الحول أبكياني حولاً ثم اسم السلام عليكما: أي إلزما اسم الله عز وجل وذكره ودعا البكاء علي لأن من بكى ميتًا حولاً فقد بلغ النهاية في ذلك.
ورفع السلام في قوله: ثم اسم السلام عليكما، وهو في مذهب الإغراء على هذا لتأويل لما قدم على حرف الإغراء لضعفه ألا ترى أنك تقول: «عليك زيدًا» في الإغراء ولا يجوز أن تقول: «زيدًا عليك» فتنصبه مقدمًا بعليك كما كنت تنصبه مؤخرًا به لضعفه ولكنه جائز أن تقول: «زيدًا عليك» على أن تنصب زيدًا بفعل مضمر يدل عليه حرف الإغراء تقديره: «الزم زيدًا» أو «خذ زيدًا» ثم فسره بعليك. وكذلك قالوا في قوله:
يا أيها المائح دلوي دونكما … إني رأيت الناس يحمدونكما
جائز أن يكون قوله: «دلوي» في موضع رفع نصب على ما فسرنا وهو في الوجهين جميعًا إغراء.
وكذلك يجوز نصب بيت لبيد عند من ذهب إلى أنه في تأويل الإغراء فيقال: ثم اسم السلام عليكما على تأويل: ثم الزما اسم السلام، والسلام: هو الله على ما فسرنا.
وقد تجيء في كلام العرب أشياء منصوبة على الإغراء بغير حرف إغراء إلا بإضمار فعل وذلك شاذ. نشد ابن الأعرابي عن علي بن صالح عن المفضل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
ألا قالت حذام وجارتاها … كبرت ولا يليق بك النعيم
بنيك وهجمة كأشاء بس … غلاظ منابت القصرات كوم
تبك الحوض علاها ونهلي … وخلف ذيابها عطن منيم
إذا اصطكت بضيق حجرتاه … تلاقي العسجدية واللطيم
قال: «بنيك وهجمة» فنصبه على الإغراء بتقدير «عليك بنيك وهذه الهجمة». وهذا وإن كان على ما ذكرنا في التأويل ليس يجوز أن يضمر «عليك» لضعفها ولكن يضمر فعل في معناها كما ذكرت لك. وبس: موضع. الأشاء: معناه النخل، وتبك: تزدحم، وعلاها: أراد عللا، ومنيم: بيتها تسكن إليه. وقال ابن الأعرابي: العسجدية واللطيم منسوبة إلى محلين قال: وليس قولهم هو منسوب إلى الذهب بشيء.
وأنشد أيضًا ابن الأعرابي لعمرو بن ملقط الطائي، وأنشدناه أيضًا ابن دريد قال: أنشد أبو حاتم عن أبي زيد الأنصاري:
مه مالي الليلة مه ماليه … أودي بنعلي وسرباليه
أنك قد يكفيك بغي الفتى … ودرأه أن تركض العاليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
مطعنة يجري لها عاند … كالماء من غائلة الجابيه
يا أوس لو نالتك أرماحنا … كنت كمن تهوي به الهاويه
ألفيتا عيناك عند القفا … أولى فأولى لك ذا واقيه
ذاك سنان محلب نصره … كالجمل الأوطف بالراويه
بأيها الناصر أخواله … أأنت خير أم بنو ناجيه؟
أم أختكم أفضل أم أختنا … أم أختنا عن نصرنا وانيه؟
والخيل قد تجشم أربابها الشـ … ق وقد تعتسف الداوية
يأبى لي الثعلبتان الذي … قال ضراط الامة الراعية
ظلت بواد تجتني صمغة … واحتلبت لقحتها الآنيه
ثم غدت تنبض أحرادها … إن متغناة وإن حاديه
فقالوا في قوله: «أولى فأولى لك ذا واقيه»: تقديره: يا هذا عليك واقية فأضمر «عليك». وهذا إغراء لأنه قد أمره بالتقية، ألا تراه يتهدده بقوله: «لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية» فهذا وإن كان على ما ذكروا من تأويل الإغراء فسبيل المضمر أن يكون شيئًا في معنى «عليك» من نحو «إلزام» وما أشبه ذلك.
وفي هذا البيت أيضًا أنه حذف حرف النداء من المبهم في قوله: «ذا واقيه» وهو يريد: «يا هذا»، ولا يجيز النحويون حذف حرف النداء من الأسماء المبهمات لأنه لا دليل على ندائها إلا بحرف يلزمها لأنه لا يبين فيها لفظ بناء على الضم كما يبين ذلك في الأسماء الأعلام فيعلم أنه مناداة وهو شاذ جدًا.
وقوله: «تركض العاليه»: يريد تدفع، يعني عالية الرمح أعلاه، والعاند من الدم: المائل، والجابية: الحوض، وغائلته: ما انخرق منه، والأوطف: الكثير شعر العينين والأذنين فأراد أنه لا قلب له كالجمل الأوطف. والعرب تقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
«كل أزب نفور»، وبنو جارية: من طيء، والشق: المشقة والشدة، وقوله: «تنبض أحرادها»: أي تضطرب أمعاؤها، وأحرادها: أمعاؤها، ومتغناة: متغنية. هذا كله قول ابن الأعرابي ورواه أبو زيد: تنبذ أحرادها: من النبذ والالقاء، قال: «وواحد الأحراد وهو الغيظ والغضب». قال أبو زيد: سنان: اسم رجل، ومحلب: معين، والوانية: المبطئة.
وقال آخرون في قول لبيد: «إلى الحول ثم اسم السلام عليكما» تأويله: ثم تسميتي الله عز وجل عليكما من سوء يصيبكما بعدي على جهة الاستعاذة فوضع الاسم مكان التسمية.
وكذلك ذهب بعض الناس إلى أن قولهم: «بسم الله» في الافتتاح إنما معناه أبدأ بتسمية الله فوضع اسم موضع التسمية وهذا في اللغة سائغ مطرد.
وقال آخرون: تأويله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما: أي حسبكما لأنه قال: إلى الحول والسلام: أي ابكياني حولا ثم حسبكما.
وقد جرت عادة العرب بأن السلام آخر كل شيء، ويستعمل في قطع الأشياء والمتاركة كقولهم: «قل فلان كذا وكذا والسلام»: أي لا تزد عليه شيئًا. وكما قال عز وجل: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} إنما أراد قطع كلامهم ومتاركتهم، وهذا وجه حسن. وكان أبو العباس المبرد يقول: هو أحسن ما قيل فيه.
المؤمن
المؤمن في صفات الله عز وجل على وجهين: أحدهما أن يكون من الأمان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه فيأمنون ذلك كما تقول: «آمن فلان فلانًا» أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن. فكذلك أيضًا يقال: «الله المؤمن» أي: يؤمن عباده المؤمنين فلا يأمن إلا من آمنه. ومنه قول النابغة الذبياني:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا … وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها … ركبان مكة بين الغيل والسند
قال العلماء في قوله: «والمؤمن» يريد الله تبارك وتعالى أقسم به يريد: آمن الطير في الحرم، والعائذات: التي تعوذ بالبيت، فمن روى هكذا ينصب الطير - وهو الوجه - جعل العائذات في موضع نصب، وإبدال الطير منها للبيان والإيضاح كما تقول: «هذا الضارب الرجل آخاك».
ورواه بعضهم: «والمؤمن العائذات الطير» بالخفض على أن تجعل العائذات في موضع خفض وتبدل الطير منها على إجازتهم «هذا الضارب الرجل» بالخفض تشبيهًا بقولهم: «هذا الحسن الوجه».
قال سيبويه: لما قالوا: «هذا الحسن الوجه» فنصبوه تشبيهًا بـ «هذا الضارب الرجل» وإن لم يكن مثله في المعنى كذلك أجازوا «هذا الضارب الرجل» بالخفض تشبيهًا بـ «هذا الحسن الوجه» لأن كل شيئين تضارعا في العربية فحمل أحدهما على الآخر جاز حمل الآخر عليه في بعض المواضع. ورواه أبو عبيدة:
لا والذي آمن الغزلان تمسحها … ركبان مكة بين الغيل والسعد
وهذا تقوية للمذهب الأول وشرح للمؤمن، أن تأويله: الذي آمن الطير في الحرم. قال: والغيل والسعد: أجمتان كانتا مناقع ما بين مكة ومنى، يقال لأحدهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
الغيل والآخرى السعد. وقال الأصمعي: لا يقال غيل لأن الغيل الغيضة، والغيل الماء الجاري، وقال: كان ماء يجري في أصل أبي قبيس يغسل عليه القصارون، وروايته الغيل بالفتح على هذا التأويل الذي ذكرته، ومن روى «بين الغيل» بالكسر فقال: الغيل هاهنا مكان، والسند: سند الجبل.
والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان وهو التصديق فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: «الله المؤمن» أي مصدق عباده المؤمنين أي يصدقهم على إيمانهم فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه. والآخر: أن يكون الله المؤمن أي: مصدق ما وعده عباده كما يقال: «صدق فلان في قوله وصدق» إذا كرر وبالغ، يكون بمنزلة ضرب وضرب، فالله عز وجل مصدق ما وعد به عباده ومحققه. فهذه ثلاثة أوجه في المؤمن سائغ إضافتها إلى الله.
ولا يصرف فعل هذه الصفة من صفاته عز وجل فلا يقال: «آمن الله» كما يقال: «تقدس الله، وتبارك الله»، ولا يقال: «الله يؤمن» كما يقال: «الله يحلم ويغفر» ولم يستعمل ذلك. كما قيل: «تبارك الله» ولم يقل: «هو متبارك» وإنما تستعمل صفاته على ما استعملتها الأمة واطلقتها، فالإيمان: التصديق، يقال: «آمنت بكذا وكذا» أي: صدقت به. كما قال: {الذين يؤمنون بالغيب} أي يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل. كما قال حكاية عن أولاد يعقوب ليعقوب: {وما أنت بمؤمن لنا} أي: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين.
ويقال: «ما أومن بشيء مما يقول فلان» أي: ما أصدق به، وإيمان العبد بالله عز وجل: تصديقه به قولاً، وعقدًا، وعملاً. وقد سمى الله عز وجل الصلاة إيمانًا في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
والإيمان في جميع تصرفه غير خارج عن معنى التصديق وما قاربه وتعلق به، ويقال: «آمن فلان بالله فهو مؤن». وأصل آمن أأمن فقلبت الثانية ألفًا فقيل آمن، فلا يصح همزتان إذا التقتا في كلمة واحدة ولا بد من قلب الثانية على حركة الأولى فإن كانت الأولى مفتوحة قلبت الثانية ألفًا كما قلبت في آدم، وآخر، وآمن وما أشبه ذلك. وإن كانت الأولى مكسورة قلبت الثانية ياء ولا تصح همزتان في كلمة واحدة، فإن كانتا من كلمتين جاز التخفيف والتحقيق كقوله عز وجل: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}. وكقولك: «يا زيد أأعطيت فلانًا؟» وما أشبه ذلك فلك في مثل هاتين الهمزتين إذا التقتا من كلمتين هكذا في وصل الكلام ولم يكن مبتدئًا بالهمزة الأولى خمسة أوجه: إن شئت حققت الأولى وخففت الثانية، وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية، وإن شئت حققتهما معًا، وإن شئت خففتهما معًا، واللغة الخامسة أن يزاد بين الهمزتين ألف تفرق بينهما فيقال: «يا زيد آأنت فعلت كذا؟» كما قال ذو الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل … وبين النقا آأنت أم أم سالم
تقديره أأنت أحسن أم أم سالم؟. وأنشد أبو زيد الأنصاري:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة … يفكر آإياه يعنون أم قردا؟
فأما إذا ابتدأت فقلت: «أأنت خرجت؟» «أأنت أعطيت زيدًا؟» فلا بد من تحقيق الأولى لأن الهمزة لا تخفف مبتدأة لأن المخفف يقرب من الساكن والساكن لا يبتدأ به، فأما الهمزتان إذا التقتا في كلمة واحدة فقلب الثانية على حركة الأولى لازم على ما أخبرتك به، وعليه إجماع العرب والنحويين إلا ما يجيء في الشواذ.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: أخبرني أبو زيد الأنصاري أنه سمع من العرب من يقول: «اللهم اغفر لي خطائئي» كقولك: «خطاععي» وهو جمع خطيئة فجمع بين الهمزتين في كلمة وحققهما كما ترى.
قال: وسمعت آخر يقول في جمع دريئة وهو ما يستتر به من الصيد درائيء كقولك درائع فحقق الهمزتين في كلمة واحدة. قال: والذي عليه الجماعة القلب والتغيير كقولك خطايا ودرايا.
ونظير الجمع بين همزتين في كلمة واحدة وتحقيقهما في الشذوذ وإن كان هو الأصل إثبات بعضهم الهمزة في يرى، وترى، ونرى، وأرى لأن إجماع العرب على حذف الهمزة من مستقبل «رأيت» وإثباتها في الماضي كما ترى فصار هذا المستعمل المستقبل المجمع عليه كالأصل، وصار الأصل وهو إثبات الهمز كالفرع الشاذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
للإجماع على غيره فصار استعماله شاذًا فمن العرب من يثبت الهمز في يرى وترى وما أشبه ذلك فيقول: «أنت ترأى زيدًا» و «أنا أرأيتك إياه»، وأنشد الجماعة لسراقة البارقي.
أرى عيني ما لم ترأياه … كلانا عالم بالترهات
قال المازني: والوجه أن يقال «ترياه» فتحذف الهمزة ويحتمل قبح الزحاف لأنه أحسن من زيغ الأعراب. قال: والذين أنشدوه بإثبات الهمزة نفرت طباعهم عن قبح الزحاف فلم يبالوا زيغ الإعراب. وأنشد أبو زيد الأنصاري في مثل ذلك لرجل من بني نمير:
هل ترجعن ليال قد مضين لنا … والعيش مقتبل إذ ذاك أفنانا
إذا نحن في غرة الدنيا وبهجتها … والدار جامعة أزمان أزمانا
لما استمر بها شيحان مبتهج … بالبين عنك بها يرآك شنئانا
قال أبو زيد: وكل هؤلاء حقق الهمزة وهو قليل في الكلام، والتحقيق الأصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وتقول في اسم الفاعل من آمن: مؤمن بتحقيق الهمز وهو الأصل، والمفعول مؤمن به كذلك بالتحقيق وإن شئت خففت فلم تهمزه.
فأما الموقن فلا يجوز همزه وهو خطأ فاحش ولحن قبيح لأن الواو في «موقن» مبدلة من ياء وليست بهمزة إنما هو من أيقنت واليقين.
وأما المسلم فاشتقاقه من أسلم يسلم فهو مسلم: إذا استسلم للشيء وأنقاد له وكذلك قوله عز وجل: {وأمرنا لنسلم لرب العالمين}. وقالوا في قوله: {قالت الأعراب آمنا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} أي استسلمنا من خوف السيف.
واشتقاق المؤمن كما ذكرت لك من الإيمان وهو التصديق، وهذا أصلهما فإذا اعتقد المسلم في قلبه تصديق ما استسلم له وتحقيقه فهو مسلم مؤمن، وكذلك المؤمن: المصدق إذا استسلم لأمر من آمن به وانقاد له وأطاعه فهو مؤمن مسلم. فالمسلم حقيقة مؤمن حقيقة، والمؤمن حقيقة مسلم حقيقة في الشرع.
وهذا وجه اجتماعهما واتفاقهما، ووجه افتراقهما من حيث ذكرت لك أصل الاشتقاق، لأنه لا يقال لكل من استسلم لأمر إنسان أنه مصدق له، ولا لمن صدق بخبر أنه مسلم له. فالاستسلام غير التصديق. ولا يطلق المؤمن والمسلم هكذا إلا لمن دخل تحت الشرع وآمن بجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. فأما غير ذلك فإنما يقال له: «مؤمن بكذا وكذا» و «مسلم لكذا وكذا» مقرونًا بما يوضحه.
المهيمن
فسر المهيمن على وجهين: قيل: المهيمن: الشاهد، قال الله عز وجل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} أي: شاهدًا عليه. كذلك روي عن ابن عباس وروي عنه من وجه آخر أنه قال: المهيمن: الأمين فكأنه قال: مصدقًا لما بين يديه من الكتاب وأمينًا عليه، والتفسيران متقاربان.
ويذهب أهل اللغة إلى أن المهيمن: الأمين وأنه اسم مبني من الأمين وأصله «مؤيمن» بمنزلة مبيطر من بيطار. قال النابغة:
شك الفريصة بالمدري فانفذها … شك المبيطر إذ يشفي من العضد
وقد يقال للمبيطر: «بيطر» كقول الطرماح:
........... … كنزع البيطر الثقف رهص الكوادن
فالبيطر والمبيطر والبيطار بمعنى واحد. ومما جاء على هذا الوزن مهيمن ومبيطر ومسيطر ومبيقر. قالوا: فكأن أصله «مؤيمن» فأبدلت الهمزة هاء لأن الهمزة والهاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
لقرب مخرجيهما قد تبدل إحداهما من الآخرى. قالوا «في أرقت الماء» «هرقت الماء» و «ماء مهراق». يقال: «أرقت الماء» وهو الأصل، و «هرقته» و «أهرقته» ثلاث لغات حكاها سيبويه وغيره. وهو «ماء مراق» بحذف الهمزة و «مهراق» بإسكان الهاء و «مهراق» بفتح الهاء تجعل مكان الهمزة وتفتح كما كانت مفتوحة، وأنشدوا:
ما بال عينك منها الماء مهراق … سحا فلا غارب منها ولا راق
وأنشدني أبو عبد الله الكرماني في «اهرقت» لبعضهم يصف بكرة أسقى بها الماء:
وجارية ليست من الأنس تشتهي … ولا الجن قد باشرتها ومعي ذهني
وأدخلت فيها قيد شبر موتر … فصاحت ولا والله قد وجدت تزني
فلما دنت أهراقة الماء أنصتت … فكفكفت عن فعلي وفي النفس أن أثني
وقالوا: إياك، وهياك، وأيهات، وهيهات، وابرية، وهبرية للحزاز في الرأس، وأنشد الأخفش:
فهياك والأمر الذي إن توسعت … موارده ضاقت عليك مصادره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
وكل هذا الأصل فيه الهمزة، والهاء بدل منها فكذلك في «مهيمن» الهاء بدل من الهمزة. وقد بدأت الهمزة هاء في قولنا «ماه» للماء المشروب وأصله «موه» فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «ماه» كما ترى، ثم ابدلت الهاء همزة فقيل: «ماء» والدليل على ذلك قولهم في الجمع «أمواه» وفي التصغير «مويه»، قال الشاعر:
سقى الله أمواهًا عرفت مكانها … جرابًا وملكومًا وبذر والغمرا
فأما «مياه» فانقلبت الواو فيه لسكونها وانكسار ما قبلها كما انقلبت [في]
ميزان، وميعاد، وميقات وقد مضى شرح مثل هذا. وأنشد ابن الأعرابي لنافع بن لقيط الفقعسي:
وردت مياهًا ملحة فكرهتها … بنفسي أهلي الأولون وماليا
فسبيل إبدال الهاء في «مهيمن» من الهمزة سبيل إبدال الهمزة في «ماء» من الهاء.
وحدثنا إبراهيم الصائغ قال: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: حدثني يزيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
ابن عمرو الغنوي قال: حدثني زكريا بن يحيى الكوفي قال: حدثنا عم أبي زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن امتدحك. فقال: قل: لا يفضض الله فاك فقال العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر … أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين … وقد ألجم نسرًا وأهله الغرق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
تنقل من صالب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر … ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ … ور وسبل الرشاد نخترق
قوله: «لا يفضض الله فاك قال: لا يسقط ثغرك، وهو من الفض وهو الكسر، ومنه يقال: «فضضت جموع القوم»: إذا فرقتها، وقوله عز وجل: {لانفضوا من حولك} أي تفرقوا. ومن قال: «لا يفضض فاك» بضم الياء فقد أخطأ إنما هو «يفضض» بفتح الياء من فض يفض وتقديره: «لا يفضض الله أسنان فيك» فأقيم المضاف إليه مقام المضاف. وقد يجوز أن يقام الفم مقام الأسنان لما كان محتويًا عليها والعرب تفعل ذلك اتساعًا، فتقول: «سقط فم فلان فلم تبق له حاكة» إذا سقطت أسنانه. وروي عن محمد بن عبد الله بن عروة أنه قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة فدخل علي بن الزبير في المسجد الحرام فأنشده:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا … فعاد صباحًا حالك اللون مظلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى … دجى الليل جواب الفلاة عثمثم
لتجبر منه جابرًا ذعذعت به … صروف الليالي والزمان المصمصم
فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى فإن الشعر أهون وسائلك عندنا أما صنوة مالنا فلآل الزبير وأما عفوه فإن بني أسد تشغله عنك وتبرأ، ولكن لك في مال الله حقان، حق برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم. ثم أخذ بيده فدخل به دار النعم فأعطاه قلائص سبعًا وجملاً رحيلاً وأوقر له الركاب برًا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفًا. فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد، فلما قضى نهمته قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرًا فأنجزت. فأنا والنبيون فراط القاصفين». قال: يقال لا تقصفوا علينا: أي لا تجتمعوا، وقيل: القاصف: المتأخر وهو أشبه بالمعنى لأن أصل القصف: الكسر فكأنه المنكسر عن الجماعة، المتأخر عنها. وإنما ذكرنا هذا الخبر بخبره الذي روي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعني النابغة الجعدي فأنشده شعره الذي يقول فيه:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى … ويتلو كتابًا كالمجرة نيرا
فلما بلغ قوله:
علونا العباد عفة وتكرما … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنة يا رسول الله فقال: أجل إن شاء الله. ثم قال: أنشدني، قال: فأنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له … بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال: «أجدت لا يفضض الله فاك» قال: فنظرت إليه وكأن فاه البرد المنهمل ما سقطت له سن، ولا انغلت ترف غروبه، ترف: تبرق نعمة ونضارة والغروب: جمع غرب وهو حد الأسنان، وحد كل شيء: غربه، هاذ مع كبر سنه وبقائه إلى أيام ابن الزبير على ما ذكرت لك في الخبر المتقدم، وكان من المعمرين، يقول علماء العرب: إنه عاش مائة وثمانين سنة. واستشهدوا على ذلك بقوله:
لبست أناسًا فأفنيتهم … وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم … وكان الإله هو المستآسا
أي: المعتاض، والأوس: العوض، والأوس: العطية، وفي غير هذا، الأوس: اسم من أسماء الذئب ومنه قوله:
فلأحشونك مشقصًا … أوسًا أويس من الهبالة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
[الهبالة]: نعجة.
ويروى: فلأحشأنك.
ونرجع إلى تمام تفسير أبيات العباس، وقوله: «من قبلها طبت في الظلال»: يعني ظلال الجنة. يريد أنه كان طيبًا في صلب آدم في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض. والظلال: جمع ظل وإنما يراد بظل الجنة ظل شجرها، والجنة كلها ظل لا شمس فيها قال الله تعالى عز وجل: {وظل ممدود}. وقوله: «حيث يخصف الورق»: يعني في الجنة حيث خصف آدم وحواء عليهم السلام من ورق الجنة. وقالوا في قوله: {يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي: يخصفان الورق بعضه إلى بعض. والخصف: ضم الشيء إلى الشيء وتشبيكه معه وإلصاقه به، ومنه قيل: «خصفت نعلي»، وقيل لصانعها «خصاف»، ولا شفاه: مخف. وقوله: «ثم هبطت البلاد لا بشر أنت»: يعني هبوط آدم إلى الأرض لأنه كان في صلبه إذ ذاك وهو لا بشر، ولا لحم، ولا دم: يريد أنه كان بعد نطفة لم ينتقل في هذا المراتب التي ينتقل فيها الجنين، ألا تراه قال: «بل نطفة تركب السفين» يريد: ركوب نوح عليه السلام السفينة في وقت الطوفان وهو صلبه. ونسرًا: أحد الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح، وقد ذكر في التنزيل. والصالب: الصلب وفيه لغة أخرى الصلب بفتح الصاد واللام فهذه ثلاثة لغات فيه، صلب وصالب وصلب، قال العجاج:
في صلب مثل العنان المؤدم …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
والطبق: القرن من الناس، وكذلك الطبقة، وإنما سموا بذلك لأنهم طبق للأرض. ومثله قول امرئ القيس في وصف المطر:
ديمة هطلاء فيها وطف … طبق الأرض تحرى وتدر
أي: هي طبق للأرض. وقد روي «طبق الأرض» بالنصب بإلقاء الفعل عليه وهو «تحرى» والرفع أجود وأبلغ في الوصف وعليه أكثر العلماء. فأما قول الله تبارك وتعالى: {لتركبن طبقًا عن طبق} ففسروه: حالاً بعد حال، فقال كعب بن زهير:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل … يركب به طبق من بعده طبق
أي: ينتقل من حال الشباب إلى الهرم. والنطق: جمع نطاق وهو ما انتطقت به المرأة أي: شدته في وسطها، أو انتطق به الرجل، ومنه سميت المنطقة، وضرب هذا مثلاً له صلى الله عليه وسلم لارتفاعه وتوسطه في عشيرته وعزه.
وقوله: «حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء»: أي احتوى بتيك عليا من المجد والشرف، وبيته يعني: أصله ومنبته والبيت في كلام العرب قد يستعمل مكان القبيلة والعترة، وبيت الرجل في غير هذا: أهله، قال الشاعر:
مالي إذا أنزعها صبيت … أكبر قد غالني أم بيت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
وقوله: «وضاءت بنورك الأفق»: يقال ضاء الشيء وأضاء لغتان.
العزيز
العزيز في كلام العرب على أربعة أوجه، العزيز: الغالب القاهر، والعزة: الغلبة، والمعازة: المغالبة. ومنه قوله عز وجل: {وعزني في الخطاب}، أي غلبني في محاورة الكلام، ومنه قولهم: «من عزيز»: أي من غلب سلب، وينشد للخنساء:
وكنا قديمًا حمى يتقى … إذ الناس إذ ذاك من عزبزا
والعزازة: مصدر العزيز أيضًا، قال عمارة:
تنوخهم نمير كل يوم … كفعل أخي العزازة بالذليل
والعزيز: الجليل الشريف، ومنه قولهم: «إذا عز أخوك فهن» وقولهم: «فلان يعتز بفلان: أي يتجالل به ويتشرف ويتكبر. وكذلك قوله عز وجل: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}: أي ليخرجن الجليل الشريف منها الذليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)