يريد في حلقوكم. ومثله قول الآخر:
كأنه وجه تركيين قد غضبا … مستهدف لطعان غير تذبيب
وإنما يريد وجهين فقال «وجه تركيين» لأنه قد علم أنه لا يكون لاثنين وجه واحد ومثله كثير جدًا.
وقد يكون السمع بمعنى ثالث فيكون بمعنى الاستماع، «يقال: سمعك حديثي يعجبني أن استماعك إلى حديثي يعجبني، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورًا تسمع إلى صوت صائد وكلاب:
إذا توجس ركزًا مقفر ندس … بنبأة الصوت ما في سمعه كذب
أي ما في استماعه كذب، أي هو صادق الاستماع، والندس: الحاذق يقال: ندس كما يقال حذر، ويقظ ويقظ».
والنبأة: الصوت الخفي وكذلك الركز.
والمصادر ينوب بعضها عن بعض كما يقال: العطية بمعنى الإعطاء والكرامة بمعنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الإكرام، والموعظة بمعنى الوعظ، كذلك يكون المسع بمعنى التسمع والاستماع.
قال الفراء: يقال: عجبت من طعامك طعامنا، وشرابك شرابنا، فقال: معناه عجبت [من]
طعمك طعامنا، وشربك شرابنا.
قال: وكذلك تقول: عجبت لدهنك لحيتك في كل يوم - بضم الدال - وأنت تريد: لدهنك - بفتح الدال.
قال: وكان الكسائي لا يجيزه إلا بفتح الدال، وهي عند الفراء سواء.
وقال: كذلك تقول: عجبت لسمنك شاءك، وأنت تريد لاسمانك شاءك. وكذلك كل المصادر التي تخرج من الأفعال وإن كانت على غير ألفاظها في القياس جرت كلها مجرى واحدًا.
والسمع - بكسر السين وإسكان الميم - ذكر الإنسان بالجميل. يقال: ذهب سمعه في الناس أي ذكره، وللسمع أيضًا: ولد الذئب من الضبع ويقال: تسمعت الشيء تسمعًا، وأسمعت استماعًا. وينشد لصخر أخي الخنساء:
لعمري لقد أيقظت [من كان]
نائمًا … وأسمعت من كانت له أذنان
واستسمعت استسماعًا، واستسمعت: تطلبت الاستماع. وقد يكون التسمع بمعنى الاستماع. وأسمعت غيري الخبر وغيره إسماعًا، وقد يكون أسمعته في مجاز الاستعمال يجري مجرى السب والشتيمة كما استعمل السماع في الغناء، وإنما هو في الأصل مصدر. قال لبيد في التسمع بمعنى الاستماع يصف بقرة وحشية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
وتسمعت دار الأنيس فراعها … عن ظهر غيب والأنيس سقامها
وتقول العرب: سماع يا هذا بوزن فعال مكسور الآخر بمعنى اسمع مني كما يقال: دراك بمعنى أدرك. ونزال بمعنى انزل. وقد يقولون أيضًا سماعًا يا هذا بالنصب بمعنى اسمع. قال الشاعر:
سماع الله والعلماء أني … أعوذ حقو خالك يا ابن عمرو
يريد: أسمع الله والعلماء، فوضع المصدر موضع الفعل الناصب له.
والسمع اسم الأذن كما ذكرت لك ولكنه اسم مذكر فأما الأذن فهي مؤنثة ويقال للأذن، الحاضرة. ومن كلام العرب: «إذا تكلمتم فاحذروا الحواضر».
فإذا كانت الأذن لطيفة يقال لها: صمعاء وحشر، فإذا كانت عظيمة قيل لها: شرافية، ويقال لداخل الأذن الصماليخ ولوسخها الأنف، ولوسخ الظفر المجتمع بينه وبين لحم الأصبع التف، ويقال فلان أصم أصلخ إذا كان لا يسمع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
شيئًا، ورجل أقطع إذا كان أصم، فإذا كانت الأذن عظيمة فهي الحذنة وأنشد أبو عبيدة:
يا ابن التي حذنتاها باع
وإذا كانت كثيرة الشعر: الزبعرة.
ويقال للرجل إذا كان سيء الخلق زبعري. فإذا قطعت الأذن فاستؤصلت قيل لها: صلماء.
ويقال: أسمعت الدلو: إذا كانت كبيرة فقبضت من أسفلها قبضة ثم شددتها لتخفف فيستقي بها حينئذ الشيخ والصبي. قال الشاعر:
ونعدل ذا الميل إن رامنا … كما عدل الغرب المسمع
ويقال: المسمعان عروتان تكونان في موضع هذه القبضة من داخل فتجمعان فيتضيق الدول. وأنشد:
سألت زيدًا بعد بكر خفا … والدلو قد تسمع كي تخفا
يقول: سألته حاجة كبيرة فلم يقضها، فسألته حاجة صغيرة. ويقال للحبل الذي يشد بعد العقد الأول الكرب، وذلك أن الدلو. ربما انقطع حبلها الأول فيمسكها الكرب ويمنعها من السقوط ومنه قول الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم … شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
العناج: الحبل الأول، والكرب: الحبل الثاني، ويقال للصخرة التي يقوم عليها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
الساقي: القبيلة والمنزعة، فإذا كانت تزلق قيل لها مدحض، وزرنح، ويقال للصخرة التي تكون في أسفل البئر: الراعوفة، ويقال للصخرة التي في الشطوط يغمرها الماء الاتان ويقال أيضًا: الحنضل، ويقال لطي البئر: الزبر والضرس لها ويقال للخزف الذي يجعل في طيها ليقوي الأعقاب الأجر، ويقال لرأس البئر إذا كان ضيقًا: السك، فإذا كان واسعًا فهو جلواخ وإذا كانت البئر فوق رابية قيل لها جمجمة، فإذا كانت مندفنة فهي سدم.
الكافي
الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله عز وجل كافي عباده لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم فقد كفاهم كما قال الله عز وجل: {أليس الله بكاف عبده؟}.
وكفاية الإنسان من المعاش قدر بلغته وقوام أمره، وتقول: كفيت الرجل الأمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
أكفيه كفيًا وكفاية إذا قمت به دونه، وأزلت عنه الاهتمام به.
وتقول العرب: مررت برجل كفيك من رجل يجعلونه مدحًا في أنه نهاية في الخير قد كفاك ما تريد من سواه ويتركونه على حال واحدة في الأثنين والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر وصف به. ويقولون: مررت برجلين كفيك من رجلين، ومررت برجال كفيك من رجال، وبامرأة كفيك من امرأة، وبنساء كفيك من نساء على حال واحدة.
ومنهم من يقول: مررت برجل كفاك من رجل فيجيء به على لفظ الفعل الماضي فيجريه على ما قبله في التثنية والجمع والتأنيث والتذكير فتقول: مررت برجل كفاك من رجل، وبرجلين كفياك من رجلين، وبرجال كفوك من رجال، ومررت بامرأة كفتك من امرأة وبامرأتين كفتاك من امرأتين، وبنساء كفينك من نساء. ومثل هذا في المدح قولهم مررت برجل كفيك من رجل وشرعك من رجل، وهمك من رجل وهدك من رجل وتاهيك من رجل كله يجري مجرى واحدًا.
واعلم أن ما كان من الأسماء نحو الكافي معتل اللام كقولك: القاضي والداعي والكافي وما أشبه ذلك فأكثر العرب يتركونه في حال الرفع والخفض ساكن الآخر ويعربونه في حال النصب فيقولون: جاءني القاضي والداعي والكافي، ومررت بالكافي والقاضي والداعي والغازي يدعونه ساكن الآخر استثقالاً للضمة والكسرة في الياء المكسور ما قبلها فإذا صاروا إلى حال النصب أعربوه لأن الفتحة اخف الحركات فيقولون: رأيت الداعي والغازي والرامي فإذا لم يكن فيه ألف ولام ولم يضيفوه ألحقوه التنوين في حال الخفض والرفع والنصب وكذلك ما كان نظيره من السالم غير مصروف جرى مجرى واحدًا فقالوا مررت بقاض وغاز وجوار وغواش، وجاءني غاز وقاض وكاف وجوار وسوار وما أشبه ذلك، فإذا صاروا في حال النصب أعربوه ونونوا المصروف المثال من الصحيح وتركوا صرف ما لا ينصرف مثاله من الصحيح فقالوا: رأيت غازيًا وداعيًا وراميًا وجواري وغاشي وسواري.
ومن العرب من يعرب هذا الجنس من الأسماء في كل حال ولا يستثقل الكسرة فيه فيقول: هذا القاضي والداعي والرامي يجريه مجرى الصحيح، ويقول مررت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
بالقاضي والداعي والرامي كما يقول مررت بالضارب والقاعد وما أشبه ذلك، ومن هذه اللغة أنشد سيبويه:
قد عجبت مني ومن يعيليا … لما رأتني خلقًا مقلوليًا
أراد تصغير يعلي وكان سبيله أن يقول: يعيل فأجراه مجرى الصحيح.
وقال الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته … ولكن عبد الله مولى مواليا
وقال آخر:
خريجع دوادي في ملعب … تأزر طورًا وتلقى الازارا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ومن العرب من يترك إعراب المنصوب أيضًا فيجعله ساكن الآخر، كما فعل ذلك بالمخفوض والمرفوع فيجعله في الأحوال الثلاثة ساكن الآخر فيقول: رأيت القاضي والغازي والكافي والداعي وما أشبه ذلك.
وأكثر ما يجيء هذا في الشعر وليس بمستعمل في منثور الكلام. قال النابغة:
ردت عليه أقاصيه ولبده … ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
ومنهم من يرويه عليه أقاصيه على ما لم يسم فاعله فرارًا من قبح هذه اللغة. وقال رؤبة:
سوى مساحيهن تقطيط الحقق … تفليل ما قارعن من سمر الطرق
أسكن ياء المساحي وهو في موضع النصب. وقال آخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق … أيدي جوار يتعاطين الورق
ومن كان هذا من لغته فإنه يجعله في حال النصب إذا لم تكن فيه الألف واللام وكان غير مضاف بلفظ المخفوض أيضًا فتقول: رأيت قاض وكسوت عار ولقيت غاز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
لأنه ينوي إسكان آخره إذ ليس من شأنه إعرابه، ثم يلحقه التنوين فتسقط الياء لالتقاء الساكنين. وهما الياء والتنوين. ويبقى ما قبلها على كسرته وهو قبيح من كلام الشعر في حال الضرورة. وأنشدوا في ذلك:
فكسوت عار جبينه فتركته … جذلان جاد قميصه ورداه
وذكر الفراء أن من العرب من يهمز هذه الياءات كلها حرصًا على الإعراب واستثقالا للحركات فيها وأنشد:
يا دار سلمى بدكاديك البرق … سقيا وإن هيجت وجد المشتئق
الرؤوف
الرؤوف: الراحم، والرأفة: الرحمة. يقال: رؤفت به أرؤف رأفة. وفلان رؤف ورؤوف. وهو متعلق بالمفعول كتعلق رحيم، وقد مضى القول في ذلك وفي تعدي فعول وفعيل وما في ذلك من الاختلاف بين النحويين. وما كان على فعول كان بغير هاء، لمذكر كان أو مؤنث، كقولك: رجل شكور، وامرأة شكور، ورجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
قتول، وامرأة قتول، وكذلك صبور وغدور وجهول وما أشبه ذلك، وقال الخطيئة:
ألا آل ليلى آذنوا بقفول … وما آذنوا ذا حاجة برحيل
تنادوا فحثوا للترحل غيرهم … فبانوا بجماء العظام قتول
الشاكر
الشاكر: اسم الفاعل من شكر يشكر فهو شاكر ومشكور، والشكر: مقابلة المنعم على فعله بثناء عليه، وقبول لنعمته، واعتراف بها، هذا أصله في اللغة.
فلما كان الله عز وجل يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها ولا يضيع لديه تبارك وتعالى لهم عمل عامل كان شاكرًا لذلك لهم أي مقابلاً له بالجزاء والثواب، لأن من لم يشكر من الآدميين فعل المنعم عليه فقد كفر. والله عز وجل تتضاعف لديه الحسنات، ولا يضيع عنده أجر العاملين، فتأويل الشكر منه عز وجل هو المجازاة على أفعال المطيعين.
فإن قال قائل: فإذا كان الشكر منه عز وجل إنما هو مجازاة العاملين ومقابلة الأفعال بالثواب والجزاء فقالوا إنه يشكر أيضًا أفعال الكفار لأنه يجازيهم عليها.
قيل له: ذلك غير جائز لأنا قد قلنا: إن الشكر في اللغة إنما هو مقابلة المنعم على فعله بالثناء والاعتراف بفعله، ولما كان المسيء من العباد لا يقال له منعم ولم يستحق بذلك شكرًا بل استحق الذم، والسب لم يجز أن يكون الكفار محسنين في أفعالهم فيستحق الجزاء عليها والمقابلة بالجميل، بل كانوا مسيئين والمسيء مستحق للعقوبة والسب فلم يجز أن يسمى الفعل المقابل لفعالهم شكرًا.
ومعنى شكر العباد لله عز وجل هو كما ذكرنا من الآدميين اعترافهم بطوله عز وجل، وإنعامه ومقابلة ذلك بالإقرار والخضوع والطاعة له، ولذلك قال عز وجل: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}. فأخذ المتمثلون والخطباء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
هذا المعنى من القرآن فقالوا: «من شكر فقد استحق الزيادة».
وقد أكثر الشعراء في الشكر والإنعام ومقابلة بعضهما بعضًا، فمنهم من يرى الشكر كفاء للإنعام.
ومنهم من رآه دونه ورأي الفضل للمنعم على كل حال لأنه هو الذي أطلق لسان المنعم عليه بالشكر، ولولا الإنعام لم يكن إلى الشكر سبيل.
ومنهم من رأي الشكر يفوق الإنعام ويفضله وهذا من الشرف، والعلة في هذا الاختلاف أن كل واحد منهم تكلم على حسب حاله وهواه، فمن رأي الشكر دون الإنعام ورآه مع ذلك يبلغه بتطاوله … الحكمي في قوله:
قد قلت للعباس معتذرًا … من ضعف شكريه ومعترفًا
أنت أمرؤ جللتني نعمًا … أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة … لاقتك بالتصريح منكشفا
لا تسدين إلي عارفة … حتى أقوم بشكر ما سلفا
......... … فأحسن في قوله للخصيب وظرف:
فإن تولني منك الجميل فأهله … وإلا فإني عاذر وشكور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
ومن رأى الشكر يفوق الإنعام الآخر حيث يقول عبد الصمد بن المعذل:
برز إحسانك في سبقه … ثم تلاه شكر لاحق
حتى إذا مد المدى بيننا … جاء المصلي وهو السابق
وأنشدنا ابن الأنباري في مثله:
وما بلغ الإنعام في النفع غاية … على المرء إلا غاية الشكر أفضل
ولا بلغت أيدي المنيلين بسطة … من الطول إلا بسطة الشكر أطول
ولا رجحت في الوزن يومًا صنيعة … على المرء إلا وهي بالشكر أثقل
ولا بذل الشكر امرؤ حق بذله … على العرف إلا وهو للمال أبذل
ومن يشكر المعروف يوما فقد أتى … أخا العرف في حسن المكافأة موغل
وأما الحمد: فالثناء على الرجل بما فيه من شجاعة، أو كرم أو سخاء أو جميل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
أو لاكه، فالحمد أعم من الشكر، والشكر يدخل تحت الحمد ولا يدخل الحمد تحت الشكر. ولذلك يقول أهل اللغة: قد يوضع الحمد موضع الشكر فيقال: «حمدت الرجل على معروفه وإحسانه». ولا يوضع الشكر موضع الحمد فيقال: «شكرت الرجل على شجاعته. ويقال، «حمدت الرجل» أحمده حمدًا ومحمدة «وأنا حامد» وهو حميد ومحمود».
الإله
القول في الإله قد مضى في أول الكتاب في ذكر قولنا «الله» عز وجل وما فيه من الاشتقاق والتصاريف مشروحًا.
الواحد
الواحد على ضروب، الواحد: الفرد الذي لا ثاني له من العدد كقولك - إذا قصدت العدد - الواحد والثاني والثالث والرابع وما أشبه ذلك. فالله عز وجل الواحد الأول الأحد الذي لا ثاني له ولا شريك ولا مثل ولا نظير لم يسبقه في أوليته شيء عز وجل عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ولذلك يقول أصحاب العدد: إن الواحد ليس بعدد لأن العدد إنما هو تركب من أعداد أضيف بعضها إلى بعض فالواحد لم يتركب من ضم شيء إلى شيء فيكون عددًا فكأنه عندهم مادة العدد. قالوا: ألا ترى أن معنى الوحدة موجود في كل عدد قل أو كثر كالخمسة والستة والألف وما بعد ذلك إلى ما لا نهاية له لابد من أيكون معنى الوحدة فيه موجودًا، وكذلك الكسور نحو النصف والربع والعشر وعشر العشر وما دون ذلك لا بد من أن يكون معنى الوحدة موجودًا فيه وليس في قولنا «واحد» معنى عن شيء من ذلك موجودًا، ولذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
قيل لمن ادعى معبودًا غير الله وقال باثنين أو ثلاثة: إنكم قد ثبتم الواحد بتثبيتكم ما بعده لأنه لا سبيل إلى تثبيت إثنين ووجودهما إلا بعد الإقرار بالواحد الذي هو الأول. وكذلك ما بعد الاثنين، فالواحد مضطر إلى الإقرار به، وما بعده محتاج إلى الدليل على صحته ولا فرق بين من تخطى الواحد إلى ما بعد ذلك بأيسر عدد وبين من تخطاه إلى ما بعده إلى أكثر العدد. فالواحد الأول الذي لا بد من إثباته والإقرار به قبل الإثنين والثلاثة وما بعد ذلك.
والواحد أيضًا: الذي لا نظير له ولا مثل كقولهم: فلان واحد قومه في الشرف أو الكرم أو الشجاعة وما أشبه ذلك، أي لا نظير له في ذلك ولا مساجل. ويقول القائل: من واحد بني تميم اليوم يا فلان؟
فيقال له: واحدهم اليوم فلان أي هو رئيسهم وعمدتهم. فالله عز وجل الواحد الذي لا نظير له، والله عز وجل الواحد الذي يعتمده عباده ويقصدونه ولا يتكلون إلا عليه عز وجل. ويقال رجل وحد للمنفرد قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنس وحد
ويقال في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة لا يستعمل أحد مكان واحد لا يقال أحد وثلاثة، وأربعة، لا يستعمل أحد في معنى واحد إلا فيما بعد العشرة فإنه يقال للمذكر أحد عشر رجلاً والمؤنث إحدى عشرة امرأة. فأحد فعل بمنزلة جبل وصنم في الوزن، وإحدى بمنزلة ذكرى في الوزن ولا يستعمل في هذا الموضع الواحد لا يقال واحد عشر رجلاً، لم يستعمل ذلك لأنه بني من الواحد اسم على فعل فقيل وحد ثم أبدلت الواو همزة بدلاً لازمًا في هذا الموضع فقيل أحد ثم جمع هو والعشرة فجعلا اسمًا واحدًا فقيل: أحد عشر فإذا جزت العشرين إلى ما بعد التسعين كان لك في أحد لغتان، إن شئت قلت أحد وعشرون رجلاً وإحدى وعشرون امرأة فتركت أحدًا على اللفظ الذي بنيته مع أحد عشر لأنه بعد العقد، وإن شئت رددته إلى الأصل فقلت: واحد وعشرون، ولا يجوز تغيير إحدى عن لفظها لا يجوز أن تقول واحدة وعشرون لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
لأنه خطأ ولكنه غير مستعمل ترك اللفظ على ما كان بعد العشرة. ولو قاله قائل لم يكن مخطئًا ولكن استعمال العرب على ما أخبرتك به إلا إن يرد في شيء فوجهه جيد كما ذكرت لك.
وكذلك تقول فيما بعد ذلك: أحد وثلاثون رجلاً وواحدٌ وثلاثون رجلاً وإحدى وثلاثون امرأة كذلك إلى إحدى وتسعين وواحد وتسعين.
فأما قول العرب: السادس والسابع والعاشر والحادي عشر والحادية عشرة فإن الحادي ليس من لفظ واحد ولا أحد لأن أحدًا وواحدًا صحيحًا العين واللام لأن عينهما حاء ولامهما دال، والفاء واو مبدلة همزة في حال ومصححة في حال، والحادي بمنزلة الغازي والقاضي وما أشبه ذلك مما صحت فاؤه وعينه واعتلت لامه من نحو قضى وغزا وما أشبه ذلك فهو اسم الفاعل من حدا يحدو حادٍ بمنزلة غزا يغزو فهو غاز وليس هذا من الواحد في العدد في شيء.
وللفراء في ذلك قولان، ولا أعرف لأصحابنا فيه شيئًا، قال الفراء: جائز أن يكون مقلوبًا قلبت فاؤه إلى موضع لامه فقيل: وحد وحدًا ثم قالوا: الحادي عشر حين أرادوا أن يبينوا اسمًا على فاعل بعد العشرة ليجعلوه معهما اسمًا واحدًا فقالوا: الحادي عشر. والمقلوب في كلامهم كثير كقولهم: شاكي السلاح وإنما هو شائك السلاح لأنه من الشوكة، وقالوا: «هار» والأصل «هائر»، وكما قال العجاج:
لاثٍ به الأشياء والعبري …
وإنما هو لائث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
قال: وجائز أن يكون لما كان بعد العقد متقدمًا لما بعده إلى العقد الثاني صار كالحادي عشر والحادية عشرة لأن الحادي أبدًا متقدم ما يحدوه ويسوقه فقيل: الحادي عشر.
والوحدة والوحدانية من التوحد، يقال: توحد الرجل إذا انفرد فهو متوحد، ولا يكاد يستعمل منه فعل مثل وحد فأما وحده فإنه يستعمل في كلام العرب منصوبًا أبدًا موحدًا بلفظ واحد للواحد وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. ويلحق التأنيث والتثنية والجمع ما يجيء بعده مما يضاف إليه كقولك: «جاءني زيد وحده» و «مررت بزيد وحده» و «جاءني القوم وحدهم» و «مررت بالهندات وحدهن» و «وبهند وحدها» وكذلك ما أشبهه.
قال الخليل: هو منصوب على المصدر الذي لم ينطق بفعله على لفظه كأنه بمنزلة قولك: أوحدته إيحادًا فوضع مكانه ولذلك لم يثن ولم يجمع.
وكان عيسى بن عمر يذهب أنه منصوب نصب الظروف لا نصب المصادر، فإذا قال: «مررت بزيد وحده» فكأنه قال: «مررت به على حياله». وسيبويه وجميع البصريين يختارون مذهب الخليل.
الغفور
الغفور: الستور يقال: غفرت الشيء أغفره غفرًا إذا سترته فأنا غافر وهو مغفور أي مستور، ومنه سمي جنة الرأس المغفر لأنه يستر الرأس. فالله عز وجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
غفور لذنوب عباده أي يسترها ويتجاوز عنها لأنه إذا سترها فقد صفح عنها وعفا وتجاوز وكذلك الله غفور لعباده والمعنى غفور لذنوب عباده.
وغفور كما ذكرت لك من أبنية المبالغة فالله عز وجل غفور لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل.
ويقال: «غفرت الشيء» إذا غطيته وكذلك أغفر من كذا أي أستر منه، وغفر الخز والصوف: ما علا فوق الثوب كالزئبر سمي بذلك لأنه يستر الثوب ونحو من هذا قولهم: اللهم تغمدنا برحمتك أي ألبسنا إياها. ومنه قيل غمد السيف لأنه يغمد فيه أي يدخل فيه.
قال أبو إسحاق الزجاج: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الغفر: شعر صغار دون الكبار، وريش دون الريش الكبار، وإنما سمي غفرًا لأنه هو الذي يغطي الجلد. والغفر: كوكب من منازل القمر، إما أن يكون سمي بذلك لأنه خفي أو لأنه يغطي ما سواه مما يقاربه.
والغفر: النكس من المرض، يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس. واختلف الناس في هذا البيت وأنشده أبو عبيدة لجميل وأنشده ابن الأعرابي للمرار وهو قوله:
خليلي إن الدار غفر لذي الهوى … كما يغفر المحموم أو صاحب الكلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ومعناه: أن المحب إذا كان قد سلا فرأى ديار حبيبه وآثاره جدد ذلك عليه حبه فكأنه مريض قد نكس. ومنه قول مرار بني أسد:
فظللت من غفر الديار كأنما … من خمر أذرعه سقيت بأكؤس
قال: الغفر: النكس. ويقال: غفر الجرح: إذا برؤ ثم انتقض، وإنما قيل للنكس غفر لأنه يغطي العافية.
والغفر: شعر يكون في اللحيين يقال: «قد غفر فلان وغفرت المرأة» إذا نبت لها ذلك الشعر وينشد:
دعت نسوة شم العرانين بدنًا … أوانس لا شعثًا ولا غفرات
ومتاع البيت يقال له غفر سمي بذلك لأنه يغطي الخلل فيما يحتاج إليه من عمارة البيت.
والجوالق يقال له: غفر لأنه يغطي المتاع يقال: جوالق وجوالق وهو فارسي معرب.
ويقال: «جاء القوم الجماء الغفير» و «جاءوا جماءً غفيرًا» و «جاءوا جماء غفيرًا» و «جاءوا جماء الغفير» أي: «جاءوا جميعًا يغطي الأرض جمعهم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
والغفر: ولد الأروية وهي أنثى الوعل، وإذا كان معها ولدها فهي مغفر، كما يقال لكل ذات طفل مطفل.
والعرب تقول غفرت الأمر بغفرته إذا أصلحته بما ينبغي أن يصلح به. والمعنى أصلحته بما أتى على جميع فساده. فقد بان لك أن الأصل في جميع هذا راجع إلى الستر.
ويقال غفر الله ذنب فلان يغفره غفرًا وغفورًا وغفرانًا ومغفرة ومنه يقال: «غفرانك لا كفرانك».
الحليم
الحليم في اللغة اسم الفاعل من حلم فهو حليم كما يقال: ظرف فهو ظريف، وشرف فهو شريف، وكرم فهو كريم، وهذا مطرد فيما كان من الأفعال على «فعل» إذ يأتي اسم الفاعل منه على «فعيل» وهو فعل غير متعد فلا يبنى منه اسم المفعول ولكن يعدى بحرف الخفض فيقال: حلم فلان عن فلان إذا لم يقابله على إساءته ولم يجازه عليها فالله عز وجل حليم عن عباده لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية ولا يعاجلهم بالعقوبة والانتقام، ويقبل توبتهم بعد ذلك.
ويقال حلمت عن فلان بضم اللام فأنا حليم ولو بني منه اسم المفعول بعد تعدي الفعل إليه بحرف خفض لقيل فلان محلوم عنه. كذا يلزم في القياس ولا يكاد ينطق به. ويقال حلمت في النوم بفتح اللام فأنا حالم وينشد:
حلمت بكم في نومتي فغضبتم … ولا ذنب لي إن كنت في النوم أحلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وحليم الأديم بكسر اللام على وزن فعل يحلم بفتحها في المستقبل بوزن جهل يجهل وعلم يعلم وذلك إذا تثقب وفسد. والمصدر الحلم بفتح اللام.
القابض
القابض اسم الفاعل من قبض يقبض فهو قابض، والمفعول مقبوض وذلك على ضروب، فأما في هذه الآية التي ذكر فيها هذا الحرف في سورة البقرة في قوله عز وجل: {والله يقبض ويبسط} فقالوا: تأويله: يقتر على من يشاء ويتوسع على من يشاء على حسب ما يرى من المصلحة لعباده. فالقبض هاهنا: التقتير والتضييق والبسط: التوسعة في الرزق والإكثار منه. فالله عز وجل القابض الباسط يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء.
ومخرج ذلك من اللغة أن أصل القبض ضم الشيء المنبسط من أطرافه فيقبضه القابض إليه أولاً أولاً حتى يجوزه ويجمعه. والبسط: نشر الشيء المجتمع أو المنضم أو المطوي. فمن قبض رزقه فقد ضيق عليه، ومن بسط رزقه فقد فسح له فيه ووسع عليه، ومن ذلك قيل فلان قبيض أي بخيل شديد كأنه لا يبسط كفه بخير إلى أحد، ولا يسمع بذلك، وفلان باسط الكف، وباسط الجاه وإنما يراد به السخاء وبذله ماله وجاهه.
ويقال: «قبض فلان كفه فهو قابضها» إذا ضم أصابعه، وبسطها إذا فتحها لبطش أو عمل أو غير ذلك فهو قابض وباسط.
والقبض: مصدر قبض الشيء يقبضه.
والقبض: السرعة، ويقال أيضًا: «رجل قبيض وقباضة» إذا كان سريعًا شديد السوق للإبل. وأنشد لرؤبة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)