منه … » الحديث.
ثم قال الترمذي: «وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، هذا الحديث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مثل هذا.
ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيدالله بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلا، ولم يذكروا فيه (عن عروة)، وهذا أصح، لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة، عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبدالملك من ناس، عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث، حدثنا بذلك علي بن عيسى البغدادي، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج … ، فذكر الحديث»(1).
وسؤال ابن جريج جاء مثله عن سفيان بن عيينة، فروى الحميدي، عن سفيان بن عيينة بعد أن روى المرسل قوله: «فقيل للزهري: هو عن عروة؟ قال: لا، وكان ذلك عند قيامه من المجلس، وأقيمت الصلاة، وكنت سمعت صالح بن أبي الأخضر حدثنا عن الزهري عن عروة، فلما قال الزهري: ليس هو عن عروة، فظننت أن صالحا أتي من قبل العرض»(2).
وفي كلام الترمذي عدد من القرائن للترجيح، منها الكثرة، والحفظ، والتقدم--------------------------------------------
(1) «سنن الترمذي» حديث (735).
(2) «المعرفة والتاريخ» 2: 741، وانظر: «سنن البيهقي» 4: 280، ومعنى كلام سفيان أن صالح بن أبي الأخضر يخطئ على الزهري لكونه لم يسمع منه سماعا، وإنما عرض عليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 193)
في الزهري، والنص عن الزهري أنه لم يسمعه من عروة، وفي قوله: «من الحفاظ» إشارة إلى ضعف الثلاثة الذين وصلوه في الزهري، وفي حكاية ابن جريج إشارة إلى ترك الجادة، وأن الثلاثة الذين وصلوه سلكوا الجادة، فالزهري كثير الرواية عن عروة، عن عائشة.
وقد توارد النقاد على تخطئة من وصله بذكر عروة(1).
وروى عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة»(2).
سئل أبو حاتم عن رواية عطاء هذه فقال: «رواه جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محارب، عن أبي الصديق الناجي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … مرسلا، هذا بين عوار حديث عطاء، وهذا أشبه، لو كان عن ابن عمر كان أسهل عليه حفظا من أبي الصديق، وكان عطاء بن السائب ساء حفظه»(3).
ذكر أبو حاتم في ترجيحه عددا من القرائن، فالموصول من رواية عطاء بن السائب، وقد اختلط وساء حفظه في الآخر كما تقدم في «الجرح والتعديل»(4)، ومخالفه أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة ثبت، وكونه عن محارب بن دثار، عن--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 227، 264، و «علل الدارقطني» 15: 40 - 43، و «سنن البيهقي» 4: 279 - 281.
(2) «مسند أحمد» 2: 92، 105، 136.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1/ 315.
(4) «الجرح والتعديل» ص 144، 150 - 152.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 194)
ابن عمر أسهل على أبي إسحاق في الحفظ، من كونه عن أبي الصديق الناجي، فمحارب بن دثار معروف بالرواية عن ابن عمر، فتركه للأسهل يدل على أنه قد حفظ، وأن مخالفه قد غلط، وهذه قرينة سلوك الجادة وتركها.
وروى جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت البناني قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة، قصة وفاة زوجها أبي سلمة وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بها.
ورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: حدثني ابن أم سلمة، عن أم سلمة، وقيل عن سليمان أيضا عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة مرسلا(1).
ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة بمنى، عن أبيه، عن أم سلمة(2).
سئل أبو حاتم، وأبو زرعة، عن رواية جعفر بن سليمان، فقالا جميعا: «رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه [عن أم سلمة] عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أصح الحديثين، زاد فيه رجلا … »، ثم قال أبو حاتم: «أضبط الناس لحديث ثابت، وعلي بن زيد: حماد بن سلمة، بين خطأ الناس»(3).--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 6: 314، و «مسند أبي يعلى» حديث (6908).
(2) «مسند أحمد» 6: 295، و «مسند أبي يعلى» حديث (6907)، و «شرح معاني الآثار» 3: 29، و «صحيح ابن حبان» حديث (2949)، و «المعجم الكبير» 23 حديث (506 - 507)، و «المستدرك» 2: 178، و «سنن البيهقي» 7: 131.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 405، رقم (1211)، وما بين المعكوفتين لا بد منه، فهكذا رواية حماد بن سلمة في المصادر كلها، وهكذا أيضا ذكره أبو حاتم قبل حين سئل عن رواية الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس 1: 404 رقم (1209).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 195)
وسئل أبو حاتم مرة أخرى عن رواية سليمان بن المغيرة، عن ابن أم سلمة، عن أم سلمة، وذكر له بعض الحديث، فقال: «هذا الحديث مرسل، لم يسمع ثابت من عمر بن أبي سلمة، إنما يروي عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه»(1).
فالترجيح تم إذن بقرينتين، أن رواية حماد بن سلمة فيها وعورة، حيث زاد ابن عمر بن أبي سلمة، وكان أسهل عليه أن يكون الإسناد عن ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، خاصة أن ابن عمر لم يُسَمَّ، فكونه حفظ هذه الزيادة يدل على رجحان روايته على رواية من أسقطها، وهذا معنى قولهما: «زاد فيه رجلا».
ثم حماد بن سلمة أثبت أصحاب ثابت البناني، فمن خالفه فالقول قوله.
وفي رواية حماد قرينة ثالثة أيضا وهي ضبطه لمكان تحديث ابن عمر بن أبي سلمة لثابت البناني، وأن ذلك بمنى.
وفي هذا الحديث بعينه وجه آخر من الاختلاف على ثابت أبعد فيه راويه جدا، فقد روى الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس بن مالك بعض هذا الحديث(2).
والقرائن على تخطئة هذا الوجه أكثر وأقوى، فالحكم بن عطية هذا شيخ ليس بقوي، وقد سلك الجادة المشهورة جدا: ثابت، عن أنس، وخالف الجماعة--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 422.
(2) «مسند الطيالسي» حديث (2134)، و «مسند أبي يعلى» حديث (3385)، و «المعجم الكبير» 23 حديث (498).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 196)
من أصحاب ثابت، فإنهم -على اختلافهم- لم يجعلوه عن أنس، كما تقدم آنفا.
ولهذا فكلام الناقد في تخطئة هذا الوجه أقوى وأشد عبارة من تخطئة وجه إسقاط ابن عمر بن أبي سلمة، فمسقطه مع ذلك لا يزال في الوجه الصواب، مقارنة بوجه ثابت، عن أنس.
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه الحكم بن عطية … ، فقال أبي: سألت أبا الوليد الطيالسي عن هذا الحديث فقال: ما تصنعون بهذا؟ ! هذا خطأ.
قلنا: وما الصحيح يا أبا الوليد؟ قال: ما حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبي: فقلت له: قد حدث به أبو داود الطيالسي عن الحكم! ! ، فلم يبال به، ولم يحدثنا به»(1).
وقد توارد النقاد على إنكار هذا الحديث بهذا الإسناد على الحكم بن عطية(2)، وعلل أحمد خطأه بأنه كان لا يكتب(3)، وذكر أحمد أيضا أنه إنما أراد حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة الطويل -يعني فأخطأ فيه-(4).--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 404.
(2) «مسند البزار» حديث (6897)، و «الجرح والتعديل» 3: 125، و «ضعفاء العقيلي» 1: 258، و «الكامل» 2: 623.
(3) «إكمال تهذيب الكمال» 4: 103.
(4) «الضعفاء الكبير» 1: 258.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 197)
وروى أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهدكما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله، وبالله، التحيات لله … » الحديث(1).
ورواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاووس، عن ابن عباس، وليس في حديثه جملة: «بسم الله وبالله»، وتابع الليث بن سعد حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي، إلا أنه لم يذكر سعيد بن جبير، وأيضا روايته مختصرة جدا(2).
وقد توارد النقاد كالبخاري، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، على تخطئة أيمن بن نابل، وأن الصواب ما رواه الليث، وحميد بن عبدالرحمن الرؤاسي(3).
وترجيح ذلك ظاهر بعدة قرائن، فأيمن متوسط الحال، وقد خالف ثقتين، أحدهما ثقة حافظ، من أوثق أصحاب أبي الزبير، وهو الليث بن سعد.
ثم إن أيمن بن نابل سلك الجادة في قوله: عن أبي الزبير، عن جابر، فإن--------------------------------------------
(1) «سنن النسائي» حديث (1174)، (1280)، و «سنن ابن ماجه» حديث (902).
(2) «صحيح مسلم» حديث (403)، و «سنن ابن ماجه» حديث (900) ، و «سنن أبي داود» حديث (974)، و «سنن الترمذي» حديث (290)، و «سنن ابن ماجه» حديث (900)، و «سنن النسائي» حديث (1173)، (1277)، و «مسند أحمد» 1: 291، 315.
(3) «سنن الترمذي» حديث (290)، و «العلل الكبير» 1: 227، و «سنن النسائي» حديث (1280)، و «الكامل» 1: 423، و «علل الدارقطني» 13: 342، و «سنن البيهقي» 2: 142، و «تهذيب الكمال» 3: 450.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 198)
أبا الزبير مكثر جدا عن جابر، والمخالفان له تركا هذه الجادة، وجمع أحدهما بين سعيد بن جبير، وطاوس، مما يدل على حفظهما.
زيادة على ذلك، فأيمن بن نابل خالف في جهة أخرى، فزاد في متن الحديث: «بسم الله، وبالله».
وروى يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «ساق النبي صلى الله عليه وسلم مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل»(1).
ورواه وكيع بن الجراح، وأبو نعيم، وأبو عاصم، وعبدالله بن داود، وقبيصة بن عقبة، وغيرهم، عن الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس(2).
ويعلى بن عبيد وإن كان ثقة إلا أنه مضعف في سفيان الثوري خاصة، والمخالفون له جماعة فيهم حفاظ ثقات، من أكابر أصحاب الثوري.
وأيضا فقد رواه زهير بن محمد، وهشيم، عن ابن أبي ليلى(3)، مما يؤكد رجحان رواية الجماعة عن الثوري.
وقد سئل أبو زرعة عن رواية يعلى بن عبيد فقال: «هذا خطأ، إنما هو الثوري،--------------------------------------------
(1) «سنن البيهقي» 5: 230.
(2) «سنن ابن ماجه» حديث (3076)، (3100)، و «مسند أحمد» 1: 234، 269، و «شرح مشكل الآثار» حديث (1405)، و «المعجم الكبير» حديث (12057)، و «حلية الأولياء» 7: 97، و «سنن البيهقي» 5: 230.
(3) «مسند أحمد» 1: 314، و «أمالي المحاملي» حديث (25)، و «سنن البيهقي» 5: 230.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 199)
عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والخطأ من يعلى»(1).
وروى الحجاج بن أرطاة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو، قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الخيف، فبصر برجلين متنحيين … » الحديث(2).
سئل أبو زرعة عنه فقال: «هذا وهم عندي»، قال ابن أبي حاتم: «لم يبين ما الصحيح؟ والذي عندي أن الصحيح الذي رواه شعبة، وسفيان، وهشام بن حسان، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة، وشريك، وهشيم، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم»(3).
فحجاج بن أرطاة مع ما فيه من ضعف قد خالف الجماعة من أصحاب يعلى بن عطاء، وفيهم حفاظ كبار، مثل شعبة، وسفيان، وأبي عوانة، وهشيم.
وأيضا فقد سلك الحجاج الجادة، كما قال ابن عدي: «هكذا قال حجاج، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو، وأخطأ في الإسناد، وكان هذا الإسناد أسهل عليه، لأن يعلى بن عطاء يروي عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو،--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 295.
(2) «المعجم الكبير» حديث (14372)، و «الكامل» 2: 645، و «سنن الدارقطني» 1: 414، و «سنن البيهقي» 2: 301.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 185. وانظر هذه الطرق التي ذكرها ابن أبي حاتم وغيرها في «سنن أبي داود» حديث (575 - 576) ، (614) ، و «سنن الترمذي» حديث (219)، و «سنن النسائي» حديث (857) ، و «مسند أحمد» 4: 160 - 161، و «المعجم الكبير» 22 حديث (612) ، (614) ، (616 - 617) ، (619) ، و «سنن الدارقطني» 1: 414.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 200)
أحاديث، وإنما روى هذا الحديث الثقات عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه»(1).
وروى طلق بن غنام، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قصة فاطمة بنت قيس وطلاقها، وقول عمر: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة … ».
وخالفه جماعة من الحفاظ من أصحاب حفص بن غياث: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، فلم يذكروا جملة: «وسنة نبينا».
قال الدارقطني في نقد رواية طلق بن غنام: «وهم على حفص في ذلك، لأن محمد بن عبدالله بن نمير، وأبا كريب -وهما أحفظ منه وأثبت- روياه عن حفص، عن الأعمش، ولم يذكرا ذلك».
فذكر الدارقطني في ترجيحه قرينتين، الكثرة، والحفظ والتثبت.
والاختلاف متى توافر فيه عند الموازنة والنظر عدد من القرائن في ترجيح حفظ وجه واحد أو أكثر، كان ذلك أسهل على الناظر، فمثل هذه الاختلافات هي المجال الأوسع بالنسبة للباحث للتدرب على النظر والموازنة حين يختلف الرواة على شيخ لهم، خاصة إذا كانت هذه القرائن مما نستطيع مشاركة النقاد في استخدامه، فيحسن بالباحث أن يكون ابتداء عمله وتطبيقه في هذا المجال على هذا النوع من الاختلاف، فيتدرب على إطلاق عبارات الترجيح، وتصويب--------------------------------------------
(1) «الكامل» 2: 646.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 201)
ما هو صواب، وتخطئة ما هو خطأ، فاحتمال خطأ الباحث هنا ضعيف، لا سيما وأنه سيتكئ على قول ناقد أو أكثر.
وينصح الباحث هنا -إذا أكثر من التطبيق والممارسة لهذا النوع- أن لا يغيب عنه قدر نفسه، وأن يكون متوازنا في عباراته وجمله التي يعبر بها عن اختياره، فالعلم لم ينته هنا، ولو انتهى هنا لصرنا كلنا أئمة من نقاد الحديث وصيارفته.
وفي هذا النوع من الاختلافات جانب آخر يتعلق بالباحث المتأخر أيضا، فهو مجال لإنعام النظر والتأمل، يظهر به الفرق جليا بين منهج أئمة الحديث ونقاده ومنهج الفقهاء والأصوليين الذي عرف فيما بعد بمنهج المتأخرين، لأن كثيرا من المشتغلين بالحديث من المتأخرين تأثروا به، إما كليا أو جزئيا، وطبقوه في تعاملهم مع الاختلاف.
وقد مضى الحديث مفصلا عن هذه القضية من حيث هي في الفصل الأول من هذا الباب، وأشير هنا إلى بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين المنهجين.
فمن ذلك الحديث الماضي في أول مبحثنا هذا، وهو حديث عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس في القراءة خلف الإمام.
تقدم هناك أن عددا كبيرا من النقاد تواردوا على تخطئة عبيدالله بن عمرو في ذكر أنس، فأيوب إنما يرويه عن أبي قلابة مرسلا، وسأل خالد الحذاء أبا قلابة عمن سمع منه هذا الحديث، فقال: محمد بن أبي عائشة، مولى لبني أمية … الخ.
وأما ابن حبان فأخرج الموصول بذكر أنس في مكانين، ثم قال في الموضع
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 202)
الثاني منهما: «سمع هذا الخبر أبو قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان محفوظان»(1).
وكذا صحح الإسناد الموصول بذكر أنس غير واحد من الباحثين.
ومن ذلك أيضا حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وأخرا … » الحديث، وقد مضى ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب.
وخالف محمد بن فضيل أصحاب الأعمش، فرووه عنه، عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وأخرا … ».
واجتمع في ترجيح كونه عن مجاهد مرسلا ما شئت من قرائن، الكثرة، والحفظ، والتقدم في الأعمش، وسلوك محمد بن فضيل جادة سهلة: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ولم يتردد النقاد في تخطئة محمد بن فضيل، كما تقدمت النقول عن ابن معين، وأبي حاتم، والدارقطني.
ومما لم يتقدم قول محمد بن عبدالله بن نمير: «حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في المواقيت خطأ، ليس له أصل»(2).
وقال البخاري: «حديث الأعمش، عن مجاهد، في المواقيت، أصح من--------------------------------------------
(1) «صحيح ابن حبان» حديث (1844)، (1852).
(2) «التمهيد» 8: 86.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 203)
حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل»(1).
وقال ابن عبدالبر: «هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر، لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد إلا محمد بن فضيل، وقد أنكروه عليه»(2).
هذا كلام أئمة النقد، وأما غيرهم فمما قالوه في حديث محمد بن فضيل قول ابن حزم مصححا لحديث أبي هريرة: «وما يضر إسناد من أسند إيقاف من وقف»(3).
وقال ابن القطان: «وعندي أنه لا بعد في أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد وغيره مثل الحديث المرفوع، وإنما الشأن في رافعه وهو محمد بن فضيل، وهو صدوق من أهل العلم، وقد وثقه ابن معين»(4).
وقال ابن الجوزي: «ابن فضيل ثقة، فيجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلا، وسمعه من أبي صالح مسندا»(5).
وقال أحمد شاكر متعقبا أئمة النقد: «هذا التعليل منهم خطأ، لأن محمد بن فضيل ثقة حافظ … ، والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية--------------------------------------------
(1) «سنن الترمذي» حديث (151).
(2) «التمهيد» 8: 86.
(3) «المحلى» 3: 221.
(4) «بيان الوهم والإيهام» 5: 439.
(5) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (358).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 204)
المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلا لها أصلا»(1).
ومما مضى أيضا حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة»، مضى في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وذكرت هناك أن الجماعة من أصحاب الزهري جعلوه عن الزهري مرسلا، ليس فيه سالم، ولا والده عبدالله بن عمر، وأن أئمة النقد تواردوا على ترجيح ذلك حتى قال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل أصح».
وحديث سفيان بن عيينة الموصول أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وعقد ابن حبان بابا للدفاع عن رواية سفيان، فقال: «ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر أخطأ فيه سفيان بن عيينة»، ثم ساق إسناده إلى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله: «أن عبدالله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، قال: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمشي بين يديها، وأبا بكر وعمر وعثمان، قال الزهري: وكذلك السنة»(2).
وهذا الدليل الذي استدل به ابن حبان، هو على الحقيقة كاشف لسبب وهم ابن عيينة، فإن قوله: «وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمشي … » الحديث من قول الزهري، كما تقدم شرحه هناك.--------------------------------------------
(1) حاشية أحمد شاكر على «سنن الترمذي» 1: 285.
(2) «صحيح ابن حبان» حديث (3045 - 3048).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 205)
وكذا صحح رواية سفيان جمع من الأئمة المتأخرين والباحثين، ونص بعضهم على أنها على شرط الشيخين، ومما قاله أحد المشايخ: «توهيم ابن عيينة في إسناد هذا الحديث مما لا وجه له عندي البتة، وهو من أعجب ما رأيت من التوهيم بدون حجة، بل خلافا للحجة … ».
ثم ساق عددا من المتابعات لابن عيينة، وهي إما دالة على وهم ابن عيينة، وإما أنها لا تصح، وقد تقدم نقد بعضها في مكان آخر من المبحث المشار إليه، حيث ذكرت الحديث فيه في مناسبتين.
ومما تقدم في المبحث المشار إليه أيضا ما رواه محمد بن سليمان المعروف بابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «مدمن خمر كعابد وثن».
وخالفه سليمان بن بلال، فرواه عن سهيل، عن محمد بن عبدالله، عن أبيه مرفوعا، ومحمد بن سليمان ضعيف، وسليمان بن بلال ثقة، وقد سلك محمد الجادة السهلة: سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، مما يدل على خطئه، وقد فعل هذا في غير ما حديث(1).
وقد رواه عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن عبدالله بن عمرو موقوفا(2).--------------------------------------------
(1) «التاريخ الكبير» 1: 99، 7: 37، و «علل ابن أبي حاتم» 1: 144.
(2) «السنة» للخلال حديث (1278)، (1317).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 206)
فاجتمع في هذا الحديث عدد من القرائن لترجيح قول سليمان بن بلال، ولهذا أنكره النقاد على ابن الأصبهاني، وتقدم النقل عن ابن عدي في هذا، وممن أنكره كذلك: البخاري(1).
وقال ابن حجر عن إسناد حديث أبي هريرة الذي خطأه الأئمة: «وإسناده جيد»(2).
* * *--------------------------------------------
(1) «التاريخ الكبير» 1: 129.
(2) «تخريج أحاديث الكشاف» حديث (477).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 207)
المبحث الرابع
تعارض القرائن
ذكرت في المبحث السابق أن تعاضد القرائن على ترجيح حفظ وجه واحد من الاختلاف، أو على ترجيح حفظ وجهين أو أكثر، أو ترجيح عدم حفظ شيء من الأوجه، يساعد الناظر كثيرا في الخلوص برأي في الاختلاف الذي ينظر فيه، وأشرت هناك إلى أن الاختلافات لو كانت كلها بهذه المثابة لكان الجميع أئمة نقد، وأعني بذلك من يسير على منهج النقاد وطريقتهم في النظر في الاختلاف.
وفي كلامي هذا تهيئة للاستعداد لما سيذكر في هذا المبحث، فقضية تعارض القرائن حين النظر في الاختلاف هي المحك بالنسبة للباحث، إذ عليه أن يدرك أن العلم -في أي فن- يتفاوت الناس فيه إذا وصلوا إلى دقيقه ومشكله، فيجمعهم مضمار واحد أولا قد يتفاوتون فيه أيضا، غير أن التفاوت الأبرز إذا وصلوا إلى مضمار آخر تتعارض فيه البينات، وربما تكافأت الأدلة.
والمتأمل فيما تقدم يراه موجودا في جميع جوانب حياة الإنسان، هكذا هو الحال لا خيار لنا فيه، فالقاضي -مثلا- يسهل عليه الحكم إذا تعاضدت البينات والقرائن، ويصعب عليه الحكم إذا تعارضت، وهكذا المستشار وصاحب القرار.
والناظر في مسألة من مسائل العلم إنما هو قاض في الحقيقة، قد يكون أمامه خصمان أو عدة خصوم، فيضطر للنظر في بيناتهم ودلائلهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 208)
وحين يواجه الباحث هذا الصنف من الأحاديث يستعين -بعد استعانته بالله سبحانه وتعالى بعدة أمور، يستعين بالجلد والمثابرة في البحث والتنقيب، وبالصبر والأناة وعدم الاستعجال، وقد يحتاج إلى المشورة والسؤال، وهذا كله بعد أن يكون قد استعد لذلك، وأكثر من التدرب والنظر في تصرفات النقاد وأحكامهم.
وغير خاف أن قضية التعارض في حد ذاتها أمر نسبي، فالتعارض ليس على درجة واحدة، فمنه ما لا يستطيع الناظر التخلص منه، ومنه ما يزول بعد النظر والتمحيص، والناظر يوجس خيفة من طريقته في إزالته والوصول إلى رأي راجح.
ولكي تتضح أهمية القضية، وأبعادها، وحضورها اللافت في أحاديث الاختلاف، سأكثر من الأمثلة التطبيقية وذكر القرائن المتعارضة، وأحكام النقاد حينئذ، مع الحرص على أن تكون هذه الأمثلة شاملة لأكبر قدر ممكن من القرائن التي تقدم ذكرها في الفصل الذي قبل هذا.
وسيتضح من هذه الأمثلة السبب المباشر لاختلاف النقاد، بل لاختلاف كلام الناقد الواحد، أو تردده في الترجيح، وأن مردَّ ذلك إلى تعارض القرائن، وربما جرت محاورات بين بعض النقاد، وكل يذكر ما يؤيد ما ذهب إليه، مطبقين مبدأ التنافس المرغوب فيه للوصول إلى الحقيقة، بعيدا عن الهوى والتعصب.
وأول ما أبدأ به من هذه الأمثلة ما يرجح فيه الناقد مع ذكره للقرينة المعارضة لترجيحه.
فمن ذلك أن الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، وغيرهما، رووا عن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 209)
الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل: رجل خرج غازيا في سبيل الله … » الحديث(1).
سئل أبو حاتم عن هذا الحديث، وذكر له رواية الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، فقال: «رواه الوليد وغيره عن الأوزاعي، عن سليمان، عن أبي أمامة موقوفا»، ثم قال أبو حاتم: «هقل أحفظ، والحديث موقوفا أشبه»(2).
وروى خالد بن الحارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب … » الحديث(3).
ورواه معتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب بالقصة مرسلة(4).
قال النسائي بعد أن أخرج الطريقين: «خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب»(5).--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (2494)، و «عمل اليوم والليلة» حديث (161)، و «الجهاد» حديث (51)، و «مسند الروياني» حديث (1265)، و «المعجم الكبير» حديث (4791).
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 309.
(3) «سنن أبي داود» حديث (1563)، و «سنن النسائي» حديث (2478).
(4) «سنن النسائي» حديث (2479).
(5) «سنن النسائي الكبرى» حديث (2271) طبعة مؤسسة الرسالة، و «تحفة الأشراف» 6: 309، وفي «السنن الصغرى» حديث (2478) جاءت العبارة ناقصة، ففيه: «خالد أثبت من المعتمر». وانظر مثالا آخر للنسائي في «السنن الكبرى» حديث (2538) طبعة مؤسسة الرسالة، و «تحفة الأشراف» 9: 440.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 210)
وكأن النسائي رجح المرسل لقوة القرينة المرجحة له، وهي ترك الجادة فإن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، سلسلة مشهورة جدا، فمن تركها وأرسل الحديث فقد حفظ.
وروى عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام ثلاثة أيام فقد صام الشهر»، ومنهم من يدخل بين أبي عثمان وبين أبي ذر رجلا(1).
ورواه ثابت البناني، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة(2).
قال أبو حاتم: «حديث أبي ذر أشبه، لأنه يروى هذا الكلام عن أبي ذر بإسناد آخر، وثابت أحفظ من عاصم»(3).
فثابت البناني أحفظ من عاصم، فهذه قرينة، ورجح أبو حاتم قول عاصم بقرينة أخرى، وهي أن الحديث معروف عن أبي ذر من غير هذا الطريق.
ووافقه الدارقطني فقال: «وحديث أبي ذر أشبه بالصواب»(4).--------------------------------------------
(1) «سنن الترمذي» حديث (762)، و «سنن النسائي» حديث (2408 - 2409)، و «سنن ابن ماجه» حديث (1708)، و «مسند أحمد» 5: 145.
(2) «سنن النسائي» حديث (2407)، و «مسند أحمد» 2: 263، 384، 513.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 237.
(4) «علل الدارقطني» 6: 285.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 211)
ثم بعد ذلك أمثلة فيها يتردد الناقد الواحد حين نظره في القرائن، فلا يجزم بشيء، أو يختلف رأيه في مكانين.
فمن ذلك حديث ابن مسعود في (الاستنجاء بالحجرين)، اختلف فيه اختلافا واسعا على أبي إسحاق السبيعي(1) ، قال الترمذي بعد أن ذكر بعض أوجه الاختلاف: «فسألت محمدا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح، ووضع حديث زهير في كتاب «الجامع»، »(2).
فالبخاري أولا لم يقض فيه بشيء، لاتساع الخلاف فيه عن أبي إسحاق، ثم ظهر له رجحان رواية زهير بن معاوية ومن تبعه، فأخرجها في «صحيحه»، هذا معنى كلام الترمذي.
وروى حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الوضوء(3).
ورواه حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس بن مالك.--------------------------------------------
(1) ينظر في هذا الحديث: «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزي حديث (124) بتحقيقي، ورسالة: «أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافا في كتابه العلل» لخالد باسمح حديث (58).
(2) «العلل الكبير» 1: 99 - 101، و «السنن» 1: 26، والحديث في «صحيح البخاري» حديث (156).
(3) «سنن أبي داود» حديث (134)، و «سنن الترمذي» حديث (37)، و «سنن ابن ماجه» حديث (444)، و «مسند أحمد» 5: 258، 264، 268.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 212)