عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجزْ أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره " (1).
قلت: وسبقت عائشة أم المؤمنين الشافعي لترد ما بلغها في هذا الباب إلى ما تعلمه من حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فعنها، وذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب (وفي رواية: إن المرأة لدابة سوء)، والله، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنسل من عند رجليه (2).
قلت: وهذا المثال الذي ذكرته عن الشافعي محل مناقشة بين أهل العلم، لكنك رأيت من خلاله أنهم كانوا يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزان يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها.
وهذا يحتاج إلى تحوط شديد، كالذي ذكرته في العرض على القرآن، إذ لا يحل رد خبر الثقة بالمظنة الضعيفة، حتى تظهر حجة بينة فتكون تلك الحجة هي المعللة لروايته.
النوع الرابع: مخالفة المحسوس
والمقصود: أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد.
وهذه الصورة من التعليل معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس.--------------------------------------------
(1) اختلاف الحديث (ص: 139 _ 140).
(2) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 486، 489، 492، 497) ومسلم (1/ 366)، والرواية الأخرى له.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 705)
لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم، يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أتوا من قبل أفهامهم أو أهوائهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه، وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد.
وذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لن يفلح قوم ولًّوا أمرهم امرأة " (1). فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر، وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصًّ الله تعالى نبأها مع نبيه سليمان، عليه السلام، وكيف صارت بقومها إلى الإسلام.
وأقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث، فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب، فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال (فذكر الحديث).
نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، خصوصاً عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكه ما رفع الله لهم ذكراً، ما أفلحوا حين ولوا ابنته، لما دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وسلم (2)، ولقوله: " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (رقم: 4163، 6686).
(2) فيما قاله الزهري: حسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزقوا كل مُمزق. أخرجه البخاري (رقم: 64 ومواضع أخرى) في آخر حديث ابن عباس في قصة بَعث النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى كسرى يَدعوه إلى الإسلام، فمزّق كِسرى الكتاب. وهذا المرسل مُعتَضِدٌ ببعض الطرق.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 2864 ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: 2918) من حديث أبي هريرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 706)
فحديث أبي بكرة عام في قوم أشبهوا في الحال قوم كسرى فيما كتب الله عليهم من الهزيمة.
وهكذا ربما اعترض بعض الناس من غير أهل الحديث على رواية الثقة الصحيحة، زعماً أنها على خلاف الواقع، وإنما وقعت له شبهة، أو قصد الطعن على السنن فحجب بسوء قصده عن الوقوف على المعنى.
وليس من هذا النوع: أن يفسر العلم الحديث شيئاً من الخلق بتفسير علمي يدل عليه النظر والمشاهدة، وأن يكون له تفسير نبوي آخر لا يعرف مثله إلا عن طريق الوحي، ولا يتناقض في معناه مع التفسير العلمي.
مثاله: حديث أبي ذر الغفاري، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس: " تدري أين تذهب؟ "، قلت الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم} [يس: 38] " (1).
قلت: فلا يصح الاعتراض على هذا الحديث الصحيح بالمشاهد، وهو أن الشمس لا تغيب إلا باعتبار البقعة المعينة من الأرض، وهو في الوقت الذي تغيب فيه عن موضع، تكون طالعة في موضع آخر، فمتى يكون ذهابها لتسجد عند العرش وتستأذن لطلوعها؟ وذلك أن أمر العرش غيب، وخضوع غير الإنسان لله وسجوده لله على صفة يعلمها الله ليست مما يدرك بالمشاهدة، والقرآن أثبت سجود المخلوقات جميعاً لله رب العالمين في مواضع منه، كما قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب} [الحج: 18].--------------------------------------------
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 3027 ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: 159).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 707)
والحديث لم يتحدث عن غياب للشمس بمعنى انقطاعها عن الأرض، وإنما اعتبر لها حالاً غيبيا عند غروبها عن محل من الأرض، هو السجود تحت العرش، وعلى اعتبار أن الشمس في حال غياب وطلوع دائم لما نعلمه من طبيعة الخلق فهي في سجود لله دائم، وفي استئذان للطلوع دائم، وذلك أنها مسيرة بأمره وتدبيره تبارك وتعالى.
النوع الخامس: مخالفة العقل
وهذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في روايات الثقات، إنما يوجد ما تتفق العقول على بطلانه في رواية الكذابين الذين حدثوا بالمستحيل.
ولا وجه لافتراضه أصلا في روايات الثقات حيث كان الواقع ينفيه.
وإنما يوجد في بعض الحديث ما لم تستوعب بعض العقول فهمه، تارة للجهل، وتارة للهوى والبدعة وبُغض السنن.
ووقع مثل ذلك عن طوائف من الناس ردوا بمحض العقول نصوصاً تتصل بالغيب، كبعض نصوص الصفات واليوم الآخر، مما لم تنفرد به السنن الصحيحة، وإنما له في القرآن نظائر، وهذا مما لا يجوز أن يكون العقل فيه حاكماً على النص.
وربما وقع من بعض العلماء استشكال معنى حديث صحيح، يحسبه أحدهم أتى على خلاف العقل في ظاهره، فيجتهد في تأويله لا في تعليله، وهذا وإن كان مما ينظر في أفراده وأمثلته، لكنه أقوم طريقاً من طريق من يسارع لرد الحديث وتعليله دون العمل على حمله على أحسن وجوهه.
ومن أمثلة صنيع بعض العلماء: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالموت كهيئة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 708)
كبش أملح، فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة}، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، {وهم لا يؤمنون} [مريم: 39] (1).
قال أبو بكر ابن العربي: " استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل؛ لأن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم " (2).
قلت: والذي ألجأ إلى ظن مخالفة صريح العقل قياس الغيب على الشهادة، وأمر الآخرة غيب، وقص علينا ربنا تبارك وتعالى من شأنه، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا يأتي على القياس، ولا تتصوره العقول، والله تعالى يخلق ما يشاء، ويحيل ما يشاء إلى ما يشاء، وليس في قدرته مستحيل والوقف عند النص هو اللائق هنا دون التأويل.
وهكذا في جميع ما تظن بعض العقول أنه لا يأتي على مقاييسها من أخبار الثقات المتقنين، فإن بابه كباب هذا الحديث، أو يكون وجهه خفي على مدعي معارضته للعقول.--------------------------------------------
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 4453) ومسلم (رقم: 2849).
(2) نقله ابنُ حجر في " فتح الباري " (11/ 421).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 709)
خلاصة هذا المبحث:
وقوع تعليل الحديث من رواية الثقات بأنواع المخالفة المتقدمة، حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، ومخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنن، على ما بينته بمثاله، دون اعتقاد كثرة وقوعه، بل هو نادر قليل في أحاديث الثقات، والنوع الأول أكثره.
وأما التعليل بالمخالفة للمحسوس، والعقل، فلا يوجد له مثال في روايات الثقات.
وما يقع أحياناً من الإشكال في دلالة بعض نصوص الأحاديث الصحيحة، فشبيه بما يقع من الإشكال في دلالة بعض آيات الكتاب، ينظر وجهه ومعناه، ويؤلف بينه، وبدفع ما يبدو من تعارض الظاهر برده إلى المحكم، وحمل معناه عليه.
ولم يزل علماء الأمة يعنون بهذا، فيما ألفوه في مشكل الحديث مفرداً، أو ما ضمن في شروحه، واستحضر دائماً قول الله عز وجل: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76]، وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83].
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 710)
المبحث الرابع:
التعليل بالاختلاف
معنى الاختلاف على الراوي:
قال أبو داود السجستاني: " أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات، وحديث الزهري كله ألفا حديث ومئتا حديث، النصف منها مسند،. . . وأما ما اختلفوا عليه؛ فلا يكون خمسين حديثاً، والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء " (1).
قلت: هذا يبين معنى الاختلاف على الراوي عند أئمة هذا الشأن، فالزهري حافظ كثير الحديث، وأصحابه الذين رووا عنه الحديث خلق كثير، وهم درجات في حفظهم، والثقات المتقنون عنه كمالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم، ربما اختلفوا عنه في الرواية، وصلاً وإرسالاً، أو رفعاً ووفقاً، أو على إسنادين مختلفين، أو غير ذلك.
وقبل ذكر صور الاختلاف على الراوي، يجب أن تعلم أنه ليس كل اختلاف في الرواية يكون قادحاً مؤثراً في صحتها، وإنما الاختلاف بهذا الاعتبار قسمان:--------------------------------------------
(1) تهذيب الكمال (26/ 431).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 711)
القسم الأول: اختلاف غير قادح.
ولهذا صور، منها:
الصورة الأولى: أن تتكافأ الطرق قوة عن راو ثقة، يروي حديثاً، فيقول فيه مرة: (عن فلان)، ومرة: (عن رجل آخر)، لا على سبيل الشك، وإنما افتراق الوجهان بافتراق طرق كل عن ذلك الثقة.
مثل أن يروي بعض أصحاب سهيل بن أبي صالح حديثاً عنه عن أبيه عن أبي هريرة، وغيرهم عنه عن أبيه عن أبي سعيد.
فهذا لا يخلو من واحد من احتمالين:
أولهما: أن يكون صوابه من أحد الوجهين، فيكون أخطأ فيه ذلك الثقة، وقد يترجح الصواب بعينه بقرينة، فيصار إليه، وقد لا يترجح شيء، فتقبل الرواية أيضاً؛ لأنه غاية أمرها أن تكون محفوظة بأحد الإسنادين.
وثانيهما: أن يكون محفوظاً من الوجهين جميعاً.
وهذا طريق لا يصار إليه إلا إذا كان ذلك الثقة ممن لا يعاب من مثله تعدد الأسانيد، من مثل الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وشبههم.
وطائفة من المتأخرين يصيرون إلى ترجيح الاحتمال الثاني، بعضهم يقول: " ذلك أولى من تخطئة الثقة "، وبعضهم يجعله منه من أجل ثقته قوة للحديث أن حفظه من وجهين.
كما قال ابن حزم في مثل هذا: " هذا قوة للحديث وزيادة في د لائل صحته ".
فقال مثلاً في المثال المذكور: " في الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة، ومن أبي سعيد، فيرويه مرة عن هذا، ومرة عن هذا " (1).--------------------------------------------
(1) الإحكام في أصول الأحكام (1/ 149).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 712)
والتحقيق: أنه لا يكون علة قادحة؛ من أجل أن كلا الاحتمالين لا يمنع القول بثبوت الحديث.
ومن أمثلة ما يقوى فيه ترجيح الاحتمال الثاني:
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ".
رواه أبو رجاء العطاردي، فاختلف عنه، فرواه عوف بن أبي جميلة وسلم بن زرير وقتادة وأيوب السختياني من طريق صحيح عن أبي رجاء عن عمران بن حصين. ورواه أيوب السختياني في أكثر الطرق عنه وأبو الأشهب جعفر بن حيان وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن نجيح وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن ابن عباس.
وأخرج الحديث الشيخان: البخاري من حديث عمران بن حصين (1)، ومسلم من حديث ابن عباس (2).
وقال الترمذي: " كلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعاً " (3).
ورواه أبو داود الطيالسي فقال: حدثنا أبو الأشهب، وجرير بن حازم، وسلم بن زرير، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، وابن عباس، رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، به (4).
قلت: وهذا _ فيما أرى _ من صنيع أبي داود أشبه، حمل رواية بعضهم على بعض، وهو مرجح لما ذهب إليه الترمذي.--------------------------------------------
(1) صحيح البُخاري (رقم: 3069، 4902، 6084، 6180).
(2) صحيح مسلم (رقم: 2737).
(3) جامع الترمذي (بعد الحديث رقم: 2603).
(4) مُسند الطيالسي (رقم: 833).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 713)
الصورة الثانية: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين، وينفرد ثقة متقن عنهم، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.
مثاله: ما رواه عامة أصحاب الأعمش عنه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال اليهود إياه عن الروح، ونزول قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح}.
كذلك قال في إسناده عن الأعمش: وكيع بن الجراح، وأبو معاوية الضرير، وحفص بن غياث، وعيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم (1) وهؤلاء من الحفاظ الأثبات من أصحاب الأعمش.
خالفهم عبد الله بن إدريس الأودي، فقال: عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود، به (2).
وابن إدريس ثقة حافظ لا يختلف فيه.
وهذه الرواية تختلف عن الأولى، لكنها لا تناقضها، ويخاف من مثلها من راو صد وق لم يعرف بمتانة الحفظ، أو كان ثقة قليل الحديث، فلا يحتمل أن يأتي بمثل هذه المخالفة؛ لعدم تبين إتقانه لمثلها لقلة ما جاء به، بل ربما كان مجيء مثل هذه الرواية عنه دليلاً على لينه.
أما من ثبت كونه من الثقات المتقنين المكثرين، فالأصل: أن نقبل ما--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (6/ 214، و 7/ 280 رقم: 3688، 4248) والبخاري (رقم: 125، 4444، 6867، 7018، 7024) ومسلم (رقم: 2794) والترمذي (رقم: 3141) والنسائي في " التفسير " (رقم: 319) والهيثم بن كليب الشاشي (رقم: 369) وأبو يعلى (9/ 267 رقم: 5390) والبزار (رقم: 1529) وابن أبي عاصم في " السنة " (رقم: 592، 593) وابن جرير في " تفسيره " (15/ 155) والطبراني في " الصغير " (رقم: 981) وابن حبان (رقم: 98) والواحدي في " أسباب النزول " (ص: 299) من طرق عِدة عن الأعمش.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(2) أخرجه أحمد وابنه عبد الله (7/ 13 رقم: 3898) ومسلم (4/ 2153) وابن أبي عاصم في " السنة " (رقم: 593، 594) وابن حبان (رقم: 97).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 714)
روى حتى يقوم دليل على خطئه، وليس مما يدل على خطئه أن يستقل دون الجماعة بما لا يروونه، وإنما يروي ما يناقض رواية الجماعة، ولا يكون له مخرج سوى الحكم بخطئه أو بخطأ الجماعة، وحيث امتنع الثاني، فقد تعين الأول، وهو (الشذوذ) كما سيأتي.
والدارقطني متشدد، وقد يعل رواية الثقة بمجرد المخالفة وإن لم تكن مناقضة لرواية من هو أولى منه، ولكنه قال في هذا الحديث وقد ذكر مخالفة ابن إدريس للجماعة: " ولعلهما صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابع على هذا القول " (1).
وهكذا دل صنيع مسلم حيث أخرج الحديث بالروايتين، وقال ابن حبان عقب إخراجه الحديث من رواية ابن إدريس التي تفرد بها: " ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر من عبد الله بن مرة دون غيره " وساق روايته عن إبراهيم كما رواها عنه الجماعة، فأفاد تصحيح الخبر من الطريقين.
بل في سياق رواية مسلم ما يشعر بوقوع الحديث لابن إدريس من الوجهين، حيث قال: " سمعت الأعمش يرويه عن عبد الله بن مرة " وذكر إسناده، فكأنه يقول: هذا الحديث الذي رواه الأعمش عن إبراهيم سمعته كذلك يرويه عن عبد الله بن مرة.
وكذلك وجدته رواه عبد الله بن محمد الكرماني، وهو ثقة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (2).
وهذه كرواية الجماعة، دلت على وقوع الحديث لابن إدريس من--------------------------------------------
(1) العلل (5/ 252).
(2) أخرجه الهيثم بن كليب في " مُسنده " (رقم: 370) قال: حدثنا ابن أبي خيثمة، حدثنا عبدُ الله بن محمد، به. وإسناده صحيح. وكذلك وقفت عليه منقولاً عن " تاريخ ابن أبي خيثمة " في " شرح العلل " لابن رجب (2/ 721).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 715)
الوجهين، والأعمش حافظ مكثر لا ينكر له حفظ الحديث من الوجهين.
الصورة الثالثة: أن يروي الحديث ثقتان، يختلفان في راو في الإسناد، يسميه أحدهما ويبهمه الآخر.
فهذا في التحقيق اختلاف غير مؤثر، إذ لا تضاد فيه، وإنما يؤثر الاختلاف الموجب للترجيح، أو التوقف، وأما في هذه الصورة فرواية من سمى قضت على رواية من أبهم، إذ الذي سمى قد حفظ علماً قصر عنه من أبهم.
القسم الثاني: اختلاف قادح.
وله صور أيضاً:
الصورة الأولى: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين، وينفرد واحد دونهم في الحفظ، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.
مثاله: ما رواه ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، في كفارة المواقع امرأته في نهار رمضان.
هكذا رواه الثقات المتقنون من أصحاب الزهري: مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وابن جريح، وإبراهيم بن سعد، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعراك بن مالك، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم (1).--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك في " الموطأ " (رقم: 815) والحميدي (رقم: 1008) وابن أبي شيبة (3/ 106) وأحمد (12/ 237 رقم: 7290، و 13/ 125، 196 رقم: 7692، 7785، و 16/ 403، 405 رقم: 10687، 10688) والدارمي (رقم: 1668) والبُخاري (رقم: 1834، 1835، 2460، 5053، 5737، 5812، 6331، 6333، 6435) وفي " التاريخ الأوسط " (1/ 432) ومسلم (رقم: 1111) وأبو داود (رقم: 2390 _ 2392) والترمذي (رقم: 724) والنسائي في " الكبرى " (رقم: 3114 _ 3119) وابن ماجة (رقم: 1671) وابن الجارود في " المنتقى " (رقم: 384) والطحاوي في " شرح المعاني " (2/ 60، 61) وابن خزيمة (رقم: 1943 _ 1945، 1949، 1950) وابن حِبان (رقم: 3524 _ 3527) والدارقطني (2/ 190) والبيهقي في " الكبرى " (4/ 221، 222، 224 _ 226) وابن عبد البر في " التمهيد " (7/ 173) من طرق كثيرة عن الزهري.
قال الترمذي: " حديث حسنٌ صحيح ".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 716)
وخالفهم في إسناده: هشام بن سعد، فقال: عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (1).
وهشام ثقة في الجملة، لكن لمجيئه بمثل هذه الرواية عن الزهري ضعف فيه خاصة؛ ولذا:
قال البخاري: " قال هشام بن سعد: عن الزهري، عن أبي سلمة، ولم يصح: أبو سلمة " (2).
وقال ابن خزيمة: " هذا الإسناد وهم، الخبر عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، هو الصحيح، لا عن أبي سلمة ".
وقال العقيلي: " المحفوظ حديث حميد " (3).
وقال ابن عدي في رواية هشام: " خطأ ".
وقال الخليلي: " هذا أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة؛ لأن أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة، وليس هو من حديث أبي سلمة،--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (رقم: 2393) وابن خزيمة (رقم: 1954) والطحاوي في " شرح المعاني " (3/ 118) وأبو الشيخ في " طبقات الأصْبهانيِّين " (رقم: 962) وابن عدي في " الكامل " (8/ 411) والدارقطني (2/ 190) والبيهقي في " الكبرى " (4/ 226) وابن عبد البر في " التمهيد " (7/ 168، 175) من طرق عن هشام بن سعد، به.
(2) التاريخ الأوسط (1/ 434).
(3) الضعفاء (4/ 342).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 717)
ومنهم من رواه عن هشام عن الزهري مقطوعاً عن أبي هريرة، رواه هكذا وكيع (1)، قال أبو زرعة الرازي: أراد وكيع، رحمه الله، الستر على هشام، فأسقط أبا سلمة " (2).
قلت: ولو كان من حفاظ أصحاب الزهري لاحتملنا له ما احتملناه لابن إدريس عن الأعمش.
الصورة الثانية: الاضطراب.
وذلك: بأن يختلف الجماعة من الثقات ، ولا يقوم مع اختلافهم مرجح يصير إلى الحكم برواية على أخرى؛ لاستواء الثقات درجة واحدة.
مثاله: ما نقله أبو داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: " اختلف شعبة وسعيد وهشام في حديث أنس: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون)، في اللفظ، وكلهم ثقات " (3).
وساق أبو داود ألفاظهم، فلفظ شعبة عن قتادة عن أنس: (ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفظ سعيد بن أبي عروبة عنه: (يضعون جنوبهم، فينامون من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ)، ولفظ هشام الدستوائي عنه: (ينتظرون العشاء الآخر حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون).
قلت: فأعل أحمد بالاختلاف ولم يرجح، لثقة الرواة وتقارب درجاتهم في الحفظ.--------------------------------------------
(1) أخرج هذه الرواية: العقيلي في " الضعفاء " (4/ 342).
(2) الإرشاد (1/ 345 _ 346).
(3) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 317).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 718)
وهذه صورة (المضطرب)، وهو قادح.
الصورة الثالثة: أن يروي الثقتان حديثاً يتفقان فيه سنداً ومتناً، إلاًّ في لفظة، يرويها أحدهما على ضد ما يرويها الآخر.
مثل: رواية عبد الله بن نمير، وهو من الثقات، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المسيء صلاته:
" ثم اسْجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ".
فذكر في القصة الجلوس بعد السجدة الثانية، وهذه الجلسة هي التي تسمى ب (جلسة الاستراحة).
خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة، وقد رواه عن عبيد الله بن عمر، فقال في لفظه: " ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ".
فأسقط ذكر الجلسة من روايته، وبلفظ مخالف لإثباتها.
ورجح البيهقي روايته على رواية ابن نمير؛ لأنه أثبت في الجملة منه.
لكن وجدنا من القرائن ما بين الخطأ في رواية أبي أسامة، وذلك أن الرواية عنه قد اختلفت، فرواه عنه إسحاق بن منصور وهو ثقة حافظ بترك الجلسة، ورواه إسحاق بن راهويه موافقة لرواية ابن نمير، ولا سبيل إلى الطعن على من دون أبي أسامة، فلم يبق إلا الوهم عليه، كما وجدنا الترجيح لذلك بغير ذلك من القرائن (1).--------------------------------------------
(1) الحديث بالاختلاف أخرجه البخاري في " صحيحه "، وذكرت طرفاً من شرح علته في كتابي " الأجوبة المرضية عن الأسئلة النجدية " (ص: 54 _ 55).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 719)
المبحث الخامس:
التعليل بالغلط
ويأتي على أمثلة كثيرة، يندرج تحتها بعض ما تقدم، مما يعود إلى وهم الراوي الثقة، كالخطأ في الوصل أو الإرسال، أو الرفع أو الوقف، ومن أظهر ما يكون من علل الحديث، مما ترى التعليل به عند أئمة الشأن الصور التالية:
الصورة الأولى: دخول حديث في حديث.
قال علي بن المديني: " حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحرم من الرضاعة المصة والمصتان.
رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة.
وهذا غلط.
ورواه يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: غرة عبد أو أمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 720)
وحديث ابن إسحاق عندهم خطأ، وأدخل حديثاً في حديث.
والحديث عندي حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحرم المصة والمصتان ".
وحديث هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم " ما يذهب مذمة الرضاع ".
وعن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: الرضاع ما فتق الأمعاء.
وقول أبي هريرة، وحديث الثلاثة صحاح، وحديث ابن إسحاق وهم " (1).
ومن مثاله أيضاً ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن أم حبيبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دم بعض، وكان ذلك سابقاً من الله عز وجل، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل "؟.
قال أبو عبد الله: " ليس له عن الزهري أصل "، وأخبرني أنه من حديث شعيب عن ابن أبي حسين، وقال لي: " كتاب شعيب عن ابن أبي حسين اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقاً "، قال: " وبلغني أن أبا اليمان قد اتهم، وليس له أصل "، ورأيته كأنه يعذر أبا اليمان ولا يحمل.
قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح؟ فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري (2).--------------------------------------------
(1) العلل، لابن المديني (رقم: 126).
(2) حديث أبي زُرعة الدمشقي (2/ 49 / أب مخطوط)، واسم ابن أبي حسين: عبد الله بن عبد الرحمن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 721)
الصورة الثانية: التصحيف في الأسانيد والمتون.
وهذا يقع في المتن وفي الإسناد، كما بينته في (الحديث المصحف).
فمثاله في الإسناد:
ما رواه زهير بن معاوية، عن واصل بن حيان البجلي، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" الكمأة دواء العين، وإن العجوة من فاكهة الجنة، وإن هذه الحبة السوداء دواء من كل داء إلا الموت " (1).
قلت: إسناد هذا الحديث ظاهره الصحة، ولكن الحال أن زهيراً قد تحرف عليه اسم شيخه فيه، وصوابه: (صالح بن حيان).
بين ذلك جماعة من كبار الأئمة:
قال أحمد بن حنبل وذكر صالح بن حيان: " غلط زهير في اسمه، فقال: واصل بن حيان " (2).
وقال يحيى بن معين وذكر زهير بن معاوية: " يخطىء عن صالح بن حيان، يقول: واصل بن حيان، ولم يرَ واصل بن حيان " (3).
وقال أبو حاتم الرازي وسأله ابنه عن هذا الحديث: " أخطأ زهير مع إتقانه، هذا هو صالح بن حيان، وليس هو واصل، وصالح بن حيان ليس بالقوي، هو شيخ، ولم يدرك زهير واصلاً " (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (5/ 346).
(2) سؤالات أبي داود (النص: 8).
(3) تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوري (النص: 2127)، وروى الآجري عن أبي داود عن يحيى نَحوه (سؤالاته، النص: 509).
(4) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 2182).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 722)
قلت: وكذلك روى هذا الحديث عن صالح بن حيان: محمد بن عبيد الطنافسي (1)، وعبدة بن سليمان (2).
ومثاله في المتن:
ما روي عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الإيمان كلمات ".
سأل ابن أبي حاتم الرازي أباه عنه؟ فقال: " خطأ، وإنما هو: ألا إنما هو كلمات: سبحان الله، والحمد لله. ورواه جماعة كثيرة عن حديج هكذا، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلمات من قالهن: سبحان الله، والحمد لله، الحديث ".
قال أبو حاتم: " قال لنا أبو حصين (3): رأيت في كتاب أبي هذا الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الا)، وقد تآكل ما بعده، فجاء الرازيون فلقنوه: (الإيمان كلمات)، وإنما موضعه موضع دارس قد تآكل " (4).
قلت: وهذا الحشو لموضع السقط أبدع للحديث معنى لم يأت به، كما لا يخفى.
قلت: ومثل هذا نراه اليوم يقع كثيراً من كثير من المتعرضين لنشر كتب العلم ومصادر السنن، منهم من ينشأ تحريفه من سوء قراءته لنص الأصل، ومنهم من يقع له ذلك بسبب إقحامه على النص ما ليس منه، كتعليق في هامش المخطوط ليس لحقاً مصححاً، يدخله على النص، أو يزيد--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (5/ 351) والروياني (رقم: 23).
(2) أخرجه ابن عدي (5/ 81).
(3) اسمه: عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، كوفي ثقة.
(4) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 1958 _ 1959).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 723)
من كتب التخرج والإحالة ما لم يكن في النص، وهذا من أقبح ما يكون، وقد رأينا من يخرج الحديث من كتاب آخر فيجده في الفرع المخرج عنه موصولاً، وهو في أصل الذي تحمل ثقل الأمانة فيه مرسل أو منقطع، فيزيد الوصل من فرع التخريج، فيجعله موصلاً، وقد يكون الإرسال في أصله علة للوصل في فرع التخريج.
وكشف هذا النوع من أخطاء الثقات أيسر مما سواه من علل الحديث، كالقلب والوهم بمخالفة الثقات، أو التفرد عنهم بما تقوم الشبهة فيه.
كما قال مسلم بن الحجاج: " الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين:
أحدهما: أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد، فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم " (1).
ومثل لذلك، فمن تلك الأمثلة (2):
1_ قول النعمان بن راشد: عن الزهري، عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة.
قال مسلم: " ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو ".
2 _ قول مالك: عن الزهري: عن عباد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة.
قال مسلم: " وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان، معروف النسب عند أهل النسب، وليس من المغيرة بسبيل ".--------------------------------------------
(1) التمييز (ص: 170).
(2) انظر: التمييز (ص: 171).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 724)