وروى عبيدة الضبي هذا الحديث عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذو الغرة لا يدرى من هو؟ وحديث الأعمش أصح»(1).
فذكر الترمذي اختلافا على عبدالله بن عبدالله الرازي في تسمية صحابي الحديث، بين الأعمش، وحجاج بن أرطاة، وعبيدة الضبي، وذكر أيضا اختلافا على الحجاج بن أرطاة في تسمية شيخه، فقيل عنه عن عبدالله بن عبدالله، وقيل عنه عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
فإذا جعلنا المدار عبدالله بن عبدالله لم ينتظم هذا أحد الوجهين عن الحجاج، فأحد الوجهين فيه تسمية شيخه عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، ولو جعلنا المدار الحجاج بن أرطاة لم ينتظم هذا الاختلاف الأكبر على عبدالله بن عبدالله في تسمية الصحابي، والمخرج من هذا كله أن نجعل للاختلاف مدارين، فنقول: هذا الحديث يرويه الحجاج بن أرطاة، وعبدالله بن عبدالله، وقد اختلف على كل منها، أما الحجاج فاختلف عنه على وجهين، ثم يذكران ويخرجان، ثم عبدالله بن عبدالله كذلك، ويكون أحد الأوجه على عبدالله قد تقدم في الاختلاف على الحجاج فيذكر ولا يعاد تخريجه(2).
وتمر بالباحث حالات يكون الاختيار له فيها في رفع المدار، أو اعتماد مدارين، حسب منهجه الذي التزمه في بحثه في مثل هذه الحالات، منها أن يذكر--------------------------------------------
(1) «العلل الكبير» 1: 151.
(2) وانظر مثالا آخر في «الضعفاء الكبير» 1: 110.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 274)
الناقد اختلافا على مدار، ثم يذكر اختلافا آخر مغايرا له على مدار أعلى منه، ولكن يمكن إدراج أحد الاختلافين في الآخر، ويعقد الاختلاف على المدار الأعلى، كما يمكن فصلهما.
مثال ذلك قول البزار: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد: «أنه صلى، فنهض في الركعتين، فسبح الناس به، فمضى في صلاته ولم يجلس، ثم قال حين انصرف: أتروني كنت أجلس؟ إنما صنعت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع»، وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفا، ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة»(1).
فقد ذكر البزار أولا الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد في رفع الحديث ووقفه، ثم ذكر الاختلاف على قيس بن أبي حازم في جعله عن سعد بن أبي وقاص، أو المغيرة بن شعبة.
فالباحث يمكنه في هذا النص أن يرفع المدار إلى قيس، ويجعل الاختلاف عليه على ثلاثة أوجه، قيس، عن سعد مرفوعا، وقيس، عن سعد موقوفا، وقيس، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا.
ويمكنه أيضا -في حال رفعه للمدار- أن يجعل الاختلاف على وجهين: قيس، عن سعد بن أبي وقاص، وقيس، عن المغيرة بن شعبة، وفي الوجه الأول--------------------------------------------
(1) «مسند البزار» حديث (1217).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 275)
منهما يتعرض للاختلاف الواقع فيه على إسماعيل بن أبي خالد رفعا ووقفا، ويعالجه، وذلك في حال احتياجه إلى ذلك للترجيح، أو يؤخر النظر فيه بعد الفراغ من دراسة الاختلاف الأعلى، وذلك في حال كون الحديث عن سعد هو الراجح.
وللباحث أن يعتمد مدارين، فيعقد أولا اختلافا على إسماعيل بن أبي خالد، في رفع الحديث ووقفه، ثم يعقد اختلافا على قيس في إبدال الصحابي، ويوزع التخريج عليهما، ويعالجهما واحدا بعد الآخر.
وغير خاف أن الأمور التي تحدثت عنها هنا في هذا الباب -مثل تحديد المدار، واستيفاء الأوجه عنه، ورفع المدار والقضايا المتعلقة به- لا تؤخذ بالدراسة النظرية فقط، فعمدتها التطبيق العملي، والممارسة الطويلة، ويواجه الباحث من القضايا في حديث غير ما واجهه في الحديث الذي قبله.
وأيضا فدراستها النظرية مستوفاة لا يتسع لها المقام هنا، فهناك أمور أخرى كثيرة، تتعلق بتنظيم وترتيب وتخريج الاختلاف، وكذلك دراسته، أسأل الله تعالى أن ييسر لي كتابة دراسة مستقلة لاحقة، أشرح فيها تنوع النص الذي أمام الباحث، والخيارات التي يمكن للباحث أن يسلكها في تخريج كل نوع، ودراسته، موضحا طرق الباحثين في التخريج والدراسة، وما هو الأنسب منها لكل نوع؟ وكذلك قضايا المدار، ودرجاته، وكيفية التعامل مع كل درجة في التخريج والدراسة، والسبل المتوافرة لاختصار التخريج، ودمج بعض الأوجه ببعضها الآخر، وغير ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 276)
وقد ألجأتني الضرورة للحديث في هذا المبحث عن قضايا المدار، للحاجة إليها في شرح قضية المبحث الأساس، وهي أن الباحث إذا كان قصده وفي منهجه أن يصدر حكما على الحديث كله، ولا يكتفي بنتيجة النظر في الاختلاف الذي استقر على مدار فيه، فإنه يلزمه أن ينظر في الإسناد، ابتداء من المدار نفسه، فمن فوقه، من جهة درجات الرواة، وسماع بعضهم من بعض، ومن جهة النظر في الطرق الأخرى الموازية للمدار، ومن فوقه، إلى صحابي الحديث، هل فيها مخالفة للنتيجة التي انتهى إليها النظر في الاختلاف عن المدار أو لا؟ وإن كان هناك مخالفة أنشأ الباحث نظرا في اختلاف جديد، وهكذا أبدا حتى يصل إلى الصحابي، ولا يستثنى من ذلك شيء، اللهم إلا في حال كون الاختلاف الذي فرغ منه كان مداره الصحابي نفسه، كأن يختلف عليه في الرفع والوقف، أو يكون الاختلاف في متن الحديث، ففي هذه الحالة لم يبق إسناد ينظر فيه، ولا طرق أخرى للحديث.
وتحت الجملة السابقة تفاصيل، وقضايا فرعية مهمة، وقد رأيت أن أقسم الحديث عنها بحسب النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف على مداره الأساس، وهي في -الجملة- لا تخلو من ثلاثة أحوال، سأتناول كل حال منها في مبحث خاص.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 277)
المبحث الثاني
الوجه الراجح والوجه المرجوح
يمكن القول إن هذا هو الغالب في الاختلافات، يترجح وجه واحد، ويسقط ما عداه من الأوجه، وملاحظة هذا في كتب النقد أمر سهل، فالأقل فيها يذهب الناقد إلى صحة وجهين أو أكثر عن المدار، أو يضعفها جميعا عن المدار.
فإذا وقع هذا للباحث، وترجح عنده أحد الأوجه فعليه أن يحسن التعامل مع الوجه المرجوح، ومع الوجه الراجح.
أما الوجه المرجوح فالحديث عنه يتضمن عددا من الأمور، تعين على حسن التعامل مع هذا الوجه، وهي:
1 - إذا اعتمد الباحث كون هذا الوجه مرجوحا ضم هذه النتيجة إلى النقد الذي حرره في إسناد هذا الوجه إلى المدار، من حيث عدالة رواته وضبطهم وسماع بعضهم من بعض، وهي الشروط الثلاثة من شروط صحة الحديث، فإذا كان هناك خلل في هذه الشروط أو في بعضها ضم إليه كون الوجه لم يصح عن المدار أصلا، فقد خولف راويه، وترجح قول مخالفه، فلم يتحقق شرط عدم العلة، وصار معلولا، وازداد بذلك ضعفا، اللهم إلا إذا كان الأصل منكرا، ثم رفعت العلة شيئا من نكارته، فمن هذه الجهة اكتسب قوة مع بقاء ضعفه، على ما تقدم شرحه في الفصل الأول من الباب الثاني.
وأمثلة نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار، وبالمخالفة، كثيرة جدا، تقدم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 278)
شيء منها في الفصول السابقة، فقد يكون الترجيح مبنيا على حال رواة الوجه الراجح ورواة الوجه المرجوح.
ومن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي يرويه محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث، فمحمد بن فضيل ثقة معروف، ولكن في روايته عن الأعمش كلام يسير، وبعد النظر في الطرق الأخرى تبين أنه قد غلط على الأعمش، وأن الأعمش لا يرويه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وإنما يرويه عن مجاهد مرسلا، قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث، هكذا رواه الجماعة من أصحاب الأعمش.
فنقول عن إسناد حديث أبي هريرة: فيه محمد بن فضيل، وفي روايته عن الأعمش كلام يسير لبعض النقاد، وقد خالفه الجماعة من أصحاب الأعمش، فحديثه معلول.
ومثاله أيضا ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه بقية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجم وهو صائم».
فقالا: هو سعيد بن عبدالجبار، عن أبي جزي، عن هشام، والحديث حديث هشام، عن أبيه: «أنه كان يحتجم وهو صائم»، وأبو جزي ضعيف الحديث»(1).--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 252، وحديث هشام ، عن أبيه من فعله أخرجه ابن أبي شيبة 3: 53، عن عبيدالله بن موسى، وأبي أسامة، عن هشام بن عروة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 279)
فنلاحظ أن أبا حاتم، وأبا زرعة، نقدا إسناد حديث عائشة بتدليس بقية بن الوليد، فقد ارتكب هنا تدليس التسوية، فأسقط شيخ شيخه أبا جزي نصر بن طريف، ودلس أيضا تدليس الشيوخ، فسعيد بن أبي سعيد هو سعيد بن عبدالجبار، وهو مشهور بالضعف، وذكرا أن نصر بن طريف ضعيف الحديث، ومرادهما الضعف المطلق، وإلا فهو دون ذلك، فقد رمي بوضع الحديث، وقد قال فيه أبو حاتم مرة: «متروك الحديث»(1).
فهذا النقد في الإسناد نفسه إلى هشام بن عروة، ونقداه أيضا بأن الصواب عن هشام، عن أبيه من فعله، ليس فيه عائشة، ولا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا نقد بالمخالفة(2).
وإن لم يكن هناك خلل في الشروط الثلاثة الأولى، فالرواة إلى المدار عدول ضابطون، والإسناد متصل، ثم تبين بعد جمع الطرق أن أحد رواة الإسناد قد خولف في الرواية عن شيخه، وبعد النظر في الاختلاف ترجح ما رواه الغير، وصار ما رواه مرجوحا، فيكون حينئذ قد اختل شرط عدم العلة، وضعف الإسناد من هذه الجهة، وصار معلولا، فيقول الباحث في نقده: إسناد الحديث إلى فلان رواته ثقات، وهو متصل، ولكن خولف فلان، ثم يذكر المخالفة، وأن الإسناد معلول.--------------------------------------------
(1) «الجرح والتعديل» 8: 468.
(2) وانظر أمثلة أخرى في «العلل الكبير» 1: 148 ، 219، 220، 240، 279، 308، و «علل ابن أبي حاتم» (7) ، (98) ، (707) ، (906) ، (1309).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 280)
ومثاله الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة».
فسفيان بن عيينة من كبار أصحاب الزهري، والرواة عن سفيان ثقات، ولكن بعد جمع الطرق تبين أن سفيان خولف في هذا الحديث، خالفه الجماعة، فرووه عن الزهري مرسلا، فصار حديث ابن عمر معلولا، وعلته أن الصواب فيه الإرسال.
وهكذا لو كان الوجه الراجح والوجه المرجوح تامين، كأن يكون الاختلاف في تسمية الصحابي، فالوجه الراجح يكون علة مؤثرة للوجه المرجوح، ويصير الوجه المرجوح معلولا، فلا يصح الحديث إلا عن أحد الصحابيين.
أما إذا كان الوجه الراجح هو التام، والوجه المرجوح هو الناقص، كأن يترجح الرفع على الوقف، أو الوصل على الإرسال، فيبقى الوجه التام على تمامه، ولا يؤثر فيه وجود الناقص، ويقال في مثل هذا الإسناد: له علة، لكنها غير مؤثرة.
ومثاله الحديث الماضي أيضا في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا، ثم تمضمض، وقال: إن له دسما»، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وبلفظ الأمر بدون قصة(1).--------------------------------------------
(1) «مصنف ابن أبي شيبة» 1: 57.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 281)
فرواية عبدالله بن أبي بكر هذه لم تؤثر شيئا في رواية الجماعة، ويكون عبدالله أو من دونه قد قصر بهذا الحديث بعدم ذكر ابن عباس.
وكل ما تقدم يتم تطبيقه سواء بسواء لو كان الراجح وجها واحدا في مقابل عدد من الأوجه كلها مرجوحة، فإنه يقضي عليها على النسق السابق، في صور لا تنتهي أبدا، لولا خشية الإطالة لضربت لبعضها أمثلة.
2 - معنى كون الوجه مرجوحا عن المدار أنه لم يصح عنه، فلم يحدث به هكذا، ومقتضى هذا أن الباحث في نقد الوجه المرجوح يكتفي بنقده إلى المدار، ولا ينقده بالمدار -لو كان محل نقد- ولا بمن فوق المدار، إذ كيف ينقده بهم، أو بسماع بعضهم من بعض، والإسناد لم يصح إليهم؟ .
هذا أصل المسألة بلا تردد، غير أن الكلام في حال الإسناد بعد المدار للوجه المرجوح قد احتاج إليه الباحث أثناء نظره في الاختلاف قبل المدار، وهذه مسألة دقيقة جدا، فقد يكون الناظر في الاختلاف قد استفاد من حال الإسناد بعد المدار أثناء دراسته للاختلاف، واستخدمه في الترجيح، فيكون فيه ما يدل على غلط راوي هذا الوجه، وقد تقدم شرح هذا مفصلا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.
وأما ما عدا ذلك فلا كلام للناظر في الاختلاف فيه، لأنه -كما تقدم- لم يصح عن المدار، فكأنه لا وجود له، غير أن الباحث قد يحتاج أن ينبه على تقارب وجهين في حال الإسناد بعد المدار، الراجح والمرجوح، كما إذا اختلف على راو على وجهين، إرسال الحديث، ووصله، ويكون الموصول منقطعا أيضا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 282)
مثال ذلك ما روي من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال، قال: «كان عندي تمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأصبت به أجود منه صاعا بصاعين … » الحديث(1).
وروي هذا الحديث عن مسروق: «أن بلالا … » بالقصة.
والراجح هو المرسل(2) ، غير أن الموصول منقطع أيضا في موضعين، فأبو إسحاق لم يسمع من مسروق، كما قال البرديجي، ومسروق لم يسمع من بلال، كما هو ظاهر من ترجمته، فالباحث ينبه على هذا.
ويوجد في كتب التخريج، وكتب الفقه، الكلام في إسناد الوجه المرجوح بعد المدار لبيان ضعفه، غير أن هذا لا يدخل في النظر في الاختلاف، وإنما هو من باب التنزل في نقد الدليل، فكأنه يقول: على فرض صحة هذا الوجه المرجوح عن المدار ففيه أن فلانا لم يسمع من فلان، ونحو ذلك، كما يفعلون هذا في متن الحديث الضعيف، كأن يقول بعضهم: وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول على كذا وكذا.
والذي ينبغي التأكيد عليه في قضية حال الإسناد المرجوح بعد المدار هو أن يكون الباحث شديد التيقظ، فيميز ما في الإسناد من أمور يمكن الاستفادة منها في الترجيح فهذه يسخرها للنظر في الاختلاف، وما لا يدخل في النظر في الاختلاف، فيدعه.--------------------------------------------
(1) «سنن الدارمي» حديث (2579).
(2) «العلل الكبير» 2: 493.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 283)
وغلط الباحثين في هذه القضية من المسائل الدقيقة في نقد الأسانيد، فالباحث يخطئ إذا جعل ما في الإسناد من نقص بعد المدار دليلا على رجحان الوجه المقابل، وليس في هذا النقص دليل على غلط راوي هذا الوجه، أو فسر بهذا كلام إمام من أئمة النقد، كأن يقول بعد نقله عن الإمام ترجيحه للوجه المقابل: وإنما فعل هذا لكون هذا الوجه منقطعا، أو فيه فلان وهو ضعيف، ونحو ذلك، مما لا يدخل في قرائن الترجيح، وهو أيضا يرتكب جناية على المدار المختلف عليه، أو على من فوقه، فينسب إليه تدليسا، أو إرسالا، أو رواية عن الضعفاء، وهو لم يفعل ذلك، إذ هذا الوجه لم يصح إليه أصلا، كما يرتكب جناية في حق الناقد حين فسر كلامه بما لا يحتمله ولا يريده الناقد، وقد تقدم زيادة تفصيل لهذا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.
وبكل حال فنقد الوجه المرجوح بالمدار ومن فوقه ينبغي للباحث أن يتأنى فيه، فلا يعرج عليه مع ظهور الضعف للوجه عن المدار، وتضمن النقد لأمر فيه غمز لأحد رواة الإسناد، كرميه بالتدليس، أو الاختلاط، وتحميله بذلك عهدة ضعف الإسناد.
وفي نقد الوجه المرجوح بهذه الطريقة تظهر إحدى العواقب الوخيمة لترك منهج النقاد في المقارنة والموازنة حين الاختلاف، فمن لا يسير على منهجهم يتعلق براو والإسناد لم يصح إليه أصلا، من جهة كونه معلولا بالمخالفة، فيجمع بين الضعف في النقد، وبين تحميل الرواة أخطاء غيرهم.
مثال ذلك أن أحد النقاد ذكر الاختلاف على قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)
سمرة بن جندب مرفوعا في من ترك الجمعة متعمدا، أو عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، مرسلا، ليس فيه سمرة بن جندب، ثم قال في نقده: «فيه علتان، تدليس قتادة، والانقطاع بين الحسن، وسمرة، فإنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة».
كذا صنع الباحث، أغفل غرض الناقد الذي يعلق على كلامه، وذهب يضعف الإسناد بالمدار ومن فوقه، ولم يقم بإتمام عمل الناقد، والنظر في صحة هذا الوجه الذي ذكره عن المدار، ولو نظر فيه لتبين له أنه ليس بحاجة إلى نقده بتدليس قتادة، ولا بسماع الحسن من سمرة، فإن هذا الوجه لا يصح عن قتادة أصلا، كما سبق بيان ذلك من كلام النقاد، حيث تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.
والباحث نظر على عجل في الإسناد قبل قتادة، فوجد أنه من رواية نوح بن قيس الحداني، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، ونوح وأخوه صدوقان، فحالهما عند الباحث لا يقتضي تضعيف الإسناد بهما، فاتجه إلى نقده بقتادة ومن فوقه، وهذا -كما أشرت إليه- من آثار منهج تمزيق الطرق، والنظر إلى كل إسناد بمفرده.
وليست هذه القضية خاصة بنقد الوجه المرجوح، بل تشمل نقد كل إسناد، وإن لم يكن فيه اختلاف، فالإسناد إذا سقط في حلقة من حلقاته لا يصح أن ننقده بمن فوقها، بأمر خفي، ككون أحد رواته ثقة، لكن تكلم فيه يسيرا من قبل حفظه، أو قد رمي بشيء من التدليس، أو لم يسمع ممن فوقه، إذ الإسناد لم يصح إليه أصلا، وهي قضية فاتني أن أنبه عليها في «الجرح والتعديل» عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، وكذلك في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)
«الاتصال والانقطاع» في آخر مبحث منه، عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، واتصال الإسناد وانقطاعه.
ومما يؤسف له أن هذا الصنيع حاضر بقوة في عمل الباحثين، ونقدهم للأسانيد، ترى الواحد منهم يعمد إلى أئمة الرواية وأساطينها، فينقد الإسناد بهم، إما بتدليسهم، أو اختلاطهم، أو إرسالهم عمن فوقهم، ونحو ذلك، والإسناد لم يصح إليهم أصلا.
3 - إذا رجعنا إلى المبحثين الثالث والرابع، من الفصل الثالث من هذا الباب، المتعلقين بتعاضد القرائن على نتيجة النظر التي يصل إليها الناظر في الاختلاف، وتعارض القرائن في ذلك - أدركنا بسهولة أن الوجه المرجوح ليس على درجة واحدة، فكلما تعاضدت القرائن على أن هذا الوجه مرجوح كان ضعفه أشد، والعكس كذلك، إذا كانت القرائن ضعيفة، أو متعارضة، خف ضعف الوجه المرجوح، ويترتب على هذا أن الأوجه المرجوحة في حال وجود عدة أوجه مرجوحة ليست على درجة واحدة في الضعف.
وغير خاف أن قرائن الترجيح كثيرة جدا على ما سبق شرحه في الفصل الثاني من هذا الباب، فبعضها متعلق بالراوي المختلف عليه، وبعضها بالمختلفين، وبعضها بصفة الأوجه، إلى غير ذلك، فضعف الوجه المرجوح يتعلق بها جميعا، فينفصل الباحث عن النظر إلى الإسناد المفرد للوجه المرجوح، ويكون الاعتبار للنظر المجمل في الاختلاف، وبناء على ذلك يتم إطلاق الوصف المناسب على الوجه المرجوح، فلا يستغرب الباحث إذا وقف على كلام لناقد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)
يصف فيه رواية ثقة، أو صدوق، بأنها باطلة، أو لا أصل لها، أو يقول الناقد: هذا الحديث بهذا الإسناد شبيه بالموضوع، أو يحذر من التحديث به، إلى غير ذلك.
وقد أشرت في مناسبات سابقة -وربما يأتي هذا في مناسبات لاحقة- إلى أنه من الضروري جدا الفصل بين الراوي ودرجته، وبين حديثه المعين، فإن الحكم على هذا الحديث بهذا الإسناد الذي فيه الراوي لا يخضع فقط لدرجة الراوي المطلقة، وإنما يخضع بصفة أساس لدرجته في هذا الحديث بعينه، فقد يكون ثقة أو صدوقا في مجمل حاله، لكنه في هذا الحديث لجزم الناقد بناء على القرائن التي أمامه بأنه غلط ولا بد هو في درجة الضعيف، أو المتروك.
مثال ذلك أن عبيس بن مرحوم، روى عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: «أمني جبريل عند البيت مرتين … » الحديث.
سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الحديث بهذا الإسناد، فقال أبو زرعة: «وهم عبيس في هذا الحديث» وقال أبو حاتم: «أخشى أن يكون وهم فيه عبيس»، واتفقا جميعا على أن الصحيح ما رواه عدة من الحفاظ عن حاتم، عن عبدالرحمن بن الحارث بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم(1).--------------------------------------------
(1) وقد رواه جماعة آخرون عن عبدالرحمن بن الحارث، وانظر: «سنن أبي داود» حديث (393) ، و «سنن الترمذي» حديث (149) ، و «مسند أحمد» 1: 333، 354.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)
قال ابن أبي حاتم: «وسمعت أبي يقول مرة أخرى: أخشى أن يكون هذا الحديث بهذا الإسناد موضوعا»(1).
وعبيس هذا من شيوخ أبي حاتم، وقال فيه: «كان ثقة وفي حديثه شيء»(2).
وفي مقابل هذا إذا كان الترجيح ليس قويا، والقرائن بعد جمع الباحث لها قريبة من التكافؤ مثلا، فبقي احتمال أن يكون المرجوح عن المدار محفوظا عنه، فالوجه المرجوح حينئذ يكتسب قوة من هذه الجهة، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الكلام على الوجه الراجح.
3 - والوجه المرجوح -سواء كان واحدا أو أكثر- بعد تحرير درجته وأنه ضعيف لاختلال شرط عدم العلة، إما لوحده، أو مع اختلال غيره من الشروط، يتم إلغاؤه، ولا يلتفت إليه لاحقا، فلا يعضد غيره، ولا يعتضد بغيره، إذ تبين أنه لا وجود له أصلا، وهذا هو مقتضى الترجيح.
فلو جئنا إلى حديث أبي هريرة المتقدم، وهو من رواية محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكان الباحث قد قام بدراسة الرواة، واتصال الإسناد، ثم بعد ذلك درس الاختلاف على الأعمش، وترجح لديه أن هذا الإسناد غلط، فلا يعود مرة أخرى، ويقول: ولكن حديث أبي هريرة هذا يشهد له كذا وكذا، أو له طريق آخر إلى أبي هريرة، فيرتقي به الحديث، أو يقول عند دراسته لحديث سابق أو لاحق: ويشهد لهذا الحديث حديث أبي هريرة.--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 228.
(2) «الجرح والتعديل» 7: 34.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)
فكل هذا لا يصح أبدا، والباحث إذا فعل هذا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فقد قضى على جهده السابق في جمع الطرق، والنظر في الاختلاف، ووقع في التناقض، ففي حديث أبي هريرة هذا كأنه يقول: محمد بن فضيل قد غلط على الأعمش، فهذه نتيجة النظر في الاختلاف، تم عاد فقال: ولكن محمد بن فضيل لم يغلط، وهذا مقتضى اعتماد إسناده ليعتضد بغيره، أو ليعضد غيره.
ورب قائل يقول: نرى هذا كثيرا في كلام المتأخرين على الأحاديث، فالإسناد المعلول يعتمدونه، ويبحثون له عن متابعات وشواهد، ويعضدونه بها، وأيضا يعضدون به غيره، فما توجيه ذلك؟
وتوجيهه أن كثيرا من المتأخرين لا يلتفتون إلى علل الأحاديث، فلم ينظروا في الاختلاف أصلا، والإسناد إذا كان ظاهره الاستقامة صححوه، أو حسنوه، بغض النظر عن الطرق الأخرى المعلة له، وقد مضى شرح مذهبهم ومقارنتهم بمنهج أئمة النقد في الفصل الأول من هذا الباب.
وليس الكلام هنا معهم، وإنما هو مع من يتصدى للنظر في الاختلاف، ويصل إلى راجح عنده ومرجوح، ثم بعد ذلك يعود على عمله بالنقض، ويعتمد المرجوح في الاعتضاد.
فمن ذلك أن ابن حجر تكلم على الحديث المتقدم آنفا، وهو حديث الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية … » الحديث، وعالج الاختلاف الواقع فيه على الزهري، ودافع عن إخراج الشيخين للحديث موصولا، ثم قال: «وقد جاء حديث عروة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)
هذا من غير رواية الزهري، أخرجه البزار من رواية أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة، وقال الدارقطني: رواه مالك، وابن عيينة -وسمى جماعة- كلهم عن يحيى بن سعيد، فلم يجاوزوا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا يصح، وإنما قال ذلك (يعني الدارقطني) بالنسبة لهذه الطريق، لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا، والله أعلم»(1).
وظاهر ما نقله ابن حجر عن الدارقطني موافقته للدارقطني على أن ذكر أم سلمة في رواية أبي معاوية خطأ من أبي معاوية، وأنه لا يصح، لانفراد أبي معاوية بذكرها، ومخالفته للحفاظ الكبار من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم مالك بن أنس، خاصة أن أبا معاوية ليس بالقوي في غير حديث الأعمش، وينبني عليه أن ذكر أم سلمة كأنه لم يكن، إذ لا وجود له أصلا.
وعلى هذا فقول ابن حجر في نهاية كلامه: «وإذ انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا»، نقض للنتيجة السابقة، فقد عاد إلى اعتماد رواية أبي معاوية المرجوحة، وعضد بها رواية الزبيدي، عن الزهري.
وتابع ابن حجر أحد الباحثين، فنقل كلامه في اعتضاد رواية الزبيدي برواية أبي معاوية موافقا له، لكن الباحث عاد في الحديث التالي عنده فذكر حديث سليمان بن يسار، عن عروة، والاختلاف فيه على يحيى بن سعيد الأنصاري،--------------------------------------------
(1) «فتح الباري» 10: 203، و «التتبع» ص 362.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)
وذكر أن عبدالله بن نمير قد تابع أبا معاوية فيه بذكر أم سلمة، لكنه انتهى إلى ترجيح المرسل، وأطال في ذلك، قال: «وبالنظر في اختلاف الرواة يتبين -والله تعالى أعلى وأعلم- قوة ما رواه مالك وغيره عن يحيى بن سعيد، وهي رواية الإرسال، وذلك لما يأتي: رواية الجم لها، ولا شك أن من رواه مرسلا أكثر عددا ممن رواه موصولا … ».
وتعرض أحد الباحثين للحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو ما رواه محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة … » الحديث، فنقد الباحث من صحح الإسناد، إذ هو منقطع من عمرو بن دينار، وجابر بن عبدالله، ودليل ذلك رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت من غير واحد، عن جابر بن عبدالله أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة … » الحديث موقوفا عليه، ونقل عن ابن خزيمة قوله: «هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي، وابن جريج أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم».
ثم قال الباحث: «قلنا: لكن يشهد لرواية محمد بن مسلم الطائفي رواية أبي الزبير، عن جابر … ».
كذا صنع الباحث، تناقض من حيث لا يدري، فإن رواية ابن جريج التي اعتمد عليها في الحكم بالانقطاع، ونقل عن ابن خزيمة ترجيحها على رواية محمد بن مسلم موقوفة على جابر، فهي علة لرواية محمد بن مسلم من هذه الجهة، وقد رواه كذلك أبو جعفر الرازي، عن عمرو بن دينار، عن جابر موقوفا، ولم يذكر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)
الباحث روايته، وعلى هذا فرواية محمد بن مسلم يصرف النظر عنها تماما، فلا يستشهد بها، ولا يشهد لها غيرها.
ثم إن الباحث وقع في أمر تقدم التنبيه عليه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو أن أي رواية فوق المدار يعضد بها أحد الأوجه لا بد من دراستها وكأنها الرواية الأساس مع الباحث، فرواية أبي الزبير، عن جابر، قد اختلف فيها على أبي الزبير رفعا ووقفا، وقد أشار الباحث إلى ذلك في تخريجها، لكنه لم يتعرض للاختلاف بالدراسة، ولم يصل إلى نتيجة فيه، ولا بد من ذلك، فهو اختلاف قوي، وقد رجح جماعة من النقاد -ومنهم البخاري- وقفه أيضا على جابر من هذا الطريق، وسيأتي قريبا في الكلام على الوجه الراجح شرح ذلك.
وتعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على الزهري في حديث أبي هريرة: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح»، وقد اختلف فيه على الزهري في إسناده، وفي وقفه ورفعه، كما سيأتي شرح ذلك في المبحث الثالث.
وانتهى الباحث إلى ترجيح وجهين موقوفين على أبي هريرة، وتضعيف المرفوع، وأحد الموقوفين رجاله ثقات، ثم قال: «وقد جاء مرفوعا من غير طريق الزهري»، ثم ذكر أن أبا داود، والحاكم، أخرجاه من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وأن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي(1)، ثم قال الباحث: «وعليه يمكن القول بأن الحديث الذي معنا صحيح لغيره».--------------------------------------------
(1) «المستدرك» 4: 511، وأما أبو داود فلم يخرجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)
وبغض النظر عن تسامح الباحث في نقد إسناد حديث ابن عمر، إذ هو لا يصح، فقوله عن الحديث الذي معه إنه صحيح لغيره هو موضع الإشكال هنا، إن كان يعني بالحديث الوجه المرفوع، فهذا الوجه قد انتهى بترجيح الوجهين الموقوفين عليه، فلا يصح أن يعضد بغيره بعد ذلك، وإن كان يعني بالحديث الموقوف ففيه إشكال أيضا من جهة أخرى.
ورب قائل يقول: الذي نعرفه أن ما لا يقبل الاعتضاد هو الإسناد إذا كان ضعفه شديدا، وهو أن يكون أحد رواته متروك الحديث، أو دون ذلك، فعلى كلامك هنا يستوي ما هذه صفته، وما رواه ثقة خالفه غيره، وترجح قول المخالف، فما توجيه هذا؟
وتوجيهه أن يقال إن قصر الضعف الذي لا يصلح للاعتضاد على رواية المتروك هو أساس المشكلة، وهو أحد مداخل الضعف الواسعة التي أدت إلى كثرة تصحيح وتحسين الأحاديث الضعيفة، فالراوي إذا تفرد بحديث ولو لم يخالف، واستنكر النقاد حديثه هذا لم يعد صالحا للاعتضاد، بالنسبة لنا، لأنه منكر، ولو ذهبنا نعضده فمقتضاه أننا رفعنا عنه النكارة، والحال أنها باقية، يستوي في ذلك الراوي الثقة، ومن دونه، فإذا خالف غيره وترجح رواية الغير فكذلك لا يصح لنا أن نعود فنعضده، لأن الحال أن روايته مرجوحة، وأنها خطأ، فإذا عدنا وقويناها نقضنا الحكم الأول، وحكمنا بصوابه مرة أخرى.
وههنا أمر آخر، وهو أن الراوي المتروك قد يكون دليل الحكم عليه بأنه متروك الحديث هو كثرة مخالفته للثقات، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أن من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)