Arabic source text

📘 তাহরীরু উলুমিল হাদীস (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 تحرير علوم الحديث (عبد الله الجديع)

📘 তাহরীরু উলুমিল হাদীস (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن شداد بن سعيد الراسبي؟ فقال: " ثقة "، قلت ليحيى: إن ابن عرعرة (1) يزعم أنه ضعيف، فغضب، وقال: " هو ثقة "، وتكلم يحيى بكلام وأبو خيثمة يسمع، فقال أبو خيثمة: " شداد بن سعيد ثقة "، ثم قال لي يحيى: " يزعم ابن عرعرة أن سلم بن زرير ثقة " (2)، قلت: كذلك يقول، قال: " هو ضعيف ضعيف " (3).
وكذلك قال ابن الجنيد: قال رجل ليحيى بن معين وأنا أسمع: زعم إبراهيم بن عرعرة أن محمد بن ذكوان والحسين بن ذكوان، ليسا بشيء، فغضب يحيى، وقال: " أما الحسين بن ذكوان فحدثني عنه يحيى بن سعيد وعبد الله بن المبارك، ولكن كان قدرياً، وأما محمد بن ذكوان فليس به بأس، أي شيء كان عنده؟ روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وعبد الصمد، لا بأس به، قل لا بن عرعرة: اذهب ازرع " (4).
والخطأ هنا في جرح ابن عرعرة لثة وتعديله لمجروح أنه وإن كان ثقة معتنياً بالحديث، إلا أن ابن معين لم يراه من أهل الصنعة، فإنه سئل عنه فقال: " ثقة، معروف بالحديث، كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه؛ يدخل في كل شيء " (5).
ونقل أبو حاتم الرازي عن هشام بن يوسف الصنعاني قوله في (عبد الله بن معاذ بن نشيط صاحب معمر): " هو صدوق، وكان عبد الرزاق يكذبه " ثم قال أبو حاتم: " أقول: هو أوثق من عبد الرزاق " (6).--------------------------------------------
(1) هوَ الثقة إبراهيم بن محمد بن عرْعرة بن البِرنْد السامي.
(2) كانَ في الأصل: (سالم بن رَزين)، والتصويب من " تهذيب الكمال " للمزي (12/ 396).
(3) سؤالات ابن الجنيد (النص: 706). وأبو خيْثمة هوَ الحافظ زُهير بن حرْبٍ.
(4) سؤالات ابن الجنيد (النص: 645).
(5) تاريخ بغداد، للخطيب (6/ 149 _ 150).
(6) الجرح والتعديل (2/ 2 / 173).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)

قلت: وهذا لكون عبد الرزاق لم يكن ممن له شأن في الكلام في النقلة، فحين تكلم أخطأ.

‌‌المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين

وهذا الشرط مقدمة سابقة للنظر في صيغة النقد وأثرها في الراوي.
والمقصود أن تحاكم النصوص المنقولة عن علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة بنفس قوانين علم الحديث، فلا يفرع إلى على صيغة ثبت إسنادها إلى قائلها.
فهناك روايات عديدة ذكرت عن بعض الأئمة لا توجد عنهم من طريق مسند، أو وجدت ولكن أسانيدها لم تثبت.
مثالها: (تاريخ) رواه أحمد بن أبي يحيى أبو بكر الأنماطي البغدادي عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، اعتمده ابن عدي في " كامله " في مواضع كثيرة، وهو غير ثابت عنهما، وذلك أن ابن أبي يحيى هذا قال فيه الحافظ الثقة إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: " كذاب " (1).
ومما يشبه هذه القاعدة: أن لا يقبل ما يحكى عن الراوي مما يكون سبباً للقدح فيه إلا بالرواية الثابتة عنه.
فمثل ما أورده جماعة في القدح في (أبي صالح باذام) من طريق سفيان الثوري، قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: " كل شيء حدثتك فهو كذب " (2)، فهذا مما لا يجوز الاعتماد عليه، فإن الكلبي--------------------------------------------
(1) الكامل، لابن عدي (1/ 321) بإسناد صَحيح، وقال ابنُ عدي مُؤكِّداً ما نقله عن ابن أورْمَة: " ولأبي بكر بن أبي يحيى هذا غيرُ حديثٍ منكرٍ عن الثقات ".
(2) أخرجه البُخاري في " التاريخ الكبير " (1/ 1 / 101) و " الأوسط " (2/ 40) و " الضعفاء الصغير " (رقم: 322) والجَوْزجاني في " أحوال الرجال " (ص: 63) والعُقيلي في " الضعفاء " (1/ 166) وابنُ حبان في " المجروحين " (2/ 255) وابنُ عدي في " الكامل " (2/ 255، و 7/ 274) وإسناده إلى سُفيان صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)

هو محمد بن السائب، رأس في الكذب، فكيف يصدق على أبي صالح؟
وهكذا كان الناقد البارع يعتبر هذا الطريق في تثبيت الجرح.

‌‌المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين
وهذا كقولهم في الراوي: (تكلموا فيه)، و: (يتكلمون فيه)، كما يقع في كلام البخاري وأبي حاتم الرازي وأبي الفتح الأزدي وغيرهم، و: (فيه مقال) كما يكثر عند المتأخرين، وما يشبهها من الألفاظ التي لا تعزى إلى ناقد معين.
ولا اعتبار بأن يكون حاكيها من النقاد المعروفين، فإنه لم ينشئها من جهته، إلا أن يضيف إليها من عبارته ما يبينها، كما تراه في عدد من قيلت فيه.
زد على ذلك أنها من قبيل الجرح المجمل أيضاً.
لكنها تدل على شبهة الجرح، فيبحث عن تفسيرها، فإن عدم عدم أثرها.--------------------------------------------
(1) الكامل (3/ 517) والكُديمي هِيَ نسْبةُ مُحمد بن يونُس راويه عن ابنِ المديني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)

وفي التعديل مما يكثر وقوعه عند المتأخرين، كالذهبي والهيثمي: (وثق) و (موثق) فهذه عبارة يجب البحث عن قائلها المجهول الذي بنيت له، وفي الغالب يكون مرادهم ابن حبان، فكأنهم لضعف الاعتماد على ما يتفرد به من التعديل يبنون العبارة للمجهول.

‌‌المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة

الجرح والتعديل جميعاً يتأثران بهذا، فيعدل من ليس بأهل، وهو الأقل وروداً في كلامهم، ويجرح من هو عدل، ووقع من طائفة بسبب المخالفة في العقائد والمسالك، كما قدمت التمثيل له بجرح الجوزجاني لأهل الكوفة بسب فشو التشيع فيه، والدولابي لمخالفي الحنفية، وكما وقع من طائفة من أهل الحديث في أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم.
قال ابن حجر: " وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك؛ لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه، فوثق رجلاً ضعفه؛ قبل التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نسب إلى الرفض، في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد " (1).
ومن أمثلة ذلك في النقلة ما جاء في ترجمة (أحمد بن الفرات أبي مسعود الرازي) وكان من الثقات الحفاظ المتقنين، من المعروفين بالسنة،--------------------------------------------
(1) لسان الميزان (1/ 108 _ 109).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)

قال ابن عدي: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول: سمعت ابن خراش يحلف بالله: " إن أبا مسعود أحمد بن الفرات يكذب متعمداً ".
فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي قاله ابن خراش لأبي مسعود هو تحامل، ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ " (1).
وعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في " كتابه "، فقال: " ذكره ابن عدي فأساء، فإنه ما أبدى شيئاً غير أن ابن عقدة روى عن ابن خراش، وفيهما رفض وبدعة " وذكر النص السابق.
وأقول: لا عيب على ابن عدي، فإنه يذكر في كتابه من تكلم فيه، فإن كان بباطل رده، وهكذا فعل هنا.
وقال الذهبي في " السير " (2): " من ذا الذي يصدق ابن خراش ذاك الرافضي في قوله؟! ".
قلت: ومما نرد قول ابن خراش إلا لأجل المذهب، وأبو مسعود قد استقرت ثقته وثبت إتقانه، وشاع علمه.
ومن قبيح ما سودت به صحف كثيرة ما وقع من نقمة جماعة من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه، بسبب المذهب.
كما قال يحيى بن معين: " أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه " فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: " كان أنبل من ذلك " (3).
قلت: وتلك الطعون التي سودت بها صحف كثيرة لا تعود في التحقيق إلا إلى التحامل بسبب خلاف المذهب كمن أطلق أن أبا حنيفة--------------------------------------------
(1) الكامل (1/ 312).
(2) سير أعلام النبلاء (12/ 487).
(3) أخرجه ابنُ عبد البر في " بيان العلم " (رقم: 2106) وإسناده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)

كان يبيح المسكر، وهو إنما أباح باجتهاده النبيذ الذي لم يستثن من حفاظ وأئمة الكوفيين من موافقته فيه إلا الفرد بعد الفرد، إلى أشياء أخرى طعن فيها على أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، كانت بسبب مخالفة الطاعن لأبي حنيفة في مذهبه، وأنه كان يدع الحديث بالرأي، وهذا لو صح فمعروف أن الفقيه قد يدع العمل بالحديث لأسباب صحيحة معتبرة، ولم يسلم من ذلك فقيه من فقهاء الأمة الكبار المتبوعين.
فهذا مالك بن أنس، وقد أجمعوا على ثقته، ومع ذلك فقد ترك القول بأحاديث هي عنده صحيحة، لمعارضات معتبرة لديه، وهذا ابن عبد البر المالكي يورد عن الليث بن سعد قوله: " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى عليه وسلم مما قال فيها برأيه، ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك " (1).
وللشافعي في الرد على مالك، كما له في الرد على محمد بن الحسن والأوزاعي، وكثير مما يعود إليه ذلك: القول بالحديث أو تركه.
فمثل هذا لا يجوز التعلق به من أقوال المجرحين، في حق من عرف مقامه في الدين.
كما يجب أن يتفقد من عبارة الجارح في كل مخالف له في مذهبه، إذ هو بشر يعتريه من حال البشر، ويتكلم في الغضب والرضى، والعدل مجاهدة، وكم من جرح يمكن تخريجه على مثل هذا؟
وأما الميل إلى التعديل، فكتوثيق ابن عقدة الحافظ الشيعي لبعض من على مذهبه من المجروحين، وهو قليل.
وقال يحيى بن معين: " كان أبو نعيم (2) إذا ذكر إنساناً فقال: هو--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضْله (رقم: 2105) تعليقاً.
(2) يعني الفَضل بَن دُكين، وهوَ من حُفاظ الكوفة ومُتقنيهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)

جيد وأثنى عليه، فهو شيعي، وإذا قال: فلان كان مرجئاً، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به " (1).

‌‌المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل
الناقد يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة أو الغضب، فيقول القول لا يعني به شيئاً يتصل بهذا العلم، وإنما أوقعه فيه بعض هذه العوارض، فهذا إن كان لفظ جرح أو تعديل، فإنه لا يجوز أن يكون له أثر على الراوي الموصوف بذلك.
فمن مثال ما قد يرد على الناقد من التوهم:
ما حكاه حماد بن حفص (2) (وكان ثقة)، قال شهدت يحيى بن سعيد (يعني القطان) وجاء إليه شيخ من أهل البصرة، فتذاكرا الحديث، فقال الشيخ ليحيى: حدثنا ابن أبي رواد بكذا وكذا، فقال يحيى: " عرف عليه كذاب "، فقال: فلما كان بعد ساعة قال: " الأب حدثك أو الابن؟ " فقال: بل الأب، فقال: " الأب لا بأس به، إنما ظننت أنك تعني الابن " (3).
ومما يخرج على صدوره بسبب الغضب مثلاً: ما جاء من تكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر، إن صح عنه، فإن أبا بكر حين مات أبوه كان شاباً، وصار إماماً بعد وفاة أبيه، وقد عاش بعده إحدى وأربعين سنة، عرفه فيها تلامذته الحفاظ كأبي حسن الدارقطني بالحفظ والثقة.
ومن هذا (جرح الأقران)، ككلام مالك بن أنس في محمد بن إسحاق، وكلام ابن إسحاق فيه.--------------------------------------------
(1) سؤالان ابن الجُنيد (النص: 797).
(2) هوَ مُحمد بنُ حفصٍ القطان البصري، و (حماد) لقبٌ، يُستدرك على " نُزهة الألباب " لابن حجر.
(3) أخرجه يعقوب بنُ سفيان في " المعرفة " (1/ 700) وإسناده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)

وقال علي بن المديني في (سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف): " كان أصحابنا يرمونه بالقدر، وكان عندنا ثقة ثبتاً، وكان مالك بن أنس يتكلم فيه، وكان لا يروي عنه مالك شيئاً، وكان سعد قد طعن على مالك في نسبه " (1).
واعلم أنه ليس المراد بالتنبيه على هذه الصورة إلغاء كلام القرين في قرينه مطلقاً، بل إن أدق صور النقد للنقلة هي النقد للمعاصر، ومنه نقد الأقران، وذلك لكون الناقد قد اطلع على حال من عدله أو جرحه وخبر أمره، فهو أقوى من جرحه أو تعديله لمن لم يدركه.
وإنما المراد هنا البحث عن سبب الجرح عند معارضة التعديل، فإن أعاد الناقد الجرح إلى علة مدركة في شأن من جرح، واستدل لذلك وبينه، فقوله معتبر، ولا أثر للاقتران، إلا أن يثبت وجود خصومة أو خلاف بينه وبين من جرحه، فهذا مما يوجب الاحتياط، والأصل: ترك قوله فيه، على أنك لو بحثت عن حال هذا الصنف وجدت الطعون فيهم من مخالفيهم تأتي من قبيل الجرح المجمل الذي يطرح في مقابلة التعديل المعتبر؛ لمجرد إجماله.
قال ابن عبد البر: " والصحيح في هذا الباب: أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله، لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته؛ فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين--------------------------------------------
(1) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: 91).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)

إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف، رضي الله عنهم، قد سبق من بعضهم في بعض كلام، كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد … ، ومنه على جهة التأويل، مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه " (1).
وهل يؤثر تعديل الأقران أيضاً على اعتبار أن المعدل قد يميل لشخص لموافقة في الرأي والمذهب مثلاً، فيثني عليه ويعدله؟
الواقع العملي لا يكاد يثبت وجود أثر لمثل ذلك، بل الأمثلة لا تكاد تحصى في تعديل المخالف وجرح الموافق.
‌‌المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة.

وذلك بأربع اعتبارات:
الاعتبار الأول: قلة الكلام في النقلة وكثرته.
وهو قدر اعتناء الإمام الناقد بتعديل الرواة وتجريحهم، فإن من أثر عنه تتبع ذلك والاعتناء به، لا يوضع في درجة واحدة مع من لم يؤثر عنه من البيان لذلك إلا اليسير، وبهذا الاعتبار قسمهم الذهبي إلى ثلاثة أقسام:
1 _ من تكلموا في أكثر الرواة، كيحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي.
2 _ من تكلموا في كثير من الرواة، كمالك بن أنس، وشعبة.
3 _ من تكلموا في الرجل بعد الرجل، كسفيان بن عيينة، والشافعي (2).--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 1093 _ 1094)، وقد عقد لهذه المسألة في هذا الكتاب باباً مُفيد، فُليراجع.
(2) ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: 158).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)

الاعتبار الثاني: التشدد والاعتدال والتساهل.
وقسم الذهبي الناقد باعتبار هذا المعنى إلى ثلاثة أقسام، فقال:
" قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب.
وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون.
وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون.
وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون " (1).
قلت: هذا الذي مثل به الذهبي من ذكر هؤلاء الأعيان صحيح في الجملة بالنظر إلى ما وقع من كلامهم، في النقلة، لكنك تحتاج إلى مراعاته عند اختلاف الجرح والتعديل، لا مطلقاً، فإن أقوال هؤلاء جميعاً الأصل فيها الإعمال والاعتبار، والذهبي نفسه اعتمد على جرحهم وتعديلهم في كتبه.
وإلا فمن ذا يجافي كلام العارفين بنقلة الحديث، من أمثال يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي، مع ما عرف عنهم من التشديد؟!--------------------------------------------
(1) ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: 158 _ 159).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)

فالقطان كان قل من يرضى من الرواة، كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة: كيف هو؟ قال: " تريد العفو أو تشدد؟ "، قلت: بل أشدد، قال: " فليس هو ممن تريد، كان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (1)، قال يحيى: " وسألت مالكاً عنه؟ فقال فيه نحواً مما قلت لك " (2).
وابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم.
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: " يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم " (3).
ولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم، بسبب ما ذكروا به من التساهل، كابن حبان.
الاعتبار الثالث: النظر والإنشاء، للمتقدمين، والتحرير والترجيح، للمتأخرين.
والمقصود أن لا تقيم التعارض مثلاً بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه، والذهبي وثق ترجيحاً لقول من خالف أبا حاتم من النقاد، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها.--------------------------------------------
(1) يعني كانَ يجمع الشيوخ.
(2) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (7/ 456) والعُقيلي في " الضعفاء " (4/ 108) وإسناده صحيح، وهو في " الجرح والتعديل " (4/ 1 / 31) باختصار.
(3) شروط الأئمة الستة، لابن طاهر (ص: 104).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)

وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين.
الاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده.
وهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهباً فيهم من الغرباء، ولا يستغرب ذلك، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع.
قال حماد بن زيد: " بلدي الرجل أعرف بالرجل " (1).
قال أبو بكر المروذي: سألت (أحمد بن حنبل) عن قطن الذي روى عنه مغيرة؟ فقال: " لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة "، قلت: إن جريراً ذكره بذكر سوء، قال: " لا أدري، جرير أعرف به وببلده " (2).
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في سعيد بن بشير؟ قال: " أنتم أعلم به " (3).
وقال ابن عدي في (شقيق الضبي): " كان من قصاص أهل الكوفة، والغالب عليه القصص، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره، وهو مذموم عند أهل بلده، وهم أعرف به " (4).
وكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: " ما يقول ابن نمير فيهم؟ " (5).--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: 175) بإسناد جيد.
(2) العلل، رواية المروذي (النص: 98)، وجريرٌ هوَ ابنُ عبد الحميد.
(3) تاريخ أبي زُرعة (1/ 540)، وإنما قال أحمد ذلك لأن سعيداً هذا دمشقي.
(4) الكامل (5/ 71).
(5) أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في " التقدمة " (ص: 320) عن ابنِ الجنيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)

وقال ابن عدي في (محمد بن عوف الحمصي): " هو عالم بأحاديث الشام، صحيحها وضعيفها " (1).
قلت: ومن أمثلته في النقاد: أبو مسهر في الشاميين، ومحمد بن عوف في الحمصيين، وأحمد بن صالح، وابن يونس في المصرين.

‌‌المقدمة السابعة: ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحاً، ومذهبه فيه مرجوح

وهذا لا يضبطه إلا ما سيأتي ذكره في المبحث التالي من اشترط تفسير سبب الجرح، وإنما المراد هنا أن تتفطن إلى أن الناقد المعتد به في الجملة قد يقدح بما ليس بقادح في التحقيق.
ومثال ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني؟ فقال: " ضعيف "، قال: قلت ليحيى: إنه يقول: (أخبرني)، قال: " لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه " (2).
قلت: فضعفه لأنه يرى ضعف التحمل بهذا الطريق، وهو مذهب مرجوح كما بينته في (طرق التحمل).
ومن هذا ما حدث به أبو داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة يقول: " جرير بن حازم وحماد بن زيد أتياني يسألاني أن أسكت عن الحسن بن عمارة، ولا والله، لا سكت عنه، ثم لا والله، لا سكت عنه، هذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، قالا: إذا وضعت زكاتك في صنف من الأصناف جاز. وأنا والله سألت الحكم عن ذلك؟ فقال: إذا وضعت في--------------------------------------------
(1) الكامل (1/ 231).
(2) أخبار المكيين من " تاريخ ابن أبي خيثمة " (ص: 366).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)

صنف من الأصناف أجزأك، فقلت: عمن؟ فقال: عن إبراهيم النخعي. وهذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد وغسلهم. وأنا سألت الحكم عن ذلك عن ذلك فقال: يصلي عليهم ولا يغسلون، قلت: عمن؟ قال: بلغني عن الحسن البصري " (1).
وفي رواية قال أبو داود: قال شعبة: " ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة؛ فإنه يكذب "، قلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: " روى عن الحكم أشياء لم نجد لها أصلاً "، ثم ذكر شيئاً من ذلك ببعض الاختلاف (2).
قال القاضي الرامهرمزي: " وليس يستدل على تكذيب الحسن بن عمارة من الطريق الذي استدل به أبو بسطام؛ لأنه استفتى الحكم في المسألتين، فأفتاه الحكم بما عنده، وهو أحد فقهاء الكوفة زمن حماد، فلما قال له أبو بسطام: عمن، أمكن أن يكون يظن أنه يقول: من الذي يقوله من فقهاء الأمصار؟ فقال في إحداهما: هو قول إبراهيم، وفي الأخرى: هو قول الحسن، هذا مقام الحجة وليس يلزم المفتي أن يفتي بجميع ما روى، ولا يلزمه أيضاً أن يترك رواية ما لا يفتي به، وعلى هذا مذاهب جميع فقهاء الأمصار: هذا مالك يرى العمل بخلاف كثير مما يروي، والزهري عن سالم عن أبيه أثبت وأقوى عند علماء أهل الحديث من الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وقد خالف مالك هذه الرواية في رفع--------------------------------------------
(1) أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (رقم: 224) وإسناده صحيح، ورجَّح الرامهرمزي هذا السياق من أجْل سِياق الرواية التالية في تفسير شُعبة لروايات الحسن.
(2) أخرجه مسلمٌ في " مقدمة الصحيح " (1/ 23 _ 24) والرامهرمزي (رقم: 223) والبيهقي في " الكبرى " (4/ 13) والخطيب في " تاريخه " (7/ 347) بإسنادٍ صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)

اليدين بعد أن حدث به عن الزهري. وهذا أبو حنيفة يروي حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة ويقول بخلافه (1).
وقد يمكن أن يحدث الحكم ابن عمارة من كتابه بما لا يحفظه، والعمل عنده بخلافه، ويسأله شعبة فيجيب على ما يحفظ، والعمل عليه عنده.
والإنصاف أولى بأهل العلم، وكان أبو بسطام سيىء الرأي في الحسن، والله يغفر لهما " (2).

‌‌المقدمة الثامنة: التحقق من آخر قولي أو أقوال الناقد في الراوي، إن كان قد اختلف عليه

وهذا كالذي نبهت عليه في صدر هذا الفصل من اختلاف النقل جرحاً وتعديلاً عن الناقد المعين، كالذي مثلت به عن يحيى بن معين.
والمقصود أن الناقد قد يعدل الراوي، ثم يبدو له من أمره ما يوجب جرحه فيصير إليه، كما سأل أبو بكر أبو المروذي أحمد بن حنبل عن (الحكم بن عطية البصري) قال: كيف هو؟ قال: " كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير " وكأنه ضعفه (3).
وكما في قول يحيى بن معين في (ثواب بن عتبة المهري)، ففي رواية الدوري عنه: " ثقة " (4)، وكذلك نقل إسحاق بن منصور عن يحيى (5)، وهذا ما كان قد صار إليه في شأنه، ومن الدليل عليه قول ابن حاتم:--------------------------------------------
(1) خرَّجه الرامهرمزي (رقم: 230) من طريقه، مع رأيه في ترك العَمل به.
(2) المحدث الفاصل (ص: 322 _ 323).
(3) العلل، رواية المرُّوذي (النص: 165).
(4) تاريخه (النص: 3565).
(5) الجرح والتعديل (1/ 1 / 471).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)

" سمعت أبي وأبا زرعة ورأيا في كتاب رواه عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ثواب بن عتبة ثقة، فأنكرا جميعاً ذلك " (1).
يظهر لي أنهما أنكرا ما في الكتاب من توثيق يحيى، لعلمهما أن الدوري إنما سمع من يحيى تضعيفه، كما يدل عليه قول الدوري في موضع آخر من " التاريخ ": " سمعت يحيى يقول: ثواب بن عقبة شيخ صدق "، قال الدوري: " فإن كنت كتبت عن أبي زكريا فيه شيئاً أنه ضعيف،، فقد رجع أبو زكريا، وهذا هو القول الأخير من قوله " (2).

‌‌المقدمة التاسعة: مراعاة دلالة ألفاظ الجرح والتعديل

إذ منها اللفظ المجمل الذي لا يتبين وجهه فيبحث عن تفسيره في كلام قائله، أو كلام غيره، أو بتأمل حال الراوي وحديثه، ومنها اللفظ الذي هو ظاهر الإفادة للجرح، ومعناه فيه بين، ومنها اللفظ يتردد في وضوح دلالته بنفسه.
وقد تتبعت في الفصل التالي مشهور تلك الألفاظ وأكثرها استعمالاً، وبينت نكتاً تتصل بمعناها، توقف على ما يحتاج إليه لاستعمال هذه المقدمة.

‌‌المقدمة العاشرة: التحقق من كون العبارة المعينة قيلت من قبل الناقد في ذلك الشخص المعين

حكاية ألفاظ علماء الجرح والتعديل من قبل رواتها والناقلين لها عنهم قد يداخلها الوهم، فيكون الناقد قال تلك العبارة في راو، فيذكرها من أخذها عنه في راو آخر، ربما شابهه في اسمه أو نسبه، أو انتقل البصر من ترجمة إلى أخرى.--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (1/ 1 / 471).
(2) تاريخه (النص: 4333).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)

مثل ما نقله العقيلي وابن عدي عن البخاري قال: " زيد أبو عمر عن أنس، سكتوا عنه " (1)، وأسند العقيلي لزيد هذا حديثاً عن أنس في ذكر الجهنميين، وقال بعده: " روي هذا المتن بغير هذا الإسناد بأسانيد جياد ".
واعتمد ابن الجوزي على ما نقله العقيلي أو ابن عدي البخاري، فذكر الرجل في " الضعفاء " (2)، وكذا الذهبي، مع إقراره بكون المتن الذي رواه زيد محفوظاً (3)، وبعده ابن حجر، ولم يتعقب بشيء إلا بذكر ابن حبان للرجل في " الثقات " (4).
وجميع هذا وهم، فإن البخاري لم يقل العبارة المذكورة في (زيد أبي عمر)، إنما قالها في الراوي الذي تلاه في " التاريخ الكبير "، فبعد أن فرغ من ذكر (زيد أبي عمر) وحديثه في ذكر الجهنميين، قال: " زيد بن عوف أبو ربيعة، من بني عامر بن ذهل، ويقال: فهد، عن حماد بن سلمة، سكتوا عنه " (5).
وأيد الوهم أن من تقدم ذكرهم جميعاً حين ترجموا لـ (زيد بن عوف)، لم يذكروا هذه العبارة عن البخاري فيه.
كما يؤيده أن عبارة (سكتوا عنه) جرح بليغ من البخاري، وهذا الرجل لم يعرف إلا بحديث الجهنميين المشار إليه، وهو حديث محفوظ عن أنس من غير طريقه، لذا فقول ابن حبان في إيراده في (الثقات) هو الصواب، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً (6).--------------------------------------------
(1) الضعفاء، للعقيلي (2/ 72)، الكامل، لابن عدي (4/ 165).
(2) الضعفاء، لابن الجوزي (1/ 303).
(3) ميزان الاعتدال (2/ 108).
(4) لسان الميزان (2/ 596)، والرجل في " الثقات " لابنِ حبان (4/ 250).
(5) التاريخ الكبير (2/ 1 / 404).
(6) الجرح والتعديل (1/ 2 / 576).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)

وهو بخلاف ابن عوف، فإنه رجل متروك الحديث.
وربما رجع أصل الوهم إلى رواية من نسخة من أصول " تاريخ " البخاري، لأن العقيلي وابن عدي إنما يرويانه عنه من جهتين مختلفتين.
وتارة يكون الوهم من قبل الناقد نفسه، كأن يسأل عن راو قد اشترك مع آخر مجروح عنده في اسم أو نسب، فيجيب بحكمه في المجروح، كالمثال المتقدم عن يحيى القطان في (المقدمة الخامسة).

‌‌المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد
ومن ذلك أن يأمن التصحيف أو التحريف للعبارة بما قد يحيل معناها، مثل ما وقع في كثير من الكتب من تحريف قول عبد الله بن عون البصري في (شهر بن حوشب): " نزكوه " بالنون والزاي في أوله، حرفت إلى " تركوه " بتاء فوقية في أوله فراء، في كثير من المراجع، وبين العبارتين فرق كبير في المعنى، فمعنى: (نزكوه) قال مسلم بن الحجاج: " أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه " (1)، وقال عياض: " معناه: طعنوا عليه، مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير " (2).
ومن قبيح التحريف أيضاً ما وقع في " الميزان " للذهبي في ترجمة (أبي صالح باذام مولى أم هانئ): " وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي " (3). وصواب العبارة: " كان أبو صالح يكتب " (4).
ومن ذلك أن يقف على سياق لفظ الناقد بتمامه، لا يبني على اللفظ--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مُسلم (ص: 17) وقد أخرج الأثر عن ابنِ عونٍ بإسناد صَحيح.
(2) إكمال المعلم (1/ 134).
(3) ميزان الاعتدال (1/ 296).
(4) الضعفاء، للعُقيلي (1/ 165)، والكامل، لابن عدي (2/ 256).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)

المختصر، فربما صدر لفظ الناقد في راو بما يوهم الجرح حين سئل عنه وعمن هو أوثق منه على سبيل المقارنة، كأن يقول: (فلان ثقة، وفلان ضعيف)، أي مقارنة بمن ذكر معه، لا مطلقاً، وربما نقلت العبارة عنه بتصرف، فإذا تم الوقوف على نصها كانت على دلالة أخرى، وربما نقلت على المعنى، كأن يقال: (وثقه فلان) أو: (ضعفه فلان) أو (تركه فلان)، ولا تذكر الصيغة المفيدة لذلك، وربما عكس الأمر، فيكون أصل المنقول: (تركه فلان) فتحكى عنه قولا: " متروك ".
قال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: " لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه " (1).
وله أمثلة كثيرة، منها:
نقل العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قوله في حسين المعلم وقد ذكر أحاديثه: " فيه اضطراب "، فصدر العقيلي بقوله: " حسين بن ذكوان المعلم، بصري، مضطرب الحديث " (2)، أخذها من عبارة يحيى القطان متوسعاً فيها حتى جعل الوصف اللازم لحسين هذا أنه مضطرب الحديث.
ومن هذا أيضاً: الاختصار في نقل عبارة الناقد، أو حكايتها بالمعنى، مما يقع به الخروج عن أصل دلالتها.

‌‌المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحياناً من المبالغة في صيغة النقد

وذلك كاستعمال العبارات المشعرة بشدة جرح الراوي، كأن يحمل--------------------------------------------
(1) المعرفة والتاريخ (2/ 191) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 181).
(2) الضعفاء (1/ 250).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)

خطأه على الكذب، وإنما هو الوهم، أو يحمل منكراً رواه، عليه، وإنما هو التدليس.
مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: كان يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جداً، قال: " هؤلاء _ يعني أهل حران _ يحملون عليه، كان أبو قتادة يتحرى الصدق، لربما رأيته يشك في الشيء "، وأثنى عليه وذكره بخير. قال أحمد: " لعله كبر واختلط، الشيخ وقت ما رأيناه كان يشبه الناس ما علمته، كان يتحرى الصدق ". وقال: " أظن أبا قتادة كان يدلس " (1).
قلت: وفي هذا كذلك فرق ما بين نعت الناقد العارف بهذا الشأن وأدبه، وغيره، فيعقوب بن إسماعيل هذا ليس معدوداً فيمن يعرف هذا الشأن.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب؟ قال: " معاذ الله، ولكنه كان يخطئ " (2).
وكان يحيى بن معين ربما بالغ في عبارة النقد، فكن يقظاً لذلك.
وذلك كقوله وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح، فقال له رجل: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: " من قدم عبد الرحمن على وكيع _ فدعا عليه _ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (3).
فهذا مما عيب على يحيى، وأنكر منه.
قال يعقوب بن سفيان: " كان غير هذا الكلام أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا " (4).--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال (النص: 1533)، ومعناه في (النص: 216، 1065).
(2) العلل ومعرفة الرجال (النص: 3638).
(3) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: 2677).
(4) المعرفة والتاريخ (1/ 728).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)