منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده " (1).
وقال ابن عبد البر: " تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس " (2).
وهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة كابن الصلاح (3)، وابن رشيد الفهري (4)، والنووي (5)، والذهبي (6)، وغيرهم.
وهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه.
واللقاء وحده مع عدم التدليس كاف عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المدني يرى (7).
واللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلاً عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ، مع السلامة في كل ذلك من المعارض الراجح.
وحين ادعى مسلم الإجماع على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمعاصرة،--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 421).
(2) التمهيد (1/ 12).
(3) صِيانة صحيح مسلم (ص: 128).
(4) السنن الأبين (ص: 32).
(5) شرح صحيح مسلم (ص: 128).
(6) سير أعلام النبلاء (12/ 573).
(7) وهذه مسألة يطول سردها ببراهينها، وقد وجدت الباحث الأستاذ خالد الدريس قد بينها بياناً جيداً في كتابه: " موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين " (ص: 108 ـ 114)، وهو كتاب قيم مفيد، وإن كان في بعض ما استنتجه فيه مما يناقش أو يخالف فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذهب الأئمة الكبار على خلافه، وعلى اشتراط ثبوت السماع، وقال: " بل اتفاق هؤلاء الأئمة يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم " (1).
وأقول: فيما أطلقه ابن رجب من أن مذاهب أولئك الأئمة على اشتراط ثبوت السماع لا يساعد عليه ما أورده دليلاً لما قال، وبيانه: أنه استدل لذلك بأمثلة تطبيقية، تلخيصها في التالي:
1 _ جماعة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم لم يثبت لهم منه سماع، فروايتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب.
_ جماعة ثبتت رؤيتهم لبعض الصحابة، لكن حديثهم عنهم مرسل؛ لعدم السماع، كالأعمش، والرؤية أبلغ في الاتصال من مجرد إمكان اللقاء.
3 _ وجود بعض من ثبت له اللقاء والسماع اليسير من شيخ، ولم يسمع أكثر ما روى عنه معنعناً، كسعيد بن المسيب عن عمر.
وساق ابن رجب بعض عبارات الأئمة أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في ذلك، ثم قال: " فدل كلامهم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع " (2).
قلت: والنقد لما استخلصه ابن رجب عن هؤلاء الأئمة من وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره من عباراتهم مستدلاً به فجميعه لا يخلو من واحد من الأحوال الأربعة التالية:
الأول: ما استدل به أن جماعة ثبتت لهم الرؤية ولم يثبت لهم--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/ 372).
(2) شرح علل الترمذي (1/ 367).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
السماع، فإن ذلك عرف بصغر سن أحدهم يوم إدراكه، وأنه لم يكن في عمر من يحتمل عنه ما روى عن ذلك الشيخ، كرواية ابن المسيب عن عمر، ورواية الأعمش عن أنس، مع ما ينضم إلى هذا الأخير مما عرف عنه من التدليس.
الثاني: عبارات لأحمد بن حنبل وغيره فيها التوقف عن القطع بالاتصال؛ لأنه لم يقف على ما يدل عليه، كقول أحمد، وقد سئل: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟: " قد رآه، قال: رأيت أنساً، ولا أدري سمع منه أم لا " (1).
قلت: وهذا التوقف من جهة ما ورد من الريبة في الانقطاع؛ من أجل صغر يحيى حين أدرك أنساً.
الثالث: ما يوجد من نفي السماع في عبارات بعضهم في حق من عرف لهم الإدراك وإمكان اللقاء، كقول أبي زرعة الرازي في (أبي أمامة بن سهل بن حنيف): " لم يسمع من عمر " (2)، مع أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فليس في محل النزاع، إذ لانزاع أن الراوي إذا ثبت عدم سماعه فلا يغني لاتصال روايته ثبوت اللقاء، وإنما الشأن فيمن لم يثبت أنه لم يسمع، ولم يأت أنه سمع، وكان اللقاء والسماع ممكناً لثبوت الإدراك المجيز لتحقق ذلك.
الرابع: قيام شبهة في عدم الاتصال في محل العنعنة، مثل أن يروي الراوي عن رجل عاصره، لكنهما قد تباعدت أرضهما، ولا يعرف لأحدها ارتحال إلى بلد الآخر، مثل قول أبي حاتم الرازي في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: " قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة " (3).--------------------------------------------
(1) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 240).
(2) المراسيل لا بن أبي حاتم (ص: 16، 258).
(3) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 187).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
ويشبه هذا في قيام الشبهة، قول أحمد بن حنبل: " ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس " (1)، فإن أحمد قال في نص آخر: " لم يسمع من ابن عباس شيئاً، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس " (2)، فالانقطاع بينهما فيما يقول فيه (عن ابن عباس) في بعض الرواية عنه لا يحمل على الاتصال لمجرد الإدراك والمعاصرة، من أجل ما قام من شبهة التلقي بالواسطة.
ومثله كذلك، قول أحمد حين سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟: " ما رأى في هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة " (3) يعني إنما المعروف من حديثه عن عائشة بالواسطة، فقام ثبوت ذلك في حديثه شبهة على كونه لم يسمع منها البتة وإن عاصرها.
والوجه الثاني: ما ثبت عن هؤلاء الأئمة من اعتبار إمكان السماع قائماً مقام السماع.
فمن نصوصهم:
قال أبو داود السجستاني: قيل لأحمد (يعني ابن حنبل): سمع الحسن من عمران (4)؟ قال: " ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه " (5).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: عباس بن سهل، أدرك أبا حميد؟ قال: " عباس قديم " (6).
وقال ابن هانئ لأحمد بن حنبل: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال:--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: 187) بإسناد صحيح.
(2) العلل ومعرفة الرجال (النص: 1123، 3526).
(3) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: 115) ونُسب فيه القول إلى عبد الله بن أحمد، والتصويب من " شرح العلل " لابن رجب (1/ 369).
(4) أي الحسن البصري سمع من عمران بن حصين.
(5) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 322).
(6) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 326).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
" نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح " (1).
وقال أبو بكر الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: " نعم، قد سمع من الأسود غير شيء " كأنه يقول: إن الأسود أقدم (2).
وسئل أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: " ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر " (3).
وسأل الترمذي أبا عبد الله البخاري عن حديث رواه عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي، قال: أترى هذا الحديث محفوظاً؟ قال: " نعم "، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: " ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم " (4).
وقال أبو حاتم الرازي: " الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً؛ لا لأنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة " (5).
قلت: أما قوله في الزهري عن أبان، فإنه علله بقوله: " كيف سمع من أبان وهو يقول: بلغني عن أبان؟ " (6)، فقام هذا شبهة تمنع من قبول عنعنته عن أبان.--------------------------------------------
(1) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (2/ 239).
(2) نقله ابن رجب في " شرح علل الترمذي " (1/ 364).
(3) نقله ابن رجب في " شرح العلل " (1/ 375).
(4) العلل الكبير، للترمذي (2/ 633).
(5) المراسيل (ص: 192).
(6) المراسيل (ص: 191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
وأما ما ذكره في رواية حبيب عن عروة، وهو محل الشاهد، فمقتضى قوله أن لولا اتفاق أهل الحديث على نفي سماع حبيب من عروة لكانت روايته عنه متصلة؛ من أجل أنه سمع ممن هو أكبر منه.
وهذا موافق لأصل إجراء العنعنة على الاتصال ما لم يثبت ما ينافيه.
وحدث أحمد بن حنبل في " المسند " بحديث قال فيه: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة .. ، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: " كان أصله شامياً، سمع منه بالشام " (1).
قلت: لعل الشبهة دخلت على عبد الله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهاناً كافياً على إثبات الاتصال.
وجرت بين ابن أبي حاتم وأبيه محاورة في سماع غزوان أبي مالك الغفاري من عمار بن ياسر، قال فيها: ما تنكره أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: " بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة " (2).
قلت: فدل هذا على أن اعتبار المعاصرة مع القرائن المساعدة دليلاً على الاتصال كان معروفاً من منهجهم.
فمن هذا يظهر أن ما خلص إليه ابن رجب من القول: " والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين " (3)، فهذا في التحقيق ضعيف، مع مراعاة الذي لأجله كانوا يستعملون العنعنة.--------------------------------------------
(1) المسند (5/ 264).
(2) علل الحديث (1/ 24).
(3) شرح علل الترمذي (1/ 374).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
المذهب الثالث: أن (عن) اتصال بشرط المعاصرة.
وهو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج، وحكي فيه إجماع من تقدمه.
وقد ذكر مسلم في صدر " صحيحه " مقالة لم يفصح عن قائلها، حاصلها: أنه لا يكفي قول الراوي: (عن فلان) لإثبات اتصال ما بينهما، حتى وإن ثبت أنهما كانا جميعاً في عصر واحد، ومحتمل أن يكون الحديث الذي روى عن ذلك الشيخ قد سمعه منه وشافهه به، لكنا لا نعلم له منه سماعاً، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث، وإنما يثبت الاتصال إذا ثبت أنهما اجتمعا مرة فأكثر، أو تشافها بالحديث (1).
ثم رد مسلم هذه المقالة وأنكرها، ووصفها بكونها مخترعة.
وقال: " القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً: أن كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثاً، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه؛ لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً " (2).
وناقش مسلم المقالة السابقة ورد ما يمكن التعلق به لأجلها، وهو احتمال الإرسال وعدم السماع بين الراوي وذلك الشيخ الذي عنعن عنه.
ثم أبطل ذلك بأن الاحتمال عندئذ يرد على كل موضع عنعنة، حتى في رواية الراوي عمن سمع منه مرة أو أكثر؛ لجواز أن يكون روى عنه بالواسطة فأسقطها وأرسله عنه.--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (ص: 29).
(2) مقدمة صحيح مسلم (ص: 29 _ 30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
وقال مسلم: " وما علمنا أحد من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد .. وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس " (1).
وذكر مسلم أمثلة عديدة لقبول أهل العلم الحديث تصحيحه والاحتجاج به، مع أنه لم يأت إلا من وجه قد قال فيه الراوي: (عن فلان) ولم يثبت أنهما اجتمعا ولا تشافها في شيء من الرواية.
وقال الحاكم في المعنعنات: " هي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن أنواع التدليس " (2).
وهذا بينه مسلم ودل عليه ما ذكره الحاكم، تفيده كذلك عبارات بعض المتقدمين:
فقد قال أبو بكر الحميدي وهو يذكر صفة الحديث الثابت، فجعل ما يحدثه الراوي عن شيخ قد أدركه متصلاً بمجرد ذلك، قال: " وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً، مدركاً لمن روى ذلك عنه " (3).--------------------------------------------
(1) مقدمة صحيح مسلم (ص: 32 _ 33).
(2) معرفة علوم الحديث (ص: 34).
(3) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: 63) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت؟ قال: " وما ينكر أن يكون قد لقيه "، قلت روى عن أبي صالح عن زيد بن ثابت؟ قال: " قد روى شفيق عن رجل عن عبد الله " (1).
قلت: طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه.
وتحرير محل النزاع:
أن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال: أن يكون الراوي المعنعن لم يثبت عليه في حديثه المعنعن تدليس، وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجح.
فشرط البخاري ومن وافقه: أن يكون قد عرف بينهما اللقاء ولو مرة.
وشرط مسلم ومن وافقه: أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء الموجب للسماع فالاتصال.
وما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مندفع عند مسلم بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه، فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائل بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة، أنه وارد كذلك في حالة اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضاً، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنة.
والبخاري ومن وافقه يقولون بما قال به مسلم من تصحيح الاتصال بالمعاصرة إذا ترجح اللقاء بالقرائن، ومسلم أطلق القول في الاكتفاء بها، فأخذت على " صحيحه " أسانيد أعلت بالانقطاع، وليس كذلك البخاري.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 244) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
وطريق البخاري أمكن وأرجح، والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للحديث الصحيح.
وعليه فالراجح: أن الإسناد المعنعن يحكم له بالاتصال فيما بين الراوي والمروي عنه بتلك الصيغة، بشرط ثلاثة:
الأول: أن يثبت اللقاء بينهما يقيناً أو غالباً.
والثاني: أن يسلم التلميذ من التدليس.
والثالث: أن لا يقوم دليل على عدم سماعه.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
المبحث الرابع:
مسائل متفرقة في اتصال الإسناد
المسألة الأولى:
مما ينبغي مراعاته صيغ تلحق بالإسناد المعنعن،
وتأخذ أحكامه، بيانها فيما يلي:
(1) قول الراوي: (قال فلان).
هذه الصيغة في التحقيق بمنزلة (العنعنة) يحتمل معها السماع والانقطاع.
لكن يستثنى منها من عرف أنه لا يقولها إلا في حديث مسموع له (1).
مثل همام بن يحيى عن قتادة، فإنه قال: "ما قلت: (قال قتادة)، فأنا سمعته من قتادة " (2).--------------------------------------------
(1) انظر: الكفاية، للخطيب (ص: 418).
(2) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: 419) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: 523) من طريق آخر فيه عبادٌ غير منسوبِ راويه عن همام، وعنه علي بن سهل، لم أهتدِ إليه، وسواهما ثقات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وقال حماد بن زيد: " إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب (يعني السختياني) حديثاً أن أقول: (قال أيوب كذا كذا) فيظن الناس أني قد سمعته منه " (1).
وكان الحجاج بن محمد الأعور يقول: (قال ابن جريج)، وذلك فيما قرأه على ابن جريج، وهو متصل عنه (2).
(2) قول الراوي: (عن فلان أن فلاناً قال).
قال ابن عبد البر: " جمهور أهل العلم على أن (عن) و (أن) سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع ".
ورد قول من جعل (أن) ليست اتصالاً بأن استدل بكون قول الصحابي: (قال رسول الله)، أو: (أن رسول الله) أو: (عن رسول الله)، أو: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء عند أهل العلم (3).
وهذا هو التحقيق مادامت تلك الصيغة واقعة بين راويين قد ثبت اتصال ما بينهما.
إنما تستثنى صورة ما إذا حدَّث الراوي عن حدث لم يدركه، وفي سياق الحديث ذكر لشيخه، ولم يبين إن كان قد أخذه عن ذلك الشيخ أم لا، كقول عروة بن الزبير: (أن عائشة قالت يا رسول الله)، فعروة سمع من عائشة، لكنه في التحقيق هنا لم يحدث عنها، إنما حدَّث عن حدث لها وقع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا صورته صورة المرسل.--------------------------------------------
(1) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (3/ 26) وإسناده صحيح.
(2) انظر تاريخ بغداد، للخطيب (8/ 237).
(3) التمهيد (1/ 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
وقد قال أحمد بن حنبل: " كان مالك _ زعموا _ يرى (عن فلان) و (أن فلاناً) سواء " (1).
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قيل له: إن رجلاً قال: (عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله) و (عن عروة عن عائشة) سواء؟ قال: كيف هو سواء؟ "، أي ليس هو بسواء (2).
(3) ومن الصيغ:
(ذكر فلان) و (ذَكره فلاناً) صيغتان قليتا الاستعمال.
(زَعم فلان) نادرة الاستعمال.
وكذا: (فلان يأثر عن فلان)، وتفيد احتمال الاتصال كمجرد العنعنة.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أترخص في أن أضع صدقة مالي في مواضعها، أو إلى الأمراء لا بد؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: " إذا وضعتها مواضعها ما لم تعط منها أحداً شيئاً تعوله أنت، فلا بأس "، سمعته مرة يأثره عن ابن عباس (3).
قلت: فههنا اتصال.
لكن ما رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، يأثره عن ابن مسعود، أنه قال: " في كل مُعاهد مجوسي أو غيره الدية وافية " (4).--------------------------------------------
(1) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 311) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 575).
(2) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 312) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 575).
(3) أثر صحيح، أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (4/ 44 رقم: 6917) وإسناده صحيح.
(4) أخرجه عبد الرزاق (10/ 97 رقم: 18497) _ ومن طريقه: الطبراني في " الكبير " (9/ 409 رقم: 9739) _ وإسناده صحيح إلى مجاهد، ضعيف عن ابن مسعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
فهذا منقطع، مجاهد لم يدرك عبد الله بن مسعود.
ووقعت في رواية بعض الأحاديث القدسية فيما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى.
(4) ومن ذلك: (فلان رد ذلك إلى فلان) أو (يرد إلى فلان).
كقول محمد بن سيرين: عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، ورد الحديث حتى رده إلى أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث في العزل (1).
المسألة الثانية:
رموز صيغ الأداء
استخدام الاختصار في كتابة صيغ الأداء كان عليه عمل الكتَّاب والنساخ غالباً، وذلك بكتابتهم:
(حدثنا): (نا) أو (ثنا)، وربما كتبها بعضهم: (دثنا) وهي نادرة.
و (أخبرنا): (أنا) غلباً، ومنهم من كان يكتبها: (أبنا) بتقديم الباء على النون، وتحرف في المطبوعات إلى تقديم النون على الباء، فيحسبها من لا يفهم هذا العلم من الإنباء. ويكتبها بعضهم أيضاً: (أرنا)، وهو قليل نادر.
وقد يجمع لفظ القول إلى التحديث في اختصار الكتابة، فيكتبون: (قال: حدثنا): (قثنا)، وليس بالشائع جداً.
ولا تختصر: (سمعت) ولا (أنبأنا) ولا صيغ الأداء غير الصريحة بالسماع مثل (عن) و (قال).
ولفظه (قال) تحذف عادة في الكتابة، وتنطق عند القراءة، فإذا وجدت--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (17/ 136 رقم: 11078) ومسلم (2/ 1062 _ 1063) والنسائي (رقم: 3327) وفي " الكبرى " (رقم: 5048، 9094) والدارمي (رقم: 2144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
مثلاً: (فلان حدثنا فلان) فتقرأ: (فلان قال: حدثنا فلان)، وشبهها لفظ السماع والإخبار والإنباء.
وكذلك: (فلان قال فلان) تقرأ: (قرئ على فلان، قيل له: أخبر ك فلان)، وهكذا.
والنصح لكل من يحقق كتاباً في الحديث اليوم أن يكتب تلك الكلمات المختصرة على تمامها وفقاً لأصولها الصحيحة؛ لزوال مقتضى الإبقاء على ذلك الاختصار، وليست كتابتها على التمام من الخروج عن مبدأ الأمانة في النقل.
وينبغي أن تلاحظ عند الانتقال من طريق إلى طريق في إسناد الخبر، أنهم يستعملون حرف (ح).
قال النووي: " والمختار أنها مأخوذة من التحول، لتحوله من الإسناد إلى إسناد، ولفظها عند القراءة: ح " (1).
المسألة الثالثة:
يقول البخاري في " تاريخه " في كثير من التراجم:
(فلان .. سمع فلاناً)، فهل هذا إثبات منه لسماعه؟ أم
حكاية لما وقع في الإسناد من طريق ذلك الراوي قال:
(سمعت فلاناً) وما في معناه؟
قال البخاري في (ثعلبة بن يزيد الحماني): " سمع علياً، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر " (2).--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم (1/ 38).
(2) التاريخ الكبير (1/ 2 / 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
فقال ابن عدي: " أما سماعه من علي، ففيه نظر، كما قال البخاري " (1).
قلت: فهو يفسر قول البخاري أنه أراد بقوله: " فيه نظر " سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله: " سمع علياً " مجرد حكاية ما وقع في الإسناد.
فهذا القول إن لم يظهر جلياً أن البخاري قصد به إنشاء العبارة في تثبيت السماع من جهة نفسه، فإنه لا يصح الاستدلال به على أنه قول للبخاري، إنما العمدة حينئذ لتصحيح السماع على ثبوت الإسناد الذي حكيت فيه تلك الصيغة.
وأما مثل قول البخاري في ترجمته (عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود): " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير "، فبين أن ذكر سماعه من أبيه جاء في رواية عبد الملك عنه.
وكثيراً ما يقول البخاري مثل هذا: (فلان .. سمع فلاناً .. قاله فلان).
فهذا لو حكاه إنسان أنه قول للبخاري يكون قد أخطأ عليه.
المسألة الرابعة:
المرسل إذا علمت فيه الواسطة، وتبين أنها ثقة،
فهو صحيح جار مجرى المتصل
قال خالد الحذاء: " كل شيء قال محمد (2): (نبئت عن ابن عباس)، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة " (3).--------------------------------------------
(1) الكامل (2/ 323).
(2) يعني ابن سيرين.
(3) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (5/ 334) من طريق أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أميَّة بن خالد، قال: سمعت شُعبة قال: قال خالد، فذكره. وإسناده صحيح. وحكاه أبو داود في " مسائل أحمد " (ص: 326) بنحوه، دون تسمية أمية. كما رواه ابنُ سعدٍ في " الطبقات " (5/ 291، 7/ 194) قال: أخبرت عن أمية، فذكره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: " كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس، فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار " (1).
ووجدت بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتماداً على ما جاء عن الأعمش، قال:
قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سميت، وإذا قلت: (قال عبد الله) فهو عن غير واحد عن عبد الله " (2).
وليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كانت ثقة؛ لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم روى عن أصحاب عبد الله بن مسعود، وفيهم المجاهيل.
* * *--------------------------------------------
(1) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 326).
(2) أثرٌ حسنٌ. أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (6/ 249) من طريق شُعبة عن الأعمش. وإسناده حسنٌ، قد رواه الترمذي عن شيخه أبي عبيدة أحمد بن عبد الله، وهو صدوق لا بأس به، ويأتي هذا الأثر مرةً أخرى في هذا الكتاب في (القسم الثاني) مباحث (المنقطع والمرسل).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
الباب الثاني
نقد النقلة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
الفصل الأول
حكم نقد النقلة
وصفة الناقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
المبحث الأول:
حكم نقد الراوي
معنى النقد:
قال ابن فارس: " النون والقاف والدال أصل صحيح، يدل على إبراز شيء وبروزه " قال: " ومن الباب (نقد الدرهم) وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك " (1).
و (نقد الراوي) من هذا، فإنه يكشف عن حاله في أهليته للرواية أو عدم ذلك.
كما سمي من يقوم بعملية الكشف هذه بـ (الناقد) لهذا الاعتبار.
وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية النقد هذه بـ (الجرح والتعديل)، بناء على ما ينتج عنها من ثبوت أهلية الراوي أو عدمها.
وهذان الوصفان يشعران بثنائية القسمة عندهم، فالناقد إما أن يصير إلى (جرح) الرواي، وإما إلى (تعديله)، ولا يفيد مرتبة متوسطة.
وتحقيق ذلك: أن النظر في أحوال الرواة لا يسفر دائماً عن نتيجة--------------------------------------------
(1) مقايس اللغة (5/ 467).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)