3 _ رواية من روى حديث: " إن أبغض الناس إلى الله عز وجل ثلاثة: ملحد في الحرم " الحديث، فقال: " ملحد في الحرفة ".
قال مسلم: " فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر.
والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً.
على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم " (1).
الصورة الثالثة: القلب:
وبينت معنى القلب في (الحديث المقلوب).
ومن الأمثلة التي وقع فيها القلب في الإسناد، وتضمن غير نوع من العلل:
ما رواه أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشربوا في الظروف، ولا تسكروا " (2).--------------------------------------------
(1) التمييز (ص: 172).
(2) أخرجه ابنُ أبي شيبة (8/ 158)، والطيالسي (رقم: 1369) والنسائي (رقم: 5677) وابن قانع في " مُعجم الصحابة " (3/ 204) والطبراني في " الكبير " (22/ 198 رقم 522) والدارقطني في " السنن " (4/ 259) والبيهقي في " الكبرى " (8/ 298).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 725)
سأل ابن حاتم الرازي أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: " وهم أبو الأحوص فقال: عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بردة، قلب من الإسناد موضعاً، وصحف في موضع، أما القلب فقوله: عن أبي بردة، أراد: عن ابن بريدة، ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب الأسناد بأسره، وأفحش في الخطأ.
وأفحشُ من ذلك وأشنع: تصحيفه في متنه: اشربوا في الظروف، ولا تسكروا. وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه: أبو سنان ضرار بن مرة، وزبيد اليامي، عن محارب بن دثار، وسماك بن حرب، والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد، والزبير بن عدي، وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل، كلهم عن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكراً "، وفي حديث بعضهم قال: واجتنبوا كل مسكر. ولم يقل أحد منهم: ولا تسكروا، وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء " (1).
* * *--------------------------------------------
(1) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 1549). وهذا الحديث قد استَقْصيْت جميع طُرقه وألفاظه وعلله في كتابي " علل الحديث ".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 726)
المبحث السادس:
التعليل بالتدليس
وشرحت معنى التدليس في (الحديث المدلس) (1).
والتعليل به بمعنى الوقوع لا المظنة، أي: ليس التعليل بمجرد العنعنة من الراوي الموصوف بالتدليس، وإنما بكشف وقوع تدليسه في ذلك الحديث، عن طريق جمع أسانيده.
مثل: حديث بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل يحب الملحين في الدعاء ".
هكذا رواه كثير بن عبيد الحذاء عن بقية (2).
فهذا يقول فيه المبتدئ: (في إسناده بقية، وهو مدلس وقد عنعن)، ثم--------------------------------------------
(1) في القسم الثاني من هذا الكتاب.
(2) أخرجه الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " (رقم: 1008 _ تنقيح) قال: حدثنا الفضل بن محمد، والطبراني في " الدعاء " (رقم: 20) قال: حدثنا واثلة بن الحسن العٍرقي، والعقيلي في " الضعفاء " (4/ 452) قال: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي، والقُضاعي في " مسند الشهاب " (رقم: 1069) من طريق أبي عروبة الحرَّاني، و (1070) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن يونس، جَميعاً قالوا: حدثنا كثير بن عُبيد، به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 727)
يقلب فيرى بعض من رواه عن كثير قال فيه: " حدثنا كثير بن عبيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا الأوزاعي " (1)، فيقول: (انزاحت عنه شبهة التدليس، والأوزاعي فمن فوقه إسناد معروف الصحة).
لكن يقول الناقد في هذه الرواية، كما قال البيهقي: " هكذا قال: حدثنا الأوزاعي، وهو خطأ "، يعني لتفرد راو بها عن كثير عن بقية دون الجماعة، مع قيام الدليل على الواسطة بين بقية والأوزاعي فيه.
كما قال أبو حاتم الرازي: " هذا حديث منكر، نرى بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي " (2).
وقال العقيلي: " لعله أخذه بقية عن يوسف بن السفر ".
قلت: هو كذلك، إنما حمله بقية عن أبي الفيض يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، وكان يوسف هذا متهماً بالكذب ووضع الحديث، كذلك رواه عن بقية: عيسى بن المنذر الحمصي، وهو ثقة (3)، وتابعه أحد المتروكين (4) لكن العبرة برواية عيسى هذا.
وكذلك أعله ابن عدي بتدليس بقية.
والتعليل بهذا الطريق لا يتفطن له إلا من رزق بصيرة وقوة معرفة وسعة اطلاع في هذا العلم، والذي يعل به الطلبة غايته ما ذكرت، لا يعدو--------------------------------------------
(1) كذلك رَواه أحمد بن يحيى بن صفوان الأنطاكي، فيما أخرجه البيهقي في " الشعب " (رقم: 1108).
(2) علل الحديث (2/ 199).
(3) أخرجه العُقيلي في " الضعفاء " (4/ 452).
(4) هو سليمان بن سلمة الخبائري الحِمصي، أخرجه من طريقه: يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (2/ 431) _ ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (رقم: 1109) _ وابن عدي في " الكامل " (8/ 500) وابن عساكر في " تاريخه " (32/ 368). لكن أسقطت رواية ابن عساكر (بقية).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 728)
أن يجد أحدهم الراوي الموصوف بالتدليس لم يصرح بالسماع في روايته، فيقول: (إسناد ضعيف، فيه فلان مدلس، ولم يصرح بالتحديث)، وليس هذا من العلل الخفية، إنما العلة الخفية كشف وقوع التدليس في تلك الرواية، والتعليل بمجرد العنعنة من الموصوف بالتدليس تعليل ظاهر، قد يكون مرجوحاً لا أثر له في اتصال الإسناد، كما تلاحظه في بيان (الحديث المدلس).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 729)
الفصل الثالث
قوانين ضبط عملية
تعليل الأحاديث
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 731)
المبحث الأول
علم التخريج
الطريق لكشف علة الحديث: جمع الروايات ثم سبرها وتنقيحها.
قال الخطيب: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (1).
قال الأوزاعي: " كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا " (2).
وقال ابن أبي حاتم: " تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالة بروايته " (3).--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع (2/ 295).
(2) أخرجه أبو زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (1/ 265) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (1/ 1 / 20/ 21) والخطيب في " الكفاية " (ص: 605) بإسناد صحيح.
(3) تقدمة الجرح والتعديل (ص: 351).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 733)
قلت: فهو يبدأ بتتبع روايات الحديث وجمعها، ومن ثم النظر فيها وتمحيصها.
قال عبد الله بن المبارك: " إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض " (1).
قلت: والطريق إلى تحقيق الجمع المقصود لطرق الحديث هو تخريج الحديث بمعناه الآتي قريباً.
تفسير علم التخريج:
المراد بعبارة (التخريج) عندما ظهر استعمال هذا المصطلح، هو:
انتقاء الراوي لنفسه من أصول سماعاته عن شيوخه أحاديث، فمنها ما يصنف على ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم، وعندئذ يسمى (معجماً)، ومنها ما يصنف على اعتبار آخر، كالبدء بحسب الأقدم، أو بحسب البلدان، وهذا يسمى (مشيخة)، ومنها ما يكون عشوائيا أو شبيها بذلك، فيسمى (الفوائد) وربما قيل: (الفوائد المنتقاة).
ويخرج من حديث كل شيخ حديث فأكثر، يراعى فيها علو الإسناد، أو قوته، أو غرابة الحديث (2).
وقد ينتقي تلك الأحاديث للشيخ غيره من معاصريه من رواة الحديث وحفاظه.
قال الخطيب: " وإن لم يكن الراوي من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه، فينبغي له أن يستعين--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: 1902) وإسناده صالحٌ.
(2) وانظر حصول التفريج بأصول التخريج، للشيخ أحمد بن الصديق الغُماري (ص: 13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 734)
ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه، فقد كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك، فمنهم:
أبو الحسين بن بشران، كان محمد بن أبي الفوارس يخرج له الإملاء.
والقاضي أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، كان أبو الحسين بن غسان يخرج له.
وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج النيسابوري، كان أبو حازم العبدوي يخرج له.
وصاعد بن محمد الأستوائي فقيه أصحاب الرأي بنيسابور، كان أحمد بن علي الأصبهاني يخرج له.
وكان أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه يخرج الإملاء لنفسه، إلى أن كف بصره.
ثم كان أبو محمد الخلال يخرج له أحياناً، وأحياناً كنت أنا أخرج له " (1).
ومن أمثلة الكتب في (التخريج) بهذا المعنى: " المعجم الصغير " تخريج: الحافظ أبي القاسم الطبراني، خرجه لنفسه.
و" المعجم " للحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو (مشيخته).
وخرج الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي (المتوفي سنة: 457) لقرينه أبي القاسم الحسين بن محمد الحنائي (المتوفي سنة: 459) الفوائد المعروفة ب" الحنائيات ".
كما خرج الحافظ أبو طاهر السلفي (المتوفي سنة: 576) الفوائد لشيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار المعروف ب" ابن الطيوري " (المتوفي سنة: 500) وتسمى ب" الطيوريات ".--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (2/ 88).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 735)
التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ:
قال أحمد بن حنبل: " الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً " (1).
والتخريج بهذا المعنى هو: أن تعمد إلى حديث فتجمع طرقه: أسانيدها ومتونها، من الكتب الحديثية التي تقوم على الإسناد، لا الكتب الناقلة عنها، ثم التأليف بينها لتحرير مواضع الاتفاق والافتراق في الأسانيد، فتتبين المتابعات والشواهد، وفي المتون، فيتبين ما فيها من التوافق اللفظي والمعنوي، والزيادة والاختلاف.
هذا المعنى للتخريج هو المطلوب تحقيقه لكشف علة الحديث، وليس هو المدلول القريب اليوم لمصطلح (التخريج).
إنما (التخريج) اليوم في طريقة أكثر من يتصدى للاشتغال بالحديث، ممن يفهم وممن لا يفهم، هو: عزو الأحاديث التي تذكر في الكتب غير مروية بالإسناد، إلى محالها من كتب الإسناد، كالحديث يوجد في " المغني " لابن قدامة مثلاً، ربما عزاه إلى مصدر من المصادر، كسنن أبي داود، وربما لم يعز إلى مصدر، فيكون التخريج ببيان محله من " السنن " توثيقاً لنصه، وتيسيراً للوقوف عليه في أصله، وقد يزيد الباحث العزو إلى ما تيسر له الوقوف عليه من الأصول.
وليس من هذا: الكلام على درجة الحديث، فذلك زيادة على التخريج، يحسن أن تسمى (تحقيقاً) مثلاً، وهي عبارة قد شاعت اليوم تدل على هذا المعنى.
فإن وقعت عملية التخريج هذه لكتاب مسند، كمن يعمد إلى أحاديث (مسند أحمد) فيبين محال الحديث في غيره، ويربط بين ذلك الحديث--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: 1640) بإسناد حسن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 736)
وسائر طرقه في سائر كتب الحديث، فهذا العمل أشبه بمصطلح (الاستخراج) (1) منه بمجرد (التخريج)، وإن كان معنى (الاستخراج) فيه ناقصاً، فإن العناية فيه إنما هي بالإسناد غالباً دون المتن، ومعلوم أن (الاستخراج) يعتبر في الإسناد والمتن جميعاً (2).
فمن يفهم فإنما ذلك عنده لواحد من غرضين، أو لهما جميعاً:
أولهما: وسيلة يتوصل بها إلى تبيين درجة الحديث، فهذا لا يكون (التخريج) بالنسبة له مقصداً لذاته، ولذلك فقد تتحقق بغيته بأن يوقف على كون الحديث مما (أخرجه) البخاري ومسلم، ولا يزيد.
وثانيهما: توثيق للنص المخرج، من جهة إحالته إلى أصل من الأصول.
ومن لا يفهم، فليس محلاً للحديث هنا.
ولا نجد حرجاً في هذه العملية أن يقال: (أخرجه) أو (خرجه)، فهو واسع، واللغة تحتمله، وإن كان (أخرجه) أكثر وأحسن.
ومن أمثلة كتب التخريج بهذا المعنى:
" تخريج أحاديث الكشاف " و " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " كلاهما للحافظ أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (المتوفى سنة: 762).
و" البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير " للحافظ عمر بن علي المعروف ب" ابن الملقن " الشافعي (المتوفى سنة: 804).--------------------------------------------
(1) والذي بينت ما يتصل به في مبحث خاصٍ في (القسم الثاني) من هذا الكتاب عند الكلام على (مسائل تتصل بالصحيح والحسن).
(2) كما بينت معناه في الكلام عن المستخرجات على " الصحيحين " في القسم الثاني من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 737)
وللحافظ ابن حجر العسقلاني يد طولى في ذلك.
وفي الزمن المتأخر مؤلفات الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الأباني، والشيخ المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، وغيرهما من محدثي العصر.
ومن القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج ما يلي:
أولاً: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها.
قال الحاكم: " مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثاً وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر: أن يفرق بين أن يقول: (مثله)، أو: (نحوه)، فإنه لا يحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يقف على المتنين جميعاً، فيعلم أنهما على لفظ واحد، وإذا لم يميز ذلك، جاز أن يقول: (نحوه)، فإذا قال: (نحوه) بين أنه مثل معانيه " (1).
قلت: وكان الإمام مسلم بن الحجاج دقيقاً في سياقه الروايات، فإذا بحثت عن ألفاظ الأحاديث عنده، فإن ساق للحديث طريقاً واحدة لمتنه فذاك المتن لذاك الإسناد، وإن أخرجه بسند، ثم أحال عليه أسانيد، فإن قال: (مثله) فهو باللفظ ذاته أو يقرب منه، وإن قال: (به) فهو مثله، ما لم ينبه مسلم نفسه على زيادة في المتن أو نقص.
وإذا ساق المتابعات قبل المتن، فإن قال: (فلان وفلان، واللفظ له) أو (واللفظ لفلان) فلفظ الحديث لمن أضافه إليه من الرواة، والثاني بنحوه أو معناه، وربما عطف المتابعات في سياق الإسناد على بعضها، وقال: (وألفاظهم متقاربة)، وقد لا ينبه على ذلك فيشعر باتحاد اللفظ. وربما قال مثلاً: (حدثنا محمد بن عباد، وابن أبي عمر، جميعاً عن مروان الفزاري،--------------------------------------------
(1) سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: 123، 322) وتقدم ذكر هذا النص من قبل في (المبحث السابع) من مباحث (التعديل).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 738)
قال ابن عباد: حدثنا مروان، عن يزيد)، فساق الإسناد، فهذا التصرف يشعر بأن السياق لرواية ابن عباد، ورواية ابن أبي عمر قريب منه.
ثانياً: المحدث يسوق حديثاً بإسناده ومتنه، ثم يلحقه بآخر يقتصر منه على الإسناد ويحيل المتن على الذي قبله قائلاً: (مثله)، أو (نحوه)، فهل يصح سياق نفس المتن للإسناد الثاني؟
الجواب: اختلف في ذلك المتقدمون، فوسع فيه سفيان الثوري في (مثله) و (نحوه)، ووافقه النقل عن يحيى بن معين في (مثله) خاصة، ومنع شعبة بن الحجاج من ذلك فيهما (1).
والاحتياط فيه أولى، وذلك بأن يقول مثلاً: (مثل حديث قبله متنه كذا وكذا) أو (نحو حديث قبله متنه كذا وكذا)، وهو اختيار الخطيب.
وفي باب الاعتبار، لا مانع من الاعتبار بالإسناد الثاني في تقوية الأول، اعتماداً على المحدث فيما ادعاه من المثلية أو النحوية، وإن كان الأولى الاجتهاد للوقوف على متن ذلك الإسناد في مصادر السنن والأخبار.
ثالثاً: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد، يجوز أن يساق الإسناد عند اقتباس بعض تلك الأحاديث، يذكر قبل المتن كما جاء في أول حديث في تلك الصحيفة، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهو قول وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبي بكر الإسماعيلي، وغيرهم.
وكان مسلم يسوق الإسناد لصحيفة همام إليه، قال: " هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكر أحاديث منها .. "، وهذه مبالغة في التحري والأمانة (2).
رابعاً: إذا أخرجت أحاديث أو حديثاً من جملة أحاديث، رواها--------------------------------------------
(1) خرج الروايات بذلك عنهم الخطيب في " الكفاية " (ص: 319، 320) بأسانيد صحيحة.
وكذلك النقل عن ابن مَعين موجود في " تاريخه " (النص: 2264).
(2) صِيانة صحيح مسلم، لابن الصلاح (ص: 102، 103).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 739)
المخرج عن شيخ، نسبه تاما في أولها، ثم قال في سائرها: (وحدثنا فلان) ولم يزد على اسمه، جاز أن يبين على ما في أول تلك الأحاديث، ولو قلت عند قوله: (حدثنا فلان): (يعني) أو (أي: ابن فلان الفلاني) لكن أحوط، كما يفعل لبيان اسم مبهم في الإسناد.
وترى مثل هذا يقع كثيراً في " مسند أحمد " في تسمية شيوخه، و" مسند أبي يعلى " و " المعجم الأوسط " للطبراني، وغيرها.
خامساً: إذا وجدت اسماً مهملاً في الإسناد، وتيقنت من يكون فلا يجوز أن تقحم بيانه بعبارة تفهم أنه كذلك في الرواية، فلو جاء مثلاً: (عن هشام عن قتادة) فمع تيقنك أنه الدستوائي، فلا تجعله: (عن هشام الدستوائي عن قتادة)، ولكن قل: (عن هشام _ يعني الدستوائي _ عن قتادة)، أو (عن هشام _ هو الدستوائي _ عن قتادة).
وهذه فائدة، أنك إذا وجدت مثل هذه الصيغة (هو ابن فلان)، أو (الفلاني) فاعلم أنها ليست من قبل الراوي عن ذلك الشيخ، وإنما هي من بعض رواة الإسناد، أو من نفس مخرج الخبر (1).
* * *--------------------------------------------
(1) كما تقدم في (المبحث الثاني) من (الفصل الثاني) من هذا الباب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 740)
المبحث الثاني:
علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين
وهي أسباب تكتسب بالدراية بعلوم الحديث، وفهم ما ترد عليه الأسانيد والمتون، استعملها أئمة النقاد لمعرفة علة الحديث، وهي علامات ظنية، لا يجوز القطع بتخطئة الثقة بمجرد ورودها على فكر الناقد حتى يستدل لها.
نعم، قد يقوم الدليل عند الناقد على علة الحديث، ولم يتبين بمن يلصق الوهم فيه من رواته، لكن ينبغي في هذه الحال أن يتوجه حمله على أدناهم حفظاً.
ومن أمثلته: ما نقله ابن أبي حاتم الرازي، قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه علي بن هاشم بن مرزوق، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن سالم مولى دوس: قلت لكعب: أكنت تقبل وأنت صائم؟ قال: نعم، وآخذ به (1)؟ فقالا: " هذا خطأ، إنما هو عن سالم مولى دوس، قال: قلت لسعد بن أبي وقاص "، قال أبو زرعة: " وأخطأ علي بن هاشم؛ لأن يزيد بن هارون لا يذهب عليه مثل هذا " (2).--------------------------------------------
(1) جاء في رواية الخطيب التالية الإشارة إليها: يعني بمتاعها.
(2) علل الحديث (رقم: 666).
وعلى الصواب رواه مُحمد بن مسلمة الواسطي عن يزيد بن هارون. أخرجه الخطيب في " أوهام الجمع والتفريق " (1/ 291) لكن ابنَ مسلمة هذا ليس بثقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 741)
قلت: يقول: يزيد لحفظه وإتقانه لا يقع له مثل هذا الوهم، ولا يحمل فيه عليه الخطأ وفيمن دونه أولى بحمل الخطأ عليه منه مع صدقه، وهو علي بن هاشم الرازي.
لكن إذا لم يتبين ما يمكن أن يحمل عليه الوهم من رواته، فتكون الرواية معلولة، دون إلحاق المأخذ فيها على معين.
وتلك العلامات المساعدة المستفادة من طرق النقاد في التعليل، منها ما يعرف من الفصل السابق، إذ التفرد، والزيادة، والمخالفة، والاختلاف، ودخول حديث في حديث، والتصحيف، والقلب، والتدليس، جميعها تكون بملحظ الناقد، بل يقصد إلى تقصيها في الرواية، حتى تسلم له منها، فوقوع الشيء منها في الرواية علامة على العلة، فإن استقرت بحجتها كانت هي العلة.
لكن قد بينت من قبل أنه ليس كل تفرد علة، ولا كل مخالفة مؤثرة، ولا كل اختلاف قادحاً، فما لم يكن من قبيل ما بينت قبل أنه قادح بمجرد تلك الأسباب، فإن الناقد قد يهتدي بعلامات أخرى للتوصل إلى العلة، ترجع أصولها إلى ما يلي:
أولاً: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجاً عنها.
ومن عباراتهم فيه: (لزم فلان الطريق) (1). و (أخذ طريق المجرة فيه) (2). و (وهذا الطريق كان أسهل عليه) (3).--------------------------------------------
(1) علل الحديث، لابن أبي حاتم فيما نقله عن أبيه (رقم: 46، 288، 582، 1286، 1823، 2162، 2237، 2296).
(2) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 118).
(3) الكامل، لابن عدي (5/ 425).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 742)
والمعنى فيه: أن يروي الحديث ثقتان، فيجريه أحدهما على المعتاد في أسانيد شيخه، والآخر على غير المعتاد منها.
فمن خرج به عن المعتاد، فذلك قرينة على إتقانه للرواية، إذ مثل ذلك يحتاج حفظه إلى مزيد احتياط، ولا يتفطن إليه متيقظ، بخلاف ما جاء على الجادة.
وقد قال أحمد بن حنبل في مثال هذا: " أهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما " (1).
وهذه أمثلة:
المثال الأول، ويدخل في غير شيء من علل الحديث: حديث سمرة بن جندب في كفارة تفويت الجمعة.
رواه قتادة، واختلف عليه، فرواه همام بن يحيى، عنه، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من فاتته الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار "، وفي لفظ: " من ترك جمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار " (2).
تابع هماماً عليه إسناداً ومتناً: حجاج بن حجاج الباهلي الأحول (3)، وهو ثقة.
ورواه خالد بن قيس بن رباح، فقال: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، به (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (2/ 306، و 5/ 499 _ 500) وإسناده جيد.
(2) أخرجه أحمد (33/ 277، 330 رقم: 20087، 20159) وأبو داود (رقم: 1053) والنسائي (رقم: 1372) وغيرهم، واستوعبتُ بيانه في كتاب " علل الحديث ".
(3) أخرجه البخاري في " تاريخه " (2/ 2 / 176).
(4) أخرجه أبو داود في " المسائل " (ص: 296) والنسائي في " الكبرى " (رقم: 1662) وابنُ ماجة (رقم: 1128) والبيهقي (3/ 248).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 743)
وهذا الطريق خالفت في الإسناد، فجعلت (الحسن) بدلاً من (قدامة بن وبرة)، وهي محيلة الرواية من مجهول، وهو قدامة، إلى ثقة، وهو الحسن البصري، وهي رواية صحيحة الإسناد إلى قتادة، كصحة رواية همام عنه.
ومن يذهب من أهل العلم إلى صحة حديث الحسن عن سمرة، يصحح هذا الإسناد على طريقته، ومن لا يصححها قد يقوي روايتي قتادة ببعضهما، وهذان المنهجان كلاهما خطأ ههنا.
فتصحيح الرواية لذاتها من رواية الحسن عن سمرة، أو اعتبارها طريقاً مستقلة للحديث تنضم إلى رواية قدامة، إغفال لمخالفة همام.
والتحقيق: أن هماماً ألصق بقتادة، وأعلم بحديثه وأشهر به من خالد، بل هو من المكثرين عن قتادة وغيره، وليس خالد كذلك وإن كان ثقة، ثم إن خالداً أجرى الإسناد عن قتادة على الجادة، فقتادة عن الحسن عن سمرة نسخة، ومثل همام في كثرة حديثه عن قتادة لا يفوته مثل هذا، ليأتي به عن قتادة عن رجل غير معروف، لا يحفظ مثله ولا يتفطن له إلا بتعنٍّ، بخلاف المشهور المعروف.
ولذا قال البخاري: " والأول أصح " يعني رواية همام.
وممن أشار إلى علة هذه الرواية: أبو داود في " سننه " وأبو حاتم الرازي فيما حكاه ابنه (1).
وقال البيهقي: " كذا قال، ولا أظنه إلا واهماً في إسناده، لاتفاق من مضى على خلاف فيه ".
والحديث لا يصح، ولهمام فيه مخالفان آخران مرجوحان كذلك.--------------------------------------------
(1) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 577).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 744)
قال البخاري: " لا يصح حديث قدامة في الجمعة ".
قلت: العلة كما بينت من جهة جهالة قدامة، وكذلك لعدم العلم بثبوت سماع له ولا لقاء من سمرة، فإنه لم يذكر سماعاً في شيء من الطرق، ولم نجده يروي عن غير سمرة في شيء يثبت إسناده إليه.
فرجل مجهول لم تثبت عدالته، يروي بالعنعنة، لا يجوز قبول حديث ينفرد به لا يرويه سواه.
المثال الثاني: ما رواه محمد بن صالح بن مهران، قال: حدثنا أرطاة أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " (1).
قال ابن عدي: " الحديث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر خطأ، إنما يرويه عبيد الله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، على أنه قد روي عن هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهذا خطأ أيضاً (2)، وهذا الطريق كان أسهل عليه إذا قال: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر؛ لأنه طريق واضح، وبهذا الإسناد أحاديث كثيرة، من أن يقول: عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ".
المثال الثالث: ما رواه سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله--------------------------------------------
(1) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (2/ 143) والطبراني في " الكبير " (12/ 375 رقم: 13389) من طُرق عن محمد بن صالح بن مهران، به.
(2) وهذا من طريق هِشام بن حسان أخرجه العُقيلي في " الضعفاء " (2/ 246)، وعلته شبيهةٌ بهذه، وبيَّن العُقيلي أيضاً صواب روايته من طريق هشامٍ عن عبيد الله عن المقبري عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 745)
بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم، تبارك اسمك، وتعالى جدك " وذكر الحديث بطوله (1).
قال الحاكم: " لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه ".
ثم أسنده الحاكم من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة، فذكر الحديث بغير هذا اللفظ.
قال الحاكم: " وهذا مخرج في صحيح مسلم ".
المثال الرابع: ما رواه عبد الله بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ساقي القوم آخرهم " (2).
قال ابن عدي: " كذا قال المقدمي هذا: عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وهذا الطريق كان أسهل عليه؛ لأن ثابتاً أبداً يروي عن أنس، وإنما روى ثابت هذا الحديث عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ".
المثال الخامس: ما رواه عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن الكريم، يقول: " إذا هم أحدكم بالأمر أو أراد الأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك " فذكر الحديث (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث " (ص: 118) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عُفير، به.
(2) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (5/ 425) قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي، به.
(3) أخرجه ابنُ عدي (5/ 500) من طريق منْصور بن أبي مُزاحم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 746)