3 - مختصر أحكام القرآن.
ذكر هذا العنوان ناسخ هذا الكتاب، حيث قال في آخر الجزء الأول: تم الجزء الأول من مختصر أحكام القرآن من كتاب القاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار القاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري.(1)
ولم أجد من ذكر هذه التسمية غيره، ولعله فهم هذه التسمية من قول المؤلف في مقدمة كتابه: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن، ليقرب من فهم المتعلم.(2)
ومن قول من ترجم للقاضي بكر: أنه ألف كتابه هذا مختصراً من كتاب القاضي إسماعيل.
قلت: ولعل التسمية الأولى - أعني أحكام القرآن - أقرب وأصوب، لما سبق من تعليل عند ذكر هذه التسمية.
وأما ما ذكر من تسميته بالأحكام فيحمل على أن المراد به أحكام القرآن، حتى يكون اسمه مطابقاً لاسم الأصل المختصر منه، ويكون ما ذكره المؤلف وغيره من تسميته بالأحكام من باب الاختصار.
ثانياً: نسبته إلى مؤلفه.
وهي نسبة صحيحة، لاشك فيها، ويمكن إثبات ذلك بأمور منها:
1. ما سبق ذكره عن ابن خير الإشبيلي من روايته لهذا الكتاب عن مؤلفه(3).
2. ما سبق ذكره من أخذ كل من: عبد الرحيم بن مسعود الكتامي، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن المشكيالي(4) لكتاب أحكام القرآن من مؤلفه القاضي بكر.
3. أن كثيراً ممن ترجم للقاضي بكر ذكر هذا الكتاب من ضمن مصنفاته.(5)
4. ما اشتمل عليه المخطوط من إثبات سماع أبي بكر الأدفوي هذا الكتاب من مؤلفه القاضي بكر بن العلاء.(6)--------------------------------------------
(1) لوحة 157/ب
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 111.
(3) ص: 50.
(4) انظر ص: 38، 39.
(5) انظر ص: 42.
(6) انظر ص: 40 حيث ذكر فيها مواضع سماعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
5. ورود اسم المؤلف في هذا المخطوط أكثر من مرة، وتصريحه بنسبة هذا الكتاب له، حيث يقول في خاتمة هذا الكتاب: قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق رحمه الله.(1)
6. ما رواه المؤلف من أحاديث من طريق شيوخه الذين روى عنهم، وقد سبق ذكرهم، وذكر مواضع روايته عنهم.(2)
7. ما أحال إليه المؤلف في كتابه هذا على كتبه الأخرى، ككتاب الأشربة.(3)
8. ما وجد على غلاف المخطوط من ذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه.
9. ما وجد في آخر الجزء الأول بخط الناسخ من نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه.
10. ما ورد في هذا الكتاب مما شُهر عن المؤلف القول به من إغلاق باب الاختيار بعد المائتين.(4)
ثالثاً: وصف المخطوط.
يوجد للكتاب نسخة واحدة فريدة، عثرت عليها بعد البحث في مكتبات تركيا بين مئات المخطوطات غير المفهرسة، وفيما يلي وصف لهذه النسخة:
مكان وجودها: مكتبة بيازد بتركيا.
رقمها: 1886.
عدد لوحاتها: 325 لوحة أو ورقة، أي: 650 صفحة.
تقع في جزأين مجموعة في مجلد واحد، كتب على غلاف الجزء الأول: وفيه الثاني وبتمامه تم الكتاب.
عدد الأسطر في كل صفحة ما يقارب 19 سطراً، وفي كل سطر ما بين تسع كلمات إلى إحدى عشرة كلمة.
ناسخها: عبد الكافي بن محمد. لم يتبين لي لقبه، ولم أعرفه.
تاريخ نسخها: ربيع الأول سنة 589 هـ.
نوع الخط: نسخ.
نسخة كاملة، خالية من السقط والخرم، يوجد فيها بعض الكلمات اليسيرة التي لم أستطع قراءتها، ويوجد فيها بعض التصحيفات أيضاً في المعنى واللغة.--------------------------------------------
(1) لوحة 324/ب.
(2) انظر ص: 30.
(3) انظر ص: 43.
(4) سيأتي الحديث عن هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الحديث عن منهج المؤلف: 74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وهي نسخة منقولة عن نسخة مقرؤة على مؤلفها قبل موته بثلاث سنوات سنة 341 هـ.
في أولها سماع أبي بكر الأدفوي من مؤلفها، والذي يظهر أن سماعه منه كان في عدة مجالس، ففي أول درس سماع يسوق أبو بكر الأدفوي سماعه من المؤلف.
وهي نسخة موثقة، في نصها وهوامشها تصويبات بخط ناسخها.
كتب على غلاف الجزء الأول اسم الكتاب، واسم المؤلف، وأسقط كنيته، وكناه باسمه، حيث قال: الجزء الأول من أحكام القرآن تأليف القاضي الفقيه الإمام أبو بكر القشيري رضي الله عنه، وعلى غلاف الجزء الثاني اسم الكتاب واسم المؤلف كما في الجزء الأول دون كنية.
وعلى غلاف الجزء الأول تمليكات، فكتب يملكه الفقير إلى عفو ربه محمد بن حسين، وفي تمليك آخر لم أستطع قراءة اسم صاحبه دون تاريخ تملكها في شهر ذي الحجة سنة 1085 هـ، وعليها ختم وفيه: وقف هذا الكتاب لوجه لله الأجل الأكرم مصطفى باشا الوزير الأعظم.
وفيما يلي نماذج من المخطوطة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه
لم يؤلف القاضي بكر كتابه هذا ابتداء، وإنما هو مختصر من كتاب أحكام القرآن لشيخه إسماعيل بن إسحاق، فالمصدر الأساس في كتاب القاضي بكر هو كتاب القاضي إسماعيل بما حواه من نقول عن من تقدمه، ومع ذلك فقد كان للقاضي بكر بعض المصادر الخاصة به، فله زيادات على ما ذكره القاضي إسماعيل، يقول القاضي بكر في خاتمة كتابه هذا: وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل.(1)
ويمكن تقسيم مصادر هذا الكتاب إلى قسمين، الأول: المصادر السمعية، الثاني: المصادر النقلية.
أولاً: المصادر السمعية:
ويقصد بها ما رواه المؤلف أو شيخه القاضي إسماعيل كل عن شيوخه، سواء ما يتعلق بالأحاديث النبوية، أو الآثار في التفسير، والفقه، واللغة، والقراءات، والجرح والتعديل، وغيرها.
وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الحديث عن شيوخ المؤلف، وما رواه عنهم.
ويمثل هذا الجانب - أعني جانب الرواية - الجزء الأكبر من المادة العلمية لهذا الكتاب، حتى وإن كان المؤلف قد حذف كثيراً من الأسانيد، وذكر الأقوال مجردة عن سندها، إلا أنها موجودة في الأصل، والمؤلف ممن روى كتب القاضي إسماعيل إما سماعاً أو إجازة - كما سبق ذكر الخلاف في ذلك - بما فيها كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.--------------------------------------------
(1) لوحة 325/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ولم تكن الرواية محصورة في الأحاديث والآثار التفسيرية والفقهية، بل هي في كل مجال، فمثلاً نجد أن المؤلف يروي عن شيخه الفريابي عن نصر بن علي عن الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: إذا أردت ما لا يعرف صدقه من كذبه فعليك بأهل العراق.
ثم قال المؤلف: وقال ابن المبارك: أفسد التدليس حديث أهل الكوفة.(1)
وما ينقله عن شيخ شيخه علي بن المديني في علم الجرح والتعديل.(2)
ثانياً: المصادر النقلية:
أ. في التفسير.
1. أحكام القرآن للقاضي إسماعيل.
2. مجاز القرآن لأبي عبيدة، وقد أكثر المؤلف من النقل عن أبي عبيدة، فتارة يصرح باسمه فيقول: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: بسم الله إنما هو الله.(3)
وهذا هو الأكثر(4)، وتارة يذكر القول دون التصريح باسمه، وهو في مجاز القرآن(5)، وتارة يصرح باسم أبي عبيدة، ولا أجده في مجاز القرآن، مما يدل على أنه ينقل من كتب أخرى لأبي عبيدة.(6)
ب. في الفقه.
أما ما يتعلق بحكاية مذهب مالك فلم أقف من خلال هذا الكتاب على الإشارة إلى اسم مصدر في هذا.
ومما لا شك فيه أن هذه الأقوال في المذهب أُخذت من أقوال الإمام مالك من خلال ما نقله ورواه عنه تلاميذه، وقد تتلمذ القاضي إسماعيل على كبار تلاميذ مالك كالقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم(7).--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 282.
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 487، 526.
(3) انظر من هذه الرسالة ص: 112.
(4) انظر من هذه الرسالة ص: 240، 349، 469، 490، 559.
(5) انظر من هذه الرسالة ص: 439، 495، 529.
(6) انظر من هذه الرسالة ص: 374، 443.
(7) ترتيب المدارك: 4/ 278.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ومن المصنفات التي جمعت أقوال الإمام مالك، وتعد مصدراً من مصادر الفقه المالكي في المدرسة المالكية العراقية: الموطأ، ومختصر ابن عبد الحكم، يقول أبو عبد الله البركاني - أحد شيوخ المؤلف -: عرضت مختصر ابن عبد الحكم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فوجدت لها أصلاً إلا اثنتي عشرة مسألة فلم أجد لها أصلاً.(1)
ومن المصادر المعتمدة عندهم أيضاً ما ضمنه القاضي إسماعيل كتبه من أقوال مالك، كأحكام القرآن، والمبسوط في الفقه، وغيرها، يقول القاضي عياض عن جهود القاضي إسماعيل بن إسحاق: ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج له والشرح ما صار لأهل المذهب مثالاً يحتذونه وطريقاً يسلكونه.(2)
ولا شك أن المؤلف استفاد كغيره من المالكية من تراث القاضي إسماعيل، بل هو من خاصتهم في ذلك، إذ قد حدث عنه بكتبه، وفي هذا المختصر إشارة إلى أحد مصنفات القاضي إسماعيل، وهو كتاب الفرائض.(3)
وأما ما يتعلق بحكاية المذاهب الأخرى، فمن المعلوم أن القاضي إسماعيل ألف كتباً في الرد على أبي حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وكذلك ألف القاضي بكر كتباً في الرد على المزني، والشافعي، والطحاوي، بل له كتاب في مسائل الخلاف.
وهذه الكتب من مصادر هذا الكتاب، وإن لم يرد في موضع التصريح بذلك، إلا ما أشار إليه المؤلف بالإحالة إلى كتابه الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي.(4)
وقد صرح المؤلف في موضع واحد بأحد كتب الشافعي فقال: وقال الشافعي في كتابه الرسالة.(5)--------------------------------------------
(1) الديباج المذهب: 2/ 184.
(2) ترتيب المدارك: 4/ 281.
(3) انظر من هذه الرسالة ص: 460، 471.
(4) انظر من هذه الرسالة ص: 538، 697.
(5) انظر من هذه الرسالة ص: 337.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وقد ذكر المؤلف في مقدمة كتابه كلاماً أظنه يقصد به ما كتبه الشافعي في كتابه الرسالة، حيث يقول: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.
فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتباً يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل عليه السلام عن الله عز وجل.(1)
وأما بقية أقوال الشافعي فبعد الاستقراء والتتبع، ظهر أن غالب هذه النصوص منقولة من كتاب الأم، وقد وثقت ذلك في موضعه.
وقد أشار المؤلف إلى أحد أعلام المذهب الشافعي، وما جرى بينهما من مناظرة في مسألة من المسائل، وهو ابن سريج (ت 306 هـ).(2)
وأما ما يحكيه عن الأحناف فلم يصرح بمصدر ذلك، ولم استطع معرفة تلك المصادر، إلا أن المؤلف كان له اطلاع على مؤلفات الطحاوي (ت 321 هـ)، الذي توفي قبل انتقال المؤلف إلى مصر في حدود سنة (330 هـ)، ومما يدل على ذلك ما سبق ذكره من تأليفه لكتاب الأشربة الذي نقض به كتاب الأشربة للطحاوي.
وقد كان من المذاهب الحاضرة في ذلك الوقت، مذهب الظاهرية، وعلى رأسهم داود ابن علي، وقد ورد اسمه صريحاً في موضع واحد(3)، وكان لشيخ المؤلف مواقف ومناظرات مع داود بن علي، إذ قد أثر عنه أنه أخرج داود بن علي من بغداد إلى البصرة لإحداثه منع القياس.(4)--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 111.
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 509.
(3) انظر من هذه الرسالة ص: 676.
(4) ترتيب المدارك: 4/ 290.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
قلت: ولعل ما صنفه المؤلف من كتابه المسمى: القياس، كان للرد على داود بن علي في إنكاره لمسألة القياس.
وهذا كله يدل على أن ما خلفه أهل الظاهر كان من مصادر هذا الكتاب.
ج. في اللغة.
في جانب اللغة نقل المؤلف عن جمع من أهل اللغة أقوالهم دون الإشارة إلى كتبهم ومنهم:
سيبويه(1)، والخليل بن أحمد(2)، والكسائي(3)، والأصمعي(4)، وأبو عمرو بن العلاء(5)، وعيسى بن عمر(6).--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 403.
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 463، 585.
(3) انظر من هذه الرسالة ص: 240.
(4) انظر من هذه الرسالة ص: 559.
(5) انظر من هذه الرسالة ص: 559، 637.
(6) انظر من هذه الرسالة ص: 559، 637.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب
سيكون الحديث حول منهج المؤلف من ثلاثة محاور، الأول: منهجه في الاختصار، الثاني: منهجه العام، الثالث، منهجه التفصيلي.
أولاً: منهجه في الاختصار.
لقد اختصر المؤلف كتابه هذا من كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق، ويمكن معرفة طريقته في الاختصار بما ذكره المؤلف من منهج في كيفية اختصاره، وبمقابلة هذا المختصر بما تبقى من الأصل، حيث لم يتبق منه - فيما يخص القسم المحقق عندي - إلا اثنا عشرة لوحة من سورة النساء من آخر الآية 25 إلى قوله: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}(1)، ولوحة واحدة من سورة المائدة الآية 44، وقد وثقت النص منها أثناء التحقيق.
لقد حدد المؤلف هدفه من هذا الاختصار، فقال: فإني اختصرت في كتابي هذا أحكام القرآن ليقرب من فهم المتعلم.(2)
كما حدد الطريقة التي سار عليها في اختصاره هذا بقوله: وتركت الأسانيد؛ ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل رحمه الله، وأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل.(3)--------------------------------------------
(1) [سورة النساء: الآية 43]
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 111.
(3) لوحة: 325/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وفيما يلي بيان أهم ما اختصره المؤلف من الأصل:
1. ترك الأسانيد، لتحقيق هدف المؤلف وهو تقريبه على المتعلم، ولسهولة الرجوع إلى الأسانيد في الأصل في ذلك الوقت.
وإن كان المؤلف أحياناً يذكر بعض الأسانيد، إلا أن ما تركه منها أكثر بكثير مما أبقاه، فإذا نظرنا إلى الأصل عند تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}(1)، نجد أنه ذكر في تفسيرها ما يزيد على الستين متناً مسندة ما بين حديث وأثر، بينما لم يذكر المؤبف منها سنداً واحداً.
2. ترك التنصيص على من قال بكل قول، فيقول: قيل كذا، وقيل كذا، ففي المثال السابق، قال اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عدها سبعاً، ومنهم من عدها سبعين، ومنهم من قال دون ذلك، إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم الله، والربا، والزنا، والقمار. إلى آخر كلامه ولم يذكر من قال بكل قول.(2)
وعند قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}(3).
قال المؤلف: قيل في ذلك: إن النساء قلن ليتنا رجالاً، فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك، فنزلت الآية.
بينما في الأصل ذكر ما قيل في سبب نزولها مسنداً عن أم سلمة رضي الله عنها وعن مجاهد، وعن معمر عن شيخ من أهل مكة.
3. اختصار لفظ الرواية، وذكر معناها، وهذا الاختصار أحياناً يكون شديداً، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}(4).
قال المؤلف: قال سهل بن حنيف في يوم صفين قولاً عظيماً، وقال مسروق في ذلك قولاً يوم صفين.
ولم يذكر هذين القولين، وهما بتمام سندهما ولفظهما في الأصل.--------------------------------------------
(1) [سورة النساء: الآية 31]
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 518.
(3) [سورة النساء: الآية 32] انظر من هذه الرسالة ص: 521.
(4) [سورة النساء: الآية 29] انظر من هذه الرسالة ص: 516 ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وعند قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}(1).
قال المؤلف: وللرجل عندنا ومن فسر القرآن ممن انتهى إلينا تفسيره في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع من غير قصد، فلا قود فيه، إذا علم أنه لم يتعد ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجع تأديباً، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخل بيته إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحداً من ماله شيئاً، إلا ما كان على سبيل الصدقة، إذا علمت أنه لا يكره ذلك.
وفي الأصل ذكر الروايات مسندة تامة منسوبة لأصحابها.
وفي سورة المائدة قال المؤلف: وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أما والله إن كثيراً من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(2).
وفي الأصل ذكرها مسندة بأطول من هذا.
4. الاكتفاء بذكر بعض من قال بكل قول، والإحالة إلى من بقي بقوله: وقال بذلك جماعة.
وهذا كثير، ومن الأمثلة على ذلك عند قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}(3).
قال بعد ذكره لبعض ما قيل فيها: فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة.
وفي الأصل ذكر هذه الأقوال كلها مسندة لأصحابها.--------------------------------------------
(1) [سورة النساء: الآية 34] انظر من هذه الرسالة ص: 525.
(2) [سورة المائدة: الآية 44] انظر من هذه الرسالة ص: 565.
(3) [سورة النساء: الآية 43] انظر من هذه الرسالة ص: 541.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
5. ترك ذكر طرق الأحاديث والآثار من المتابعات والشواهد، فقد يكون للحديث أكثر من طريق عن راوي واحد، وهذا ما يعرف بالمتابعات، وقد يكون للحديث شاهد آخر بنفس المعنى، أومن طريق آخر عن راوي آخر، فيكتفي المؤلف كثيراً بذكر طريق واحد ويترك الباقي، ويقول: ولهذا الحديث طرق كثيرة.(1)
وانظر على سبيل المثال قول المؤلف: وقال زر عن علي في قوله: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}(2) قال: إلا أن يكون مسافراً فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي.
وفي الأصل ذكره من طريقين عن زر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وعند نفس الآية قال المؤلف: روى المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب، إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن بيته كان في المسجد.
وفي الأصل ذكر شاهداً له فقال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثنا شيخ منذ أربعين سنة: أن علياً كان يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً.
ومع ذلك فقد حفظ المؤلف غالب المادة العلمية للأصل، ولم يكن مجرد مختصر، بل كان اختصاره عن علم وحسن انتقاء، وله نظر في ذلك وترجيح، وزيادات، واستدراكات على صاحب الأصل، يقول القاضي بكر: وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحاً لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذلك من سائر الحديث ليس مخرجه إسماعيل.(3)--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 184، 194، 204، 371، 423، 498، 678.
(2) [سورة النساء: الآية 43] انظر من هذه الرسالة ص: 539، 540.
(3) لوحة: 325/أ. .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
ويمكن بيان أوجه ما زاده المؤلف على الأصل، مقارنة مع ما تبقى من الأصل:
1. زيادته مسألة فقهية، وهي مسألة حجر الزوج على زوجته في مالها ونفسها، وأطال النفس فيها، مستدلاً لها، ومصححاً لما استدل به، ومجيباً على الاعتراضات على ما ذهب إليه(1).
وهذه المسألة غير موجودة في الأصل.
2. ذكره لمجموعة من الأحاديث والآثار المسندة التي ليس مخرجها القاضي إسماعيل، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الأحاديث والآثار عند الحديث عن شيوخ المؤلف وروايته عنهم(2).
3. كان له بعض الاستدراكات على شيخه صاحب الأصل، مع عرضها بشيء من الأدب والاحترام، فعند قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}(3). نقل قول القاضي إسماعيل في مسألة حكم الإتمام في السفر، فقال المؤلف: وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام، قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضه ركعتان فلا يجوز له أن يصلي أكثر من فرضه.--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 525.
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 30 وما بعدها.
(3) [سورة البقرة: الآية 185] انظر من هذه الرسالة ص: 205.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
قال المؤلف معقباً على هذا: قال القاضي: وطرق هذا الحديث كثيرة، وقد قال مالك في من أتم في السفر: إنه بعيد في الوقت. فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تبطلها كما تبطل الزيادة في الأربع، قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إنما خالفه لا يجوز البتة، لو قلنا أن يصلي أربعاً يعيد أبداً لكان عثمان وعائشة رضي الله عنهما ما صليا، وآراؤنا دون آرائهم، قال ابن مسعود رضي الله عنه وقد صلى خلف عثمان رضي الله عنه أربعاً: ليت حظي من أربع ركعتين، ولم ير الإعادة، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول له ابن عباس: كنت معنا نقول لأبي بكر وعمر إن الخمس لنا بالكتاب والسنة حتى أفضي الأمر إليك فقسمته على ما قسماه، قال علي: إنهما تأولا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتأولنا ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويليهم، فقسمتها على ما قسماها، وقال: قد كانا رشيدين وما أحب أن يؤثر عني خلافهما، فنحن ما أدركنا الوقت قلنا أيضاً بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نزر على الصحابة ونقول ما يكدح فيهم.
وعند قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}(1). قال المؤلف: قال القاضي رحمه الله: وهذه الآية والله أعلم توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني، ومعنى قوله: {قَاتِلُوا} اقتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه عز وجل قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(2) فكان هذا مانعاً من قتلهم.--------------------------------------------
(1) [سورة البقرة: الآية 190] انظر من هذه الرسالة ص: 227.
(2) [سورة البقرة: الآية 190]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
ثم قال: قال القاضي إسماعيل: إنما أذن الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها فمنها والله أعلم هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نسخ ذلك كله وأمر بقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب.
قال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره.
وقال في موضع آخر: وقد قال قوم، وقرأوا: {فَإِذَا أُحْصِنَّ}(1) يريد تزوجن. وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. وهذا على العموم، وقد أنكر إسماعيل القاضي: (أحصن) أسلمن، لأن الله عز وجل ذكر في أول الآية: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}(2) فاستُغني بذلك. وهذا مما لا ينبغي له أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول الله عز وجل: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}(3) فإذا أحصن بالإسلام. فقد قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}(4)، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}(5) وفي هذا كفاية، ثم قال: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}(6).
وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديث دون الآية، والحديث يزيد الآية، ويبين ما فيها والله أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.--------------------------------------------
(1) [سورة النساء: الآية 25] انظر من هذه الرسالة ص: 512.
(2) [سورة النساء: الآية 25]
(3) [سورة النساء: الآية 25]
(4) [سورة النساء: الآية 136]
(5) [سورة البقرة: الآية 222]
(6) [سورة البقرة: الآية 222]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
4. الزيادة فيما طرأ من الحجة للمذهب بعد ذلك، فنجد المؤلف يذكر مثلاً قول الطحاوي في مسألة النبيذ.(1)
5. الاختيار والترجيح، فلا تكاد تخلو آية - في الغالب - من ابتدائها أو ختمها بقول المؤلف: قال القاضي.
وهذه الاختيارات مبنية على أصول منها ما يتعلق بتفسير الآية، ومنها ما يتعلق بالحديث، ومنها ما يتعلق باللغة، وستأتي الإشارة إلى بعضها عند الحديث عن منهج المؤلف التفصيلي إن شاء الله.
ولعل هذه النقطة - أعني اختيارات المؤلف وترجيحاته - لا تنسجم مع ما نقل عن المؤلف من قوله: بعدم الاختيار بعد المائتين، فقد قال ابن حزم: وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي: إن بعد سنة مائتين قد استقر الأمر، وليس لأحد أن يختار.(2)
وقال في موضع آخر: وقول بكر بن العلاء: ليس لأحد أن يختار بعد التابعين من التاريخ.
ثم قال: ويقال لبكر من بينهم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين؟ أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو من جاء بعد متعقباً عليه وعلى غيره، ممن هو أعلم منه بالسنن وأصح نظراً، أو مثله كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهما.
ثم شدد عليه النكير بكلام شديد.(3)
وقال ابن القيم: وقال بكر بن العلاء القشيري: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة.(4)
وما وقفت عليه من هذا مما ذكره المؤلف في كتابه هذا، هو ما يلي: قوله: والقرآن كله قد أحكم، وعرفت أحكامه، فما أُخرَ بيانه عن الحاجة إليه.--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 538، 697.
(2) الإحكام في أصول الأحكام: 4/ 552.
(3) المرجع السابق: 4/ 621.
(4) إعلام الموقعين: 2/ 282.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
فقد بيّن ما أراد الله به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به، على من يأتي بعد مائتين وثلاث مائة سنة، فبينه حتى يضع كتباً يقول فيها: البيان الأول والثاني والثالث من البيان، وهذا ما لا يجوز أن يقدم عليه إلا جبريل عليه السلام عن الله عز وجل.(1)
وقال: ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما خالفه لا يجوز البتة.(2)
وقال: وقد زعم بعض الناس أنها واجبة بقول الله عز وجل: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}(3) فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشاً؛ لأن كل من فسر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجاً أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر، وقال: أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر.
وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافاً للصحابة الذين ذكروا أن الله عز وجل قصد يوم الحج الأكبر، لاسيما مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم.(4)--------------------------------------------
(1) انظر من هذه الرسالة ص: 111.
(2) انظر من هذه الرسالة ص: 205.
(3) [سورة التوبة: الآية 3]
(4) انظر من هذه الرسالة ص: 237.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
هذا ما وقفت عليه في كتابه هذا، وقد يكون هناك نصوص أصرح من هذه في كتبه الأخرى، لكن الذي يظهر من هذه النصوص أن المؤلف لا يرى المنع من الاختيار بعد المائتين، الاختيار المبني على الدليل، فالمؤلف يقصد بهذا أمرين، الأول: عدم إحداث قول خارج عن أقوال السلف، وقد صرح بذلك حيث قال: فمدح الله متبعهم فقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(1)، ومتبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون مارووه، إذ كان مارُوي المتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم، دون الخروج عنها، لقوله عز وجل: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}(2)، والأحسن ما أنتجه النظر، واستخرجته الدلائل والعلل من الأصول المجمع عليها من الكتاب والسنة، فبيّن ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه.(3)--------------------------------------------
(1) [سورة التوبة: الآية 100]
(2) [سورة الزمر: الآية 18]
(3) انظر من هذه الرسالة ص: 109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
الأمر الثاني: وجوب الرجوع إلى فهم السلف الصالح عند الاختلاف، فإن الاختلاف دائماً ليس في النصوص، وإنما في فهمها، ولذلك يقول المؤلف: ولم يزل أهل العلم على ذلك متبعين لسلفهم، حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم قوم مستخفون بقول السلف، وله هاجرون، وعلى مذاهبهم زارون، يحدثون أنفسهم أن أسد الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويرون أنهم يساوون السلف في العلم بالكتاب، طعناً بذلك على إخوان المصطفى الذين فارقهم على الصدق والوفاء، والطهارة والتقى، ولو أخذوا ذلك عمن شاهد الوحي ونزل القرآن بلغته لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلِمتْ أن عقول من تقدمهم تربى على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام وجانبوا الورع، وصار القصد الغلبة بالجدل المحض، منعهم الله التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.(1)
ثانياً: منهج المؤلف العام.
بدأ المؤلف كتابه بمقدمة ذكر فيها أن تفسير القرآن منه ما يعرف ويعقل بنفس الخطاب، ومنه ما بينه الله عز وجل بآيات أخرى، ومنه ما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنه ما بينه الصحابة، بما أتوه من العلم، والمشاهدة، والفضل.
ثم ذكر أن من بعدهم صار على نهجهم، حتى حدث في بعض القرون المتأخرة من يستخف بقول السلف، ويرى تقديم قوله على قولهم، وفهمه على فهمهم.
ثم بين أنه اختصر كتابه هذا ليقرب من فهم المتعلم، وأنه لم يعد فيه من السنة، وقول السلف، وما توجبه اللغة العربية التي نزل القرآن بها.--------------------------------------------
(1) الموضع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ثم بدأ المؤلف كتابه بتفسير سورة الفاتحة دون أن يذكر اسمها، فذكر بعض ما فيها من الأحكام الفقهية، وذكر فيها بعض الأمور التي لا علاقة لها بسورة الفاتحة كالحديث عن معنى السورة، ومعنى القرآن.
ثم شرع في تفسير سورة البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، ثم المائدة، ثم الأنعام، ثم الأعراف، على ترتيب المصحف، وهو لا يتعرض إلا لما فيها من آيات الأحكام، وعند عرضه لهذه الآيات يرتبها حسب ورودها في السورة، إلا في مواضع محدودة، منها: تقديم الآية 144 من سورة البقرة على الآية 143 من السورة نفسها، والآية 283 من سورة البقرة شرح جزء منها - وهو ما يتعلق بمسألة إذا تداعيا الراهن والمرتهن في قيمة الرهن - مع الآية 282 من السورة نفسها، ثم رجع مرة أخرى بعد الانتهاء من الآية 282 وبين ما في آية 283 من بقية الأحكام، وقد قدم هذه المسألة لمناسبة الحديث عند الآية 282 عن مسألة الاستيثاق في الديون، والقضاء بالشهادة واليمين عند الاختلاف وعدم البينة.
وقدم المؤلف أيضاً الحديث عن الآية 240 من سورة البقرة مع الحديث عن الآية 234 من السورة نفسها للمناسبة بين هاتين الآيتين من حيث إن المتقدمة ناسخة للمتأخرة.
وفي سورة آل عمران قدم الحديث عن الآية 97 وأخر الحديث عن الآية 28 من السورة نفسها، ولم يتبين لي السبب في ذلك.
وقد بلغ عدد الآيات التي تناولها المؤلف - في القسم المحقق عندي - 154 آية، على النحو التالي: سورة البقرة 63 آية، سورة آل عمران 4 آيات، سورة النساء 45 آية، سورة المائدة 31 آية، سورة الأنعام 6 آيات، سورة الأعراف 5 آيات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)