وهذا -بكل أسف- كثر جدًا عند الباحثين الذين يتكلمون في التصحيح والتضعيف، وسببه ظاهر، وهو عدم تشبع الباحث بالمنهج الذي ينطلق منه الناقد الأول، وبعد الباحث عن ممارسة النقد وفق ذلك المنهج، فهو ينقل عن النقاد الأوائل -إذا نقل- بغرض رفضه ومناقشته.
وليس المقصود بهذا أن النقاد الأوائل معصومون من الخطأ، فلا يناقشون، وإنما المقصود أن الباحث المتأخر لا يستوعب كلامهم ويناقشه وفق منهجهم، وإنما يقف موقف المستغرب، لعدم التوافق بينهما في قواعد المنهج.
فهذه السلسلة وأمثالها من أغراضها تكوين باحث ذي عقلية نقدية وفق منهج النقاد الأوائل، يستطيع السير معهم، ويهضم كلماتهم، ويستسيغها، وهذا ما يعبر عنه بعض الأئمة بـ (ذوق أهل الفن)، ويعبر عنه بعضهم بـ (القدرة على مشاركة أهل الفن)، كما قال السخاوي في الفرق بين الصنفين، المقتدر، وغير المقتدر: "وهو (أي التعليل) أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة … "(1).
ومن المهم جدا هنا أن يدرك الباحث معنى (مشاركة أهل الفن)،--------------------------------------------
(1) "فتح المغيث" 1: 274.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فهي عبارة تطلق في كافة العلوم، فيكثر في تراجم العلماء قولهم فيه: مشارك في الفقه، أو أصول الفقه، أو التفسير، أو اللغة، أو الحديث، ويقولون على سبيل الإجمال: مشارك في كثير من العلوم، أو في علوم أخرى.
ومعنى هذا الوصف أنه ليس من أهل الفن المختصين به، لكنه يستطيع السير معهم، ويعرف مصطلحاتهم، ويفهم لغتهم، ويربط بين أحكامهم وبين قواعدهم التي يسيرون عليها في ذلك العلم، ولكثرة ممارسته لهذه القواعد يستطيع أن يوازن بين أقوالهم عند الاختلاف، ويشرح دليل هذا، ودليل هذا، وفق قواعدهم، وربما شاركهم في الأحكام، فرجح عند الاختلاف، واستدل للراجح، وناقش المرجوح.
والذي أقوله هنا -وأرجو أن يتأمله الباحث جيدا- أننا في هذا العصر في فن (نقد السنة) لا نستطيع تجاوز درجة المشاركة، ومن وصلها بعد جهد طويل وصبر وخبرة واسعة فقد بلغ الغاية.
ووصف المشارك ينبني عليه أشياء في نقد السنة، من أهمها أن أحكام الباحث على الأحاديث إنما تدور حول أحكام أهل النقد الأولين في عصر الرواية، فمهمة الباحث إذن التنقيب الشديد عنها، تصريحا أو تلميحا، فمتى رآهم متفقين على حكم، لم يجز له أن يخالفهم، وإن انقدح في ذهنه غير ذلك، وكذلك إذا وقف على حكم لإمامين أو ثلاثة مثلا لا يصح له أن يخالفهم، بل أقول إنه إذا وقف على حكم واحد منهم ولم يجد له مخالفا لزمه الوقوف عنده.
وإذا وجد الباحث أن الأئمة قد اختلفوا فله عمل في الاستدلال للقولين، إن لم يكونوا فعلوا ذلك، أو بعضهم، والموازنة بين قوليهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وقد يرجح بين القولين إن رأي في نفسه القدرة، وتحمّل تبعة ذلك شرعًا، فحكمه فتوى، يشترط له ما يشترط للفتوى.
وللباحث المشارك نظر في أحاديث لم يقف على حكم للأئمة فيها، بعد أن بذل غاية وسعه في البحث عنه، فيجتهد في الحكم، مطبقا قواعد الأئمة، مستخدما جميع ما يلوح له من قرائن تربطه بأحكامهم.
وهو في كل ذلك معترف بتقصيره، مدرك لمنزلته بالنسبة لأولئك النقاد، مستخدما معهم عبارات الإجلال والإكبار، إن ناقش أحدا منهم ناقشه بأدب واحترام، يطرح رأيه بطريقة تليق بحاله، خائف وجل، مبتعد عن العبارات التي توحي بالثناء على النفس.
وغير خاف أن ما تقدم يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وترويض لها، فهي ضعيفة، تواقة لكل ما تظنه يرفع من شأنها، وإن كان بغير حق، فالمتأمل في كتابات بعض الباحثين الذين يتعاطون نقد السنة يرى عجبا: تسامقا وتعالما، وعبارات خشنة في حق الأئمة، لا تليق بآحاد الناس.
ويجد القارئ الكريم في هذه السلسلة ما يعينه على الالتزام بما أرشدته إليه، حيث حرصت في كل موضوع منها على بيان العمل الذي يستطيع الباحث أن يقوم به، وكذلك إبراز منزلة أولئك النقاد، وما اختصوا به، فعلت ذلك في الجرح والتعديل، والاتصال والانقطاع، ومقارنة المرويات، وخصوصًا في هذا الأخير، فقد عقدت فصلا في بيان الوسائل التي كانت في حوزتهم، وفقدت فيمن بعدهم.
كما خصصت قسمًا كاملا من هذه السلسلة للحديث عن أئمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
النقد، وعن كتبهم.
الثالث: إتقان عرض التخريج والدراسة.
يغفل كثير من الباحثين الاهتمام بحسن عرض تخريجهم ودراستهم للقارئ، فيجيء العمل مهلهلا، مطولا، متداخلا، كثير التكرار، وهذا يؤدي إلى نقيض مراد الباحث، فلا يفهم القارئ مراده، ولا يتمكن من متابعة أسانيد الحديث ومخارجه.
ولا شك أن حسن العرض وتسلسل المعلومات وترابطها يغني في كثير من الأحيان عن حكم الباحث، فهو يقود القارئ إلى النتيجة دون حاجة إلى تدخل الباحث.
وهناك فرق بين أن يقود حسن العرض وتماسكه وترابطه إلى النتيجة بشكل تلقائي، وهو الذي أعنيه وأقصده، وبين أن يقوم الباحث بعرض التخريج والدراسة ليقود إلى النتيجة التي وضعها في ذهنه للحديث، فتجده يتخبط في المنهج، فكل حديث يعرضه بصورة غير الحديث الآخر.
وحسن عرض التخريج والدراسة يتضمن اختيار المنهج المناسب للتخريج والدراسة من جهة الاختصار والبسط، فبعض البحوث يكون فيها التخريج على الصحابي، ثم ذكر الحكم مختصرا، وبعضها يكون فيه التخريج على مدار الحديث، ثم الكلام عن درجة الحديث، وبعضها يكون فيه التخريج مطولاً، على الطرق والمتابعات، وهذا الأخير أيضا ليس على درجة واحدة في الاختصار والبسط، وللباحثين عدة مسالك في عرضه، يختار منها الباحث ما يناسب بحثه، وما يستطيع أن يقوم به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وإذا كان التخريج مطولا فستكون الدراسة كذلك، فيفردها الباحث عن التخريج، ولا يخلطها به، ويتقن تلخيص حال الحديث، ثم يعرض موقف الأئمة منه، تصحيحًا وتضعيفًا، ويدلل ويوازن، وربما أقدم على الترجيح.
وإذا كان الباحث قد اختار الترجمة لرواة الإسناد كلهم فيراعي اختيار المنهج المناسب لكل منهم، ويحسن عرض الترجمة، وفق ضوابط علمية معينة.
وهو في كل ذلك يسير وفق ترتيب صحيح للدراسة، يراعي فيه حال الحديث، وما فيه من علل، كما يراعي فيه حين عرض أقوال الأئمة تسلسلهم التاريخي.
وشرح ما تقدم تحته تفاصيل كثيرة، ويحتاج إلى أمثلة تطبيقية، وقد خصصت قسما من هذه السلسلة لشرح عرض التخريج والدراسة، وذلك لما رأيته من أهمية بالغة لذلك، فكم يحز في النفس أن ترى شيخا فاضلا يشارك في هذا العلم، فإذا كتب كتب بعفوية متناهية، فأفسد بحوثه.
وقد ألف أحد المشايخ الفضلاء كتابا جاء في عدة مجلدات، أودع في حواشيه مادة ضخمة جدا، لكنها بعيدة كل البعد عن المنهج الصحيح، فالطرق متداخلة، والدراسة لا تدري أين موضعها، مما أدى إلى تضخم الكتاب بالتراجم، وبالطرق التي لا حاجة إليها، مع سوء في الترتيب والتنسيق.
وأُرسل لي قبل أيام يسيرة جزء لأحد الأساتذة الفضلاء يقع في خمسين صفحة أو تزيد، خصصه لدراسة حديث واحد، وطُلب مني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
إبداء الرأي فيه، فلما قرأته رأيت عجبا، معلومات مشتتة، وتطويل لا حاجة له، لا يدري القارئ أول الكلام من آخره، وكان بالإمكان -وفق المنهج الصحيح -أن يقع تخريج هذا الحديث ودراسته في بضع صفحات لا تزيد.
وكنت أكرر دائما للباحثين الذين أشرف على رسائلهم أو أقرأ لهم بحوثهم أن جهدي الأكبر سينصب على تنشئة الباحث وتدريبه على حسن العرض وإتقانه، واختيار المعلومة، ووضعها في مكانها اللائق بها، وتسخيرها لتنسجم مع ما قبلها وما بعدها، والبعد عن الحشو والتطويل، واختيار العبارات المناسبة في المناقشة والاعتراض، فهذا هو الدور الأكبر للمشرف والناقد.
وما عدا ذلك فنحن فيه سواء، بل قد يتفوق الشباب في الوصول إلى المعلومات، والتنقيب عن الطرق، والاجتهاد والبحث.
وتبقى قضية اتباع قواعد المنهج الصحيح في الموازنة والترجيح والحكم، وقد تبين لي أنها فرع عن إتقان عرض التخريج والدراسة، فالباحث متى أتقن ذلك، وكان لديه قراءة يسيرة في قواعد المنهج الصحيح تجده لا يستطيع أن ينفك عن اتباع هذا المنهج، لأنه منهج معلل، منضبط، فالمعلومات التي يعرضها الباحث ويتقن عرضها ستقوده إذن إلى الاختيار الصحيح، وقد جربت هذا مع عدد من الطلاب.
وهذا أوان الشروع في هذه السلسلة، والابتداء -كما تقدم -سيكون بالجرح والتعديل، وهو يشتمل على تمهيد، وأربعة فصول:
الفصل الأول: الحكم على الراوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الفصل الثاني: أحكام النقاد على الرواة ومراتبها.
الفصل الثالث: ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة.
الفصل الرابع: تمييز رواة الإسناد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
إبراهيم بن عبد الله اللاحم
المملكة العربية السعودية
القصيم - بريدة
بريد (شبكة المعلومات)
[email protected] (খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
تمهيد
اشترط المحدثون في الراوي لقبول روايته شرطين، أحدهما: أن يكون عدلا، والثاني أن يكون ضابطا.
والبحث في عدالة الراوي وضبطه هو ما عرف اصطلاحًا بـ (الجرح والتعديل)، فالجرح معناه الطعن فيهما أو في أحدهما، والتعديل بضد ذلك، أي الحكم بتوافرهما، فهو وإن كان في الأصل ينصرف إلى العدالة فقط إلا أن الاصطلاح جرى على شموله للضبط أيضًا.
و (علم الجرح والتعديل) أحد علوم نقد السنة النبوية، له قواعده وضوابطه وفقهه، وسينتظم هذا القسم بفصوله ومباحثه ما يتعلق بذلك كله، فمن المهم جدا أن يدرك الباحث أن الوصول إلى حكم دقيق على كل راو من رواة أسانيده ليس بالأمر اليسير، لاسيما في هذا الوقت المتأخر؛ إذ قد خلَّف لنا المتكلمون في الجرح والتعديل والمؤلفون فيه كمًا هائلا من المعلومات، سواء منها المتعلق بالقواعد والضوابط، أو المتعلق بكل راو بعينه.
وقبل الشروع في هذا القسم هناك عدد من القضايا التمهيدية التي يحسن بالباحث أن يقف عليها أولاً، لتكون عونا له على السير فيه، وهي ثلاث قضايا:
الأولى: يمكن أن يستدل لهذين الشرطين بنصوص من الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه … "(1)، وكذلك عمومات الشريعة التي توجب صيانة--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود حديث (3660)، والترمذي حديث (2656)، وأحمد 5: 183، عن زيد بن ثابت، وهو حديث مشهور، ورد عن جماعة من الصحابة، انظر: "دراسة حديث: نضر الله امرءا سمع مقالتي" لعبد المحسن العباد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
نقلها عن الكذب والغلط، وأن لا تؤخذ إلا ممن أمن جانبه أن يكذب أو يغلط، كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"(1).
وقال بهز بن أسد: "لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول"(2).
وقال أبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن: "إنما هي شهادات، وهذا الذي نحن فيه -يعني الحديث- من أعظم الشهادات"(3).
وقال الخطيب البغدادي: "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن في أمته ممن يجيء بعده كذابين، فحذر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين، والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطًا للدين، وحفظا للشريعة من تلبيس الملحدين"(4).
وهذا الشرطان هما أساس نقد السنة، بل هما أساس نقد الأخبار عموما، فمتى كان الناقل لخبر ما مأمونا جانبه من أن يكذب، ضابطا لما يتحمله من أخبار، وجب قبول خبره.
وعند التأمل فإن الثلاثة الشروط الباقية من شروط الحديث الصحيح--------------------------------------------
(1) "صحيح مسلم"1: 14، و "الجامع لأخلاق الراوي"1: 129.
(2) "الكفاية" ص 77، و"الجامع لأخلاق الراوي"1: 127، وفي النسخة سقط.
(3) "الكفاية" ص 77.
(4) "الكفاية" ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
-وهي اتصال الإسناد، وخلوه من العلة والشذوذ- ترجع في النهاية إلى هذين الشرطين، فاتصال الإسناد إنما اشترط من أجل معرفة عدالة الناقل وضبطه، إذ قد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، واشتراط عدم الشذوذ، وعدم العلة، لأن وجودهما معناه انتفاء الضبط والحفظ، وترجيح وجود خطأ وغلط.
الثانية: تضافرت أقوال الأئمة على اشتراط عدالة الراوي وضبطه، بعبارات مختلفة، مطولة ومختصرة، لكن ليس بالضرورة أن يتم التعبير بهاتين الكلمتين، فكل ما يصدر عن الأئمة من وصف للراوي الذي يقبل حديثه أو الذي لا يقبل مرجعه إلى هاتين الكلمتين، وإنما جرى الالتزام بهما بعد استقرار المصطلحات، وشيوع تدوين (قواعد علوم الحديث).
فمن كلمات الأئمة في ذلك قول عروة بن الزبير: "إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به، قد حدث به عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به، قد حدث به عمن لا أثق به"(1).
وقال الشافعي: "كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عمن عرف وحفظ، وما رأيت أحدا من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب، وكان طاوس إذا حدثه رجل حديثا قال: إن كان حدثك حافظ ملي، وإلا فلا تحدث عنه"(2).--------------------------------------------
(1) "الكفاية" ص 32، 132.
(2) "الكفاية" ص 132، وانظر: "صحيح مسلم"1: 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وقال سعد بن إبراهيم: "لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات"(1)، وفي رواية عنه: "كان يقال: خذوا الحديث من الثقات"(2).
وقال أبو الزناد: "أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله"(3).
وقال مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من سفيه مُعْلِن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا يؤخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث"(4).
وقال أيضا: "لقد أدركت بهذا البلد -يعني المدينة -مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثا قط، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون"(5).
ومن أجمع ما قيل في صفة الراوي الذي تقبل روايته قول الشافعي: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا، منها: أن--------------------------------------------
(1) "صحيح مسلم"1: 15، و"الكفاية" ص 32.
(2) "الجامع لأخلاق الراوي"1: 130.
(3) "صحيح مسلم"1: 15.
(4) "المعرفة والتاريخ"1: 684، و"الكفاية" ص 116، و"الجامع لأخلاق الراوي"1: 139.
(5) "المعرفة والتاريخ"1: 684، و"الكفاية" ص 116، و"الجامع لأخلاق الراوي"1: 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إن حدَّث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدَّث من كتابه، إذا شَرِك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم … "(1).
الثالثة: بعض أحوال الرواة لا يعرفها إلا من خالطهم وجالسهم، ومن عرف شيئا من ذلك سيضطر إلى نقله لغيره، وما يمكن معرفته من حال الراوي دون الحاجة إلى مجالسته كسبر حديثه مثلا إنما يقوم به من يستطيع ذلك، وهم فرسان الحديث ونقاده، وهؤلاء يذكرون آراءهم حين يسألون، أو يذكرونها ابتداء عند الحاجة لذلك، وكل هذا لابد فيه من الكلام في الرواة في غيبتهم أحياء وأمواتا.
وحين بدأ المعدلون والمجرحون يبينون أحوال الرواة في غيبتهم اشتبه التجريح على بعض الناس بالغيبة المحرمة والبهتان الواردين في قوله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"(2)، ووصل الأمر إلى حد الإنكار على من يتكلم في الرواة.
واضطر الأئمة بسبب ذلك إلى بيان عدم دخول تجريح الرواة في--------------------------------------------
(1) "الرسالة" ص 370.
(2) أخرجه مسلم حديث (2589) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الغيبة المحرمة، وعقدوا أبوابا أو فصولا في كتبهم لشرح ذلك، وأوضحوا أن الكلام في الرواة أمر واجب يؤجر عليه المتكلم فيه إذا أحسنه، وليس كل الكلام في الشخص في غيبته بما يكرهه محرما، بل يستثنى من ذلك أشياء منها جرح الرواة، وجرح الشهود، والتحذير من الفاسق، وعند الاستفتاء، وغير ذلك(1).
قال يحيى القطان: "سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكا، وابن عُيَيْنة، عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا: أخْبِر عنه أنه ليس بثبت"(2).
وقال عبد الله بن المبارك: "قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حَدَّث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى، فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه"(3).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "مررت مع شعبة برجل -يعني يحدث- فقال: كذب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت -أو كلمة معناها-"(4).
وقال أبو زيد النحوي: "أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة، تعالوا نغتاب--------------------------------------------
(1) انظر: "صحيح مسلم"1: 14 - 28، و"الكفاية" ص 34 - 46، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 16: 142 - 143.
(2) "صحيح مسلم"1: 17، و"سؤالات أبي داود" ص 197، و"التاريخ الصغير"2: 283، و"الكفاية" ص 43.
(3) "صحيح مسلم"1: 17.
(4) "الكفاية" ص 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
الكذابين"(1).
وكان شعبة يطلق على جرح الرواة: الغيبة في الله(2).
وقال الحسن بن الربيع: "قال ابن المبارك: المعلى بن هلال هو … ، إلا انه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل -أو نحو هذا من الكلام-"(3).
وقال عفان: "كنا عند إسماعيل بن عُلَيَّة جلوسا، قال: فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، فقال الرجل: اغتبته، فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت"(4).
وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بين أمره، فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا"(5).
وقال محمد بن بندار الجرجاني: "قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليّ أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكت أنت، وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ "(6).
ومن أعظم ما قيل في ذلك كلمة ليحيى بن سعيد القطان، فقد قال له تلميذه أبو بكر بن خلاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت--------------------------------------------
(1) "الكفاية" ص 45.
(2) "الكفاية" ص 45.
(3) "الكفاية" ص 45، وانظر: "المعرفة والتاريخ"3: 137.
(4) "الكفاية" ص 43.
(5) "الكفاية" ص 45.
(6) "الكفاية" ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ فقال يحيى: "لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حَدَّثت عني حديثا ترى أنه كذب؟ "(1).
فقد تبين السبب الذي لأجله استجاز الأئمة القدح في الرواة، وأنه من باب درء إحدى المفسدتين بارتكاب أخفهما، فالقدح في الرواة أهون بكثير من اختلاط صحيح السنة بسقيمها، وأن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره من صحابته رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم ما لم يصدر عنه.
ويتفرع عن هذا أنه لا ينبغي إهدار حقوق هؤلاء الرواة في خِضَمِّ تحقيق هذه المصلحة، فإن فيهم الفقهاء، والقضاء، والقراء، والعباد، ومن أهم حقوقهم أن يحسن المتكلم فيهم أو الناقل لكلام غيره النية، وأن لا يفعل ذلك تشفيا لمخالفة في مذهب أو مسألة، وأن يقتصر من الكلام فيهم على ما يحصل به الغرض، وأن يدفع عنهم ما لم يثبت عنهم، أو ما لم يثبت عن المتكلم فيهم، ولا يذكر ما قيل فيهم من جرح، ويسكت عما قيل فيهم من تعديل.
وكل هذه القضايا وما يشبهها سيأتي التعرض لها في مباحث هذا القسم من قريب أو بعيد، وليس هي بالشيء الهين، فالحال كما قال الإمام ابن دقيق العيد: "أعراض المسلمين: حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام"(2)، وقال ابن الصلاح: "الكلام في الرجال جرحا وتعديلا جُوِّز صونا للشريعة، ونفيًا--------------------------------------------
(1) "الكفاية" ص 44.
(2) "الاقتراح"1: 144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة.
ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك وتعالى، ويتثبت، ويتوقَّى التساهل، كيلا يجرح سليما، ويَسِم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها، ويلحق المتساهل من تساهله العقاب والمؤاخذة.
وأحسب أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي من مثل ما ذكرناه خاف، فيما رُوِّيناه أو بُلِّغناه أن يوسف بن الحسين الرازي -وهو الصوفي- دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئة سنة ومئتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم؟ فبكى عبد الرحمن.
وبُلِّغنا أيضا أنه حُدث وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس عن يحيى بن معين أنه قال: إنا لنطعن على أقوام لعلهم حطوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مئتي سنة، فبكى عبد الرحمن، وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده"(1).
ومما يتصل بهذا الجانب ويغفل عنه بعض الباحثين أن لا يكون هناك حاجة لذكر جرح الشخص من جهة الرواية، فلم يرد عند الباحث في إسناد حديث، وإنما ورد اسمه في أمر يتعلق بعلم آخر من العلوم، كالفقه، أو القراءات، أو اللغة، فيترجم له الباحث معرًا به، ويقحم في ترجمته ما قيل في درجته من جهة الرواية، وقد يكون فيها ضعيفًا أو دون ذلك، فيجني على الشخص، وعلى الموضوع الذي هو بصدد الحديث عنه.--------------------------------------------
(1) "مقدمة ابن الصلاح" ص 590، وانظر: "الكفاية" ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
مثال ذلك أن يكون ورد عند الباحث اسم الفقيه المشهور محمد بن أبي ليلى الكوفي، في مسألة فقهية، فإذا أراد التعريف به فمن غير اللائق أن يذكر درجته في الرواية؛ إذ هو سيء الحفظ، كثير الاضطراب فيما يرويه(1)، ولذا قال أحمد فيه: "فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب"(2)، أو يكون ورد عنده اسم الحجاج بن أَرْطاة الفقيه الكوفي، فإنه كثير الخطأ والتدليس، يدلس عن المتروكين(3).
فهذا في الفقه، ومثله يقال لو جاء عند الباحث اسم حفص بن سليمان صاحب القراءة المعروفة بقراءة حفص، عن عاصم، فإن حفصا هذا متروك الحديث(4).--------------------------------------------
(1) "تهذيب التهذيب"9: 301.
(2) "العلل ومعرفة الرجال"1: 411.
(3) "تهذيب التهذيب"2: 196.
(4) "تهذيب التهذيب"2: 400.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الفصل الأول: الحكم على الراوي
وفيه مدخل، وأربعة مباحث:
المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي.
المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي.
المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره.
المبحث الرابع: عوائق الحكم على الراوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
* مدخل:
استخدم الأئمة عددا من الوسائل في سبيل حكمهم على الرواة، وهي وسائل دقيقة جدا، لم تترك جانبًا في الراوي إلا وتطرقت له، فهي في النهاية تقود إلى حكم سليم يليق بحال الراوي.
وما من شك في أن هذه الوسائل متى تعاضدت أو أكثرها عند الناقد في راو من الرواة سهل عليه إصدار الحكم، ولم يجد من يخالفه، وهذا تفسير اتفاق الأئمة على الراوي وأنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك الحديث، أو كذاب، فسببه إذن هو أن وسائل الحكم عليه قادت النقاد إلى ما توصلوا إليه.
غير أن الأمر ليس بهذه السهولة دائما، إذ يحصل كثيرا أن يفقد الناقد وسيلة للحكم على الراوي، وربما استمر ذلك، وربما عَثَر عليها فيما بعد، وقد يجدها غيره من النقاد، وقد تتوافر وسائل في الحكم عليه، لكنها تتعارض، فيحتاج الناقد إلى موازنة دقيقة، قد يخالف فيها، بل قد يختلف رأيه هو في الراوي الواحد.
ومن جهة أخرى فالرواة كثيرون جدا، لا يجمعهم عصر واحد، متفرقون في البلدان، وأحاديثهم من الكثرة والتفرق فوق ما يصفه الواصف، ثم هم بشر، يعتريهم التأثر بالزمان، والمكان، والإقامة والسفر، وكافة العوامل البيئية والاجتماعية المحيطة بهم، وحينئذٍ فيحتاج بعض الرواة إلى تفصيل الحكم فيه، فكأنه عدد من الرواة، ويستلزم ذلك من الناقد سبر تفاصيل حياة الراوي، وتنقلاته، وأسفاره، وإن كان معاصرًا له احتاج إلى مراقبته طول حياته، لتسجيل ما قد يطرأ عليه من تغيير قوة أو ضعفًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
ووراء ذلك كله أمر آخر من الأهمية بمكان، وهو أن الرواة يشتركون في رواية بعض الأحاديث، ويقع بينهم الاختلاف كثيرا في صفة الرواية، وللموازنة بينهم ومعرفة الراجح من الاختلاف لابد من إجراء مقارنة بين بعض الرواة، فاشتغل الأئمة بذلك كثيرا، ولم يكتفوا بالحكم على كل راو لوحده، مع دوافع أخرى للمقارنة.
ثم هذه المقارنة قد تكون مقارنة عامة بين روايين أو أكثر، وقد تكون -وهذا أيضا كثير جدا- في شيء خاص يجتمع فيه الرواة، كشيخ لهم، أو بلد، أو كتاب معين يرونه.
وتحت هذا كله تفاصيل سأعرض لها في مباحث أربعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)