والروايات الأخرى عن الأعمش أفادت حينئذ أي قولي الثوري هو الذي أصاب فيه، وأيهما الذي أخطأ فيه؟ فأفادتنا ما هو الراجح من المدار فما فوق، وأما قبل المدار فلم تتغير النتيجة.
والخلاصة أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة نظر في اختلاف في طبقة، وبين ما هو حاصل في الطبقات التي فوقه، وشرح ذلك لن أطيل به هنا، فهذا له فصل خاص به هو الفصل الرابع، وهو بعنوان (الاختلاف عن المدار والحكم النهائي) ، والمباحث في الفصل الذي نحن فيه الآن خاصة المبحثين الثاني، والثالث - هي في معرفة ما هو المحفوظ عن المدار الذي ينظر الباحث في الاختلاف عليه، غير أني استعجلت التنبيه على هذه القضية لأن لها مناسبة هنا، ولكثرة وقوع الخلط عند الباحثين حين يستعينون بالنظر في روايات الطبقات العليا.
وأكتفي هنا بعرض مثال يتضح به المقصود، وهو حديث اختلف فيه على الزهري وعلى من دونه، وأشهر الأوجه فيه وجهان، فرواه إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، وقال مرة: عن الزبيدي، كلاهما عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل … » الحديث(1).
ورواه مالك، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومعمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن مرسلا، ليس فيه أبو هريرة.--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (3522) ،و «سنن ابن ماجه» حديث (2359).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 132)
وقد توارد النقاد -محمد بن يحيى الذهلي، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعقيلي، والدارقطني- على ترجيح المرسل، وأن الموصول بذكر أبي هريرة غير محفوظ(1).
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، فتكلف جدا في تقوية الوجه الأول، لكنه رجح الوجه الثاني لأنه من رواية الحفاظ الكبار من أصحاب الزهري، ثم عاد فنقض هذا، وقال: «لكن يلاحظ أنه وجد متابع للزهري عليه (يعني الوجه الأول) بسند صحيح، وذلك فيما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»(2) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا … ، وعليه يمكن القول بالجمع بين الوجهين، ويكونان مسموعين عن الزهري … ».
كذا قال الباحث، وصنيعه هذا من أبعد ما يكون عن قواعد النقد، فالوجه الموصول ضعيف عن الزهري، لو صح الطريق إلى موسى بن عقبة، والزبيدي، فكيف والراوي عنهما إسماعيل بن عياش؟ ثم زاد الباحث الطين بلة، فاتكأ على رواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة لترجيح حفظ الموصول عن الزهري، ولا يصح هذا أبدا، فلا تنفع رواية عمر بن عبدالعزيز لانتشال ما هو ضعيف جدا عند الزهري، بل قد تزيده ضعفا، لأن الحديث إذا عرف واشتهر من رواية شخص،--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (3520 - 3522) ، و «المنتقى» حديث (633) ، و «علل ابن أبي حاتم» 1: 383، 388، و «الضعفاء الكبير» 1: 89، و «سنن الدارقطني» 3: 29، 109.
(2) «صحيح البخاري» حديث (2420)، و «صحيح مسلم» (1559).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 133)
ثم نقله من لا يعتمد عليه إلى راو آخر مشهور دل على ضعف روايته، كما تقدم شرحه في المبحث الذي قبل هذا.
وكان ينبغي للباحث حين فرغ من النظر في الوجهين عن الزهري، ورجح المرسل، أن يتوقف عند هذا بالنسبة لرواية الزهري، ثم ينشئ نظرا آخر في الاختلاف على المدار الأعلى وهو أبو بكر بن عبدالرحمن، والنظر يكون بين رواية الزهري المرسلة، ورواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة، كما سيأتي شرح ذلك في الفصل المشار إليه آنفا.
وهذا كله لو كان الحديثان متفقين في المعنى، وليس كذلك، فإن في رواية الزهري زيادة تفصيل ليس في رواية عمر بن عبدالعزيز.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 134)
الفصل الثالث
مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف
وفيه مباحث:
المبحث الأول: الترجيح بالقدر المشترك.
المبحث الثاني: الطرق إلى رواة الأوجه.
المبحث الثالث: تعاضد القرائن.
المبحث الرابع: تعارض القرائن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 135)
المبحث الأول
الترجيح بالقدر المشترك
القدر المشترك هو الصفة التي يجتمع عليها وجهان أو أكثر في مقابل وجه واحد من أوجه الاختلاف، بين الأوجه المجتمعة في هذه الصفة اختلاف في جهة أخرى، أو في أكثر من جهة.
وصور القدر المشترك كثيرة جدا، فمن ذلك أن يأتي عن الراوي وجه بوصل الحديث بذكر صحابيه، ووجه آخر بإرسال الحديث بإسقاط الصحابي، ووجه ثالث بالإرسال كذلك لكن مع إبدال التابعي بتابعي آخر، فالوجهان الأخيران بينهما اختلاف في تسمية التابعي، لكنهما يتفقان في إرسال الحديث في مقابل الوجه الأول الموصول.
ومن صوره أيضا أن يأتي وجه عن المدار بوقف الحديث، ووجه آخر برفعه موصولا، ووجه ثالث برفعه مرسلا ليس فيه الصحابي، فبين الوجهين الأخيرين قد مشترك وهو الرفع في مقابل الوجه الموقوف.
ومن أمثلة ذلك ما رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي هريرة، قصة محاورة عمر لأبي بكر في قتال المرتدين(1).--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (1556)، و «مسند أحمد» 1: 47.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 137)
ورواه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة مرسلا ليس فيه أبو هريرة(1).
ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس(2).
فبين الوجهين الأولين قدر مشترك وهو أن الحديث ليس مخرجه أنس بن مالك وإنما هو عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، إما موصولا بذكر أبي هريرة، أو مرسلا بإسقاطه، في مقابل الوجه الثالث وهو جعله عن أنس بن مالك.
وروى حماد بن يحيى الأبح، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن، لا تأكلوا به، ولا تستأثروا به، ولا تحفوا عنه، ولا تغلوا فيه»(3).
وهذا الحديث جزء من حديث تضمن عدة جمل، وقد رواه كاملا أو بالاقتصار على بعضه جماعة من أصحاب يحيى بن أبي كثير، منهم هشام الدستوائي، وأبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، ومعمر، وهمام بن يحيى، وغيرهم، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبدالرحمن بن شبل مرفوعا، لكنهم اختلفوا على يحيى، بل بعضهم عليه اختلاف، فمنهم من يسقط زيدا، ومنهم من يسقط أبا سلام، ومنهم من--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 1: 35، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (1002).
(2) «سنن النسائي» حديث (3094)، (3969).
(3) «مسند البزار» حديث (1044).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 138)
يسقطهما جميعا، ومنهم من يسقط أبا راشد الحبراني، ومنهم من يسقط أبا سلام، وأبا راشد(1).
فهذه أوجه مختلفة عن يحيى بن أبي كثير، لكن يجمعها قدر مشترك وهو هذا الإسناد كيفما تصرف، في مقابل الوجه الأول: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه.
ومن تطبيقات النقاد في استخدام القدر المشترك في الترجيح أن همام بن يحيى روى عن قتادة، عن شريك بن خليفة، قال: سألت عبدالله بن عمرو: آكل وأنا جنب؟ قال: «توضأ وضوءك للصلاة ثم كل».
ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة مثله، غير أنه سمى صحابيه: عبدالله بن عمر.
ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله بن عمرو.
قال عفان بن مسلم: «قلت ليحيى (يعني ابن سعيد القطان): أخطأ هشام، وسعيد، وأصاب همام، قال: كيف يا مجنون؟ قلت: وافق سعيد هماما على عبدالله بن عمرو، ووافق هشام هماما على شريك»(2).--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 3: 428، 444، و «الأدب المفرد» حديث (992)، و «تهذيب الآثار» 3: 50 حديث (99)، و «المعجم الأوسط» حديث (2574).
(2) «العلل ومعرفة الرجال» 1: 265، وانظر: «مسائل حرب» ص 457 - 458، و «التاريخ الكبير» 4: 238، و «الأوسط» لابن المنذر 2: 92.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 139)
ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الأول من الباب الثالث، وهو ما رواه شيبان بن عبدالرحمن، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين».
ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وزاد فيه ذكر المسح على العمامة.
ولما أخرج البخاري طريق الأوزاعي هذا علق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أمية بالزيادة المذكورة فجعله متابعا للأوزاعي بذكرها مع أن رواية معمر هذه تخالف رواية الجماعة ومنهم الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو بن أمية من الإسناد.
وروى محمد بن مسلم الطائفي، وعيسى بن ميمون بن داية المكي، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة»(1).
قال البخاري في نقد هذه الرواية بعد أن رواه مختصرا عن يَسَرة بن صفوان--------------------------------------------
(1) رواية محمد بن مسلم في «سنن ابن ماجه» حديث (1794) ، و «مسند أحمد» 3: 94، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (2304 - 2305) ، و «سنن الدارقطني» 2: 94، و «سنن البيهقي» 4: 128، وفي رواية الدارقطني قرن أبا سعيد الخدري بجابر بن عبدالله، وهو أيضا رواية عند ابن خزيمة، ورواية عيسى بن داية في «مسند الطيالسي» حديث (1808).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 140)
الدمشقي، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر، وأبي سعيد: «وقال لنا آدم: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن عمرو بن دينار، عن جابر قوله، وقال لي يحيى بن موسى: حدثنا عبدالرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عمرو، قال: سمعت عن جابر بن عبدالله، وعن غير واحد مثله، وهذا أصح، مرسل»(1).
فجمع البخاري بين روايتين متفقتين على وقف الحديث على جابر، فهذا قدر مشترك بينهما، ومختلفتين في وصل الحديث، أو إرساله بين عمرو بن دينار وجابر، وما اتفقا فيه كان دليلا على ضعف رواية محمد بن مسلم الطائفي في جعله عن جابر مرفوعا.
وروى عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: أجل إنه لذو المعارج، وما كنا نقول هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
سئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: «هكذا رواه عمرو بن خالد، وإنما هو كما رواه الثوري، وجرير، ويحيى بن سعيد القطان، وحاتم، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، عن ابن عجلان، عن عبدالله بن أبي سلمة -زاد الدراوردي: عن عامر بن سعد- عن سعد»(2).--------------------------------------------
(1) «التاريخ الكبير» 1: 223، ورواية عبدالرزاق، عن ابن جريج هي في «المصنف» حديث (7250)، ومن طريق عبدالرزاق أخرجه ابن خزيمة حديث (2306).
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 296. وانظر: «مسند أحمد» 1: 72، و «مسند البزار» حديث (1244)، وشرح معاني الآثار» 2: 125، و «سنن البيهقي» 5: 45.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 141)
فعبدالعزيز الدراوردي في هذا الحديث له وجه مستقل، حيث زاد في الإسناد عامر بن سعد، فالإسناد حينئذ متصل لو صحت هذه الزيادة، لكنها لا تصح، ومع هذا جمعه أبو زرعة مع الأكثرين لاشتراكه معهم في تسمية شيخ ابن عجلان: عبدالله بن أبي سلمة.
وروى عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن جندب بن سفيان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أفضل الصلاة بعد المفروضة: الصلاة في جوف الليل، وإن أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم»(1).
قال أبو حاتم: «أخطأ فيه عبيدالله، الصواب ما رواه زائدة وغيره عن عبدالملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يرسله يقول: حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم»(2).
فجمع أبو حاتم بين الوجهين الموصول والمرسل لاشتراكهما في جعل الحديث عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، في مقابل كونه عن جندب بن سفيان.
وروى صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،--------------------------------------------
(1) «سنن البيهقي» 4: 291، و «إتحاف المهرة» 4: 90.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 254، 260. وانظر: «صحيح مسلم» حديث (1163)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (2906 - 2905)، و «سنن ابن ماجه» حديث (1742)، و «مسند أحمد» 2: 303، 329، 342، 335، و «مسند أبي يعلى» حديث (6392).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 142)
وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي البيت: العتيق لأنه أعتق من الجبابرة».
سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، رواه معمر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير موقوفا، ورواه الليث، عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم»، ثم قال أبو حاتم: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا»(1).
فاستدل أبو حاتم برواية معمر، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، في جعلهما الحديث عن عبدالله بن الزبير، على خطأ صالح بن أبي الأخضر، مع كونهما قد اختلفا في رفع الحديث ووقفه.
وروى جماعة كثيرون من أصحاب الزهري وفيهم حفاظ ثقات من كبار أصحابه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر في شأن الميراث.
ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد، عن الزهري،--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 274. وقد جاء عن معمر بإسقاط محمد بن عروة من الإسناد، وجاء الحديث أيضا عن الزهري على وجه رابع، وهو إرسال الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، انظر في طرق هذا الحديث في: «سنن الترمذي» حديث (3170)، و «التاريخ الكبير» 1: 201، و «مسند البزار» حديث (2215)، و «تفسير ابن جرير» 17: 110، 111، و «علل ابن أبي حاتم» (المناسك)، تحقيق تركي الغميز مسألة (24).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 143)
عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة، ورواه ابن عيينة في إحدى روايتيه عن الزهري، عن رجل، عن قبيصة.
قال الدارقطني عن رواية سفيان: «فقوى هذا قول مالك، وأبي أويس، ويشبه أن يكون الصواب ما قال مالك، وأبو أويس، وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عنه»(1).
فجمع الدارقطني بين من سمى الواسطة ومن لم يسمه، وجعله دليلا على أن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وليس مراده تخطئة من رواه بإسقاط الواسطة فهم جماعة كثيرون يبعد خطؤهم، والاختلاف من الزهري نفسه(2).
ومن دقيق استخدام الترجيح بالقدر المشترك بين رواة عن شيخ لهم أن يختلفوا عليه في جهتين من الحديث، إسنادا أو متنا، فيتم الترجيح بالقدر المشترك في الجهتين، إذ المخطئ في جهة قد أصاب في الجهة الأخرى، وهذا أيضا كثير في الأحاديث وفي استخدام النقاد.
ومن ذلك أن همام بن يحيى، وحجاجا الأحول، رويا عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر--------------------------------------------
(1) «علل الدارقطني» 1: 249. وقد تقدم تخريج هذا الحديث في «الاتصال والانقطاع»
ص 285.
(2) وانظر أمثلة أخرى في الترجيح بالقدر المشترك: «سنن أبي داود» حديث (394) ، و «علل ابن أبي حاتم» (260) ، (581)، (642) ، (669)، (788)، (851)، (869)، (1356)، (1430)، (2239)، و «الضعفاء الكبير» 1: 72.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
فليتصدق بدينار»(1).
ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب مرفوعا بلفظ: «من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم، أو نصف درهم، أو مد حنطة، أو نصف مد»، إلا أن سعيدا في أحد الطرق إليه لم يذكر سمرة(2).
ورواه أيوب بن مسكين، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة مرسلا، بنحو لفظ سعيد بن بشير(3).
ورواه خالد بن قيس الحداني، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، بنحو رواية همام بن يحيى، وحجاج الأحول(4).
فاستخدم أبو داود في سننه القدر المشترك بين رواية أصحاب قتادة هؤلاء، فجعل رواية خالد بن قيس مؤيدة لرواية همام، وحجاج، من جهة اللفظ، وإن كان خالفهما في الإسناد بذكر الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة، وفي مقابلهما رواية سعيد بن بشير، وأيوب بن مسكين، وبينهما اختلاف في ذكر سمرة، فذكره سعيد، ولم يذكره أيوب.--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (1053) ، و «سنن النسائي» حديث (1371) ، و «مسند أحمد» 5: 8، 14، و «التاريخ الكبير» 4: 176.
(2) «مسائل أبي داود» ص 395، و «المستدرك» 1: 280، و «سنن البيهقي» 3: 248.
(3) «سنن أبي داود» حديث (1054).
(4) «سنن النسائي» حديث (1371 م) و «سنن النسائي الكبرى» حديث (1662) ، و «سنن ابن ماجه» حديث (1128).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
وجعل رواية سعيد بن بشير عاضدة لرواية همام بن يحيى، وحجاج الأحول، بذكر سمرة في الإسناد، مع اختلافهما في المتن، في مقابل رواية أيوب بن مسكين بإسقاط سمرة، ورواية الأربعة هؤلاء متعاضدة على خطأ خالد بن قيس في ذكره الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة، مع أن أيوب من بينهم لم يذكر سمرة.
وفي حال استخدام الناظر في الاختلاف للقدر المشترك في الترجيح، يلزمه بعد الفراغ منه أن يعود إلى الأوجه على المدار التي جمعها القدر المشترك، فيوازن بينها، إذ هي في الحقيقة لم تتفق في كل شيء، وإنما اتفقت في هذا القدر المشترك.
ففي أول مثال تقدم معنا هنا، هناك وجهان جمعهما قدر مشترك، وهو جعل الحديث عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة موصولا بذكر أبي هريرة أو مرسلا، في مقابل الوجه الثالث: الزهري، عن أنس بن مالك، فالوجهان الأولان بعد استخدامهما في جعل الوجه الثالث مرجوحا، يلزم النظر بينهما لمعرفة المحفوظ عن معمر منهما.
ومثله المثال الثاني، اجتمع عدد من الأوجه عن يحيى بن أبي كثير، بينها قدر مشترك أمكن استخدامه للحكم بتضعيف من جعل الحديث عنه، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه، وبعد ذلك لا بد من النظر في الأوجه الأولى لمعرفة المحفوظ منها عن يحيى، وهكذا.
والنظر في الأوجه التي وجد بينها قدر مشترك بعد الاستعانة بها كثير في عمل النقاد، ومنه ما تقدم آنفا من صنيع البخاري في حديث جابر مرفوعا:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
«لا صدقة فيما دون خمسة أوسق … »، فإن البخاري بعد أن استفاد من القدر المشترك بين وجهين موقوفين أحدهما فيه إرسال، إلى الترجيح بين هذين الوجهين، فرجح المرسل، فترجح في النهاية واحد وهو الموقوف على جابر، وهو أيضا مرسل بين عمرو دينار، وجابر.
وكذلك فعل أبو حاتم في حديث أبي هريرة مرفوعا: «إنما سمي البيت: العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة»، استخدم القدر المشترك بين وجهين، في مقابل وجه ثالث، ثم عاد إلى ترجيح أحد الوجهين اللذين جمعهما القدر المشترك، وهو الوجه الموقوف.
ومن ذلك أيضا أن سعد بن الصلت روى عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سمع رجلا ينشد ناقة في المسجد، فقال: لا وجدتها».
ورواه حفص بن غياث، وعباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي سعيد الأعسم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، إلا أن عبادا لم يذكر سعد بن أبي وقاص.
ذكر أبو حاتم خطأ رواية سعد بن الصلت، والصواب ما رواه حفص، وعباد، ثم عاد أبو حاتم إلى الموازنة بين روايتيهما، فقال: «والصحيح عندنا -والله أعلم-: عن حجاج، عن أبي سعيد الأعسم، عن مصعب، عن سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم»(1).--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 96، وفيه بعد ذلك: «كذا وجدت في كتابي: عن سعيد»، والمقصود أنه
ذكره كما في كتابه، والصواب: عن سعد، وانظر أمثلة أخرى للعودة إلى النظر بين أوجه مختلفة جمعها قدر مشترك في: «العلل الكبير» 1: 530، و «علل ابن أبي حاتم» (300)، (580 - 581).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
والقدر المشترك يستعان به أيضا في حال وجوده بين بعض الروايات عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه.
مثال ذلك أن خلاد بن يحيى روى عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث، عن عمر بن الخطاب مرفوعا: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا»(1).
ورواه غير خلاد، عن سفيان الثوري موقوفا، وكذا رواه أبو معاوية، ويحيى القطان، وغيرهما، عن إسماعيل بن أبي خالد(2).
وقد رواه عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد، عن عمر موقوفا كذلك(3).
فرواية عبدالملك بن عمير هذه تشترك مع رواية إسماعيل بن أبي خالد في وقف الحديث، وتكون دليلا على خطأ خلاد بن يحيى، وإن كان فيها مخالفة لرواية إسماعيل من جهة زيادة سعيد بن زيد في الإسناد(4).--------------------------------------------
(1) «مسند البزار» حديث (247) ، و «تهذيب الآثار» (مسند عمر) حديث (16) 2: 616، و «شرح معاني الآثار» 4: 295.
(2) «مصنف ابن أبي شيبة» 8: 533 حديث (6140) ، و «مسند البزار» حديث (247) ، و «تهذيب الآثار» (مسند عمر) حديث (908) 2: 617، و «علل الدارقطني» 2: 189.
(3) «التاريخ الكبير» 6: 18.
(4) وانظر مثالا آخر في «علل ابن أبي حاتم» (682).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
وقد يوجد القدر المشترك بين بعض الأوجه عن المدار، ويعضدها كذلك وجوده بينها وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه.
ومثاله أن محمد بن جعفر المعروف بغندر، وأبا الوليد الطيالسي، وأبا داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم، رووا عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه، فإن لم يجد تمرا فليفطر على الماء، فإن الماء طهور»، إلا أن أبا داود الطيالسي في إحدى الروايتين عنه ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان بن عامر، وكذا علق البيهقي بصيغة التمريض عن روح بن عبادة أنه رواه كذلك عن شعبة(1).
ورواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك(2).
ورجح النقاد رواية الجماعة من أصحاب شعبة(3) فإنهم -على اختلافهم في ذكر الرباب وحذفها- قد اتفقوا على خلاف رواية سعيد بن عامر هذه، فالخطأ منه(4).--------------------------------------------
(1) «سنن النسائي الكبرى» حديث (6710)، و «مسند أحمد» 4: 18، و «مسند الطيالسي» حديث (1278)، و «المعجم الكبير» حديث (6197)، و «الكامل» 5: 1876، و «سنن البيهقي» 4: 239.
(2) «سنن الترمذي» حديث (694)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (3317)، و «المستدرك»
1: 431.
(3) «سنن الترمذي» حديث (694)، و «العلل الكبير» 1: 335، و «سنن البيهقي» 4: 239.
(4) وهذه طريقة البخاري، والترمذي والبيهقي، يرون أن الوهم من سعيد بن عامر، ويظهر من
صنيع النسائي أنه يرى الوهم من الراوي عن سعيد، وهو محمد بن عمر المقدمي، انظر: «سنن النسائي الكبرى» حديث (3316 - 3317). والظاهر أن ما ذهب إليه الأولون هو الأصوب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
ومما يستعان به في تأييد هذا الترجيح أن رواة كثيرين، منهم الثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وأبو معاوية، وعبدالواحد بن زياد، وحماد بن سلمة، قد تابعوا شعبة على الوجه الأول، فرووه عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، إلا أنهم زادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وأرسله حماد بن سلمة، فجعله عن الرباب بقصة سلمان بن عامر(1)، وكذلك رواه ابن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، وفي رواية عنه لم يذكر الرباب، وكذلك روي عن خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان، ليس فيه الرباب(2).
أمكن هذا هنا مع أن رواية الجماعة عن عاصم الأحول فيها زيادة الرباب بنت صليع في الإسناد، خلافا للمشهور عن شعبة، وكذلك رواية ابن عون وهشام بن حسان فيها زيادة ذكر الرباب، وفيها أيضا اختلاف قوي على هشام--------------------------------------------
(1) «سنن أبي داود» حديث (2355)، و «سنن الترمذي» حديث (658 - 659)، (695)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (3314 - 3316)، (3319 - 3320)، (6707)، و «سنن ابن ماجه» حديث (1699)، و «مسند أحمد» 4: 17 - 18، و «سنن الدارمي» حديث (1653) و «علل ابن أبي حاتم» 1: 237.
(2) «سنن النسائي الكبرى» حديث (3314) ، (3316)، (3321 - 3326)، و «مسند أحمد»
4: 18.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
بن حسان في رفع الحديث ووقفه.
فدلت هذه الروايات في الطبقات العليا على أن الحديث في الجملة معروف عن عاصم الأحول، ومعروف كذلك عن حفصة بنت سيرين، وأما جعله عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس فلا متابع له عن عبدالعزيز ولا عن أنس، على أي صفة كان، وقد أشار إلى هذا الترمذي في نقده فقال بعد أن أخرجه: «وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس».
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
المبحث الثاني
الطرق إلى رواة الأوجه
الناظر في الحديث إذا فرغ من دراسة إسناده الأصل، ثم قام بجمع الطرق، ونظر فيها، فوجد فيها مخالفة لإسناده الأصل، أو وجد بينها اختلافا على المدار، وجب عليه أن يقوم بدراسة هذه الطرق الجديدة إلى المدار، كما قام بدارسة الإسناد الأصل سواء بسواء، فينظر في درجة كل راو من حيث الإجمال، ودرجته في شيخه الذي فوقه إن أمكن، وما في كل راو من جوانب القوة والضعف، ويتأكد من عدم وقوع تحريف في الإسناد، وينظر كذلك في اتصال الإسناد وانقطاعه، وما يتضمن ذلك من التدليس والإرسال الخفي والجلي، ويعد كل واحد من هذه الأسانيد كأنه إسناده الأصل.
وبيان ذلك أن وصف الإسناد الأول الذي بين يدي الباحث بالإسناد الأصل ليس وصفا للإسناد نفسه من حيث هو إسناد، وإنما ذلك بالنسبة لهذا الباحث المعين فقد يكون فرض عليه لكونه يحقق كتابا، أو يقوم بدراسة أحاديث كتاب معين، ونحو ذلك، أو يكون هو اختاره لكونه الأعلى أو الأقرب إلى اللفظ الذي يخرجه، فالإسناد الأصل مع باحث هو مع باحث آخر إسناد فرع.
ثم يقوم الناظر في الحديث بعمل آخر وهو النظر في الطرق التي جمعها ووجد بينها اختلافا على المدار، هل وقع على واحد من رواتها اختلاف؟ فإن وجد اختلافا على واحد من رواتها أصبح عنده الآن اختلاف نازل له مدار، ويسمى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)