المطلب الثالث: الحالة العلمية.
يعتبر القرنان الثالث والرابع الهجريان من أكثر القرون زهوا في تاريخ الحركة العلمية، وأعظمها تفتحا على آفاق المعرفة وميادين العلم.
ففي هذه الفترة ازدهرت حركة التأليف والتدوين في شَتّى العلوم، ومختلف المعارف والفنون، سواء ما كان منها متعلقا بالحديث رواية ودراية، أم بالفقه، ولا سيما فقه المذاهب المتبوعة المشهورة، أو ما كان في اللغة وآدابها ومعارفها، أو التاريخ والأخبار، أو العلوم التطبيقية والطبية.
وفي تلك الفترة بدأت حركة الترجمة إلى العربية، تنشط وتزدهر، وخاصة ما تم نقله من حضارة الفرس، وآدابها، ومعارفها المختلفة، على نحو أثرى المسيرة العلمية وطورها، وفتح الأذهان وفتقها، وآذن ـ أيضا ـ بظهور مذاهب شتى ونِحَل مختلفة.
وإن يكن الأمراء والوزراء قد أسهموا في تقسيم البلاد، فقد كان لهم فضل دعم المسيرة العلمية، ومؤازرة العلماء، وتشجيعهم، فبدلا أن تكون بغداد والبصرة مركزي العلم والعلماء دون غيرها، أصبح بجانبها: شيراز، والرَّي، وأصبهان، وهمذان، وبخارى، وسمرقند، والقاهرة، ودمشق، ولكل منها سماتها وخصائصها(1).
وبعد أن كان الخليفة وحده هو الذي يشجع العلم والعلماء، أصبح هناك أمراء متعددون، يحرصون أشد الحرص على مؤازرة العلماء وتشجيعهم، وإجراء الأرزاق عليهم،--------------------------------------------
(1) تاريخ الأدب العربي ص 16 للسباعي بيومي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
بل وتنافسوا على استصحاب العلماء في مجالسهم، وإسناد وزارات الدولة ووظائفها إليهم، بل حتى في جمع الكتب وحيازتها، حتى كان عظم خزائنهم من الكتب مدعاة للتفاخر(1).
ولقد كانت الجوامع الكبار منارات علمية، أشبه ما تكون بالجامعات في عصرنا الحاضر، تُدَرّس فيها مختلف العلوم، وشتى المعارف والفنون، وكانت مجالس الدرس والسماع، تزدحم بمختلف شرائح المجتمع، وشتى طبقاته، من الأمراء إلى سوقة الناس وعامتهم.
ـ وفي الحق ـ فقد كانت حقبة زمنية ازدانت بأئمة أعلام كبار، كانت لهم آثارهم الواضحة، على المسيرة العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية، ولا يستطيع المرء أن يحصي ذكرهم، وسأكتفي بذكر بعض أشهر الأئمة في المذاهب المتبوعة، أو أولئك الذين برزوا في بعض فنون العلم وميادين المعرفة، ممن عاش في نفس الفترة التي عاشها المؤلف، ومقتصرا على العراق ومصر، إذ كان فيهما مقامه ومنزله، فمنهم(2):
1. المَحَامِلي، أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي (ت: 303) الإمام صاحب السنن.
2. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري (ت: 304) إمام اللغة والنحو.
3. الطبري، محمد بن جرير بن غالب الطبري (ت: 310) شيخ المفسرين.
4. الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: 321) محدث الديار المصرية وفقيهها.
5. نفطويه، أبو عبد الله بن محمد العتكي الأزدي (ت: 323) إمام النحو، صاحب التصانيف البديعة.
6. ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد البغدادي (ت: 324) الإمام المقرئ مصنف كتاب السبعة.
7. الاصْطَخْرِي، أبو سعيد الحسن بن يزيد الاصطخري الشافعي (ت: 328) الفقيه الشافعي.
8. الأشعري، أبو الحسن علي بن بشر الأشعري اليماني البصري (ت: 330) الإمام رأس المتكلمين.
9. الجصاص، أبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن الجصاص البغدادي (ت: 331) الإمام الفقيه الحنفي.
10. ابن عقدة، أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت: 332) أحد أعلام الحديث وحفاظ زمانه، وصاحب التصانيف الكثيرة.
11. الأثرم، أبو العباس محمد بن أحمد البغدادي الأثرم (ت: 336) الإمام المقرئ المحدث.
12. أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد المروزي (ت: 340) شيخ الشافعية وصاحب ابن سريج.
13. الكَرْخِي، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي (ت: 340) مفتى العراق شيخ الحنفية.
14. ابن الحداد، أبو بكر بن أحمد بن محمد الكناني المصري (ت: 345) وصاحب كتاب الفروع في المذهب الشافعي.--------------------------------------------
(1) ينظر: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع (1/ 286). آدم متز.
(2) ينظر: تاريخ بغداد، وسير أعلام النبلاء المجلد الخامس عشر، والبداية والنهاية المجلد السادس، والنجوم الزاهرة المجلد الثالث والرابع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
15. السمرقندي، أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي المصري (ت: 345) الإمام المحدث المسند.
16. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت: 345) صاحب مروج الذهب.
17. ابن يونس، أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري (ت: 347) الإمام الحافظ المتقن، صاحب تاريخ علماء مصر.
* المدرسة المالكية العراقية(1).
في هذه الحقبة الزمنية، الزاخرة بالعلم، الناضحة بالعلماء، الناضجة بالمعرفة، عاش عالمنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء، الذي أسهم في هذه المسيرة العلمية الراشدة، ولا سيما في المدرسة المالكية بالعراق، حيث كانت تلك المدرسة المالكية تعيش أزهى عصورها وأنضج مراحلها، وسأختصر الكلام عن هذه المدرسة في النقاط الآتية:
" نشأة المدرسة العراقية.
كان الإمام مالك بالمدينة النبوية قبلة طلاب العلم ورواته، وردوا إليه من مختلف الحواضر والعواصم الإسلامية، كل ينهل من مورده، وقد برز من هؤلاء طائفة التزمت مذهب مالك وأصوله الفقهية، وحفظوا عنه أقواله وآراءه الفقهية، فأخذوا في نشرها في البلاد التي أقاموا بها، ولم ينشب الأمر حتى تطور، ليصبح أولئك النفر القليل، نَبتاتٍ مباركات لمدارس قامت في عدد من الأمصار، ترجع في أصلها إلى تلك المدرسة الأم في المدينة، وأستاذها الأول: مالك بن أنس، وهي خمس مدارس:--------------------------------------------
(1) ينظر حول هذه المدارس: اصطلاح المذهب عند المالكية ص 57، والمذهب المالكي: مدارسه، ومؤلفاته، خصائصه، وسماته، تأليف محمد المختار محمد المامي ص 43، والمدرسة البغدادية للمذهب المالكي: نشأتها، أعلامها، منهجها، أثرها (رسالة علمية مقدمة لكلية الأداب بجامعة محمد الخامس) إعداد محمد العلمي، أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي، وأهم مميزات المدرسة البغدادية (بحث مقدم للمؤتمر العلمي بدولة الإمارات العربية، حول القاضي عبد الوهاب البغدادي) أعده الحبيب بن طاهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
1. مدرسة المالكية في المدينة المنورة
2. مدرسة المالكية في العراق.
3. مدرسة المالكية في مصر.
4. مدرسة المالكية في القيروان.
5. مدرسة المالكية بالأندلس.
لقد كان من أبرز العوامل التي أسهمت في قيام هذه المدارس؛ هو أستاذها الأكبر مالك بن أنس، فقد كان رحمه الله متضلعا من علمي الحديث والفقه، ظهرت آثار تضلعه على تلاميذه، فتميز بعضهم بعلم الحديث وروايته، وتميز الآخر بالفقه ودرايته، فكانت هذا المدارس جميعها، يظهر فيها أحد اتجاهين اثنين:
الاتجاه الأول: من يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على ما جرى عليه العمل، ولقد تزعم هذا الاتجاه المدنيون، وتابعهم عليه أئمة من المدارس الأخرى.
الاتجاه الثاني: يرى الاعتماد على الأحاديث التي أيدها العمل وتقديمها، وبمعنى آخر: اتخاذ عمل أهل المدينة عملا مثاليا ومفسرا للسنة.
ومحل النظر هنا من بين هذه المدارس جميعها: المدرسة العراقية، التي يعتبر أبو الفضل القشيري وشيخه القاضي إسماعيل، أحد آثارها، حيث تميزت هذه المدرسة بعامل آخر كان له أثره البارز على اتجاهها، على نحو ميزها عن سائر المدارس المالكية الأخرى:
وهي البيئة التي ظهرت فيها هذه المدرسة، فقد كانت بيئة العراق العلمية يغلب عليها اتجاه أهل الرأي، فظهر ذلك على طريقة العراقيين من أتباع مالك، حتى كانت مؤلفاتهم مسلكا جديدا على الفقه المالكي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
إذ تميزوا " بإفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين"(1)، كما أنهم تميزوا بدراسة " المذهب دراسة مقارنة بالمذاهب الأخرى، ولهم في هذا فضل السبق والابتكار "(2) ولهذا يقول الخطيب البغدادي وهو يتكلم عن القاضي إسماعيل، الذي يعتبر بحق رأس هذه المدرسة وإمامها: " وصنف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له، ما صار لأهل هذا المذهب، مثالا يحتذونه، وطريقا يسلكونه "(3).
كما امتازت هذه المدرسة عن غيرها من المدارس المالكية الأخرى، بسمة التقعيد للمسائل، والتأصيل للقضايا، ولعل هذا التميز كان أثرا من آثار البيئة التي ظهرت فيها حيث كانت المدرسة الحنفية والشافعية متميزة في هذا الأمر(4).
كما امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق ـ أيضا ـ عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، بسعة الاطلاع على نتاج ومؤلفات وكتب المذاهب الأخرى، والاقتباس من طرقها وأساليبها.
" أشهر روادها.
يعتبر عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وسليمان بن بلال، وأحمد بن المُعَذِّل، هم الرواد الأوائل الذين أدخلوا مذهب مالك إلى العراق، ومهدوا لقيام المدرسة العراقية،--------------------------------------------
(1) أزهار الرياض للمقري (3/ 22).
(2) ينظر: بحث: المدارس الفقهية المالكية بالعراق عوامل نشأتها وأبرز أعلامها، أعده محمد التمسماني.
(3) تاريخ بغداد (6/ 285).
(4) ينظر: المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته ص 85، وبحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب ابن طاهر ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
غير أن أسرة آل حماد يُدان لها بفضل نشر المذهب في العراق، وأخذه مكانه بين العراقيين، وعلى رأس هذه الأسرة الكريمة، يأتي الإمام إسماعيل بن إسحاق (ت: 282) ـ شيخ المؤلف ـ والذي يعتبر بحق: المؤسس الفعلي للمدرسة المالكية في العراق، ثم تبعه بعد ذلك أبو بكر محمد بن عبد الله الأبهري (ت: 375)، وأبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب (ت: 378)، وأبو الحسن علي بن عمر بن القصار (ت: 398)، الذين كانوا دعامة المهذب المالكي في العراق، ثم خلفهم القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت: 422) الذي يُعتَبر خاتمة الأئمة الكبار من مالكية العراق، فلم تدم هذه المدرسة بعده طويلا.
" أبرز آثارها.
من أبرز الآثار التي خلفتها المدرسة العراقية، أنها استطاعت المزاوجة بين الاتجاه الأثري الأصيل في المذهب المالكي، واستعمال المنهج الاستنباطي الفقهي التعليلي، القائم بالعراق " فأهل العراق جعلوا مصطلحهم في مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب، بالأدلة والقياس … ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، على رسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين"(1)،
وظهر أثر هذا المنهج على المذهب المالكي، وانعكست آثاره رسما باديا على شخصيات بارزة فيه، فظهر جليا تأثر أبي زيد القيرواني(2)، وكذلك أبي الوليد الباجي" حيث تعمق في درس مناهج الفرع المالكي العراقي، جامعا في دراسته بين الفقه والحديث، حتى إذا عاد إلى الأندلس أضحى مدرسة قائمة بذاتها … ولقد كان لتلاحم هاتين الطريقتين،--------------------------------------------
(1) أزهار الرياض (3/ 22).
ينظر كذلك: بحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب بن طاهر ص 40.
(2) ينظر: أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وامتزاجهما في التكوين العلمي للباجي، أثرهما الواضح في منهجه: مناقشة ومناظرة، وبحثا، وتأليفا "(1)، وكذا الشأن في الإمام ابن رشد، حيث طبق هذه الطريقة الجامعة في كتابه المقدمات والممهدات، وتبعه بعده القاضي عياض في شرحه للمدونة شرحا " جمع فيه بين الطريقة العراقية، التي تعتمد على القياس والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، والطريقة القروية التي تعتمد على الضبط والتصحيح، وتحليل المسائل والمباحث"(2).
ومن آثار هذه المدرسة ما خلفته من مؤلفات، تَشِي بمدى روح الإبداع والتنوع عند هذه المدرسة، مع ما تميزت به كثير من تلك المؤلفات من نَفَسٍ عالٍ في التحقيق والتدقيق، وجودة النظر والتعليل، وسأذكر طرفا من المؤلفات التي أنتجتها المدرسة العراقية، على أيدي أئمتها الكبار، فمنها(3):
* مؤلفات القاضي إسماعيل بن إسحاق.
1. المبسوط.
2. مختصر المبسوط.
3. أحكام القرآن.
4. الرد على محمد بن الحسن.
5. الرد على أبي حنيفة.
6. الرد على الشافعي.--------------------------------------------
(1) اصطلاح المذهب عند المالكية ص 202.
(2) أعلام الفكر الإسلامي ص 54.
(3) ينظر: كتاب دراسات في مصادر الفقه المالكي، وكتاب اصطلاح المذهب عند المالكية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
* مؤلفات أبي بكر بن الوراق.
1. مسائل الخلاف، لأبي عبد الله بن بكير.
2. مسائل الخلاف والحجة على مذهب مالك.
3. شرح مختصر ابن الحكم.
4. الرد على محمد بن الحسن.
* مؤلفات أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري.
1. أحكام القرآن.
2. كتاب مسائل الخلاف.
3. الرد على الشافعي.
4. الرد على المزني.
5. كتاب الأشربة.
* مؤلفات أبي بكر الأبهري.
1. شرح المختصر الكبير.
2. شرح المختصر الصغير.
3. مسلك الجلالة في مسند الرسالة.
4. كتاب الأمالي.
5. كتاب إجماع أهل المدينة.
6. كتاب الرد على المزني.
7. كتاب الأصول.
8. مسألة إثبات حكم القافة.
9. كتاب فضل المدينة على مكة.
10. مسألة الجواب والدلائل والعلل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
* مؤلفات ابن الجلاب.
1. كتاب في مسائل الخلاف.
2. شرح المدونة.
3. التفريع (مختصر الجلاب).
* القاضي عبد الوهاب البغدادي.
1. التلقين.
2. شرح رسالة أبي زيد القيرواني.
3. شرح المدونة.
4. الممهد في شرح مختصر أبي محمد.
5. المعونة.
6. الإشراف على نكت مسائل الخلاف.
7. النصرة لمذهب إمام دار الهجرة.
8. الفروق في مسائل الفقه.
9. عيون المسائل.
هذه المؤلفات التي نقلتها لنا المصادر التاريخية، وغيرها مما توارى في زاويا التاريخ وأرفف التراث، جميعها تدل على ما بلغته تلك المدرسة من ازدهار ونشاط علمي.
ومن تأمل في هذه المؤلفات والمدونات العلمية، سيلحظ أمرين جليين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
أولهما: العناية الخاصة بالجانب الفقهي، تأليفا وشرحا، وتعليلا ونظرا، على نحو طغى على ما سواه من الفنون العلمية، والمباحث الشرعية، ولعل العذر في هذا أن القوم كانوا في بيئة غلب عليها مدرسة أهل الرأي الفقهية، مما استوفز الهمم، وشد العزائم، على التقرير والتحرير، والاستدلال والتعليل، إعلاما بالحضور، وإيذانا بالوجود.
وثانيهما: تجلى في هذه المدرسة ـ وهي نَبْتُ بيئتها ـ نشاط ملحوظ، وجلد ظاهر على الجدل والمناظرة، والرد والمحاورة، مَثّلَه بشكل ظاهر، هذه المؤلفات الكثيرة في الردود على المخالفين، على نحو لا يوجد عن المدارس المالكية الأخرى(1)، ولعل الذي حمل أئمة المدرسة على ذلك، قربهم الشديد من مخالفيهم، من المذاهب الأخرى ولا سيما الأحناف، حيث ضربت بجرانها في العراق، على أن القوم وإن أكثروا، فإنهم لم يبدؤوا هذا السجال، بل كانوا مدافعين عن إمام المذهب، يردون عنه صولات الناقدين، يقول الاستاذ الحبيب بن طاهر: " وإن هذا المنهج هو طابع مميز لهم عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الأخرى، الذين كان التأليف فيهم في علم الخلاف نادرا، كما كان مقتصرا على الأثر دون أن يبلغ مستوى النظر وإعمال الرأي ومقارعة الحجج العقلية بما يناسبها"(2).
" أسباب اندثارها.
دب الضعف للمدرسة العراقية في القرن الخامس الهجري، وربما كانت بوادره بدأت برحيل القاضي عبد الوهاب عنها إلى مصر(3)، حتى إذا انتصف القرن الخامس لم يبق في العراق إمام مالكي يقوم بالمذهب، يقول القاضي عياض: "انقطع المذهب ببغداد فلم يبق بها إمام من نحو الخمسين والأربعمائة، عند وفاة أبي الفضل ابن عبدوس"(4)، وقد ساعدت عدد من العوامل والأسباب في ضعف المذهب المالكي في العراق حتى انقطع، فمع النكبات السياسية التي حلّت بأتباع المذهب، فهناك خروج القضاء عن المالكية، وتلاحق وفاة كبار علماء المذهب، وخروج أغلبهم من العراق(5).--------------------------------------------
(1) ينظر: بحث: المدارس الفقهية المالكية بالعراق عوامل نشأتها وأبرز أعلامها، أعده محمد التمسماني، وبحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي للحبيب بن طاهر ص 48.
(2) بحث: أسباب تعدد المدارس في المذهب المالكي ص 50.
(3) ينظر: اصطلاح المذهب عند المالكية ص 69.
(4) ترتيب المدارك (1/ 24).
(5) ينظر بتوسع: بحث: المدرسة البغدادية للمذهب المالكي، ص: 174، إعداد: محمد العلمي، وقد تناول فيه أسباب ضعف المدرسة العراقية بتوسع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
المبحث الثاني: حياته الشخصية والعلمية (1).
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.
المطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.
المطلب الثالث: مكانته العلمية.
المطلب الرابع: آثاره، ووفاته.
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته.
* اسمه.
هو: بكر، بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن كعب القشيري، المالكي البصري(2).
وجاء في بعض المصادر(3) أنه: بكر بن العلاء بن محمد، وهو الاسم المشهور في المصادر التي يرد فيها ذكر أبي الفضل القُشَيْرِي.--------------------------------------------
(1) ينظر مصادر ترجمته في:
ترتيب المدارك للقاضي عياض (5/ 270)، الوافي بالوفيات (10/ 136)، وسير أعلام النبلاء (15/ 537) والعبر في خبر من غبر (2/ 269)، والديباج المذهب لابن فرحون ص 100، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 120)، ومرآة الجنان (2/ 336)، وشذرات الذهب (2/ 266)، وهدية العارفين (1/ 234) وشجرة النور الزكية ص 79، والأعلام للزركلي (2/ 69)، معجم المؤلفين (3/ 74)، حسن المحاضرة (1/ 450).
(2) ينظر: الوافي بالوفيات (10/ 136)، وسير أعلام النبلاء (15/ 537) وشذرات الذهب (2/ 366).
(3) ينظر: الديباج المذهب ص 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
والذي يظهر أن اسمه بكر بن محمد، وذلك اعتمادا على ما ورد في ذات كتابه أحكام القرآن، فيما حكاه عنه تلميذه الذي سمعه، فقد ذكر أبو بكر الأدفوي اسم القاضي أبي الفضل القشيري في مواضع عديدة من الكتاب، وفي جميعها يقول: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي(1)، وعلى هذا النحو جاء في أكثر المصادر التي ترجمت له، ولا يشكل على هذا أن تسميته بكر بن العلاء، هو أكثر ما يتردد في المصادر، لأنه يجوز أن ينسب الرجل إلى جده، وربما كانت تلك النسبة ليتميز بها عن غيره، ممن يشاركه في اسمه واسم أبيه.
وحكى محمد بن عمر بن عيشون الطليطلي، عن أبي الفضل القشيري، أن أمه من ولد عمران بن حصين رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
* كنيته.
أبو الفضل، نصت على ذلك كتب التراجم، ونص عليه ـ أيضا ـ أبو بكر الأدفوي تلميذه، الذي سمع منه كتابه أحكام القرآن.
* نسبه.
يرجع نسبه إلى: القشيري، والقشيري كما تذكر كتب الأنساب، نسبة إلى بني قشير(3)، وهي قبيلة من قبائل العرب الكبرى، أبناء كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، من العدنانيين(4).
وإليها ينتسب عدد من الأئمة الكبار، من أشهرهم:
مسلم بن الحجاج القشيري، صاحب الصحيح(5).
وأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري(6).--------------------------------------------
(1) ينظر: مقدمة المخطوط، وكذلك المواضع الآتية: سورة النور أية (31) والشورى (13) والمعارج (23).
(2) ينظر: ترتيب المدارك (5/ 270) والديباج المذهب ص 100.
(3) ينظر: الأنساب (4/ 502).
(4) ينظر: الإنباه على قبائل الرواة ص 73.
(5) ينظر: الأنساب (4/ 503).
(6) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
* مولده.
ولد القاضي أبو الفضل بكر بن محمد القشيري، في عام أربعة وستين ومائتين للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وكتب التراجم ـ التي وقفت عليها ـ لم تنص صراحة على مولده، غير أن ابن فرحون رحمه الله ذكر أن أبا الفضل توفي بعد أن بلغ ثمانين سنة، يقول: " وتوفى بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين سنة بأشهر"(1).
* نشأته.
ليس في المصادر التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، حديث يذكر عن نشأته، يروي الظمآن، ويشفي الغليل، وقد ذكر القاضي عياض حادثة حكاها أبو الفضل نفسه، تلقي شيئا من الضوء على نشأته الأولى، قال: " احتبس بولي وأنا صبي، نحو سبعة أيام، فأتى بي والدي إلى سهل التستري ليدعو لي، فمسح بيده على بطني، فما هو إلا أن خرجنا؛ بُلت على عنق الغلام "(2) وهذه الحادثة ـ وإن كانت عابرة ـ فربما بقيت نقشا في ذاكرة الغلام الصغير، لتكون بعد ذلك دافعا من تلك الدوافع والأسباب، التي حفزته على ملازمة الشيخ العابد الزاهد: سهل بن عبد الله التستري، حتى عرف به، واشتهر بحكاية أخباره، ورواية أقواله، وسنرى في هذا الكتاب طرفا منها(3).--------------------------------------------
(1) الديباج المذهب ص 100.
(2) ترتيب المدارك (5/ 271) ينظر كذلك: الديباج المذهب ص 100.
(3) ينظر: ما ذكره عند قوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه) وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وهذه الحادثة تدل ـ أيضا ـ على أن أبا الفضل القشيري ولد في البصرة، أو على الأقل نشأ فيها منذ صغره، فإن سهل بن عبد الله التستري، كان مقامه بالبصرة وبها توفي سنة 283 هـ.
ومن غلبة الظن أن أبا الفضل عاش جُل حياته ـ أيضا ـ بالبصرة، فإن سماعه من القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت: 282) كان في أول نشأته، ربما كان في أواخر العقد الثاني، أو أول العقد الثالث من عمره، وسمع ـ أيضا ـ من كبار تلاميذ القاضي إسماعيل، وكلهم بصريون، وهذا مما يرجح أنه عاش أكثر حياته بالبصرة.
ومن سماعه للقاضي ندرك أن أبا الفضل طلب العلم مُذْ كان صغيرا، فإن سماعه من القاضي إسماعيل كان في آواخر العقد الثاني تقريبا.
على أن أبا الفضل وإن يكن نشأ بالبصرة وعاش بها، فقد شاء الله ـ تعالى ـ له أن ينتقل إلى مصر قبل الثلاثين وثلاثمائة، ليعيش أواخر حياته فيها، وليتبوأ فيها مكانة مرموقة، بعد أن ذاع صيته، وعرفت مكانته، قال القاضي عياض: " وخرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رئاسة عظيمة "(1).
وهذا النص الذي ذكره ابن فرحون، وإن كان أشار إلى أن خروج أبي الفضل لم يكن رغبة عن البصرة، بل كان لأمر اضطره إلى هذا، فإنه لم يذكر لنا هذا الذي اضطره إلى الخروج أي شيء كان.
أما المناصب التي تقلدها فقد اشتهر أنه ولي القضاء ببعض نواحي العراق(2)، وقد اشتهر بذلك حتى كان لقب القاضي قرين اسمه.
وأما قول الشعر فلم يعرف عنه، إلا أن ابن عيشون قال: " وأنشدنا بكر بن العلاء:
ومن شيمتي ألا أفارق صاحبا نقل … على حالة إلا سألت له رشدا
فإن عاد بي ودي رجعت ولم أكن … كآخر لا يرعى ذماما ولا عهدا(3)
هذه بعض الومضات من نشأة الإمام أبي الفضل القشيري، لم تسعف المصادر التاريخية ـ التي وقفت عليها ـ بأكثر منها.--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك (5/ 271).
ينظر كذلك: الوافي بالوفيات (10/ 136) والديباج المذهب ص 100.
(2) ينظر: ترتيب المدارك (5/ 271)، وكذلك: الوافي بالوفيات (10/ 136) والديباج المذهب ص 100.
(3) ترتيب المدارك (5/ 271).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
المطلب الثاني: عقيدته، ومذهبه الفقهي.
* عقيدته.
معرفة عقيدة علم من الأعلام، تكون بطرق ثلاث:
الأولى: أن ينص إمام من الأئمة على عقيدته، ويبين حقيقتها، وكتب التراجم زاخرة بكثير من النقول عن الأئمة في هذا الباب.
الثانية: أن يوجد نص يؤثر عن العالم نفسه، يكشف عن عقيدته ويحكي حال نفسه، وهي طريقة يسلكها بعض المؤلفين في مقدمات كتبهم.
الثالثة: أن يُنظر في مؤلفاته، وتُسْتَقرأ كتبه، للوقوف على معتقد مؤلفها، من خلالها.
ولئن كانت كتب التراجم شحيحة، لم تجد بشيء عن عقيدة المؤلف، إلا ما أشار إليه الذهبي، من أن أبا الفضل القشيري، ألف كتابا في الرد على أهل القدر(1)، فإن في الكتاب الذي بين أيدينا، إشارات واضحة، تكشف عن عقيدة أبي الفضل، مرة عن المعتقد إجمالا، ومرة عن مسائل منه تفصيلا.
وقد دلت تلك المواضع من كتابه؛ على أن أبا الفضل القشيري، كان صاحب سنة، على طريقة السلف رحمهم الله في الاعتقاد.
وسأذكر ما استخلصته من كتابه، مما يدل على عقيدته إجمالا أو تفصيلا:
" في باب التزام طريقة السلف، وتقديمهم على من جاء بعدهم.
افتتح المؤلف رحمه الله كتابه بمقدمة ذكر فيها أن خير السبل، وأسدَّ المسالك، وأبين الطرق؛ ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، ومن تبعهم من أهل القرون المفضلة، وأن أهل العلم لم يزالوا على هذه الطريقة حتى " حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم،--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (15/ 537).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
قوم مُسْتَخِّفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يبارون السلف في العلم بالكتاب … ـ إلى أن قال ـ وكفى بالرجل نقصا؛ أن يرى أنه قد علم من كتاب الله عز وجل ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علما أو فهما، أو يظن أنه مثلهم، لقد خاب وخسر"(1).
وقد بين رحمه الله أن سبب هذا الانحراف عن مسلك السلف ومنهجهم، يعود إلى أنهم: " خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحادوا عن الطريق"(2).
وقد ألزم نفسه في هذا الكتاب ألا يخرج " عن السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة التي نزل القرآن بها "(3).
" في باب الخوف والرجاء.
عرض لقول أهل السنة والجماعة في باب الخوف والرجاء على نحو ما كان عليه السلف، من الجمع بينهما، إلا أن المؤمن في حال عمله وسعيه في هذه الدنيا الأولى له أن يُغّلِب جانب الخوف، وعلل ذلك بقوله: " ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونا بالرجاء … فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفاً؛ لكي لا يتكل فَيَقِلَّ عمله الصالح فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف"(4).--------------------------------------------
(1) ينظر: مقدمة كتابه أحكام القرآن.
(2) ينظر من هذه الرسالة (1/ 141).
(3) ينظر: مقدمة المؤلف في كتابه أحكام القرآن اللوحة رقم [3].
(4) ينظر من هذا الرسالة (153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
" في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام.
ذكرت كتب التراجم أن أبا الفضل القشيري، قد ألف كتابا في" تنزيه الأنبياء"(1) وفي هذا المخطوط محل الدراسة، قد أشار إلى طرف من هذه المسألة، التي وقع بين أهل السنة خلاف في بعض صورها(2)، حيث قرر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تقع منه ذنوب تُكفر عنه، قال رحمه الله: " وقوله: {نَافِلَةً لَكَ} لأنها لا تكفر عنه ذنبا كما تكفر عن غيره، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعل به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له، غير مقابل بها ذنوب تكفر"(3)، ولذلك لما عرض لقول قتادة، عند قوله ـ تعالى ـ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}(4)؛ لم يرتضه، ولم يعجبه، قال: " قال قتادة: ذنوب أثقلته. قال القاضي: قول قتادة لا يعجبني؛ لأن ذنوبه صلى الله عليه وسلم أصغر الصغائر، وقد وضعها الله عنه وما يكون بعد ذلك في سورة الفتح وقد غفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر"(5) ولهذا فقد قرر قاعدة عامة في هذه الباب في كل ما يرد في القرآن الكريم، فقال عند قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}(6): " وهذا عندي ـ والله أعلم ـ وإن كانت مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنما يراد به أمته، وكذلك كل ما كان من أشكاله، والله أعلم"(7).
* في باب ما يجب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد كان العصر الذي عاش فيه المؤلف ـ كما تقدم ـ عصرا مضطربا يموج بعدد من التيارات العقدية، وأشدها أثرا في الأمة في تلك الفترة: الباطنية، والرافضة، وكانت العراق على وجه الخصوص شديدة التأثر بهاتين الفرقتين، ولذا فقد كان المؤلف رحمه الله يقرر في كتابه في مواضع عدة، فضل الصحابة، وأنهم خير الأمة، بل ويذكر الصحابة على التفضيل الذي قرره أهل السنة يحكي ذلك إجماعا منهم، يقول: " لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة، ثم يتلوهم الذين جاءوا أفواجا "(8).
وفي موضع آخر يذكر روايات في سبب نزول قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} ثم رجح أن تكون" نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الأربعة الخلفاء ـ رحمة الله ـ عليهم "(9).
وأهل العراق وقد ظهر فيهم من يطعن في عثمان رضي الله عنه وينال منه، نجد المؤلف رحمه الله يورد خبرا في سورة الحشر عن علي بن الحسين يتضمن تنزيه عثمان وَتَوَلِيه رضي الله عنه(10).--------------------------------------------
(1) أشار إليه: في الديباج المذهب ص 100.
(2) ينظر: منهاج السنة النبوية (2/ 400).
(3) ينظر من هذه الرسالة (1/ 95).
(4) سورة الشرح (1).
(5) ينظر من هذه الرسالة: سورة الشرح الآيات رقم (2، 3).
(6) سورة المدثر (6).
(7) ذكر ذلك عند قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}.
(8) ذكر ذلك عند قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} [الحديد: 10].
ينظر في عقيدة أهل السنة في تفاضل الصحابة ومنازلهم: السنة للخلال (1/ 371).
(9) ذكر ذلك عند قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].
(10) ينظر ذلك عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
وفضلا عن هذا فله في مواضع عدة، كلام عن بعض ما كان من الخوارج على عثمان رضي الله عنه، أو أولئك الذي قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كلها تدل على تعظيم صحابة نبي الله والذب عنهم، ورد قول من تنقص أحدا منهم(1)، وقد نقل رحمه الله عن الإمام مالك كلمته المشهورة الجامعة في هذا الباب، وهي قوله: " من سب أحدا من الصحابة كائنا من كان أو تنقصه، وهم الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا لي أصحابي فمن آذاهم فعليه لعنة الله فليس من المسلمين الذين يقسم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} "(2).
" في باب القدر.
أشارت كتب التراجم إلى أن أبا الفضل القشيري قد ألف كتابا في الرد على أهل القدر(3)، وقد ذكر في كتابه أحكام القرآن؛ أن أهل السنة يرون أن أعمالهم هي مَنٌّ من الله ـ تعالى ـ عليهم " فلولا منّ الله عليه بها، لم يكن بالقادر عليها، فإذا قاله وهذا اعتقاده ومذهبه السنة، حسن منه"(4)، ونقل كلاما عن سهل التستري، يصف فيه طائفة من المخالفين لأهل السنة، في هذا الباب يسميهم بالقدرية " وإنما يكون الرياء في أهل القدر الذين يعتقدون أنهم عملوها بالاستطاعة المركبة فيهم "(5).
" في باب الفرق والملل.
جرى للمؤلف ذكر لأشهر الفرق المنتسبة للإسلام ولا سيما الخوارج، فقد أوردهم في أكثر من موضع، وتضمن هذا الإيراد ردا على بعض ما عندهم، وإن كان المؤلف لم يقصد له ابتداء.--------------------------------------------
(1) ينظر المواضع الآتية: 98، 133، 134، 171، 358
(2) ينظر سورة الحشر الآية (10).
(3) ينظر: الوافي بالوفيات (10/ 136) والديباج المذهب ص 100، سيرد ـ إن شاء الله ـ في المطلب المتعلق بمكانته العلمية، الإشارة إلى ذلك.
(4) ينظر من هذه الرسالة: ص 515.
(5) ينظر من هذه الرسالة: ص 515.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
بل إن المؤلف فصل في بعض فرق الخوارج، وكان من رأيه: أنهم داخلون في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ}(1) وإن لم يكن ابتداء فبالمعنى، قال رحمه الله: " والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب، والمجتهدون منهم؛ لأنه قيل في إثر الكلام: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ}(2) ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُفْرية، والإباضية، والأزارقة، والحرورية، والرافضة في معانيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم كلاب النار"(3).
كما أورد المؤلف أشهر الملل المخالفة للإسلام، فذكر اليهود، والنصارى وأشهر فرقهم(4)، والمجوس، والصابئة، والمشركين، غير أن هذا الإيراد لم يَعْدُ مجرد الذكر، دون خوض في مقالاتهم، إلا أنه نبه على مسألة اختلف فيها أهل العلم، وكان من رأيه فيها أنهم وإن اجتمعوا في مسمى الكفر، فلكل منهم مذهب في كفره، يقول: " وإن كان الكفر كله عندنا ملة واحدة، كلهم كافر، فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى جنس وهم كفرة ومن تولاهم، … وكذلك اليهود، وكذلك المجوس، والصابئون كلهم كافر، وكل له مذهب في كفره "(5).
* مذهبه الفقهي.
لم تختلف كتب التراجم التي ترجمت لأبي الفضل القشيري، سواء منها العام، أو تلك الخاصة بتراجم فقهاء المذاهب، لم تختلف جميعا في أمرين:--------------------------------------------
(1) سورة الكهف (105).
(2) سورة الكهف (105).
(3) ينظر من هذه الرسالة: ص 101.
(4) ذكر ذلك عند قوله تعالى: {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ}.
(5) ينظر من هذه الرسالة (1/ 17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
الأول: أنه كان مالكي المذهب، وفي هذا السبيل نقل ابن فرحون أن أبا القاسم الشافعي عزاه " في شيوخ المالكيين الذين لقيهم وانتمى إليهم"(1).
والثاني: أنه بصري المنزل والمحل(2).
وهذان الأمران يكشفان عن مذهبه الفقهي بجلاء: فهو مالكي المذهب، على طريقة المدرسة المالكية بالعرق، وقد تقدم الحديث عن مدارس المذهب المالكي في المبحث السابق.
ومن الغريب اللافت للنظر ـ حقا ـ أن أبا الفضل نُسب إليه القول بغلق باب الاجتهاد بعد المائتين، إذ نقل ذلك الإمام ابن حزم، فقال في الإحكام: "وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار "(3) ونحو ذلك نقل عنه ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، ونصه: " وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة "(4)، وغرابة هذا الرأي والمسلك، من وجهين:
الأول: أنه لا ينسجم مع البيئة العلمية التي عاش ونشأ فيها أبو الفضل، فقد كانت بيئة العراق الفقهية والعلمية، تتمتع بقدر كبير من اعتبار الرأي، والنظر والتحليل والمقايسات، وشيخه القاضي إسماعيل أحد أشهر رموز المدرسة المالكية بالعراق، قد أخذ بكثير من هذه السمات، التي ميزت المدرسة العراقية عن سائر المدارس المالكية الأخرى، وقد تقدم في المبحث السابق الإلمام بطرف من هذا المعنى.--------------------------------------------
(1) الديباج المذهب ص 100.
(2) ينظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (5/ 270) والوافي بالوفيات (10/ 136) والعبر في خبر من غبر (2/ 269) وسير أعلام النبلاء (15/ 537) والديباج المذهب ص 100، ومرآة الجنان (2/ 336) وشذرات الذهب (2/ 266) وشجرة النور الزكية ص 79.
(3) الإحكام في أصول الأحكام (4/ 604).
(4) أعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 196) وانظر كذلك: إرشاد النقاد للصنعاني ص 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)