فحديث رافع في قسمة غنائم حنين، وحديث أبي سعيد في قصة الذهيبة التي بعثها علي من اليمن، وفيه أمر زائد وهو قصة الخوارج.
وأيضا فإسناد حديث رافع فيه وعورة، فحفظ عمر بن سعيد له يدل على ضبطه.
وروى يونس بن يزيد، ومعمر -في رواية بعض أصحابه عنه-، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، والأوزاعي -في رواية غريبة عنه-، رووا عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عَرَّس … » الحديث، ومنهم من اختصره(1).
ورواه مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر، في المحفوظ عنهم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا، ليس فيه أبو هريرة(2).
فذهب أبو زرعة إلى أن الصحيح هو الموصول(3)، وكذا أخرج الموصول--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (680)، و «سنن أبي داود» حديث (435 - 436)، و «سنن الترمذي» حديث (3163)، و «سنن النسائي» حديث (617 - 619)، و «سنن ابن ماجه» حديث (697)، و «تحفة الأشراف» 10: 64.
(2) «موطأ مالك» كتاب (وقوت الصلاة) حديث (25)، و «الأم» 1: 130، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (2237)، و «سنن النسائي» حديث (619) مع «تحفة الأشراف» 10: 73، و «علل الدارقطني» 7: 279.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 209.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
مسلم في «صحيحه» من طريق يونس، وقال البيهقي: «ومن وصله ثقة»(1).
وساق الترمذي رواية صالح بن أبي الأخضر الموصولة، ثم قال: «هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم … ، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة، وصالح بن أبي الأخضر يضعف في الحديث … »(2).
وكذا قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف: «والمحفوظ هو المرسل»(3).
وحجة من صحح الموصول ظاهرة، فإن يونس بن يزيد من كبار أصحاب الزهري، خاصة إذا حدث من كتابه، وقد تابعه غيره، لكن الاعتماد عليه.
وذكر البيهقي من مؤيدات الوصل أنه جاء عن أبي هريرة من وجه آخر نحوه مختصرا(4)، فقد رواه أبو حازم، عن أبي هريرة، وساقه مسلم بعد حديث سعيد بن المسيب(5).
وأما من رجح المرسل فلأن من أرسله جماعة فيهم المقدم في أصحاب الزهري: مالك بن أنس، وقد تابعه سفيان بن عيينة، ومعمر، وهما أيضا من كبار أصحاب الزهري.--------------------------------------------
(1) «سنن البيهقي» 1: 218.
(2) «سنن الترمذي» حديث (3163).
(3) «علل الدارقطني» 7: 279.
(4) «سنن البيهقي» 1: 218.
(5) «صحيح مسلم» حديث (680)، و «سنن النسائي» حديث (622)، و «مسند أحمد» 2: 428.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
وروى الأوزاعي، وأبان بن يزيد العطار -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن الناس يعلمون ما في صلاة العتمة وصلاة الصبح لأتوهما ولو حبوا»(1).
ورواه شيبان بن عبدالرحمن، وأبان بن يزيد -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس-وهو يحنَّس بن أبي موسى مولى مصعب بن الزبير-، عن عائشة(2).
قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر رواية الأوزاعي: «قال أبي: رواه أبان وشيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس، والصحيح عندي -والله أعلم-: محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو زرعة: أشبه عندي: عن يحنَّس، وأخاف أن عيسى إنما صحف فيه، وأراد: يحنَّس.
قلت لأبي زرعة: إن مسلم بن إبراهيم روى عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، قال: أخاف أن يكون غلط مسلم، حدثنا أبو سلمة، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يحنَّس، وهذا أصح--------------------------------------------
(1) «سنن النسائي الكبرى» حديث (387)، و «سنن ابن ماجه» حديث (796).
(2) «سنن النسائي الكبرى» حديث (386)، و «مسند أحمد» 6: 80، و «مصنف ابن أبي شيبة» 1: 322.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
من حديث مسلم»(1).
وروى الجماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي، منهم شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، حديث الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة في المزدلفة(2).
ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر(3).
ورجح جماعة من النقاد منهم يحيى القطان، والترمذي، والدارقطني
-مرة- رواية الجماعة، وحجتهم ظاهرة، قال الدارقطني في تقريرها: «هذا عندي وهم من إسماعيل، وقد خالفه جماعة، شعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، وإسماعيل -وإن كان ثقة- فهؤلاء أقوم منه لحديث أبي إسحاق، والله أعلم»(4).
وأخرج مسلم رواية إسماعيل بن أبي خالد، لكنه أخرجها بعد أن ساقه عن سعيد بن جبير من طريق الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن سعيد،--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 169.
(2) «سنن أبي داود» حديث (1924)، و «سنن الترمذي» حديث (887)، و «مسند أحمد» 2: 18، 78، 152، و «سنن البيهقي» 1: 401.
(3) «صحيح مسلم» حديث (1288) ، و «سنن أبي داود» حديث (1931)، و «سنن الترمذي» حديث (888)، و «سنن النسائي» حديث (658)، و «مسند أحمد» 2: 3.
(4) «سنن الترمذي» حديث (1288)، و «الإلزامات والتتبع» ص 451.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 236)
وساقه من طريقين آخرين إلى ابن عمر دون ذكر الإقامة.
ورجح الدارقطني مرة أن رواية إسماعيل محفوظة أيضا، فلأبي إسحاق فيه شيخان، قال الدارقطني في تقرير ذلك والاحتجاج له: «وكان شيوخنا يقولون: إن إسماعيل بن أبي خالد وهم في قوله: عن سعيد بن جبير، وأن الحديث حديث عبدالله بن مالك، والذي عندي -والله أعلم- أن الحديثين صحيحان، لأن حديث سعيد بن جبير مرفوعا رواه عنه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن دينار، وسالم الأفطس، رووه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنه، فيشبه أن يكون أبو إسحاق قد تحفظه عنهما، فحدث به مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنه، فحفظه عنه إسماعيل بن أبي خالد، وحدث به مرة عن عبدالله بن مالك، فحفظه عنه الثوري ومن تابعه»(1).
واستدل المزي، ثم ابن حجر، على حفظ رواية إسماعيل بن أبي خالد بأن شريك بن عبدالله النخعي رواه عن أبي إسحاق فجمع بين شيخيه: عبدالله بن مالك، وسعيد بن جبير(2).
وأبو إسحاق السبيعي لم يسمع من سعيد بن جبير فيما قاله البخاري، فإنه قال: «لا أعرف لأبي إسحاق سماعا من سعيد بن جبير»(3)، وحديثه هذا عن--------------------------------------------
(1) «علل الدارقطني» 13: 198.
(2) «تحفة الأشراف» 4: 423، 475، ومعه: «النكت الظراف»، ورواية شريك أخرجها أبو داود حديث (1930).
(3) «العلل الكبير» 2: 965.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 237)
سعيد بن جبير جاء معنعنا، بل في رواية مسلم يرويه أبو إسحاق هكذا: قال سعيد بن جبير، ولعله لهذا السبب اشتهر عن أبي إسحاق روايته للحديث عن عبدالله بن مالك، ولم تشتهر روايته له عن سعيد بن جبير، فإنه يرسله عنه.
ومن دقائق قضايا تعارض القرائن أن يتجاذب الحال قرينة واحدة لها شقان، أو يتجاذبها قرينتان مختلفتان.
فمن تجاذب شقي القرينة الواحدة ما تقدم في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، في قرينة (السهولة والوعورة) فإن من زاد راويا أو أكثر في الإسناد فهو الذي حفظ، لأنه قد سلك الأوعر، ومن ترك الزيادة فهو أسهل عليه، ولكن قد يعارض هذا في بعض الحالات أن يكون من زاد راويا أو أكثر قد سلك الجادة، فهو أسهل عليه، ومن حذف الزيادة ترك الجادة، فقوله هو الراجح، وقد تقدم شرح هذا بأمثلته هناك، فاعتماد أحد شقي القرينة يحتاج إلى مزيد تأمل وإنعام نظر.
وأما تجاذب قرينتين مختلفتين، فمن صوره أن الراوي إذا اتفق مع الجماعة عن شيخهم على إسناد، ثم انفرد عنهم بإسناد آخر، فبعض النقاد يستدل بهذا على حفظ الراوي للإسناد الذي انفرد به عن الجماعة، وقد تقدم أيضا شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني.
ولكن قد يعارض هذا أن يعمل في المقام نفسه قرينة (الثبات والاضطراب) الماضي شرحها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فينظر لإتيان الراوي بإسنادين عن شيخه على أنه اضطراب منه وتردد، فيحكم عليه بالغلط فيما انفرد به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
ومن صوره أيضا أن يترجح أحد الوجهين بكون راويه ترك الجادة، ومن سلكها فقوله مرجوح، لأن ترك الجادة أشد وعورة على الراوي، مما يدل على حفظه للإسناد، واستحضاره له، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني.
وقد يعارض هذا أن يكون من ترك الجادة أتى بإسناد غريب مركب، فإن الأئمة كثيرا ما ينقدون شدة الغرابة في الإسناد، وأنه مركب لا يستقيم على صورته الظاهرة، كما تقدم شرحه في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثالث منه، فيترجح حينئذ قول من سلك الجادة.
وإعمال إحدى القرينتين في مثل هذا يحتاج كذلك إلى تأن، وإلى نظر في مرجحات أخرى.
واختم هذا المبحث بالتنبيه على ضرورة تأني الباحث حين يواجه تعارض القرائن في الاختلاف، خاصة إذا انضم إلى ذلك وقوفه على أقوال مختلفة للنقاد، ومن البدهي أن يقال للباحث إن الوصول إلى رأي راجح في كل اختلاف ليس ضربة لازب، فالذي تقتضيه أصول البحث العلمي أن الباحث قد يتوقف عن الترجيح، فلا يظهر له رأي راجح، وقد يكون هذا التوقف مستمرا، أو مؤقتا بحيث يظهر له فيما بعد إمكانية الترجيح، وقد تقدم قريبا في هذا المبحث أمثلة لذلك مما وقع للنقاد.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه حرب بن إسماعيل، قال: «قلت (يعني لأحمد): فحديث ابن عباس حيث قال: وهن يمشين بنا هميسا، يختلفون في إسناده، بعضهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
يقول: عوف، عن زياد بن حصين، عن أبيه، وبعضهم يقول، زياد بن حصين، عن أبي العالية؟ قال: الناس يختلفون في إسناده، قلت: فأيهما أصح؟ قال: يختلفون في إسناده، ما أدري»(1).
وذكر الترمذي حديث عبدالله بن مسعود في (الاستنجاء بحجرين) الماضي في أول هذا المبحث، وما فيه من الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي، ثم قال بعد ذكر رأي البخاري فيه: «وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا فلم يقض فيه بشيء»(2).
وذكر الترمذي أيضا حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا شيء في الهام … » الحديث، ثم قال: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى علي بن المبارك، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس التميمي، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال: صاحب كتاب، وشيبان صاحب كتاب، ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء، كأن حديث علي بن المبارك أشبه، لما وافقه حرب بن شداد»(3).--------------------------------------------
(1) «مسائل حرب» ص 469.
(2) «العلل الكبير» 1: 99، و «سنن الترمذي» 1: 26.
(3) «العلل الكبير» 2: 691. وانظر في طرق هذا الحديث وبقية كلام النقاد عليه: «مسند أحمد» 5: 70، و «التاريخ الكبير» 3: 107، و «علل ابن أبي حاتم» (2239) و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم 2: 883.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)
الفصل الرابع
الاختلاف عن المدار والحكم النهائي
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: المدار الأساس والطرق فوقه.
المبحث الثاني: الوجه الراجح والوجه المرجوح.
المبحث الثالث: الأوجه المحفوظة عن المدار.
المبحث الرابع: عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 241)
المبحث الأول
المدار الأساس والطرق فوقه
إذا تصدى الباحث للنظر في اختلاف على راو في إسناده فمن المهم جدا أن يكون قد حدد مقصوده ومراده من هذا النظر، وإذا حدده فلا يتجاوزه، ولا يقصر دونه.
وتحديد غرض الباحث من النظر أمر بالغ الأهمية، سواء بالنسبة للباحث والجهد والوقت الذي يبذله، أو بالنسبة للبحث نفسه من حيث الاختصار والإطالة.
ولشرح هذا أجدني مضطرا إلى التذكير بما مر في الفصل الثاني من الباب الأول، وهو الفصل المتعلق بالمصطلحات التي تمر بالباحث في مقارنته للمرويات، وذلك في مصطلح (المدار)، فقد تقدم هناك أن الحديث له مدار أساس، وهو الراوي الذي ترجع إليه كافة طرق الحديث، وقد يكون هو الصحابي، وذلك إذا روى الحديث عن الصحابي اثنان أو أكثر، مثل أن يروي الحديث جابر بن عبدالله، ويرويه عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والمنذر بن مالك أبو نضرة العبدي.
وقد يكون التابعي هو المدار، في حال تفرد التابعي عن الصحابي، واشتهاره عن التابعي، مثل أن يروي الحديث عائشة، وعنها عمرة بنت عبدالرحمن، ويرويه عن عمرة: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعروة بن الزبير، والزهري.
وهكذا، قد يكون المدار نازلا، فيكون تابع التابعي، أو من دونه، فحديث
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 243)
الأعمال بالنيات، حديث عمر المشهور، مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، وله عنه طرق تبلغ العشرات، وهو يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر.
ثم بعد ذلك قد يكون لبعض الطرق إلى المدار الأساس مدار خاص به، نازل عن المدار الأساس، فلو افترضنا حديثا يرويه عن جابر ثلاثة، أحدهم أبو الزبير المكي، ويرويه عن أبي الزبير المكي، مالك بن أنس، وله عن مالك طرق كثيرة، فيقال إن طريق أبي الزبير مداره على مالك بن أنس.
وفي الطريقين الآخرين عن جابر قد يكون لهما أو لأحدهما مدار خاص به، وقد يوجد في الطرق الثلاثة أو في بعضها مدارات أخرى نازلة.
وبالنسبة للاختلاف قد يوجد اختلاف في الحديث على مداره الأعلى الذي هو الصحابي مثلا، أو التابعي، فبعض الطرق ترفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضها تقفه، ثم قد يوجد هذا الاختلاف على أحد المدارات النازلة، فيختلف الرواة عنه في رفع الحديث، ووقفه، وقد يكون الاختلاف عن المدار النازل من نوع آخر، فبعض الرواة يصل الحديث بذكر صحابيه، وبعضهم يرسله، أو غير ذلك.
وقد يكون الاختلاف ليس على المدار الأعلى، بل على الرواة عنه، أو على بعضهم، فإذا كان صحابي الحديث ابن عباس-مثلا-، ويرويه عنه عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، يكون طريق عكرمة قد جرى فيه عليه اختلاف، فبعض الرواة عنه يصله بذكر ابن عباس، وبعضهم يرسله، وكذلك طريق سعيد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 244)
بن جبير، ومجاهد، قد يكون فيهما اختلاف أيضا، وقد توجد اختلافات نازلة في شيء من الطرق إليهم.
وفي بعض الأحاديث تكثر الاختلافات، وتتعدد مداراتها، وربما كان بينها شيء من التداخل، بما يعسر فهمه والإلمام به، ويشتد ذلك إذا كان من الاختلافات ما هو بإبدال الصحابي بآخر، فتتداخل الأحاديث.
فإذا استحضرنا هذا أمكننا أن ندرك بسهولة سبب تكرار الكلام على الاختلاف في الحديث الواحد في كتب النقد، سواء منها الكتب المخصصة للنقد، ككتب العلل، وكتب الرجال، أو كتب الرواية، وأن مَرَدَّ ذلك إلى كون الناقد قد يتكلم في مكان على اختلاف على مدار معين، ثم في المكان الآخر على اختلاف على مدار أعلى، أو مدار أدنى، فمن العسير في كثير من الأحاديث جمع النظر في اختلافات الحديث كلها في مكان واحد.
وأوسع من يتكلم على اختلافات متعددة في الحديث الواحد هو الدارقطني في «العلل»، لكونه ينطلق من راو عال، وهو التابعي أو الراوي عنه، ثم يتكلم عن الاختلافات النازلة، ومع هذا يضطر إلى تجزئة الاختلافات إذا روى الحديث تابعيان أو أكثر، وجرى عليهم اختلاف، وقد يفعل هذا دون التابعي أيضا.
وليس معنى هذا أنه لا يوجد أحد من النقاد أطال في اختلافات في حديث معين، فاستوعبها وقصد استيعابها، لكن المقصود أن الاقتصار على جزء من الاختلاف هو الغالب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 245)
ويشبه هذا التأليف على الموضوعات، فالمؤلف يضع كتاب الطهارة -مثلا- في ضمن كتاب يشتمل على موضوعات متعددة، فيختصر في الأحاديث وفي الطرق، فإذا خصص هو أو غيره كتابا خاصا بالطهارة بسطه، فإذا خصص مسألة من مسائل الطهارة -كجلود الميتة، أو السواك، أو المسح على الخفين- بكتاب، زاد في بسطه واستوعب الطرق، وهكذا يقال في نقد الأحاديث.
وهذه منهجية علمية من أعلى ما يكون وأدقه، أعني مراعاة المؤلف للسياق الذي ترد فيه المسألة، أيا كان نوعها.
والملاحظ أيضا في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا يتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فمن فوقه، فيقل عندهم أن يبين الناقد درجة الإسناد، وبيان ما فيه من علة إن وجدت، نعم قد يوجد هذا عندهم، لكنه قليل بالنسبة لما أغفلوا النص عليه.
ويبرز هنا سؤال مهم بالنسبة للباحث، وهو: كيف يحدد الناظر في الاختلاف مداره الذي يكون هو الأساس عنده، فما فوقه من اختلاف يكون اختلافا عاليا، وما دونه يكون اختلافا نازلا، وما خرج عنه فهو خارج هذا الاختلاف؟ .
ولا شك أن هذا السؤال هام جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف، الخطوة الأولى في الجواب عنه هي في وروده في ذهن الناظر، ذلك أن بعض الباحثين ليس في ذهنه هذا السؤال أصلا، فأول خطواته في دراسة الاختلاف وضعها في الطريق المخطئة، فتتراكم عليه الأخطاء لاحقا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 246)
وجواب السؤال: أما بالنسبة للناقد في عصر النقد، فهناك عدة عوامل تدخل في تحديد المدار، فقد يتحدد المدار بسؤال سائل عن مدار معين، هو موضع إشكال عند السائل، يريد أن يعرف رأي الناقد فيه، وهذا نراه في كتب العلل، والسؤالات، مثل «علل أحمد»، رواية عبدالله، ورواية المروذي، وغيرهما، و «سؤالات أبي داود لأحمد»، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين»، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، وغيرها.
وقد يكون الناقد يترجم في كتاب له لراو من الرواة، وقع عليه اختلاف في حديث معين، فيسوق الناقد هذا الاختلاف، أو يكون الراوي المترجم له قد خالف غيره في روايته لحديث عن شيخ له، فيسوق المؤلف هذا الاختلاف، وهذا نراه في تواريخ البخاري، وكتاب العقيلي، وابن عدي.
ويقع هذا لمؤلفي كتب الرواية، يسوق المؤلف حديثا بإسناد، ويكون قد وقع على بعض رواته اختلاف، فيتعرض له المؤلف، كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم، ممن ألف على الموضوعات، أو على المسانيد، خاصة ما ألف على طريقة التعليل، مثل «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار».
ومن عوامل تحديد المدار عند النقاد كذلك أن يكون غرض الناقد من كتابه جمع الاختلافات الواردة على راو معين، في عموم حديثه، فيكون هو مداره، وغرضه منصب عليه، ومعرفة الراجح عنه، كما يفعل محمد بن يحيى الذهلي في كتابه «علل حديث الزهري»، وقد قال فيه الدارقطني: «من أحب أن ينظر ويعرف
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 247)
قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى»(1)، ثم بعده النسائي، ثم ابن حبان، وكلاهما في حديث الزهري(2)، وكما يفعل ابن المديني في «علل حديث ابن عيينة»(3)، وابن حبان في «علل حديث مالك»(4).
أما بالنسبة للباحث فالأمر كذلك، هناك غرض له من التعرض لاختلاف على راو معين، فقد يكون قصد إلى راو معين، فأراد دراسة الاختلافات الواردة على أحاديثه، وقد يخصص ذلك بكتاب معين، مثل ما ألف من رسائل في حديث الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وسفيان الثوري، الموجود منها في «علل الدارقطني».
وقد لا يقصر الباحث الدراسة على أحاديث الراوي التي اختلف عليه فيها، فيكون غرضه استقصاء حديث الراوي، فيذكر أيضا ما خالف فيه غيره، وما لم يقع فيه اختلاف أصلا، لكنه مضطر في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف إلى تحديد المدار، إما الراوي موضع البحث، أو شيخه، وهكذا.
وكأن يعمد إلى إمام فيجمع الأحاديث التي ذكر فيها اختلافا في كتاب له،--------------------------------------------
(1) «سؤالات السلمي للدارقطني» ص 403، و «سير أعلام النبلاء» 12: 284.
(2) «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 302، و «معجم البلدان» 1: 417، و «فهرست ابن خير» ص 145.
(3) «معرفة علوم الحديث» ص 71، و «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 303.
(4) «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 303، و «معجم البلدان» 1: 417.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 248)
إما بإطلاق غير مقيد بنوع من الاختلاف، كما هو في رسائل بعض الباحثين والباحثات الذين تصدوا لما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، والترمذي في «السنن»، والبزار في «المسند»، والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «الحلية»، وغيرها.
أو بتقييد ذلك بنوع من الاختلاف، مثل ما خصص من رسائل لما ذكر فيه أبو داود اختلافا في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو في زيادة راو وحذفه، وغير ذلك.
ومثل هذا اشتغال بعض الباحثين في تحقيق كتب النقاد، مثل تحقيق كتاب «علل ابن أبي حاتم»، و «الكامل» لابن عدي، وغيرهما.
وقد يكون موضوع البحث ليس في أحاديث معللة، ولكن يمر بالباحث أحاديث من هذا النوع، وللباحث منهج في المصدر الذي يثبت منه نص الحديث بإسناده، فيجد المؤلف قد ساق اختلافا على راو، أو أشار إليه، أو وجد الباحث هذا الاختلاف في الطرق التي جمعها.
والباحث في جميع ما تقدم قد تحدد له المدار، إما لكونه موضوع بحثه، أو لأن الناقد قد قصر الاختلاف على هذا المدار، فيبقى الباحث معه، ويكون هو مداره، لا يتجاوزه إلا في حالات معينة، وفق ضوابط محددة.
وإذا كان الناقد قد ذكر مدارات متعددة للاختلاف، ولم يمكن إدراج الاختلافات تحت اختلاف واحد، فالباحث كذلك يتابعه، فيقسم الاختلاف
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 249)
بحسب هذه المدارات.
واتضح مما تقدم أن تعيين مدار واحد في الحديث المعين يكون هو الأساس لكل من ينظر في الاختلاف الواقع فيه أمر غير ممكن، فتحديد المدار الأساس إذن أمر نسبي، فباحث يكون مداره في طبقة، وآخر يكون في طبقة نازلة عنه، وثالث في طبقة أعلى منهما، ورابع يكون عنده مدارات متعددة، وكل ذلك بحسب الباعث على دراسة هذا الحديث، وقد يحدد ذلك صفة ورود الحديث في كتب الرواية، وكتب النقد.
والمهم هنا التأكيد على ضرورة تحديد المدار الذي ينصب عليه جهد الباحث، ويكون هو عقدة بحثه في الحديث المعين، ومتى لم يلتزم بذلك فقد انفرط عقد بحثه منذ الوهلة الأولى، وكذلك إذا لم يحسن تفريق المدارات عند الحاجة، فتتداخل عليه وعلى قارئه الاختلافات.
وسأضرب بعض الأمثلة لذلك.
ساق أحد الأئمة بإسناده عن عبدالرزاق، قال: حدثنا النعمان بن
أبي شيبة الجندي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تستخلفوا عليا -وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء».
ثم قال الإمام: «ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي رضي الله عنه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 250)
وظاهر أن غرض الإمام هو بيان الاختلاف على الثوري، فهو المدار الأساس إذن، وقد قام أحد الباحثين بدراسة هذا النص بعد أن نقله في كتابه، فأبعد النجعة جدا، وترك مدار الإمام، وبدأ باختلاف على مدار ليس في إسناد الإمام أصلا، وأطال في كلامه على الحديث، وتداخلت عليه المدارات، ولا يقف قارئه على معالجة المدار الأساس الذي قصده الإمام إلا بمشقة بالغة، فقال ما نصه:
«هذا الحديث مداره على شريك القاضي، وأبي إسحاق السبيعي، واختلف على شريك القاضي على أوجه:
الوجه الأول: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.
الوجه الثاني: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن حذيفة مرفوعا.
الوجه الثالث: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، وأبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.
الوجه الرابع: ما روي عن شريك، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة مرفوعا.
الوجه الخامس: ما روي عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، ومرة عن أبي اليقظان، عن حذيفة.
واختلف على أبي إسحاق السبيعي على أوجه:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 251)
الوجه الأول: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا.
الوجه الثاني: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
الوجه الثالث: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا.
الوجه الرابع: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن سلمان الفارسي مرفوعا.
وسأبدأ بالاختلاف على شريك … ».
وساق هذا الإمام حديثا من طريق أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، ومحمد بن يزيد الأسفاطي، عن إبراهيم بن يحيى بن هانئ، عن أبيه، عن موسى بن عقبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته».
ثم قال الإمام: «سقط من رواية الترمذي موسى بن عقبة».
فالمدار الذي عقد الإمام الاختلاف عليه هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، فأبو إسماعيل الترمذي يسقط موسى بن عقبة من الإسناد، ومحمد بن يزيد يذكره، بل في تعبير الإمام بقوله: «سقط من رواية … » ما يشير إلى أنه ليس اختلافا في الرواية، وإنما هو سقط في الإسناد، ويدل على ذلك أنه جاء عن أبي إسماعيل الترمذي بذكر موسى بن عقبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 252)
وليس هذا هو المهم، فلو اعتبرناه اختلافا فالمدار -كما تقدم- هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، والاختلاف في ذكر موسى بن عقبة، وحذفه، غير أن الباحث وهو يقوم بدراسة هذا النص عقد اختلافا جديدا لم يقصده الإمام، وفي الاختلاف الجديد ابتدأ بغير ما عند المؤلف، قال: «هذا الحديث مداره على قيس بن أبي حازم، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قيس بن أبي حازم، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
الوجه الثاني: قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا.
الوجه الثالث: قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر مرفوعا … ».
وسئل إمام آخر عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه … » الحديث.
فقال: «منهم من لا يقول في هذا الحديث: ابن عباس، ويرسله، والمرسل أصح، حدثنا ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، مرسل، إلا ما يرويه موسى بن أبي عائشة، فإنه يقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم».
فالإمام تكلم على الاختلاف على سفيان بن عيينة وصلا وإرسالا، في روايته للحديث عن عمرو بن دينار، ورجح المرسل، ثم استدرك بأن الحديث يرويه موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير موصولا، فهناك اختلاف أدنى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 253)