أغمض منه اشتراك ثقة ومجروح.
ومثاله: (عبد الكر يم) رجلان من طبقة واحدة، يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد مهملين من العلامة المساعدة على التمييز، ويشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أما أحدهما فهو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية متروك الحديث، والثاني عبد الكريم بن مالك الجزري ثقة، رويا جميعاً عن سعيد بن جبير، وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنهما جميعاً عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله القاضي.
فهذا النمط إذا جاء مهملاً فإما أن تجد قرينة خارجية مساعدة في تفسير المقصود، أو تعذر التمييز، وعليه فالمصير إلى التوقف في شأنه.
تنبيه:
يقع الالتباس في بعض أسماء الرواة من جهة مظنة القلب فيها، حيث تأتي على خلاف المعروف من الأسماء، فيظن الظان أنها جاءت على الغلط، وإنما هي أسماء لرواة آخرين جاءت على العكس من أسماء مشهورة في التقديم والتأخير في الاسم واسم الأب.
مثالها: في الرواة (مسلم بن الوليد) وهو ابن رباح، مدني، من أتباع التابعين، وليس هو بالمشهور، فانقلب على البخاري، فسماه (الوليد بن مسلم)، وخطأه فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرويان (1)، وهو على القلب يشارك راويين مشهورين في الاسم واسم الأب، كلاهم يدعى (الوليد بن مسلم)، أحدهما بصري، والآخر الشامي المعروف.--------------------------------------------
(1) بيان خطأ البخاري، لابن أبي حاتم (ص: 130) والجرح والتعديل، له (4/ 1 / 197).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وكان أئمة الحديث يتحرون تمييز هذا النوع من الرواة:
أخرج الترمذي قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:
لا أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى لله عليه وسلم.
في الرواة (العلاء بن عبد الرحمن) يروي عن أبيه عن الصحابة، وهذا هنا (عبد الرحمن بن العلاء) يروي عن أبيه عن الصحابة، وحيث إن الأول (العلاء عن أبيه) أشهر، وهو معروف بمولى الحرقة، فربما ظن الظان أن الثاني الوارد في إسناد الترمذي الذكور غلط وقلب، لذا قال الترمذي بعد روايته:
سألت أبا زرعة فقلت له من: عبد الرحمن بن العلاء هذا؟ فقال: هو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (1).
تتمة:
ولا تعجزن عن زيادة البحث والتنقيب عما يشتبه، حتى تقف على اليقين بدليله وحجته ما أمكنك، ولا تقنعن بالوقوف على أصل ينفرد لك بالدلالة على ما تبحث عنه حتى تعدم بغيتك في غيره، إلا أن يقطع بحجته النظر.
وذلك أن طائفة من كبار النقاد بذلوا من الوسع غايتهم، لكن الكمال ميؤوس منه للبشر، فجاء بعدهم من أهل صنعتهم من استدرك وناقش، وحلل واستدل، ووهم وسلم، وزاد وأفاد، وكان لإمام الصناعة حافظ دار--------------------------------------------
(1) الجامع، للترمذي (رقم: 979)، والشمائل، له (رقم: 371).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
السلام، بل إمام دار السلام في هذا الفن أبي بكر الخطيب، أن أتى بتحرير لا ينقضي من حسنها العجب، في هذه الأبواب المشكلة.
ومن أنفع ما صنف فيها كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق "، تعقب فيه كبار أئمة هذا العلم، رحمهم الله.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
الفصل الثاني:
اتصال الإسناد
اتصال الإسناد طريق تلقي كل راو للحديث عمن فوقه.
والتحقق من اتصال الإسناد يوجب معرفة الصيغ التي يقع عليها تحمل الرواية من قبل التلميذ عن الشيخ، وهي محصورة في القسمة التالية:
الأول: صيغة سماع صريحة، لا تحتمل الواسطة بحال.
الثاني: صيغة اتصال هي بمنزلة السماع، كالمكاتبة.
الثالث: صيغة تحتمل السماع ولا تنتفي بذاتها الانقطاع، كالعنعنة.
وهذا الفصل معقود لبيان هذه القسمة في المباحث الثلاثة التالية، ثم إلحاقه بمبحث متمم.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
المبحث الأول:
الصيغة الصريحة بالسماع
ويقع بألفاظ، أكثرها استعمالاً: (سمعت، حدثني، حدثنا، أنبأني، أنبأنا، أخبرني، أخبرنا).
قال الخطيب: " ما يسمع من لفظ المحدث، الراوي له بالخيار فيه، بين قوله: (سمعت) و (حدثنا)، و (أخبرنا)، و (أنبأنا)، إلا أن أرفع هذه العبارات: سمعت " (1).
قال: " ليس يكاد أحد يقول: (سمعت) في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه؛ فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها، ثم يتلوها قول: (حدثنا) و (حدثني) " (2).
قال: " وإنما كان قول: (حدثنا) أخفض في الرتبة من قول: (سمعت)؛ لأن بعض أهل العلم كان يقول فيما أجيز له: (حدثنا) " (3).
وجرت مذاهب الأكثرين على التسوية بينها، ذلك في قول سفيان بن--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 412).
(2) الكفاية (ص: 413).
(3) الكفاية (ص: 413).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وفقهاء الكوفة، وغيرهم (1).
وصيغة (قال لي) و (قال لنا) و (ذكر لي)، و (ذكر لنا) و (زعم لي) و (زعم لنا) هي بمنزلة السماع، وإن احتملت أن تكون مناولة.
مسألة: قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى: حدث أهل بلدنا، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ (حدثنا) (2).
نعم؛ توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان)، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها، أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا.
شرط قبول صيغة السماع:
لا يصح التسليم لمجرد الوقوف على صيغة السماع بين الراوي وشيخه في رواية إلا عند اجتماع شروط ثلاثة:
الأول: صحة الإسناد إلى الراوي المصرح بالسماع.
وهذا يجب أن يعتبر فيه أن لا يقوم دليل على وهم أحد رواة الإسناد فيما دون الراوي المصرح بالسماع في تلك الدعوى، فإن أهل العلم ردوا التصريح بالسماع في بعض الأسانيد.
كقول أبي بكر الأثرم لأحمد بن حنبل: عراك بن مالك قال: (سمعت عائشة)؟ فأنكره، وقال: " عراك بن مالك، من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ "، قال لي: " من روى هذا؟ "،--------------------------------------------
(1) جمعت ذلك عنهم في جزء مُحرر.
(2) وانظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: 133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: " رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: (سمعت)، وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة، ليس فيه (سمعت) " (1).
الثاني: أن يكون ذلك الراوي ممن يصلح الاستدلال بخبره.
فأما إذا كان ممن يحتج بخبره فظاهر.
وأما إذا كان من الضعفاء الذين يعتبر بهم، فإن الراوي ما دام صدوقاً في الأصل فإذا قال: (حدثني) فهو خبر عن شيخه المباشر لا يحتمل الكذب، نعم قد يحتمل الوهم، فقد يشبه للراوي، لكن احتمال وهمه في ذلك ضعيف، فلا يصار إليه إلا بدليل، ويكون قوله: (حدثني) اتصالاً.
الثالث: السلامة من المعرض المؤثر.
وهذان مثالان لتحقيق هذه الشروط:
المثال الأول: رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه:
اختلفوا فيها على أقوال أربعة:
أولها: لم يسمع من أبيه شيئاً.
وإليه ذهب شعبة بن الحجاج (2)، ويحيى بن معين في روايتي عباس الدوري وابن الجنيد عنه (3)، وبه جزم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (4)، والنسائي (5).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: 163) وإسناده صحيح.
(2) العلل ومعرفة الرجال (النص: 752).
(3) تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوريِّ (النص: 1716)، وسؤالات ابنِ الجنيد (النص: 819).
(4) تاريخ دمشق، لابن عساكر (35/ 70).
(5) السنن (بعد رقم: 1404).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وثانيها: التردد في إمكان سماعه؛ لكونه كان صغيراً.
وهذا ظاهر المنقول عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: " أما سفيان الثوري وشريك فإنهم ليقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت " (1).
قلت: وهذا الذي حكى عن الثوري وشريك ليس فيه نفي السماع، إنما فيه أنهما حدثنا بحديث عبد الرحمن عن أبيه وليس فيه (سمعت).
وكان سبب تردد أحمد عائداً إلى ما حكاه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " مات ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست، أو نحو ذلك " (2).
وتعقب هذا يعقوب بن شيبة بقوله: " أخاف أن يكون هذا غلطا ً" (3).
وعلى التردد جرى الحاكم النيسابوري، فإنه خرج لعبد الرحمن في " المستدرك " في مواضع، فهو يقول: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل " (4)، وعليه فتارة يقول بعد تخريج حديثه: " إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك " (5)، وتارة يقول: " صحيح الإسناد " دون تردد (6).
وثالثها: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (35/ 67، 69) بإسناد صحيح إلى أبي بكر مُحمدِ بن عليِّ بن شعيب السمسار عن أحمد، والسمسار هذا لم يُجرح، وكانَ من أصحاب أحمد.
(2) أخرجه ابن عساكر (35، 68) وإسناده صحيح.
(3) تاريخ ابن عساكر (35/ 68).
(4) المستدرك (1/ 82 بعد رقم 275).
(5) المستدرك (2/ 305 بعد رقم 3194)، ونحوه (4/ 365 بعد رقم: 8086، 8087).
(6) انظر مثلاً: المستدرك (4/ 159، 239، 404 الأرقام 7275، 7599، 8232).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وهذا ذكره العجلي ممرضاً، فقال: " يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفاً واحد محرم الحلال كمستحل الحرام " (1).
وإلى قريب منه ذهب ابن سعد، فبعد أن أسند إليه هذا الأثر وفيه قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) (2) قال ابن سعد: " كان ثقة، قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيراً " (3).
ورابعها: سمع من أبيه وإليه ذهب علي بن المديني، ويحيى بن معين في رواية معاوية بن صالح عنه (4)، والبخاري، وأبو حاتم الرازي (5).
قال علي بن المديني: " قد لقيَ أباه " (6).
وقال: " سمع من أبيه، وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه، وهو عندي قد أدركه " (7).
واستدل له البخاري بما رواه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود):
أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.--------------------------------------------
(1) ترتيب الثقات، للعجلي (النص: 1052).
(2) وكذلك أسنده ابنُ عساكر (35/ 64) من وجه آخر، وفيه تصريح عبد الرحمن بسماعه من أبيه. وهذا حدَّث به عبد الرحمن حين ذُكر بحضرته تحريم الضب، فأنكر ذلك وحدَّث بهذا عن أبيه. فهذا هو حديث الضب الذي أشار بعض العلماء إلى أن عبد الرحمن سمعه من أبيه.
(3) الطبقات الكُبرى (6/ 181).
(4) أخرجه ابنُ عساكر (35/ 69) بإسناد صحيح.
(5) الجرح والتعديل (2/ 2 / 248) ونص قوله: " سمِع أباه ".
(6) نقله ابن عساكر (35/ 65) بإسناده الصحيح إلى يعقوب بن شيبة، عن علي.
(7) نقله ابن عساكر في " تاريخه " (35/ 67) بإسناد صحيح، وهو إسناده بكتاب " العلل " لابن المديني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
قال البخاري: " شعبة يقول عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي " (1).
وقال في " تاريخه الكبير ": " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير " (2).
قلت: فإذا جئت للنظر أولاً في دليل نفي السماع أو التردد فيه، فأحسن ما يمكن التعلق به أمران:
أولهما: أن بعض من روى حديث عبد الرحمن لا يذكرون له فيما رووا سماعا من أبيه.
وهذا فيما لم يقل فيه الراوي: (سمعت) وما في معناها، فروايته بتلك الصيغة محلها (المبحث الثالث)، وإنما الشأن في روايته الصريحة بالاتصال، فحيث جاء نقل السماع من وجه صحيح سالم من المعارض الراجح، فيجب المصير إليه، ويكون من أتى به زاد علماً لم يأتي به الآخر.
وثانيهما: أن عبد الرحمن كان صغيراً يوم مات أبوه، وهو ابن ست سنين في قول يحيى القطان، فكيف لابن ست سنين أن يحفظ كالذي رواه عبد الرحمن عن أبيه؟
وهذا شكك فيه يعقوب بن شيبة، كما تقدم، كما أن ابن سعد مع إقراره بصغره، فإنه أورد له خبره الصريح في السماع من أبيه، وهو صحيح، فهو صغر لم يحل دون الحفظ.
وتحديد سنه يوم مات أبوه بست سنين يحتاج إلى نقل صحيح، حيث قابل الثابت، إذ السماع ثبت به الإسناد، أما تحديد السن فمنقطع، القطان لم يدرك ذلك العهد.--------------------------------------------
(1) التاريخ الأوسط (رقم: 246) _ ومن طريقه: ابنُ عساكر (35/ 67) _ وإسناده بخبرِ ابن خُثيْم صحيح إلى ابن خثيم، أما إلى ابن مسعود فحسن، ابن خُثيم صدوق لا بأس به.
وأخرجه ابن عساكر في " تاريخه " 35/ 63) من طريق آخر إلى ابن خُثيم بسياق متْنه.
(2) التاريخ الكبير (3/ 1 / 299 _ 300).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
وأما النظر في القول الثالث، فإن القائل به قد حضر السماع في تلك الرواية الخاصة، وكان ينبغي أن تكون مظنة راجحة على السماع في الجملة، كما سيأتي في (المبحث الثالث)؛ وذلك لعدم ثبوت المعارض، ولما جرى عليه عمل الجميع أن الراوي إذا ثبت سماعه من الشيخ ولو مرة، ولم يثبت عنه التدليس، فكل ما حدث به عن ذلك الشيخ بالعنعنة فهو متصل.
وهذا القول في التحقيق وارد في نصرة القول الرابع.
ثم يزيد عليه القول الرابع من الأدلة ما ذكره البخاري، وهو ثابت إلى عبد الرحمن من جهة الإسناد،
فهو وقصة الضب الصحيحة الإسناد دليلان.
ينضم إليهما ثالث:
وهو ما حدث به عبد الملك بن عمير، قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن سعود أوصى ابنه عبد الرحمن، فقال: " يا بني، إني أوصيك بتقوى الله، وأمسك عليك لسانك، وابك من خطيئتك، وليسعك بيتك " (1).
وهذه رواية صحيحة، فمن كان في سن يعقل فيه مثل هذه الموعظة، فجدير أن يكون أهلاً لحمل العلم وحفظ الحديث.
ومن خلال القولين الرابع والخامس تعلم خطأ قول الحاكم: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل "، وأبين منه خطأ قوله في موضع آخر: " مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه " (2)!!
فها هي الأسانيد قد صحت عن عبد الرحمن بتصريحه بالسماع من أبيه--------------------------------------------
(1) أخرجه ابنُ أبي عاصم في " الزهد " (رقم: 35) وإسناده صحيح، وهو أصح إسناد رُوي به هذا الخبر عن عبد الملك بن عُمير.
(2) سؤالات مسعود السجزي (النص: 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وإدراكه له وهو ثقة مقبول القول أنه سمع أباه، ولم يقم دليل على ضد ذلك، إذا: حديثه عن أبيه عبد الله بن مسعود متصل صحيح، إما يقينا، وذلك فيما جاء بالصيغة الصريحة بالاتصال، وإما رجحاناً، وذلك في سائر ما حدث به دون تصريح بالسماع.
وعلى ذلك جرى طائفة من الأئمة، كالترمذي في مواضع من " الجامع " (1)، وابن خزيمة (2)، وابن حبان (3).
والمثال الثاني: رواية عبدِ الجبار بن وائل بن حُجر، عن أبيه:
اختلف فيها على قولين:
الأول: متصلة، من جهة مجيء ذكره السماع من أبيه في شيء من الرواية عنه.
وهذا روي فيه ما قاله البخاري: " قال فطر: عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار، سمعت أبي ".
لكن قال البخاري: " ولا يصح " (4).
وقال ابن حبان: " وقد وهم فطر بن خليفة " (5).
ولا يوجد لدينا ما يستدل به صراحة في إثبات السماع غير هذا.
والثاني: منقطعة؛ لانتفاء ثبوت رواية في كونه سمع، ولقيام المعارض الصحيح.--------------------------------------------
(1) منها: (رقم: 1206، 2257، 2657).
(2) انظر مثلاً في " صحيحه " (رقم: 176).
(3) انظر " صحيحه " (رقم: 66، 972، 1053، 4410).
(4) التاريخ الكبير (1/ 1 / 69).
(5) المجروحين (2/ 273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وقال يحيى بن معين: " ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئاً، إنما كان يحدث عن أهل بيته عن أبيه " (1).
وقال: " لم يسمع من وائل، يقولون: إنه مات وهو حبل " يعني أن أمه به حبلى (2).
وقال ابن حبان: " ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مات وائل بن حجر وأم عبد الجبار حامل به، وهذا ضرب من المنقطع الذي لا تقوم به الحجة " (3).
قلت: وأصل هذه الحكاية التي ذكر يحيى بن معين ما حدث به البخاري، قال: قال لي ابن حجر: " ولد عبد الجبار بعد موت أبيه بستة أشهر " (4).
وابن حجر هذا هو محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، وهو هنا يخبر عن نبأ جده، لكن محمد هذا لين الحديث، وقد قال البخاري فيه: " فيه نظر "، ثم هو لم يدرك جده إنما يروي عن عمه عنه، فالرواية ضعيفة إذاً لا يصلح الاعتماد عليها في نفي إدراك عبد الجبار لأبيه.
ومع ذلك فكأن البخاري حين لم يقف على ضده يقاومها قد استند إليها، فقال: " عبد الجبار لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر " (5).--------------------------------------------
(1) تاريخ يحيى بن مَعين، رواية الدُّوري (النص: 44).
(2) تاريخ يحيى بن مُعين، رواية الدوري (النص: 1890)، وحكى أبو داود عن يحيى بن مَعين قوله: " مات وهو حمْلٌ " (سؤالات الآجري، النص 422).
(3) المجروحين (2/ 273 ترجمة: مُحمد بن حُجر)، وبعض ذلك في " الثقات " أيضاً (7/ 135) في ترجمة (عبد الجبار).
(4) التاريخ الكبير (1/ 1 / 69، و 3/ 2 / 106).
(5) نقله عنه الترمذي في " الجامع " (بعد رقم: 1453) وفي " العلل الكبير " (2/ 619).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وابن حبان استدل بهذه الحكاية على توهيم فطر بن خليفة في الرواية التي فيه تصريح عبد الجبار بالسماع من أبيه (1).
وقال أبو حاتم الرازي: " روى عن أبيه، مرسل، ولم يسمع منه " (2).
وكذلك قال الترمذي (3)، والنسائي (4)، وابن حبان كما تقدم، ولذا أورده في ثقات أتباع التابعين، حيث لم تثبت عنده تابعيته.
كذلك ذكر ابن حجر نفي سماعه من أبيه عن جماعة من الأئمة (5).
فالخبر إذاً بإثبات سماعه من أبيه لم يصح؛ لضعف فطر، وكذلك لم يقم دليل على اتصال ما بين عبد الجبار وأبيه.
لكن هل لأجل أنه كان حملاً حين مات أبوه؟ أم لصغره يومئذ؟
دليل الأول لا يثبت من جهة النقل.
ورده المزي، فقال: " وهذا القول ضعيف جداً، فإنه قد صح عنه أنه قال: كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل، لم يقل هذا القول " (6).
فتعقَّبه ابن حجر فقال: " نص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار " (7).
قلت: وهذا تعقب ضعيف، فإن المحفوظ أن علقمة كان في سن--------------------------------------------
(1) الثقات (7/ 135).
(2) الجرح والتعديل (3/ 1 / 30).
(3) الجامع (بعد رقم: 1454).
(4) السنن (بعد رقم: 1404).
(5) تهذيب التهذيب (2/ 470).
(6) تهذيب الكمال (16/ 395)، وكذلك وافقه العلائي في " جامع التحصيل " (ص: 267).
(7) تهذيب التهذيب (2/ 470).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
يعقل فيه صلاة أبيه، وقد سمع منه، ثم إن الرواية المشار إليها ترد هذا الاحتمال، فإن عبد الوارث بن سعيد (وهو ثقة)، قال: حدثنا محمد بن جحادة (وهو ثقة) قال: حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: " كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي "، على هذا اتفق جميع من رواه عن عبد الوارث (1).
وهذا صريح في أن قائل ذلك هو عبد الجبار، فكيف يصح ما نقله ابن حجر عن البزار ولا اختلاف في الرواية أصلاً من الوجه المذكور؟
فهذه الرواية كما أفاد المزي تدل على أن عبد الجبار كان قد ولد في حياة أبيه، وأدركه ورآه، لكنه لم يكن يميز يومئذ، ولذلك لم يسمع منه، إنما أخذ صلاة أبيه وروايته عن أخيه علقمة وغيره من أهل بيته.
لذا فروايته عن أبيه منقطعة، إلا ما تبين أنه مما حدثه به ثقة عن أبيه، وهذا موجود في بعض حديثه.
* * *--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (رقم: 723) قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر بن ميسرة، وابن خزيمة (رقم: 905) _ ومن طريقه: أبو نعيم في " المستخرج على مُسلم " (رقم: 889) _ قال: حدثنا عِمران بن موسى القزَّاز، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (رقم: 2619) قال: حدثنا مُحمد بن عُبيد بن حساب، والطحاوي في " شرح المعاني " (1/ 257) من طريق أبي مَعْمرٍ المقعد، والطبراني في " الكبير " (22/ 28 رقم: 61) من طريق المقعد وابن حساب، وابن حبان (رقم: 1862) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، هؤلاء الخمسة قالوا: حدثنا عبدُ الوارث، به.
وجميعهم ثقات، والإسناد إلى عبد الجبار صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
المبحث الثاني:
الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه
هي ما يتحمل بصيغة لا تحتمل الواسطة، وليست سماعاً، ولا في معنى السماع كالتحديث والإخبار، إنما تنزل منزلته، هذه تعود جملتها إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: القراءة على الشيخ
وتمسى: (العرض) كذلك.
وهو أن يقرأ على الشيخ حديثه، ولا فرق أن يكون القارئ هو الراوي نفسه، أو غيره وهو حاضر يسمع.
وصيغتها: (قرأت على فلان)، أو: (قرئ على فلان وأنا أسمع)، أو: (قراءة عليه وأنا أسمع)، وما يدل على معنى ذلك.
وحكم الرواية بها أنه صحيحة بمنزلة السماع، ويعتبر فيها ما تقدم من شروط صحة السماع.
قال الترمذي: " القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع " (1).
وقال القاضي عياض: " لا خلاف أنها رواية صحيحة " (2).
وروي تصحيحها عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ولا يثبت عنهما.
إنما ثبت ذلك عمن بعد الصحابة من أئمة الحديث أنهم ذهبوا إلى تصحيحها، كعامر بن شراحيل الشعبي، والحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي باح، ومكحول الشامي، وابن شهاب الزهري، وكبار الأئمة بعدهم، كمنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (3).
وعلى هذا جرى العمل، وكان بعضهم يرى التمييز في صيغة الأداء بين السماع والعرض، ولكن لم ينضبط ذلك في الواقع العملي من أجل أن الأكثرين لم يكونوا يرون التفريق في الصيغة، ولا يأتي له في الأسانيد فصل عادة، فلا يقال مثلاً: هذا الحديث تحمله فلان من فلان قراءة أو عرضاً، إلا بدليل خارج عن نفس ذلك الإسناد، أو يأتي التمييز صريحاً في نفس الإسناد، وهو نادر (4)، فلما تعذر الفصل فيه كان لا فرق بين السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه.--------------------------------------------
(1) كتاب (العلل) من آخر " الجامع " (6/ 244).
(2) الإلماع (ص: 70).
(3) بينت نُصوصهم في الجزء المشار إليه في طُرقِ التحمل.
(4) جاء ذلك عن سفيان بن عيينة وشُعبة بن الحجاج وغيرهما في بعْض الرواية عنهم، كما بيَّنتُ مثاله في الجزء المشار إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
القسم الثاني: الإجازة
اعلم أن المتأخرين توسعوا في هذا، وابتكروا له أنواعاً وصوراً، خرجت عما يأتي بيانه، ولم آت على تفصيل ما ذكروه، من أجل أن جميع ما يخرج عما أذكره من صور الإجازة فهو باطل غير صحيح، وما أذكره فهو بحسبه، والمقصود إبراز ما قبله الأوائل من أنواع الإجازة وضروبها، حيث الحاجة إلى تمييز طرق الأسانيد قبل استقرار مصير الناس إلى الكتب المدونة الصحيحة.
وبالاستقراء وجدت ما استعمله السلف وصححوه وخرجت به أحاديث في كتب السنة، ومنها الصحيحان، ما يلي:
1 _ مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوباً، وإذنه له في روايته عنه
وهذه أعلى صور الإجازة؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق.
قال الخطيب: " يجوز للطالب روايته عنه، وتحل الإجازة محل السماع عند جماعة من أئمة الحديث " (1).
وقال عياض: " هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين " (2).
وممن صح عنه من أئمة السلف تصحيحها: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، ومعتمر بن سليمان، وعبد الرزاق الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
وكذا من قال بتصحيح الإجازة بإطلاق فإن هذا النوع أولى بالدخول--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 466).
(2) الإلماع، للقاضي عياض اليَحصُبي (ص: 80).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
فيه من غيره، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والبخاري، وغيرهم.
2 _ إعلام التلميذ للشيخ أن لديه بعض حديثه، أيرويه عنه؟ فيقول الشيخ: نعم.
ثبت هذا عن الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، ومكحول الشامي، وهشام بن عروة، وابن جريج، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم، وروى عنهم الثقات بذلك كما رووا عنهم بالسماع.
وعن بعض أهل الحديث من لم يكن يختار الرواية بهذا، وهو مذهب تشدد، كيحيى بن سعيد القطان، وصالح جزرة، وإبراهيم الحربي، وروي عن شعبة ولا يصح عنه، أو مذهب تحوط كالمنقول عن أبي زرعة الرازي، وروي عن مالك، وذلك خشية الاتكال.
والأصل وثوق الشيخ بأن التلميذ عنى حديثاً معروفاً له من روايته، وعلامته ثقة التلميذ وأنه غير مجروح.
قال أبو طاهر السلفي: " الأصل في ذلك معرفة الراوي وضبطه وإتقانه على أي وجه كان، سماعاً، أو مناولة، أو إجازة " (1).
قلت: والأحاديث المروية بهذا الطريق لا يميز أكثرها في كتب الحديث، فلا يبين الراوي أنه أخذها عن الشيخ إجازة، ويستعمل فيها صيغة (أخبرنا) كما هو عند طائفة، وجوز بعضهم (حدثنا)، وهذا إذا لم يبين في الرواية أنه إجازة، فلا سبيل إلى تمييزه عن السماع الصريح، وحين جعلوا ذلك اتصالاً، فلم يبق للجدل فيه فائدة.--------------------------------------------
(1) الوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز (ص: 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
3 _ كتابة الشيخ للتلميذ بشيء معين من حديثه، يقرنه بلفظ الإجازة، أو لا.
وصورتها أن يقول الراوي: (كتب إليَّ فلان) وما في معناها.
فهذه رواية متصلة، إذا روعيت الشروط المتقدمة لتثبيت السماع، مع شرط رابع، وهو: صحة الكتاب، بمعنى: أن يكون الكتاب كتاب الشيخ.
قال الخطيب: " فإذا عرف المكتوب إليه خط الراوي، وثبت عنده أنه كتابه إليه، فله أن يروي عنه ما تضمن كتابه ذلك من أحاديث " (1).
وتصحيح الرواية بهذا أيضاً مما عليه عمل أئمة كبار، قبل الناس ذلك منهم، واحتجوا به من روايتهم، منهم: منصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم.
والسنة وعمل المسلين في الصدر الأول بالمكاتبة متواتر، وهي عندهم حجة، كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك ، وكتب أبو بكر وعمر إلى الأمراء والولاة، ولزمت الحجة بتلك الكتب.
قال القاضي عياض: " استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: (كتب إلي فلان، قال: أخبرنا فلان)، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك " (2).
وما ذكرنا من اشتراط صحة ذلك الكتاب عمن نسب إليه، طريقه: اعتماد نسبة الراوي عن الشيخ ذلك الكتاب إليه، مادام الراوي ثقة.
وقد يتأكد ذلك بقرينة زائدة، كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كتب--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 480)، وذكر معناه القاضي عِياض في " الإلماع " (ص: 84).
(2) الإلماع (ص: 86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)