أبي طالب: " من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ": " هذا شيء لا أصل له عن علي، .. وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول، ما أعلم له شيئاً يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه .. " (1).
وقوله في (عبد الله بن زياد سليم القرشي): " شيخ مجهول، يروي عن عكرمة، روى عنه بقية بن الوليد، لست أحفظ له راوياً غير بقية " وذكر له من تفرده ما لا يحتمل (2).
وقوله في رجل يقال له: (أبو زيد): " يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يدري من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به "، وذكر له حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بالنبيذ (3).
وكذلك الشأن عند الدارقطني، فجرح جماعة بقوله في أحدهم: " مجهول يترك " أو " مجهول متروك ".
قال ذلك في: إسحاق بن عمر، يروي عن عائشة (4)، وفي: علي بن أبي فاطمة، يحدث عن يونس بن بكير (5)، وفي: عمرو بن أبي نعيمة المعافري (6)، وحابس اليماني، يروي عن أبي بكر الصديق (7) وفي:--------------------------------------------
(1) المجروحين، لابن حبان (2/ 5).
(2) المجروحين (2/ 17).
(3) المجروحين (3/ 158).
(4) سؤالات البرقاني (النص: 28).
(5) سؤالات البرقاني (النص: 367).
(6) سؤالات البرقاني (النص: 372).
(7) سؤالات البرقاني (النص: 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
يزيد بن زيد مولى أبي أسيد البدري (1)، وفي: أبي مريم الثقفي، يروي عن عمار بن ياسر (2).
وهذا الذي ذكرت يوضح منهجاً مشتركاً عند هؤلاء الأئمة، هو: أن الراوي يكون مجهولاً ويأتي بالحديث بما لا يعرف وجهه إلا من طريقه، ولكون الشبهة في ضعفه قد قويت من جهة ما تفرد به إسناداً أو متناً أو كليهما، فقد صار في عداد المجروحين.
ولا يلحق بالثقات إلا من ثبت تحديثه بالمحفوظ من الحديث دون غيره من أولئك المجهولين.
* * *--------------------------------------------
(1) سؤالات البرقاني (النص: 551).
(2) سؤالات البرقاني (النص: 587).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
المبحث الثالث:
أصول في الراوي المجهول
الأصل الأول: مجاهيل التابعين أرفع ممن بعدهم لندرة الكذب يومئذ.
هذا الأصل بالنظر إلى ندرة ما ينكر من أحاديث من أحاديث تلك الطبقة، على أن هذا لا يدل على قبول حديث من كان كذلك منهم، إنما المقصود تفاوت أثر النعت بالجهالة فيما بينهم وبين من بعدهم.
قال عروة بن الزبير، وهو معدود في الطبقة الثانية من التابعين: " إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به " (1).
قال ابن عبد البر: " في خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة " (2).
وهكذا جاء عن غير واحد من التابعين أنهم لم يكونوا يقبلون الحديث إلا عمن ثبت عندهم أنه ثقة.--------------------------------------------
(1) أخرجه الشافعي في " الأم " (12/ 368) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 73، 210) وابنُ عبد البر في " التمهيد " (1/ 38، 39) وإسناده صحيح.
(2) التمهيد (1/ 39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
قال الشافعي: " وما زال أهل الحديث في القديم والحديث يثبتون، فلا يقبلون الرواية التي يحتجون بها ويحلون بها ويحرمون بها إلا عمن أمنوا " (1).
لكن لو قارنت بين مجاهيل التابعين والمجاهيل بعدهم، وجدت أكثر من بقي له نعت الجهالة فيمن بعدهم قد روي عنه من الحديث ما عدت الآفة فيه منه، كشيوخ بقية بن الوليد وغيره ممن كانوا يروون عن المجهولين الأحاديث المنكرة.
سئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن أبي سفيان الأنماري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب عن عثمان، عن النبي صلى الله وسلم توضأ وخلل لحيته؟ فقال أبو حاتم: " هذا حديث موضوع، وأبو سفيان الأنماري مجهول " (2).
قلت: الأنماري هذا من طبقة أتباع التابعين، أتى بهذا الإسناد النظيف الذي لا يعرف عن غيره، فلظهور نكارة الإسناد والجزم بكونه باطلاً أن يروي به هذا الحديث، حمل هذا المجهول تبعته.
الأصل الثاني: المجهولات من النساء.
يقل في النساء من روين الحديث ويقل فيمن رواه منهن من عرفن، ومن عرفن فقد عرفن بالثقة، وندر في النساء من جرحت بسبب من أسباب الجرح المتقدمة، لكن أكثرهن مجهولات.
وأكثر من ذكرن بالرواية منهن كن من الطبقات المتقدمة، من الصحابيات ومن قرب من عهدهن.--------------------------------------------
(1) الأم (12/ 368).
(2) علل الحديث (رقم: 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
ولعل ما ذكرت من غلبة الجهالة على النساء أنهم لم يكونوا يرغبون في الرواية عنهن؛ لأنها رواية عن المجهولات.
قال أبو هاشم الرماني: " كانوا يكرهون الرواية عن النساء، إلا عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " (1).
وقال شعبة بن الحجاج: " كنت إذا أتيت الكوفة يسألني الأعمش عن حديث قتادة، فقلت له يوماً: حدثنا قتادة عن معاذة، قال: عن امرأة؟! اغرب، اغرب! " (2).
وقال أبو الحسن ابن القطان: " أحاديث النساء متقاة محذور منها قديماً من أئمة هذا الشأن، إلا المعلومات منهن الثقات، فأما هؤلاء الخاملات القليلات العلم، اللاتي إنما اتفق لهن أن روين أحاديث آبائهن أو أمهاتهن أو إخوانهن أو أخواتهن أو أقربائهن بالجملة .. فإن الغالب في هؤلاء أنهن من المستورات كمساتير الرجال، فأما مثل عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة بنت طلحة وصفية بنت شيبة وأشباههن من ثقاتهن، فلا ريب في وجوب قبل روايتهن " (3).
وعقد الذهبي في أواخر كتابه " ميزان الاعتدال " فصلاً قال فيه: " فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها " (4).
قلت: وهذا يدل على خفة تأثير ذلك في حديثهن.--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (النص: 4956) بإسنادٍ صحيح، وأبو هاشم هذا ثقةٌ فقيه يروي عن التابعين.
(2) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (1/ 146) وإسناده صحيح. ومُعاذةُ هيَ العدوية، تابعيةٌ ثقةٌ.
(3) بيان الوهم والإيهام (5/ 146).
(4) ميزان الاعتدال (4/ 604).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
الأصل الثالث: قول الراوي: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم) ولا يسمي ذلك الشيخ، فهل يعتد بهذا التعديل؟
عدم تسمية الراوي، أو عدم ذكر ما يتميز به شخصه، فيمن دون الصحابة من الرواة، لا يرفع من أمره شيئاً أن يقول الراوي عنه: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم)، حتى وإن كان ذلك الراوي معدوداً فيمن يميز النقلة.
وذلك أنا نعلم أن النقاد يختلفون في النقلة، فربما لو سمى ذلك الراوي شيخه لكن مجروحاً بقادح عند غيره من أئمة الحديث.
قال العلائي: " والذي عليه أكثر المحققين: أنه لا يكتفى بقول الراوي: حدثني الثقة، من غير ذكر اسمه، فإنه إذا صرح باسمه وعرفناه زال ذلك الاحتمال إذا لم يظهر فيه جرح بعد البحث " (1).
بل إن عدوله عن تسمية شبهة في أنه ربما علم أنه لو سماه لرد أهل العلم روايته.
ومن أمثلة قول الناقد: قول الشافعي: " أخبرنا الثقة عن فلان " ويسمي شيخ ذلك الثقة عنده.
فالشافعي ممن له دراية بالنقلة، لكنا لا نقبل منه قوله في شيخه المبهم: " الثقة " دون أن يسميه، فإنه روى عن بعض الشيوخ المجروحين، ومن أبرزهم إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك عند سائر كبار النقاد، ومعروف أن الشافعي كان يوثقه.
أما ما جاء عن بعض أهل العلم في تعيين المراد ببعض من أرادهم الشافعي بذلك، فذلك مما لا يمكن القطع به، بل الظاهر أنه أجري على مجرد الاحتمال.--------------------------------------------
(1) جامع التحصيل (ص: 106).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
وذلك مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: " جميع ما حدث به الشافعي في كتابه فقال: حدثني الثقة، أو: أخبرني الثقة، فهو أبي " (1).
فهذا حصر غير دقيق، بل حدث الشافعي عن الثقة عنده عن جماعة من الرواة لم يدركهم أحمد بن حنبل، مثل: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن شهاب الزهري، وحميد الطويل ويحيى بن أبي كثير ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وهشام بن عروة، وسفيان الثوري، وغيرهم.
نعم، حدث عن الثقة عنده عن جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وهذان من شيوخ أحمد.
وحاول بعض أهل العلم أن يبسط ذلك، فذكر أن قول الشافعي: " عن الثقة عن الليث بن سعد " هو يحيى بن حسان، و " عن الثقة عن أسامة بن زيد " هو إبراهيم بن أبي يحيى، و " عن الثقة عن حميد الطويل " هو إسماعيل بن علية، و " عن الثقة عن معمر " هو مطرف بن مازن، و " عن الثقة عن الوليد بن كثير " هو أبو أسامة حماد بن أسامة، و " عن الثقة عن الزهري " هو سفيان بن عيينة (2).
وهذا إضافة إلى كونه لم يستغرق كل من قاله فيه الشافعي: " عن الثقة "، فهو مقول بالظن، ويبدو أن مستنده يرجع إلى تفقده من عرف بالرواية عن ذلك الشيخ ممن أدركهم الشافعي وأخذ عنهم، وهذا لا يصح أن يكون مقياساً لتعيين هؤلاء.
ثم رأيت أن فيهم من هو ثقة كابن علية وأبي أسامة، وفيهم من هو مجروح كابن أبي يحيى ومطرف بن مازن.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (9/ 182) بإسناد صحيح، وهوَ في " العلل " لأحمد (النص: 1082) و " آداب الشافعي " لابن أبي حاتم (ص: 96)، ونصه: " وكلُّ شيْءٍ في كتب الشافعي: حدثني الثقة عن هُشيْم، وغيره، هو أبي ".
(2) انظر: مناقب الشافعي، للبيهقي (1/ 533)، تعجيل المنفعة، لابن حجر (2/ 626 _ 627).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
فالصواب من القول: أن هذه العبارة من الشافعي لا ترتفع من شأن ذلك الراوي، بل أمره باق على الجهالة، وكأن قوله: " أخبرنا الثقة " بمنزلة قوله: " أخبرنا رجل ".
ومالك بن أنس أعرف بالحديث ورجاله من الشافعي، واستعمل هذه الصيغة في مواضع من " الموطأ "، وكذلك اجتهد بعض العلماء لتمييز المراد (1)، وليس في ذلك شيء يقطع به، إلا أن يراد الحديث ذاته من طريق أخرى صحيحة إلى مالك يصرح فيها باسم ذلك المبهم.
ومن أمثلة قول الراوي الثقة الذي لا يعد فيمن يعتمد قوله في الرجال: قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي: " حدثني من لا أتهم "، فإنه جاء بأخبار كثيرة في السير يرويها بمثل هذه الصيغة، ومعروف أن ابن إسحاق يروي عن المجهولين والمتروكين (2)، وليس معدوداً فيمن يميز المتقنين من النقلة من غيرهم، وإذا كنا لم نعتد بمثل ذلك القول من الشافعي، فكيف يغني شيئاً من مثل ابن إسحاق؟ !
والقول بترك الاعتماد على مثل هذا التعديل المبهم هو الذي رجحه الخطيب من أئمة الحديث (3) وأبو بكر الصيرفي من أئمة الأصول، وذلك خلافاً لإمام الحرمين ومن تبعه (4).
الأصل الرابع: قول الناقد في الراوي: " لا أعرفه ".
وقع استعمال هذا اللفظ بمعنى: " مجهول " في كلام كثير من نقاد--------------------------------------------
(1) انظر: الجرح والتعديل، ترجمة (مَخرمة بن بكَير) (4/ 1 / 363)، وتعجيل المنفعة (2/ 625).
(2) وفسَّر مرةً قوله: " حدثنا من لا أتهم " بأنه عنى الحسن بن عُمارة، وهوَ متروك، (انظر: الروْضً الأنف، للسهلي 6/ 43).
(3) الكفاية (ص: 531).
(4) جامع التحصيل، للعلائي (ص: 95، 96).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
المحدثين، ومن أكثرهم استعمالاً له في المجاهيل: الإمامان يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.
لكن ينبغي أن تعلم أن تلك الجهالة إنما هي بالنسبة إلى علم ذلك الناقد، لا مطلقاً، فإن خفاء حال الراوي على ناقد وإن كان ذلك الناقد كيحيى بن معين، لا يلزم منه أن يكون مجهولاً عند غيره، فابن معين إنما يخبر عن علمه.
مثال ذلك أنه سئل عن (إبراهيم بن محمد الشافعي) فقال: " لا أعرفه، زعموا أنه ليس به بأس " (1).
كذا قال يحيى، والرجل مشهور بالعلم، روى عنه كثيرون، وكان ثقة، وإنما يبلغ يحيى من أمره ما يمكنه من الحكم على شخصه، فقال: " لا أعرفه ".
وقد يعرف حديثه ويميزه فيثني عليه فيه، لكنه لا يدري من يكون ذلك الراوي.
نقل عبد الخالق بن منصور قال: سألت يحيى بن معين عن (حاجب، يعني ابن الوليد) فقال: " لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة "، فقلت: ترى أن أكتب عنه؟ فقال: " ما أعرفه، وهو صحيح الحديث، وأنت أعلم " (2).
ويشبه أن يكون الخطيب بنى على ذلك، فقال في (حاجب): " كان ثقة ".
وقال أبو داود السجستاني في (العلاء بن خالد الأسدي): " ما عندي من علمه شيء، أرجو أن يكون ثقة " (3).--------------------------------------------
(1) معرفة الرجال، رواية ابن محرز (1/ 75).
(2) أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (8/ 271) بإسناد حسن.
(3) سؤالات الآجري (النص: 143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)