اللغات للقبائل العربية في كتب التفسير، بحسب الأمثلة التي جَمعتُها منها.
ومن أمثلة استشهاد المفسرين بشواهد الشعر لنسبة اللغات ما يأتي:
1 - ذكر الفراء عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] (1) وهو يذكرُ توجيهَ أَهلِ العربيةِ لقراءة تشديد «إِنَّ» ورَفع «ساحران» أَنَّ ذلكَ على وجهين، أحدهما: على لغةِ بني الحارث بن كعب ومَن جاورَهُم، يَجعلونَ الاثنين في رفعِهما ونصبِهما وخفضهما بالألف. وقال: «أنشدني رَجلٌ من الأَسْدِ (2) عن بعض بني الحارث بن كعب:
فأَطْرَقَ إِطراقَ الشُّجاعِ ولَو يَرَى … مَساغًا لِنَابَاهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما (3)». (4)
وهذه الآية من المواضع التي كثر في توجيهها قول النحويين، قال الزجاج: «وهذا الحرف من كتاب الله عز وجل مُشكِلٌ على أهل اللغةِ، وقد كثر اختلافهم في تفسيره». (5) ثم ذكر أقوال النحويين، وخَرَجَ برأيٍ ذَكرَ أَنَّهُ عَرضَه على المُبَرِّدِ والقاضي إسماعيل بن إسحاق (6) فارتضياه، وهو أنَ «أَنَّ» قد وقعت موقعَ «نعم»، وأَنَّ اللامَ وقعت موقعها، وأَنَّ المعنى: هذانِ لَهُما سَاحِرَانِ. (7) وقد رد أبو علي الفارسي هذا الوجه (8).
وأما الطبري فقد اختار القول الذي ذكره الفراء فقال: «والصواب--------------------------------------------
(1) طه 63.
(2) الأسد: لغة في الأزد، وهي بالسين أفصح، وبالزاي أكثر. انظر: الاشتقاق 482.
(3) الشجاعُ: الحيَّةُ الذَّكَرُ، وصمَّمَ: عَضَّ ونَيَّبَ فلم يُفلت فريستهُ. والبيت للمُتَلَمِّسِ الضبعيِّ، انظر: ديوانه 34.
(4) معاني القرآن 2/ 184، انظر: تأويل مشكل القرآن 50، تفسير الطبري (هجر) 16/ 98.
(5) معاني القرآن وإعرابه 3/ 361.
(6) هو إسماعيل بن إسحاق الجهضمي الأزدي، الفقيه المالكي، أسرته هي التي نشرت مذهب مالك في العراق، ولد في البصرة، وكان من نظراء المبرد. ولي قضاء القضاة، وتوفي فجأة سنة 282 هـ. له كتاب في أحكام القرآن يعد من أوائل ما صنف. انظر: تاريخ بغداد 6/ 284، الديباج المذهب 92.
(7) انظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 363.
(8) انظر: الإغفال 2/ 408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 862)
من القراءة في ذلكَ عندنَا {إِنَّ} بتشديدِ نُونِها، {هَذَانِ} بالألف؛ لإجْماعِ الحُجةِ من القَرَأَةِ عليه، وأَنَّهُ كذلك هو في خَطِّ المصحف. ووجههُ إذا قرئ كذلك مُشابَهتهُ «الذين»؛ إذ زادوا على «الذي» النون، وأُقِرَّ في جَميع أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدة، فكذلك {إِنَّ هَذانِ} زيدت على «هذا» نونٌ، وأُقِرَّ في جَميعِ أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدةٍ، وهي لُغةُ بلحرث بنِ كعبٍ، وخثعم، وزَبيد، ومَن ولِيَهُم من قبائل اليمن». (1)
والفراء يعتمد في مواضع كثيرة على الكسائي في نقل لغات العرب، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] (2): «ضَمَّ الصادَ العامَّةُ، وكان أصحاب عبد الله يكسرون الصاد، وهما لغتان. فأما الضم فكثير، وأما الكسر ففي هذيل وسليم. وأنشدني الكسائي عن بعض بني سليم:
وفَرْعٍ يَصِيْرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأَنَّهُ … على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (3)
ويُفَسِّرُ معناه: قَطِّعهنَّ، ويقال: وجِّههنَّ». (4)
2 - ومن الأمثلة قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)} [الأنفال: 57] (5): «أي: افعل بِهم فِعلًا من العُقُوبة والتنكيلِ يتفرَّقُ بِهم مَن ورائهم مِن أعدائِك. ويُقال: شَرِّدْ بِهِم، سَمِّعْ بِهم بلغةِ قريش. قال الشاعر (6):
أُطوِّفُ ما أُطوِّفُ كلَّ يومٍ … مَخافةَ أَنْ يُشَرِّدَ بِي حَكيمُ (7)». (8)
وحَكيمُ هو ابنُ أُميَّةَ بن حارثة بن الأَوقصِ، استعملتهُ قريش على--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (هجر) 16/ 101.
(2) البقرة 260.
(3) يُريدُ بالفرعِ الشَّعر التام، والوَحفُ: الأسودُ، واللَّيتُ: صفحةُ العُنُق، وقنوان الكروم: عناقيد العنب، والدوالح: المثقلات بحملها. انظر: معاني القرآن 1/ 174 ولم أجده عند غيره.
(4) معاني القرآن 1/ 174.
(5) الأنفال 57.
(6) هو الحارث بن أمية الأصغر.
(7) انظر: جمهرة نسب قريش 191.
(8) غريب القرآن 156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 863)
سُفهائِها، فأَحدثَ الحارثُ بن أميةَ حَدَثًا فَطَلَبَهُ، فَفَرَّ منه، فَهَدَمَ حكيمُ دارَه، فقال أبياتًا منها هذا البيت، ومعنى التَّنْكيلِ والطَّردِ من الدِّيارِ في الشاهدِ الشعريِّ أَولى مِن التَّسميعِ، ولذلك استشهد به القرطبيُّ على أَنَّ التَّشريدَ يأتي بِمَعنى التشريدِ عن الوطنِ والأَهلِ، غَيْرَ أَنَّهُ نَسَبَ الشاهدَ لشاعرٍ مِن هُذيلٍ (1)، وتفسير المفسرين للتشريد في الآية بالتنكيلِ، هو الذي عليه المفسرون، وهو تفسير الضحاك. (2)
3 - وقال الطبريُّ عند تفسيره قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] (3) فقال: «بِمَعنى: أَنْ لا تَميدَ بكم. والعَرَبُ قد تَجزمُ مع «لا» - في مثل هذا الموضع - الكلامَ، فتقول: ربطتُ الفَرَسَ لا يَنْفَلِتْ، كما قال بعضُ بني عُقيل:
وحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا … مُساكتَةً لا يَقْرِفِ الشَّرَّ قَارِفُ (4)
ويُروى: «لا يَقْرِفُ» رفعًا، والرفعُ لغةُ أهلِ الحجازِ فيما قيل». (5)
والطبري في هذا التخريج يسير على نهج الفراء، والشاهد الشعري رواه الفراء عن بعض بني عقيل، حيث قال في تفسيره للآية التي ذكرها الطبري: «ويصلح في (لا) على هذا المعنى الجزم. العرب تقول: ربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت عبدي لا يفرر.
وأنشدني بعض بني عُقَيل:
وحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا … مُساكتَةً لا يَقرفُ الشَّرَّ قَارِفُ (6)--------------------------------------------
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن 8/ 31.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 248، معاني القرآن للفراء 1/ 414، تفسير الطبري (هجر) 11/ 236، معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/ 420، الجامع لأحكام القرآن 8/ 30.
(3) النحل 15.
(4) البيتُ سَمعَهُ الفراءُ من بعض بني عقيل كما في معانيه 2/ 383، وورد في ديوان الحماسة 2/ 131.
(5) تفسير الطبري (هجر) 19/ 504 - 505.
(6) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي 3/ 1386.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 864)
وبعضهم يقول: لا يقرفُ الشرَّ، والرفعُ لغةُ أهل الحجاز، وبذلك جاء القرآن». (1) فقد نقل الطبري قول الفراء وشاهده دون أن يذكره باسمه، وكان إنشاد الشاهد الشعري هو الحجة لهذه اللغة العُقَيليَّةِ، وذكر الفراء أن البيت الشعري ينشد برفع الفعل بعد (لا) وأَنَّ هذه لغة أهل الحجاز، وهذا دليل على اعتبار لغة المنشد للبيت كما مَرَّ.
والطبري يعتمد كثيرًا على الفراء في نسبته اللهجات للقبائل العربية، وينقل شواهد الفراء غالبًا، وقد يذكر الفراء كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: (2) ورُبَّما أَبدلوا الزاي التي في اللازبِ تاءً، فيقولون: طِيْنٌ لاتِبٌ، وذُكِرَ أَنَّ ذلك في قَيسٍ، زَعمَ الفراءُ أَنَّ أبا الجرَّاحِ أَنشدَهُ (3):
صُداعٌ وتَوصِيمُ العِظامِ وفَتْرَةٌ … وغَثْىٌ معَ الإِشراقِ في الجوفِ لاتبُ (4)
بِمَعنى: لازم». (5) وقد لا يذكره كما تقدم في المثال الأول.
4 - وقال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] (6): «قُرِئ {فَيُسْحِتَكُمْ} والسَّحْتُ لغةُ أهلِ الحِجازِ، والإِسحاتُ لُغَةُ أَهلِ نَجدٍ وبَني تَميم. ومنه قول الفرزدق:
....................... … إِلَّا مُسْحِتًا أو مُجلَّفُ (7)
في بيتٍ لا تزالُ الرُّكَبُ تَصْطَكُّ في تسويةِ إعرابهِ». (8) والشاهد استشهاد الزمخشري بالشعر على لغة تميم، وأنها تقولُ: أَسحتَ يُسْحِتُ--------------------------------------------
(1) معاني القرآن 2/ 383.
(2) الصافات 11.
(3) انظر: معاني القرآن 2/ 384، الجامع لأحكام القرآن 15/ 69.
(4) انظر: تاج العروس 8/ 167 (لتب).
(5) تفسير الطبري (هجر) 16/ 511.
(6) طه 61.
(7) تقدم تخريجه، وتَمامهُ:
وعَضُّ زَمانٍ يا ابنَ مَروانَ لَم يَدَعْ … من المالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَو مُجَلَّفُ
(8) الكشاف 3/ 72، وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 361.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 865)
إِسْحَاتًا، وأهل الحجازِ يقولون: سَحَتَ يَسْحَتُ سَحْتًا. قال الأزهري: «والسُّحْتُ: العّذابُ، قال: وسَحَتْناهم بلغنَا مَجهودَهم في المَشّقَّة عليهم، وأسْحَتْناهم لُغةٌ. وقال الفرّاء: قُرئ قَوْل الله جل وعزَّ: وقرئ: {فَيَسْحَتَكُم} بفتح الياءِ والحاء، قال: ويَسْحَتُ أكثر وهو الاستئصالُ. وأنشد قول الفرزدق:
وعَضُّ زَمَان يا ابنَ مروانَ لم يَدَعْ … من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
قال: والعرب تقول: سَحَت وأسْحَت. ويُروى: إلا مُسْحَتٌ أو مُجَلَّفُ. ومن رواه كذلك جعل معنى لم يَدَعْ: لم يَتَقارّ، ومن رواه: إلا مُسْحَتًا، جعل لم يَدَعْ بِمعنى لم يترك، ورفع قوله: أو مُجَلَّفُ بإضمارٍ كأنه قال: أوهو مُجَلَّفٌ كذلك. وهذا قول الكسائي». (1)
5 - وقال القرطبيُّ: «قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 26] (2) لُغَةُ بَني تَميمٍ وبني عامرٍ في «أَمَّا» «أَيْما»، يُبدلونَ من إحدى الميمين ياءً؛ كراهيةَ التضعيفِ، وعلى هذا يُنشَدُ بيتُ عمر بن أبي ربيعة:
رَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ … فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ (3)». (4)
وعمرُ بن أبي ربيعة حجازي من قريش، غير أنه قد روي البيت أيضًا على لغة تَميمٍ كما ذكر القرطبيُّ، وهو كذلك في إحدى روايات الديوان كما أَشار مُحقِّقهُ، وقد استدلَّ النحويونَ به على هذه الرواية على الإبدال. واستشهد به المُبَرِّدُ في ثلاثة مواضع، رواه في الموضع الأول بالإبدال على لغة تَميم (5)، وفي الموضعين الباقيين على لغة قريش بغَيْرِ إبدال (6)، وقال بعد أَن أنشدَ قَول جَميلِ بن مَعْمَر:--------------------------------------------
(1) تهذيب اللغة 4/ 284 - 285.
(2) البقرة 26.
(3) يَخْصَرُ مضارع خَصِرَ - من بابِ فَرِحَ - إذا أَصابَهُ البَرْدُ وآلَمَهُ. انظر: ديوانه 94.
(4) الجامع لأحكام القرآن 1/ 244.
(5) انظر: الكامل 1/ 98.
(6) انظر: الكامل 1/ 384، 3/ 1153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 866)
على نَبْعَةٍ زَوراءَ أَيْمَا خُطَامُها … فَمَتْنٌ وأَيْمَا عُودها فَعَتِيقُ (1)
شرحه فقال: «وقوله: «أَيْما»، يريد «أَمَّا»، واستثقلَ التضعيفَ، فأبدل الياءَ من إحدى الميمين، ويُنشدُ بيتُ ابن أبي ربيعة:
رَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ … فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ
وهذا يَقَعُ». (2) قال البغدادي معلقًا على قول المبرد: «وهذا يقع»: «وقوله: «وهذا يَقَعُ» يُريدُ أَنَّه نادر». (3) وإبدال الياء مَحلّ أحد المتماثلين لغةُ تَميمٍ وقيس. (4) واختلاف اللهجات سَبَبٌ من أسباب تعددِ رواية الشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة. (5) وأمثلة أثر الشاهد الشعري في تفسير القرطبي في نسبته اللغات للقبائل متعددة. (6)
وهناك من المفسرين من يرُدُّ بعضَ ما ورد من لغات العرب في الشواهد الشعرية، ويرى ذلك غلطًا من الشاعر، كما غَلَّطَ ابنُ عطية الشاعرَ الهُذلي في تسميته العَسَلَ بالسَّلوى، وذلك عند تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] (7)، حيث قال ابن عطية: «والسَّلوى طَيْرٌ، بإجْماعٍ من المفسِّرينَ (8) … وقد غَلِطَ الهذليُّ، فقال:
وَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم … ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا (9)--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 150 - 151.
(2) الكامل 1/ 97 - 98.
(3) خزانة الأدب 11/ 368.
(4) انظر: الممتع لابن عصفور 1/ 375، المحتسب 1/ 284، واللهجات في كتاب سيبويه لصالحة آل غنيم 228.
(5) انظر: المعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعرية لبريكان الشلوي 1/ 33 وما بعدها.
(6) انظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 284.
(7) البقرة 57.
(8) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 96، تفسير ابن أبي حاتم 1/ 178، النكت والعيون 1/ 124، الدر المنثور 1/ 171.
(9) انظر: ديوان الهذليين 1/ 158، وجاء في شرحه: «نشورها: نأخذها، والشَّورُ: أخذ العسل من موضعها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 867)
ظنَّ السَّلوى العسلَ». (1) ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا مِنْ تَخطئةِ العُلماءِ للشعراءِ، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد تقدمت الإشارة لذلك في البحث.
وقد سبقه في تغليط الشاعر الزجاج، حيث قال تعقيبًا على البيت: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ. وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلَاّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة». (2) ولم يرتض بعضُ العلماءِ تَخطئةَ الزجاجِ وابن عطية للشاعر، لكونهِ يتكلَّمُ بلهجتهِ ولغةِ قبيلتهِ، وليس إجْماعُ المفسرين على أَنَّ السَّلوى في الآية هي الطائرِ بِمانعٍ أَن تكونَ هذيلُ تُسمِّي العَسَلَ بالسَّلوى، ولا سيما إذا ثبتَ هذا عنها، ورواهُ أهلُ اللغةِ. هذا مع التسليم بدعوى الإجماع التي ذكرها ابن عطية. (3)
وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجْماعِ لايصحُّ، وقد قال المؤَرِّجُ (4) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكَرَ أَنَّه كذلكَ بلغةِ كِنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد:
لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ … ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (5)
وقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (6)، وذكر بيت الهذلي:
........................... … ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 1/ 306.
(2) المحرر الوجيز (قطر) 5/ 459.
(3) انظر: الإجماع في التفسير للخضيري 171 - 173.
(4) هو مؤرج بن عمر السدوسي البصري، أحد أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة 195 هـ. انظر: بغية الوعاة 2/ 305.
(5) الشاهد للعجاج كما في ديوانه 406.
(6) انظر: الصحاح 6/ 2381.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 868)
ولم يذكر غَلَطًا». (1) وردَّ قولَ ابن عطيةَ الثعالبيُّ في اختصاره فقال: «قد نقل صاحبُ المُختصرِ أَنَّهُ يُطلَقُ على العَسَلِ لُغةً، فلا وجهَ لتغليطهِ؛ لأَنَّ إجماعَ المفسرين لا يَمنعُ من إطلاقهِ لُغةً بِمَعنىً آخر في غير الآية». (2) وقال ابن هشام: «والسَّلوى طَيْرٌ، واحدتُها سَلواة، ويُقال: إِنَّها السُّماني. ويقالُ للعَسَلِ أيضًا: السَّلوى، وقال خالدُ بن زُهَيْرٍ الهذلي:
وَقَاسَمَهَا بِاللهِ حقًا لأنْتُم … ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا
وهذا البيت في قصيدةٍ له». (3)
غير أَنَّ الزجاج في موضعٍ آخر يؤكدُ على أَنَّ الشاعر قد يقعُ في الخطأ، وليس بِمعصومٍ منهُ، ومثلهُ ابنُ فارس في كتابه «ذم الخطأ في الشعر» وفي غيره (4)، ولذلك فإِنه ينبغي التنبه عند الاستشهاد إلى مثل هذه الملحوظات.
يقول الزجاج وهو يرد استشهاد من وجه قراءة من قرأ {أَرْجِهْ} في قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111] (5) بإسكان الهاء، وأنه جائز فقال: «وزعم بعض النحويين (6) أن إسكانها جائز، وقد رويت لعمري في القراءة (7)، إِلَّا أَنَّ التحريكَ أكثرُ وأَجودُ، وزَعَمَ أيضًا هذا أَنَّ هاءَ التأنيث يَجوزُ إِسكانُها، وهذا لا يَجوزُ. واستشهدَ في هذا بشعرٍ مَجهولٍ، قال أنشدني بعضهم:
لَمَّا رَأَى أَلَاّ دَعَهْ ولا شِبَعْ … مَالَ إِلى أَرطاةِ حِقْفٍ فالطَجَعْ (8)
وهذا شِعْرٌ لا يُعرفُ قائلهُ، ولا هو بشيءٍ، ولو قالهُ شاعرٌ مَذكورٌ--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 1/ 407 - 408.
(2) الجواهر الحسان 1/ 67 - 68.
(3) السيرة النبوية 1/ 128.
(4) انظر: الصاحبي 178.
(5) الأعراف 111.
(6) هو الفراء. انظر: معاني القرآن 1/ 388.
(7) هي قراءة حمزة والأعمش، وحفص عن عاصم. انظر: معاني القرآن 1/ 388.
(8) لم أعرف قائله، وكلهم يرويه عن الفراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 869)
لقيلَ: أَخطأتَ؛ لأَنَّ الشاعرَ قد يَجوزُ أَن يُخطئ. وأنشد أَيضًا آخرَ أَجهلَ من هذا، وهو قوله:
لست إذًا لزعبله ......
إِنْ لَم أُغَيّرْ بَكْلَتِي … إِنْ لَمْ أُساوَ بِالطوَلْ (1)
فجَزَمَ الهاءَ في زَعبَلَه، وجعلها هاءً، وإِنَّما هي تاءٌ في الوصلِ، وهذا مذهبٌ لا يُعَرَّجُ عليه». (2) والزجاج ممن يرى عدم الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل. (3)
وقد يستطرد بعض أصحاب المعاني فيذكر لغات لبعض قبائل العرب في بعض ألفاظ القرآن لم يقرأ بِها أَحدٌ من القراء، ويستشهدُ لذلك بالشعر، كالفراء عند تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} [الحج: 25] (4) حيث ذكر أنه: «قد قرأَ بعضُ القُراءِ (ومَنْ يَرِدْ فيهِ بإِلحادٍ) (5) من الوُرودِ، كأَنَّهُ أراد: مِن وَردهُ أو تَورَّدهُ» ثُمَّ قال الفراءُ: «ولستُ أشتهيها، لأَنَّ وَردتُ يطلبُ الاسمَ … وقد تَجوزُ في لغةِ الطائيينَ؛ لأَنَّهم يقولونَ: رغبتُ فيكَ، يُريدون: رغبتُ بكَ، وأَنشدني بعضُهُم في بنتٍ لَهُ:
وأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ … ولكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَستُ أَرْغَبُ (6)
يعني: بِنتَهُ». (7) غيرَ أَنَّ الطبريَّ لا يرى صحة هذه القراءة التي--------------------------------------------
(1) زَعْبَلَةُ اسمُ رَجُلٍ، وزَعْبَلةٌ: الكثِيْرُ، البَكْلَةُ: الحال والخلطُ، بَكَلَ عليه وبَكَلَهُ إذا خَلط. قال ثعلب: «هكذا يُنشَدُ، وهو صدرُ بيتٍ وبيتٌ». انظر: مجالس ثعلب 473.
(2) معاني القرآن وإعرابه 2/ 365 - 366.
(3) انظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 418، الإغفال للفارسي 2/ 285.
(4) الحج 25.
(5) هذه القراءة ذكرها الكسائي والفراء، ولم ينسباها، وقراءة الجماعة بخلافها. انظر: معاني القرآن 2/ 223، البحر المُحيط 6/ 363، تفسير الرازي 23/ 25، حاشية الشهاب 6/ 292، الدر المصون 5/ 141.
(6) لم يذكره أحد قبل الفراء، ولم يذكر اسم القائل.
(7) معاني القرآن 2/ 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 870)
ذكرها الفراء، فتعقَّبَه فقال: «وقد زَعمَ بعضُ أَهلَ المعرفة بكلامِ العربِ أَنَّ طيئًا تقول: رَغبتُ فيكَ، تريدُ: رغبتُ بِكَ، وذكرَ أَنَّ بعضَهُم أَنشدهُ بيتًا:
وأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ … ولكِنَّنِي عَنْ سَنْبسٍ لَستُ أَرْغَبُ
بِمَعنى: وأرغبُ بِها. فإنْ كان ذلك صحيحًا كما ذكرنا، فإِنَّهُ يَجوزُ في الكلامِ، فأَمَّا القراءة به فغيرُ جائزةٍ». (1)--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (هجر) 16/ 511.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 871)
المبحث الثامن: أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها.
نزل القرآن الكريم بأفصح لغات العرب، وربما يكون للعرب في لفظة من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب لغتان أو أكثر. ولكن القرآن قد جاء بإحداهما، أو بهما معًا. وقد تكون إحدى هذه الألفاظ هي الفصحى، والأخرى دونها في الفصاحة. وقد تعرَّض المفسرون في مواضعَ متفرقة لمثل هذه الألفاظ أو التراكيب. فنصوا على اللغة الفصيحة في اللفظة، ويستشهدون على أقوالهم بالشاهد الشعري، ومن هنا يظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية تلك الألفاظ وفصاحتها. وسأورد أمثلةً كاشفةً لِهذا الأَثرِ الذي ظَهَرَ للشاهد الشعري في هذه المسألةِ في كتب التفسير مع التعليق على كل مثال باختصارٍ.
أولًا: ظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بفصاحة عدد من الألفاظ العربية في كتب التفسير، ومن ذلك لفظة الجَدَثِ بِمعنى القَبْرِ، فقد ورد فيها لغةٌ أخرى هي الجَدَف، ولكنَّ الفصحى منهما هي الأولى. وقد تعرض لهذه المسألة الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)} [يس: 51] (1) حيث قال: «{فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ} أي: القبور. وقُرِئَ بالفاء (من الأَجْدافِ)، ذكره الزمخشريُّ (2). يقال: جَدَثٌ وجَدَفٌ، واللغة الفصيحةُ الجَدَثُ بالثاء،--------------------------------------------
(1) يس 51.
(2) انظر: الكشاف 5/ 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 872)
والجمعُ أَجْدُثٌ وأَجداثٌ». (1) ثم استشهد القرطبي على صحة قوله بأن اللفظة بالثاء أولًا، وأنها تجمع على أَجْدُثٍ بقولِ المتنخِّلُ الهُذَليُّ:
عَرفتُ بِأَجْدُثٍ فنِعافِ عِرْقٍ … علاماتٍ كتَحْبِيْرِ النِّماطِ (2)
والجَدَفُ هو القَبْرُ.
وقيل: الجدث بالثاء لغة أهل الحجاز، وبالفاء لغة تَميم (3).
وأنكرَ بعضُهُم جَمعَهُ على أَجدافٍ لإجْماعِ أهلِ اللغة أنه لا يُجمع إِلَّا على أَجداثٍ، وأَنَّ الإبدالَ خاصٌ بالمُفردِ (4)، وذكروا أَنَّهُ لم يُنقَل عن العرب.
وذهب آخرون إلى أَنَّ الفاء والثاء تتعاقبان على الموضع الواحد، قال الفراء: «العَرَبُ تُعقبُ بين الفاءِ والثاء في اللغةِ، فيقولونَ: جَدَفٌ وجَدَثٌ، وهي الأَجداثُ والأَجدافُ». (5) والشاهد استشهاد القرطبي ببيت الهذلي على أن الأفصح في اللفظة أن تكون بالثاء لا بالفاء.
ثانيًا: قد يكون للعربِ في جَمعِ المُفردِ أكثر من لغة، غير أن إحدى هذه اللغات هي الشائعة الفصيحة عند العرب دون غيرها. ومن ذلك على سبيل المثال كلمة (حُجْرَة) فإِنَّها تُجمَعُ على حُجَرٍ، وحُجُراتٍ، وحُجَراتٍ، وحُجْرَاتٍ. وقد تعرض الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} [الحجرات: 4] (6) لهذه المسألة فقال: «والحُجُراتُ جَمعُ حُجْرةٍ، والثلاثُ حُجَرٌ، ثُمَّ--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 15/ 40.
(2) أَجدث ونِعافُ عِرقٍ موضعانِ، والنِّماطُ: جَمعُ نَمط، والتحبير هو التنقيش. انظر: ديوان الهذليين 2/ 18.
(3) انظر: المحتسب 2/ 66، لغة هذيل للدكتور عبد الجواد الطيب 120، لغة تميم لضاحي عبد الباقي 119.
(4) انظر: سر صناعة الإعراب 1/ 248 - 249، لسان العرب 2/ 197 (جدث).
(5) معاني القرآن 1/ 41.
(6) الحجرات 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 873)
تُجمَعُ الحُجَرُ فيقالُ: حُجُراتٌ، وحُجْراتٌ، وقد تَجمعُ بعضُ العرب الحُجُرَ: حُجَراتٍ بفتح الجيمِ، وكذلك كلُّ جَمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرة على فُعَلٍ، يَجمعونهُ على فُعَلاتٍ بفتحِ ثانيهِ، والرفعُ أَفصحُ وأَجودُ».
ثم استشهد على قوله هذا في الحكم بأن الضم للعين في (فُعُلات) أفصح وأجود في اللغة بشاهد شعري فقال: «ومنه قول الشاعرِ (1):
أَما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئًا لِدارِمٍ … بَلى، ولأِبياتٍ بِها الحُجُراتُ (2)
يقول: بلى، ولِبَنِي هاشمٍ». (3)
وهذا البيت الذي استشهد به الطبري للفرزدق، قالهُ عندما سَمِعَ أَنَّ أحد بني الحارث بن عمرو بن تَميم المعروفين بالحَبَطات (4)، قد خَطَبَ امرأةً من بني دارمٍ قومِ الفرزدقِ فقال:
بَنُو دارمٍ أَكفاؤُهُمْ آَلُ مِسمَعٍ … وتَنْكِحُ في أَكفائِها الحَبِطاتُ (5)
ووجهُ الاستشهادِ يصحُّ للطبري على الرواية التي رواها، وأَنَّها بالضمِّ لا غيرُ. وقد سبق الفراء إلى ما ذكره الطبري، ولم يذكر الشاهد. (6) في حين ذكر أبو عبيدة الشاهد ولم يذكرِ اللغاتِ في جَمعِ الحُجْرَةِ. (7)--------------------------------------------
(1) هو رجل من الحبطات، وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم، يرد على الفرزدق لم أعثر على اسمه. انظر: الكامل للمبرد 1/ 64.
(2) انظر: مجاز القرآن 2/ 219، الكامل 1/ 89، 2/ 586، خزانة الأدب 10/ 212.
(3) تفسير الطبري (هجر) 21/ 344 - 345.
(4) قيل: سُمِّي الحارثُ بن عمرو حَبِطًا لأَنَّه كان في سفر فأَكلَ أكلًا انتفخ منه بطنهُ فمات، فسمِّي حَبِطًا بذلكَ، لا كما قال ابن نباتة: إنه لقول زياد الأعجم: كما الحَبطاتُ شَرُّ بني تَميمِ؛ حيث إنهم سموا بذلك قبل هذا بدهور. انظر: خزانة الأدب 10/ 213، سرح العيون 389.
(5) وآل مسمع من بني قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل وهم قوم الفرزدق. انظر: ديوانه 1/ 107.
(6) انظر: معاني القرآن 3/ 70.
(7) انظر: مجاز القرآن 2/ 219، وفي البيت فيه خطأ طباعي فيما يظهر، حيث كتب: أما كان عَبَّادٌ كفيًّا لِدارِهِمْ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 874)
وعَبَّادٌ الذي في الشاهد هو عَبَّادُ بنُ حُصينٍ الحَبَطيُّ (1)، والكَفِيءُ فَعِيلٌ بِمَعنى الكُفْءِ، ومعنى البيت أَنَّ عَبَّادَ بن حصينٍ كان كُفْئًا لِدارمِ بن مالكٍ التميمي، وكُفْئًا لهاشمِ بن عبدِ منافِ جَدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَشارَ إليه بصاحبِ الحُجُراتِ أخذًا من الآية الكريِمة. قال المُبَرِّدُ في شرح البيت: «يعني بني هاشم، من قول الله عَزَّوَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} (2)». وقال ابن منظور: «والحُجْرَةُ من البيوت: معروفة لمنعها المال … والجمع حُجْراتٌ وحُجُراتٌ وحُجَراتٌ، لغاتٌ كُلُّها». (3) ولم ينص على الفصحى منها كما فعل الطبري.
ثالثًا: وقد تكون اللفظة ليست عربيةَ الأَصلِ، ولكنَّ العربَ عَرَّبتها وأَدخلتَها في لُغتِها قبلَ نزول القرآنِ، فوردت في القرآن بعد ذلك. وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، ولهم فيها أَقوالٌ معروفة في كتب علوم القرآن، وهي ما يُسمَّى بالمُعَرَّبِ. (4) وقد يتعرَّضُ المُفسِّرُ في أثناء تفسيرهِ لبعض المفردات للنص على أصلها، ويستشهد على ذلك بشواهد الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13] (5) وهو يُوَجِّه قراءة حَمزة والكسائي حيث قرأ الاثنان: {قَسِيَّةً} على وَزنِ فَعيلة (6): «وحكى الطبريُّ (7) عن قومٍ أَنَّهم قالوا: قَسِيَّةٌ، ليست من معنى القسوة،--------------------------------------------
(1) كان من أشد الناس وأشجعهم، وهو صاحب البغلة الشهباء. انظر: المحبر لابن حبيب 222، خزانة الأدب 10/ 213.
(2) الكامل 1/ 89، خزانة الأدب 10/ 212.
(3) لسان العرب 3/ 58 (حجر).
(4) انظر: الصاحبي 28 - 30، البرهان في علوم القرآن 1/ 382، والمهذب فيما وقع في القرآن من المُعَرَّب للسيوطي.
(5) المائدة 13.
(6) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر {قَاسِيَةً} وقرأ حمزة والكسائي "قَسِيَّةً" انظر: السبعة 243.
(7) انظر: تفسير الطبري (هجر) 8/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 875)
وإِنَّما هي كالقَسِيِّ من الدراهم، وهي التي خالطها غِشٌّ وتدليسٌ، فكذا القلوب لم تَصْفُ للإِيْمانِ، بل خالطها الكفرُ والفسادُ، ومن ذلك قول أَبي زُبيدٍ:
لَها صَواهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كما … صَاحَ القَسِيَّاتُ في أَيدي الصَّيَارِيفِ (1)
ومنه قول الآخر (2):
فمَا زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمَامَةٍ … وخَمسِ مِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزِائِفُ (3)
قال أبو عليّ (4): هذه اللفظةُ معرَّبةٌ، وليست بأصلٍ في كلامِ العرب (5)». (6)
وقد اختار الطبري قراءة "قَسِيَّة" فقال: «وأَعجَبُ القراءتين إِليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: "وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً"؛ لأَنَّها أبلغ في ذَمِّ القومِ مِن {قَاسِيَةً} [المائدة: 13]. (7) غير أَنَّهُ ذهب في تأويلها إلى معنى القَسوةِ لا إِلى القِسِيِّ، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأَوله فعيلةً من القَسوةِ، كما قيل: نَفسٌ زكيَّةٌ وزاكيةٌ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشهيدةٌ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه وصفَ القومَ بنقضهم ميثاقَهم، وكفرِهم بهِ، ولم يصفهم بشيءٍ من الإيمانِ فتكون قلوبهم موصوفةً بأَنَّ إِيمانَها يُخالِطهُ كُفرٌ، كالدراهم القَسِيَّةِ التي يُخالِط فِضتَها غِشٌّ». (8)--------------------------------------------
(1) الصَّواهلُ: جَمعُ الصاهلة، مصدرٌ على فاعلة، بِمعنى الصَّهيلِ، وهو صوتُ الخيلِ. والقَسيَّاتُ: ضَربٌ من نقودِ الفِضةِ الزائفة، والصَّياريفُ والصَّيارفُ: جَمعُ الصَّرَّاف، والصَّيْرَفُ والصَّيْرفيُّ هو النَّقَّادُ البصير بالنقود. وهو يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان بن عفان رضي الله عنه على الصخور، وهي السِّلامُ. انظر: ديوان أبي زبيد الطائي 38.
(2) هو مزرد بن ضرار الغطفاني.
(3) سَحقُ عِمَامةٍ: أي شيء زهيد. انظر: إصلاح المنطق 332.
(4) هو أبو علي الفارسي. انظر: الحجة للقراء السبعة 3/ 184.
(5) انظر: المعرب للجواليقي 305 وقد استشهد بالشاهدين اللذين استشهد بهما ابن عطية.
(6) المحرر الوجيز 5/ 59 - 60.
(7) تفسير الطبري (هجر) 8/ 250.
(8) تفسير الطبري (هجر) 8/ 251.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 876)
رابعًا: وقد تكونُ هذه اللفظةُ من المُولَّدِ الذي لم تعرفه العرب في الجاهلية، وإنما عرفته بعد ذلك، فينص المفسر على أن هذه اللفظة مولدة، ويستشهد على ذلك بالشاهد الشعري. ومن ذلك قول القرطبي وهو يفسر معنى البسملة: «قال الماوردي (1): ويُقالُ لِمَن قال: بسم الله، مُبَسْمِلٌ، وهي لغةٌ مُولَّدَةٌ، وقد جاءت في الشعرِ، قال عمر بن أبي ربيعة:
لقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها … فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ (2)». (3)
فقد حَكَمَ الماورديُّ بأَنَّ لفظة «بَسمَلَ» مُولَّدةٌ، وعارضه المَعريُّ فقال: «وبَسْمَلَ إذا قالَ: بسم الله، وأَنشدوا بيتًا يَجوزُ أَنْ يكونَ مُولَّدًا، ولا أَحكمُ عليهِ بالتوليدِ:
لقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها … فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ». (4)
وعُمرُ بنُ أبي ربيعةَ من شعراء الاحتجاج، حيث توفي سنة 93 هـ، وإن كانت اللفظةُ إِسلاميَّةً مأخوذةً من قول القائل: (بسم الله)، فلعلَّ قولَ أبي العلاء أولى، لاتفاق العلماءِ على الاستشهاد بشعرِ عمرَ بن أبي ربيعة وطبقته.
خامسًا: كل ما تقدم يعنى ببيان الفصاحة في المفردة، غير أن المفسرين قد تعرضوا إلى بعض التراكيب النحوية، ونصوا على أن هذا التركيب أجود من ذاك، أو هو الأكثر أو نحو ذلك من عبارات المفاضلة بين التراكيب النحوية. ومن ذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] (5) وهو يتكلم عن «إذا» ومتى يُجزم جوابُها: «وفي «إذا» مَعنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله: {فَتَبَيَّنُوا} وقد يُجازَى بِها كما قال (6):--------------------------------------------
(1) انظر: النكت والعيون 1/ 50.
(2) انظر: ديوانه 498.
(3) الجامع لأحكام القرآن 1/ 97.
(4) رسالة الملائكة 212.
(5) النساء 94.
(6) هو عبد قيس بن خفاف البُرجُمي، شاعر جاهلي تميمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 877)
........................... … وإِذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ (1)
والجيدُ أَلَاّ يُجازى بِها، كما قال الشاعر (2):
والنَّفْسُ راغِبَةٌ إذا رَغَّبْتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ (3)». (4)
وهذا أَثَرٌ واضحٌ للشاهد الشعري في الاستشهاد على التركيب الأجود في «إذا» وهو أَلَاّ يُجزم جوابُها إذا كانت للشرطِ كما في بيت أبي ذؤيب. وإن كان الجزم بها إذا تضمنت معنى الشرط واردًا عن العرب كما في بيت عبد قيس البُرجُميِّ. (5)
والقرطبي وهو يحكم على بعض التراكيب بمثل هذه الأحكام ينقل عن النحويين الكبار مثل سيبويه وغيره، وينقل شواهدهم الشعرية التي يستشهدون بها في اختيار الأجود من التراكيب النحوية، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء: 83] (6) حيث قال: «في «إذا» معنى الشرط، ولا يُجازى بِها وإِنْ زيدت عليها «ما»، وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه (7): «والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير:
وإذا ما تَشاءُ تَبْعَثُ مِنها … مَغْرِبَ الشَّمْسِ ناشِطًا مَذْعُورا (8)
يعني أَنَّ الجيدَ لا يُجزمُ بـ «إذا ما»، كما لم يُجزمْ في هذا البيت». (9) وقد ذكر سيبويه عِلَّةَ ذلك نقلًا عن الخليل فقال: «وسألته - أي الخليل - عن «إذا»، ما منعهم أن يُجازوا بِها؟ فقال: الفعل في--------------------------------------------
(1) عجز بيت، صدره:
وَاِستَغنِ ما أَغناكَ رَبُّكَ بِالغِنى … ...................................
والخَصاصَةُ: الحاجة والفقر، والتجمُّلُ: التجلُّد والصبر. … انظر: المفضليات 385.
(2) هو أبو ذؤيب الهذلي.
(3) انظر: ديوان الهذليين 1/ 3.
(4) الجامع لأحكام القرآن 5/ 338.
(5) انظر: مغني اللبيب 2/ 48 - 110.
(6) النساء 83.
(7) انظر: الكتاب 3/ 62.
(8) الناشط: الثور، والمذعور: الفَزِعُ. انظر: ديوانه 127.
(9) الجامع لأحكام القرآن 5/ 291.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 878)
«إذا» بِمَنْزِلتهِ في «إذ»، إذا قلتَ: أَتذكرُ إِذْ تقولُ، فإذا فيما تَستقبلْ بِمنْزِلة إِذ فيما مَضى. ويُبَيِّنُ هذا أَنَّ «إذا» تَجيءُ وقتًا معلومًا». (1) وقد استعان بالشاهد الشعري لتصويب اختياره، وإن كان سيبويه قد استشهد بشواهد من الشعر في المجازاة بها، غَير أَنَّهُ حَمَلَ ذلك على الاضطرار. (2)
ومن الأمثلة عند الزمخشري قوله عند تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] (3): «وقُرئَ: "بالغُدُوةِ" (4)، وبالغداةِ أَجودُ؛ لأنَّ «غُدْوَةً» عَلَمٌ في أكثر الاستعمال، وإدخالُ اللام على تأويل التنكيْرِ كما قال (5):
....................... … والزَّيدُ زيد المعارك (6)
ونَحوهُ قَليلٌ في كلامِهِم». (7) وكلام الزمخشري يتعلق بالعَلَمِ الذي يُمكنُ تأويلهُ بواحدٍ مِنْ جِنسهِ، فيُنَكَّرُ لذلك، وتُدخِلُ عليه العربُ «أل»، كقولهم: مُضرُ الحَمراءُ، ورَبيعةُ الفَرَسِ، والقول بقلة هذا في كلام العرب قَولٌ انفرد به الزمخشريّ فيما عثرتُ عليه. (8)
وقال الزمخشري أيضًا عند تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112] (9): «{عِيسَى} في مَحلِّ النصبِ على إتباعِ حركةِ الابنِ، كقولك: يا زيدَ بنَ عَمرو، وهي اللغةُ الفاشيةُ، ويَجوزُ أن يكون مضمومًا كقولك: يا--------------------------------------------
(1) الكتاب 3/ 60.
(2) انظر: الكتاب 3/ 60 - 62.
(3) الكهف 28.
(4) قرأَ الجمهور {بالغَداةِ}، وقرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وغيرهما {بالغُدْوَةِ}. انظر: السبعة 258، 390، التيسير 143، النشر 2/ 310.
(5) هو الأخطل التغلبي.
(6) والبيت بتمامه:
وقدْ كانَ مِنهُمْ حَاجِبٌ وابنُ عَمِّهِ … أَبُو جَندلٍ والزَّيدُ زَيْدُ المعاركِ
انظر: ديوانه 242.
(7) الكشاف 3/ 580 - 581.
(8) انظر: المفصل للزمخشري 24 - 25، والمقتضب 4/ 48.
(9) المائدة 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 879)
زَيدُ بنَ عَمروٍ، والدليل عليه قوله (1):
أَحَارُ بنَ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ … ويَبْدو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ (2)
لأَنَّ الترخيمَ لا يكونُ إِلَّا في المَضمومِ». (3)
هذه أمثلة متفرقة من كتب التفسير التي تعرضت لها في هذا البحث، تدل على أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها، وكذلك بعض التراكيب النحوية، وهي أمثلة قليلة موازنة بأثر الشاهد الشعري في غيرها من الجوانب.
* * *--------------------------------------------
(1) هو امرؤ القيس.
(2) انظر: ديوانه 154.
(3) الكشاف 1/ 692.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 880)
المبحث التاسع: أثر الشاهد الشعري في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات.
عُني العلماء بِبَيان أسبابِ نُزولِ الآياتِ التي حُفظَ لها سببُ نُزول، حيث «إنَّ معرفةَ سببِ النُّزولِ يُعينُ على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يُورثُ العِلمَ بالمُسَبَّبِ» (1)، وأسبابُ النُّزولِ لا تعرف إلا من طريق النقل، ولا مدخل للعقل فيها، وقد كان المفسرون يستشهدون بشواهد الشعر التاريخية، التي تُبَيّنُ أسبابَ نزول بعض الآيات، ومصدر هذه الشواهد روايات أهل السير والأخبار وكتبهم. وكانت السيرة النبوية لابن إسحاق وتهذيبها لابن هشام من المصادر المهمة للشواهد الشعرية التي تناولت كثيرًا من حوادث نزول القرآن الكريم في مواضع متفرقة.
وقد عني المفسرون بهذا النوع من الشواهد الشعرية لتقوية روايات أسباب النُّزول، وإيضاح ملابسات كثير منها. وأصحاب هذه الأشعار مِمَّن شاهدوا التَّنْزيل كحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم من شعراء الصحابة رضي الله عنهم، ومَنْ عاصر تلك الحقبة من غيرهم من الشعراء.
كما استفاد المفسرون من هذه الشواهد الشعرية في معرفة كثير من أحوال العرب قبل الإسلام، وعادات أهل الجاهلية، وأشعارهم من خير ما يصور حالهم تلك. وقد تعددت فوائد هذه الشواهد الشعرية في إيضاح الأحوال التي نزلت فيها آيات القرآن الكريم، ومن هذه الفوائد:--------------------------------------------
(1) مقدمة التفسير لابن تيمية 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 881)