Arabic source text

📘 আহকামুল কুরআন লি-বাকর ইবনিল আলা - রাসায়িল জামিইয়াহ (বকর বিন আল-আলা - মৃত্যু 344 হিজরী)

📘 أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية (بكر بن العلاء - ت 344 هـ)

📘 আহকামুল কুরআন লি-বাকর ইবনিল আলা - রাসায়িল জামিইয়াহ (বকর বিন আল-আলা - মৃত্যু 344 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
12. لم أتصرف فيما يوجد في المخطوط من خطأ أو تصحيف أو تحريف بشيء، بل أثبت الأصل كما هو، ونبهت على ما ظهر لي أنه خطأ في الحاشية، واستثنيت من ذلك الخطأ في كتابة الآيات، حيث صوبتها في الأصل وأشرت إلى الخطأ في الحاشية.
13. رتبت ذكر المصادر والمراجع التي أُحيل عليها، بحسب تاريخ وفاة مؤلفيها.

الخاتمة.
وفيها أهم نتائج البحث.
الفهارس.
" الآيات.
" القراءات.
" الأحاديث.
" الآثار.
" الأعلام.
" المسائل الفقهية.
" الشواهد الشعرية.
" الأماكن والقبائل.
" الملل والطوائف.
" المصادر والمراجع.
" الموضوعات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

وبعد: فإني أتوجه بالحمد، والثناء على الله ـ تعالى ـ بما هو أهله، حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، على نعمه التي لم تزل تترى، وآلائه التي لا أحصي لها عدا، ولا أعرف لها حدا، ثم أقدم الشكر والعرفان لكل من كان له عليّ فضل في هذه الرسالة، بمعونة أو نصح أو توجيه، ولا سيما والداي الكريمان، سائلا الله ـ تعالى ـ أن يجزل مثوبتهما ويرفعا درجاتهما، كما أخص بالشكر والعرفان فضيلة الشيخ الدكتور: إبراهيم بن سعيد الدوسري، الأستاذ بقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، على توليه الإشراف الدقيق على هذه الرسالة، وتقديم النصح والتوجيه بخاطر سمح وخلق ندي، فأسأل الله ـ تعالى ـ أن يجزل له المثوبة، وأن يبارك له في علمه وعمله، وأن ينسأ في أثره، ويصلح عقبه.
وأصل الشكر ممتنا لصاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي بن سليمان العبيد وكيل الرئيس العام لشؤون المسجد النبوي، وأخيه فضيلة الدكتور سعيد بن جمعه الفلاح الأستاذ المشارك بكلية أصول الدين، على قبولهما مناقشة هذه الرسالة، وتصويبها، كما أتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الإمام ممثلة في قسم القرآن وعلومه على ما تبذله من خدمة للعلم وطلابه، سائلا الله تعالى أن يبقيها مشعلا يستضاء بها، ومنارة يهتدى بها.
وأخيرا: فهذه الرسالة جهد المقل، أسأل الله تعالى أن يعصمني فيها من سلطان الهوى، وغلبة الجهل، وخطل الرأي، كما أسأله ـ وهو البر الرحيم ـ أن يجعل عملنا خالصا له ـ سبحانه ـ مقربا مرضاته.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والطيبين ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

‌‌التمهيد.

لما كان موضوع البحث في تحقيق كتابٍ يتناول تفسير آيات الأحكام من الكتاب العزيز، فمن المناسب التمهيد له، بتناول التفسير الفقهي من جانبين:
‌‌الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره.
الجانب الثاني: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم.

- الجانب الأول: التفسير الفقهي وأثره.
مصطلح: التفسير الفقهي، أو تفاسير الفقهاء، أو تفسير آيات الأحكام، جميعها مصطلحات أطلقت على:
التفسير الذي يجمع آيات الأحكام من القرآن الكريم، ويفسرها في كتاب مستقل(1).
ويمكن أن تُعّرف ـ أيضا ـ بأنها:
الكتب التي أُلفت لتفسر الآيات القرآنية، الدالة على الأحكام الشرعية.

وهذه الآيات التي تناولها المفسرون الفقهاء، بالبيان والتأويل، والنظر والتدليل، اختُلِف في عدها وتعيينها، لاختلاف أنظار العلماء في الاستنباط والفهم، واشتهر عند بعض أهل العلم أنها تبلغ خمسمائة آية، وقيل غير ذلك، قال السيوطي: " قال الغزالي--------------------------------------------
(1) تفاسير آيات الأحكام، ومناهجها ص 25، للدكتور علي العبيد، رسالة مقدمة لقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام، لنيل درجة الدكتوراه في عام 1407 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية، وقال بعضهم: مائة وخمسون آية "(1) وقال صديق حسن خان: " فهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها راغب في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمائة آية، وما صح ذلك، وإنما هي مائتا آية، أو قريب من ذلك، وإن عدلنا عنه، وجعلنا الآية: كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلاما في عرف النحاة، كانت أكثر من خمسمائة آية، وهذا القرآن من شك فيه؛ فليعد"(2).
وأيّا يَكُن العَدُّ، فلا يُفهم من هذا، أن أحدا من الأئمة الأعلام، الذين تكلموا عن هذه الآيات، حصروا الآيات القرآنية التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، في هذا العدد أو ذاك، إذ القرآن الكريم كله كتاب هداية وبيان، وحِكَم، وأحكام، لا تنقضي عجائبه، ولا تنحصر آياته، ولا تشبع منه العلماء، وإنما مرادهم ـ في الغالب ـ: جمع الآيات التي اعتنى بها الفقهاء في مؤلفاتهم الفقهية، وكثر البحث فيها، والنظر في دلالاتها، واشتهر الاستدلال بها على مسائل الحلال والحرام، كما هو الشأن في أحاديث الأحكام، التي انتقاها مصنفوها، من بين أحاديث المصطفى، وسننه عليه الصلاة والسلام، قال الزركشي: " ثم قيل: إن آيات الأحكام خمسمائة آية، وهذا ذكره الغزالي وغيره، وتبعهم الرازي، ولعل مرادهم: المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها، يستنبط منها كثير"(3) وفي هذا المعنى قال عز الدين بن عبد السلام فيما نقله السيوطي: " معظم آيّ القرآن لا يخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة، وأخلاق جميلة، ثم من الآيات ما صرح فيه بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الاستنباط".--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن (2/ 1037).
(2) نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (1/ 47).
(3) البرهان في علوم القرآن (2/ 130).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

وهذا الاتجاه في التفسير، جزء من الانطلاقة العلمية، التي شهدها علم التفسير بعامة، في مراحل نشوئه وتطوره، وتاريخ تدوينه والتأليف فيه، وإذا أُريد تمييز هذا الاتجاه ـ بعينه ـ في التفسير، باستقراء تطوره، وتاريخ التدوين فيه، أمكن تمييز أربع مراحل، مَرّ بها هذا الاتجاه في التفسير، وهي(1):
‌‌المرحلة الأولى: النشأة والظهور.
وهذه المرحلة تصدق على عصر الصحابة، والتابعين لهم، وتمتد إلى قريبٍ من منتصف القرن الثاني الهجري، حيث كان التفسير الفقهي جزءا من التفسير العام، في نشأته وتطوره، وخصائصه وسماته، فبيان آيات الأحكام لا يخرج عن مقصود التفسير بعامة، بل هو جزء منه، ولذا يجد المتتبع لآثار الصحابة والتابعين، كثيرا من الآثار المتعلقة بآيات الأحكام، بل ويستطيع الجزم: أن آيات الأحكام حازت قصب السبق في هذه المرحلة، لما نراه من كثرة الآثار عن السلف في تفسيرها وبيانها.
وهذه المرحلة من تاريخ تطور التفسير والتدوين فيه، قد تكلم عنها المؤلفون في نشأة التفسير، وتاريخ تدوين علومه، وبينوا خصائصها وسماتها(2).--------------------------------------------
(1) هذا التقسيم لمراحل النشأة والتطور، هو تقسيم إجمالي، لا يقصد به التحديد الدقيق، إذ التحديد الدقيق غير ممكن، باعتبار تمازج المراحل وتداخلها، وأَخْذِ بعضها بِحُجَز بعض.
ثم إن هذا التقسيم ـ أيضا ـ يعتمد على ما تناقلته الكتب التي اعتنت بالمسيرة العلمية وتاريخ تدوين العلوم.
(2) من أوسع من كتب عن هذه المرحلة في التفسير، وبين مراحلها، وميز سماتها؛ د. محمد حسين الذهبي في كتابه: التفسير والمفسرون المجلد الأول، وينظر كذلك: كتاب المدخل لدراسة القرآن الكريم لأبي شهبة ص 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

‌‌المرحلة الثانية: الازدهار والتطور.
وهذه المرحلة ازدهر فيها هذا الاتجاه في التفسير، وهي تمتد من الفترة ما بين منتصف القرن الثاني الهجري، إلى القرن السادس الهجري.
وفيها استقل الاتجاه الفقهي عن الاتجاه العام في التفسير، بحيث ظهرت كتب مفردة، يقتصر مؤلفوها على آيات الأحكام فقط، وإن ذكروا غيرها ذكروه تبعا لا قصدا، وأول الكتب التي استقلت ـ كما تنقله المصادر التاريخية ـ هو كتاب: تفسير الخمسمائة آية، تأليف: مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، المتوفي سنة 150 هـ، يقول د. علي العبيد عن هذا الكتاب: " ألف هذا الكتاب مقاتل بن سليمان الخراساني البلخي، في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله، ويعتبر أقدم كتاب اطّلَعتُ عليه في تفسير آيات الأحكام من كتاب الله "(1).
والجدير ذكره ـ هنا ـ أن هذا الاتجاه الفقهي في التفسير، ازدهر وتطور بشكل كبير ـ ولا سيما ـ في القرن الثالث والرابع الهجريين، فهما أزهى عصور التأليف في أحكام القرآن وأَوْرَقِهَا، وذلك بعد أن استقرت أصول المذاهب الفقهية المشهورة، وتحررت قواعدها، وطرائق أخذها واستدلالها، وكان قصب السبق في ذلك لأتباع تلك المذهب من أهل العلم، حيث تناولوا آيات الأحكام بالتفسير والبيان، واحتجوا بها على صحة مذاهبهم، وكشفوا منازع أئمتهم منها، وأجابوا عن قول من خالفهم، فَهْمَا واستدلالا.
وإنه إن يكن الباعث لهم على ذلك نصرة مذهبهم؛ فلقد أفاد ذلك الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، حيث أَثْرَوْها بكتب أصيلة في فنها، متينة في مضمونها، ولا أدل على ذلك؛ من أنك لا تكاد تجد كتابا في أحكام القرآن، أُلِف استقلالا، دون أن يكون صاحبه تابعا لمذهب فقهي، قاصدا التدليل عليه، ومبتغيا الاحتجاج له.--------------------------------------------
(1) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 81.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

‌‌المرحلة الثالثة: الركود وانحسار حركة التأليف.
وتمتد هذه المرحلة ما بين القرن السابع إلى بداية العصر الحاضر، وفي هذه المرحلة شهد النشاط العلمي، المتعلق بهذا الاتجاه من التفسير، ركودا وانحسارا، إذ ضعفت حركة التأليف بشكل كبير، وذلك أن من أهم الأسباب الباعثة على التأليف في أحكام القرآن: نصرة المذهب، وبيان دلالة آيات القرآن عليه، والإجابة عن قول المخالفين، وهذه الغاية قد تحققت بشكل كبير في المرحلة السابقة، حيث وجد أهل هذه المرحلة أن من سبقهم قد كَفَوْهُم المؤونة، بما ألفوه من كتب، أغنتهم عن ابتداء التأليف.
‌‌المرحلة الرابعة: العصر الحديث.
في عصرنا الحاضر ظهرت عدد من المؤلفات، التي اعتنت بتفسير وبيان آيات الأحكام، تميزت عما سبقها من مراحل؛ بأن النَفَس المذهبي ضَعُف فيها، حتى لا ترى له أثرا، سواء في ابتداء التأليف، وانتهاء بالاختيار والترجيح، حيث ينظر المؤلفون في هذا العصر إلى خلاف السلف ـ وفي جملتهم أصحاب المذاهب المتبوعة ـ ثم يوازنون بين الأقوال، ويرجحون بحسب ما تبين لهم من الدلائل والبرهان، دون التزام باختيار مذهب، أو قول إمام، يقول د. علي العبيد " غالب الكتب المؤلفة في أحكام القرآن في العصر الحاضر، وضعت وفق منهج دراسي معين لا يخرج عنه مؤلفه، … كما أنها لم تأخذ طابع المذهبية غالبا، فخلت من التعصب الذي ظهر في بعض المؤلفات القديمة"(1) ومن أبين الأمثلة على هذه المرحلة كتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لصديق حسن خان (ت: 1307).
والجدير ذكره هنا: أن معظم المؤلفات في هذه المرحلة، لم يكن من قصد أصحابها تأليفها ابتداء، وإنما كتبت كمذكرات لطلبة الدراسات الشرعية بالجامعات الإسلامية، ولذا فلا يوجد في كثير منها من التحرير والتدقيق، مثل ما كان عليه الحال في المؤلفات المتقدمة(2).--------------------------------------------
(1) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 619.
(2) ينظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري (2/ 418).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

وبعد: فلقد كان للتفسير الفقهي بمراحله التي مر بها، وخصائصة التي تميز بها، أثره الطيب المبارك، على الحركة العلمية بعامة، وعلى الجانب المتعلق بالدراسات القرآنية بخاصة، وربما كان الأمر يستدعي بحثا أوسع، ونظرا أَحَدّ لاستجلاء تلك الآثار الطيبة، لهذا الاتجاه في تفسير القرآن الكريم، وسأذكر هنا طرفا من تلك الآثار:
أولا: لقد كان للمؤلفات في أحكام القرآن، أثرها البين في الحركة العلمية المتعلقة بالدراسات القرآنية، يلمس ذلك كل ناظر في كتب التفسير، أو تلك المؤلفات القرآنية ذات الصلة بالتفسير، والتي جعلت من كتب أحكام القرآن الكريم مرجعا أصيلا لها، تعتمده في دراسة آيّ القرآن الكريم ـ ولا سيما ـ حين تتعرض تلك المؤلفات والدراسات للمسائل الفقهية في الآيات القرآنية، فتراهم يعولون عليها، ويرجعون إليها، بل ربما استغنوا بهذا الرجوع عن العود إلى أمهات كتب الفقه(2).
ثانيا: ومن الآثار الحسنة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه أسهم في توسيع دلالات آيّ القرآن الكريم، بما تضمنته تلك المؤلفات من بحوث عميقة، واستنباطات دقيقة، وفهم وَقَّادٍ، لدلالات آيّ القرآن، ومن أصدق الشواهد على ذلك: كتاب الجامع لأحكام القرآن--------------------------------------------
(2) ينظر مثالا على هذا الأثر: ما ورد في كتاب: ابن العربي المالكي وتفسيره أحكام القرآن دراسة وتحليل ص 393، فقد عقد فصلا بين فيه أثر كتاب أحكام القرآن لابن العربي المالكي على من جاء بعده، وضرب له أمثلة عديدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

للإمام القرطبي، فقد حوى بحوثا ومسائل قَلّ أن تراها في غيره، خاصة ما تعلق باستنباط الأحكام الشرعية(1).
ثالثا: ومن الآثار الطيبة المباركة لهذا الاتجاه في التفسير، أنه ربط الناس بالدليل، وقيدهم بالنص، فهما واستنباطا، فعلى نصوص الكتاب يردون، وعن دلالتها يصدرون، معتمدين على دلالات القرآن الكريم فهما واختيارا، على نحو لا تجده في بعض المؤلفات التي جُردت عن الدليل من الكتاب والسنة.
رابعا: تفاسير الفقهاء تطبيق عملي للتّأصيل الفقهي، الذي قرره الأئمة في كتب أصول الفقه وقواعده، على اختلاف مذاهبهم، على نحو بديع مُعْجِب، يُنَمي في طالب العلم بعامة، والمشتغل بتفسير كلام الله بخاصة، ملكة الاستدلال، ويذكي جذوة الاستنباط، ويوقفه على طرائق العلماء في فهم الخطاب، ومنازعهم في الاستدلال. خامسا: اعتنت تفاسير آيات الأحكام، بتحرير مذاهب الأئمة ـ ولا سيما الأئمة الأربعة ـ في المسائل الفقهية، التي تدل عليها آيات القرآن الكريم، وقربتها للناس، ووَطَّأَت أكنافها لهم، على نحو استغنى به كثير من المؤلفين عن الرجوع إلى كتب المطولات والأمهات الفقهية، يقول د. علي العبيد " ومن هنا سهل على الباحثين والفقهاء الإطلاع على الأحكام الشرعية، وفق مذاهب الأئمة، من خلال الآيات القرآنية"(2).
سادسا: تميزت تفاسير آيات الأحكام بعنايتها بتقرير قول المذهب، واختيار الأصحاب فيه، والاستدلال له، والجواب عن مسلك المخالف، على نحو قوي مقنع، فالناظر ـ مثلا ـ في تقرير الجصاص لمذهب أبي حنيفة وانتصاره له، يحسب أن الصواب معه،--------------------------------------------
(1) مقدمات أساسية في علوم القرآن ص 371.
(2) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 62.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

وأنه لم يدع لمتكلم مقالا، فإذا نظر فيما حققه ابن العربي المالكي وأَصّلَه، استدلالا لمذهب مالك، تردد بين القولين، واحتار بين الرأيين، أيهما بالصواب أشبه، وإليه أقرب.
ومع هذه الآثار الطيبة المباركة، وغيرها مما لم يُذكر، فإن أكثر المآخذ على هذا المنحى في التفسير والاتجاه في التأليف، أنه خرج بالتفسير عن مقصوده، إلى بحوث فقهية صِرْفَة، لا تعلق لآيات القرآن بها، وفي هذا يقول أبو حيان الأندلسي: " وقد تعرض المفسرون في كتبهم لحكم التسمية في الصلاة، وذكروا اختلاف العلماء في ذلك، وأطالوا التفاريع في ذلك، وكذلك فعلوا في غير ما آية، وموضوع هذا كتب الفقه، وكذلك تكلم بعضهم عن التعوذ وعلى حكمه، وليس من القرآن بإجماع، ونحن في كتابنا هذا لا نتعرض لحكم شرعي، إلا إذا كان لفظ القرآن يدل على ذلك الحكم، أو يمكن استنباطه منه بوجه من وجوه الاستنباطات "(1).
ومما أُخِذ على هذا الاتجاه في التفسير، أن أكثر المؤلفات فيه اتسمت بالتعصب للمذهب، والانتصار لقول إمامه، حتى إنه من النادر جدا أن ترى فيها اختيارا يخالف المذهب، وهذا النوع من التعصب للمذهب يَحْمِلُ على الحِّدَة على المخالف، بل ربما أودى به التعصب إلى البغي أحيانا، على تفاوت بين المؤلفين، بين مقل ومستكثر، يقول الذهبي: " ولقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلدة، إلى أن نظروا إلى أقوال أئمتهم كما ينظرون إلى نص الشارع، فوقفوا جهدهم العلمي، على نصرة مذهب إمامهم وترويجه، وبذلوا كل ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتفنيده .. "(2).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط (1/ 129).
(2) التفسير والمفسرون للذهبي (2/ 416).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

- ثانيا: أشهر المصنفات في أحكام القرآن الكريم.
الاتجاه الفقهي في التفسير واكب الحركة العلمية، التي شهدتها المعارف الإسلامية عموما، والدراسات القرآنية خصوصا، وبدأ التدوين فيه منذ وقت مبكر، وازدهر النِتَاج العلمي في العصور الذهبية للحركة العلمية، واستمر بعد ذلك إلى عصرنا، لتكون حصيلة هذه العصور، عددا غير قليل من المؤلفات في أحكام القرآن الكريم، منها(1):
1. تفسير الخمسمائة آية من القرآن، لمقاتل بن سليمان (ت: 150)(2).
2. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204)(3).
3. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن حُجْر السعدي (ت: 244)(4).--------------------------------------------
(1) لمطالعة المزيد من المؤلفات في أحكام القرآن، ينظر: الفهرست ص 57، والبرهان في علوم القرآن (2/ 126) وكشف الظنون (1/ 20) وأبجد العلوم (2/ 502) ومعجم مصنفات القرآن (1/ 92) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها.
(2) ينظر: طبقات المفسرين للداودي (2/ 331) كشف الظنون (1/ 20) وتفاسير آيات الأحكام ص 67، وقال عنه في ص 81: " والكتاب لا زال مخطوطا، ويوجد منه نسخة كاملة فريدة، كتبت بقلم نسخي معتاد … وتبلغ أوراقه 103 ورقة ".
(3) ينظر: البرهان في علوم القرآن (2/ 126) كشف الظنون (1/ 20) وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 461.
وهو غير الكتاب الذي جمعه الإمام البيهقي، بعد تتبع مؤلفات الشافعي وأقواله، وقد أشار إليه الزركشي، وذكر أن الشافعي أول من ألف في ذلك، قال في البرهان في علوم القرآن (2/ 126): " وقد اعتنى الأئمة بذلك وأفردوه، وأولهم الشافعي .. " بل إن الإمام الشافعي نفسه قد أشار إلى مؤلفه هذا في كتابه الرسالة ص 145، حيث قال: " وفي القرآن ناسخ ومنسوخ غير هذا، مفرق في مواضعه في كتاب أحكام القرآن"، ومما يدل على أن الشافعي قد ألف كتابا في أحكام القرآن، أن أبا الحسن علي بن موسى القمي الحنفي (ت: 305) كتب كتابا في نقض أحكام الشافعي أسماه: نقض ما خالف فيه الشافعي العراقيين في كتاب أحكام القرآن. ينظر: طبقات المفسرين (1/ 440)، وهو متقدم على البيهقي المتوفى سنة 458 هـ.
(4) ينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 450) وطبقات المفسرين (1/ 401).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

4. أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت: 268)(1).
5. أحكام القرآن، لأبي سليمان داود بن علي الأصبهاني البغدادي الظاهري (ت: 270)(2)
6. أحكام القرآن، للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت: 282) وسيأتي له ذكر ـ إن شاء الله ـ في الفصل الثاني من هذه الرسالة.
7. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن موسى القمي الحنفي (ت: 305)(3).
8. أحكام القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي (ت: 321)(4).
9. أحكام القرآن، لأبي الفضل بكر بن محمد القشيري (ت: 344) وهو محل الدراسة في هذه الرسالة.
10. أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن محمد الجصاص الرازي الحنفي (ت: 370) مطبوع.
11. أحكام القرآن، لأبي العباس أحمد بن علي الباغاني (ت: 410)(5).--------------------------------------------
(1) ينظر: الديباج المذهب 231، وترتيب المدارك (4/ 159).
(2) ينظر: الفهرست لابن النديم ص 303، وطبقات المفسرين (1/ 173).
(3) ينظر: طبقات المفسرين (1/ 440) وكشف الظنون (1/ 20).
(4) ينظر: طبقات المفسرين (1/ 76) وكشف الظنون (1/ 20)، وقد صدر ما بقي منه بتحقيق د. سعد الدين أونال.
(5) ينظر: الديباج المذهب 38، وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 133، وقال عنه: " والكتاب لا زال مخطوطا، ويوجد منه نسخة خطية واحدة ـ حسب علمي ـ بالمكتبة الأزهرية ".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

12. اختصار أحكام القرآن، لأبي محمد مكي بن طالب القيسي المالكي (ت: 437)(1).
13. أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن محمد الكيا الهراسي الشافعي (ت: 504) مطبوع.
14. أحكام القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: 543) مطبوع.
15. أحكام القرآن لأبي محمد عبد المنعم بن الفَرَس المالكي (ت: 597).
16. القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، لأبي العباس أحمد بن يوسف الحلبي، المعروف بالسمين الحلبي (ت: 756)(2)
17. تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين محمد بن علي الموزعي (ت: 825)
18. أحكام الكتاب المبين، لعلي بن عبد الله بن محمود الشنكفي الشيرازي (ت: 907)(3).
19. الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت: 911) مطبوع.
20. نيل المرام من تفسير آيات الأحكام لأبي الطيب صديق بن حسن خان (ت: 1307) مطبوع.
21. روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن، لمحمد علي الصابوني، مطبوع.--------------------------------------------
(1) ينظر: معجم الأدباء (19/ 169) وكشف الظنون (1/ 20).
(2) ينظر: طبقات المفسرين (1/ 102) وتفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 346، وقال عنه: " هذا الكتاب لا يزال مخطوطا، ويوجد منه ـ حسب علمي ـ تسعة أجزاء متفرقة من عدة نسخ ".
(3) ينظر: تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 414، وقال عنه: " هذا الكتاب لا زال مخطوطا، ويقع في جزء واحد عدد أوراقه 179 ورقة ويوجد منه نسخة واحدة كاملة ـ حسب علمي في المكتبة الأزهرية ".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

ومما يلاحظ أن المذهب المالكي تميز عن سائر المذاهب الفقهية المشهورة بعنايته بأحكام القرآن، ظهر ذلك في كثرة مؤلفاتهم في أحكام القرآن، يقول د. علي العبيد: " ويلاحظ أن المذهب المالكي حظي بالنصيب الأوفر من المؤلفين في الأحكام، حيث بلغت مؤلفاتهم ثمانية عشر كتابا "(1)، ويلاحظ ـ أيضا ـ أن مدرسة المالكية بالعراق ـ التي ينتمي إليها المؤلف وشيخه ـ حازت قصب السبق بين مدارس الفقه المالكي، حيث كانت أكثر المؤلفات تعود لمالكية العراق.--------------------------------------------
(1) تفاسير آيات الأحكام ومناهجها ص 63.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

‌‌الفصل الأول: دراسة عن المؤلف وحياته بإيجاز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

‌‌المبحث الأول: عصر المؤلف.
وفيه ثلاثة مطالب:
‌‌المطلب الأول: الحالة السياسية.
المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.
المطلب الثالث: الحالة العلمية.

المطلب الأول: الحالة السياسية.
عاش أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في حدود الفترة ما بين عام ستين ومائتين إلى تاريخ وفاته عام أربع وأربعين وثلاثمائة للهجرة النبوية، وهذه الفترة تندرج في زمن مُلك بني العباس، الذين قامت إمارتهم على أنقاض بني أمية.
وقد تميزت هذه المرحلة التي عاشها المؤلف من مُلك بني العباس بأنها الفترة التي أخذ فيها نجم بني العباس يَخْفُت، وبدأت سلطتهم تضعف، ونفوذهم ينحسر، على نحو آذن بقيام الإمَارات الصغيرة، التي قطعت أوصال الأمة، كل يطمع أن يستقل بدويلة أو إمارة، فلا تزال المعارك والحوادث تنشب هنا وهناك.
وأشهر الإمارات التي قامت في تلك الفترة إمارة بني بويه، التي كان لها نفوذ كبير على بلاد ما وراء النهر، بل امتد نفوذهم حتى بلغ العراق، واجترؤوا حتى على خلع الخليفة العباسي(1)، وكان أثرهم على بلاد العراق سيئا إذ أكثروا البطش وأثاروا الفتن، يقول د. حسن إبراهيم: " وكان لسياسية بني بويه، أسوأ الأثر في العراق، فقد قامت الفتن الطائفية،--------------------------------------------
(1) ينظر: دولة الإسلام (1/ 205) والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر الجزء الثاني من المجلد السادس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

وثار الجند كل في وجه الآخر، وانتشرت الفوضى، وعم الاضطراب، وساد الفزع قلوب الأهلين"(1).
ومن آثار هذا الضعف أن الأمة شغلت بنفسها عن عدوها، مما مكن العدو من استباحة أرضها، فغزاها بعد أن كانت غازية، واقتطع جزءا من أرضها بعد أن كانت تحوي البلاد والممالك، فتحولت الحال من المغالبة إلى المدافعة.
وكما فتح الباب على مصراعيه لظهور كثير من النزاعات والفتن والاضطرابات الداخلية بين أبناء الإسلام، وأصبحت للحركات الباطنية ـوأشدها القرامطة ـ صولة وجولة، ولا يزال التاريخ يذكر في تلك الحقبة الزمنية، ما فعله القرامطة في بيت الله العتيق من نقض أساس الكعبة، وأخذ الحجر الأسود، واستباحة دماء حجاج بيت الله، حتى أسالوا منهم الدماء، وانتهكوا الحرمات المعصومة، ونهبوا الأموال وعاثوا في الأرض فسادا(2).
وأما أمر الخلافة فقد بلغ من الاضطراب مبلغا عظيما، إذ كانت الخلفاء يثب بعضهم على بعض، ويقوم الواحد منهم مقام الآخر، مع استعمال الكيد والمكر، ومن ورائهم الوزراء والقادة، المنتفعون بسلطتهم ونفوذهم، كل يستميل الآخر إلى صفه، ويغريه بالرشاوى، ويملي له بالوعود والعطايا، حتى فسد أمر الخلافة، وذهبت هيبتها من النفوس، حتى النساء والخدم، كان لهم في هذا الميدان صولة، وكانت لهم فيه جولة، وأحسن ما يصور هذا الاضطراب والتلاعب بأمر الخلافة، ما نقله الصولي عن الخليفة الراضي بالله، حيث قال: " كأني بالناس يقولون: أرضي هذا الخليفة أن يدبر أمره عبد تركي، يتحكم في المال، وينفرد بالتدبير، ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قَبْلِي، وأخل فيه قوم بغير شهوتي، … ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، وآمره فيه فلا يُمْتثل، ولا ينفذ،--------------------------------------------
(1) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي (3/ 44)، وينظر كذلك: الآثار الباقية للبيروني ص 132.
(2) ينظر: البداية والنهاية (9/ 84) وتاريخ الخلفاء ص 398.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني كلب من كلابهم، فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وجمعوا وتكلموا .. "(1).
ولهذا الاضطراب فقد عاصر أبو الفضل القشيري تسعة من خلفاء بني العباس، هم: المعتضد بالله، والمكتفي بالله، والمقتدر بالله، والقاهر بالله، والراضي بالله، والمتقي لله، والمستكفي بالله، والمطيع لله، والطائع لله، وبعض أولئك لم تدم خلافتهم إلا بضعة أشهر.
ومصر ـ وهي المنزل الثاني للقشيري ـ لم تكن من هذا ببعيد، فقد كانت تخضع لسلطان بني العباس، يجري عليها ما جرى على حاضرة الخلافة العباسية، وكانت تعاني كسائر حواضر الإسلام من اختيار الأمراء الذين كانوا يعدون إمارتهم فرصة لنهب البلاد والعباد.
وظلت الحال على هذا، حتى تولى ابن طولون عام 254 هـ، فتمكنت له الحال، ورسخت قدمه فيها، وتوطدت إمارته، فاستطاع إقامة إمارة بلغت من القوة أن ضمت إليها الشام، وجزءا من العراق، بل وأرهبت الروم المتربصين بالبلاد، فمنعتهم من كثير من أطماعهم، وآيستهم من كثير من آمالهم(2).
وهذه الحال لم تدم طويلا، حيث أسقط الخليفة العباسي إمارة بني طولون، فعادت الحال كما كانت، حتى كان عام 323 هـ، حيث قامت إمارة الإخشيديين على مصر، وبسطت نفوذها على ما جاورها(3).
وهذا النوع من الاستقرار وإن لم يدم طويلا، فقد جعل مصر تشهد نوعا من الاستقرار السياسي، الذي عادت آثاره طيبة على البلاد، فكانت مصر حاضرة علمية يردها العلماء الأفذاذ للاستقرار فيها، كما فعل القشيري رحمه الله حيث استوطنها في آخر حياته.--------------------------------------------
(1) كتاب الأوراق ص 233، لأبي بكر الصولي.
(2) ينظر: النجوم الزاهرة (3/ 15).
(3) ينظر: النجوم الزاهرة (3/ 251) وخطط المقريزي (1/ 329).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

‌‌المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.

ما من شك في الصلة الوثيقة بين البناء الاجتماعي والوضع السياسي، فأثرهما متبادل، وتأثيرهما مشترك، فالأوضاع السياسية الآمنة المستقرة، تظهر آثارها بادية على مجتمعِ الناسِ وبيئتهم، وينعكس ضؤوها على حياتهم، ففي ظلال الأمن والاستقرار، تنشأ المجتمعات، وتزدهر المدنيات، وتتطور الحضارات.
وكما تقدم فإن أواخر القرن الثالث الهجري والقرن الرابع الهجري، شهدا انقسامات سياسية في بلاد المسلمين، نشأت على إثرها إمارات ودويلات، كان لها أثرها البالغ على حياة الناس.
ومن اللافت للنظر أن أكثر تلك الإمارت من غير العرب، فكانت لهم عوائدهم العجمية التي تأثرت بالمدنيات السابقة، ظهر ذلك فيما بدأت عليه تلك الإمارات، من حرص على الظهور بأشد أنواع الترف، على نحو لا يعرفه العرب ولا يحسنونه، فتنافس الأمراء في تشييد القصور، وتباروا في زخرفتها وتجميلها، واستنبتوا الحدائق والبساتين النظرة، وأنفقوا عليها من الأموال ما لا يأتي تحت حصر، ومَلَؤوها خدما من الغلمان والجواري، وتحكي كتب الأدب والتاريخ شيئا يظن الظان أنه نَسْجُ خيال، وأحلام يقظان(1).
وهذا الترف، والمبالغة في البذخ التي كان عليها الأمراء والوزراء، أورثت حياة كان شعارها المجون، ودثارها رقة الدين وقلة الحياء، فكثرت مجالس الطرب، التي يجتمع عليها الندماء، سماعا للمِزْمَار، وشربا للراح، وتغزلا بالملاح، حتى أمسى لهذه المجالس أدبها الخاص، وتقاليدها التي عرفت بها.--------------------------------------------
(1) ينظر: العقد الفريد المجلد الثامن، والبداية والنهاية (9/ 43)، وكتاب ظهر الإسلام (1/ 100).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

وانعكست هذه الحال على عامة الناس، فقد ازدهرت تجارة الرقيق، حتى أصبحت العراق من أكبر الأسواق، ولا سيما تجارة الجواري المغنيات، اللآتي يتقن أصوات الغناء، ويُجِدْن فنون المجون، وتفنن القوم في ذلك وبلغوا حدا مسرفا، يصور ذلك ما ذكره أبو حيان التوحيدي، حيث يقول: " وقد أحصينا ـ ونحن جماعة من الكَرخ ـ أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البُدو، يجمعون بين الحذق والحسن، والظُّرف، والعِشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به، ولا نصل إليه لعزته، وحرسه، ورُقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء "(1).
بل لقد تجاوز الخطر هذا القدر، إلى أن بات للجواري والغلمان أثرهما البالغ على سياسة الدولة، وتوجيه دِفة الأمور، فكثرت الدسائس والمكائد، فيهن ومنهن، وحتى الغلمان بات منهم القادة، الذين يأتمر بأمرهم الجند، ومنهم من تولى بعض أعمال عامة الناس، كالتجارة والصناعة والزراعة، فأثّروا على أديان الناس وأخلاقهم.
وهذه الحياة الباذخة الفارهة لا بدلها من مورد لا ينضب، فما كان من الأمراء والوزراء، إلا أن تجبي الأموال والضرائب من الناس، وكثيرا ما أثقلت كواهلهم، ودقت أعناقهم، مما جعل ظاهرة اللصوص والشطار تزداد، حتى لقد عُرفت أسماء كانت كَنَارٍ في رأس علم.
ولا يظن من يقرأ هذه الأسطر، أن المجتمع قد علته الظلمة والقتامة، فأبلس من الخير، وأعدم من البر، أبدا فلم تزل ـ بحمد لله ـ في ذلك الوقت، شعائر الإسلام ظاهره، وحدوده قائمة، والأمر فيه للشريعة، والقهر فيها لسلطانها، ولم يزل العلماء لهم مكانتهم ومقامهم، هم قادة الناس وساستهم.
وجانب آخر مضيء في هذه الحقبة، أنها رفعت من المستوى الحضاري في المجتمع المسلم، المتمثل في جوانب عديدة، كالعناية بالمرضى بإنشاء المستشفيات والمصحات، ورعاية الضعفة والمسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين.
وجانب آخر هو أعظمها بهاء، وأشدها ضياء، وأبهاها سناء، ما لقيته الحركة العلمية من نهضة قلَّ نظيرها، ووثبات قلَّ مثيلها، ولِمَا لها من تميز واضح، أُفْرِدها بالحديث في المطلب التالي.--------------------------------------------
(1) الإمتاع والمؤانسة (1/ 183).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)