وبمعنى هذا قال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم(1).
ومثله في الزهري: إسحاق بن راشد الجَزَري، وسفيان بن حسين الواسطي، وهُشَيْم بن بَشِيْر الواسطي، فهؤلاء في الزهري ضعفاء(2).
وعبد الرزاق بن عمر الدمشقي الكبير، ضعيف الحديث، وهو في الزهري أشد ضعفا، فهو متروك الحديث، قال هُشَيْم: "ذهبت كتبه، خرج إلى بيت المقدس، فجعل كتبه في خرج جديد، وثيابه في خُرْج خَلَق، فجاء اللصوص فأخذوا الخُرْج الجديد، فذهبت كتبه، وكان بعد ذلك إذا سمع حديثا من حديث الزهري قال: هذا مما سمعت"(3).
وعبد العزيز بن محمد الداروردي، صدوق، لكن هو في عبيد الله بن عمر العمري ضعيف، كان قد سمع من عبد الله بن عمر العمري -وهو ضعيف- أحاديث، فجعلها عن أخيه عبيد الله بن عمر وهو ثقة ثبت، قال أبو داود: "سمعت أحمد غير مرة يقول: عامة أحاديث الداروردي عن عبيد الله أحاديث عبد الله العمري، مقلوبة، -وربما لم يذكر: مقلوبة، ولا عامة -، وسمعته يقول: عبد العزيز الدارودي عنده عن عبيد الله مناكير"(4).--------------------------------------------
(1) "الضعفاء الكبير"1: 184، و"الجرح والتعديل"2: 475، و"الكامل"2: 465، و"سؤالات البرقاني للدارقطني" ص 21.
(2) "تهذيب التهذيب" 1: 230، 4: 108، 11: 60، 63.
(3) "الضعفاء الكبير"3: 106، وانظر أيضا: "سؤالات الآجري لأبي داود"2: 198، و"تهذيب التهذيب"6: 309.
(4) "سؤالات أبي داود" ص 222، وانظر: "الجرح والتعديل"5: 395، 396، و"شرح علل الترمذي"2: 810.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وقال النسائي: "ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر"(1).
ويحيى بن سُلَيْم الطائفي، صدوق سيء الحفظ، لكن حديثه عن عبيد الله بن عمر العمري أشد ضعفا من غيره، قال أحمد: "يحيى بن سليم مضطرب الحديث، روى عن عبيد الله مناكير"(2).
وقال النسائي: "ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر"(3).
وقال الساجي: "صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر، لم يحمده أحمد"(4).
وهو بضد ذلك في حديثه عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، فقد أتقن حديثه عنه، وله عنه كتاب كان لا يعطيه لأحد إلا برهن، قال أحمد: "كان قد أتقن حديث ابن خُثَيْم، كانت عنده في كتاب، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفا رَهْنا، قلنا: من أين لنا مصحف ونحن غرباء؟ "(5).
وقال ابن معين: "أتيت يحيى بن سُلَيْم الطائفي، وكان يعطي نسخته ويأخذ رَهْنا مصحفا، فقلت له، فقال: إن شئتَ قرأتَ عليَّ كما قرأتُ أنا على ابن خُثَيْم"(6).--------------------------------------------
(1) "تهذيب الكمال"18: 194.
(2) "سؤالات أبي داود" ص 236.
(3) "تهذيب الكمال"31: 368.
(4) "إكمال تهذيب الكمال"12: 323.
وانظر أيضا: "علل المروذي" ص 142، 145، و"سنن الترمذي"5: 759.
(5) "العلل ومعرفة الرجال" 2: 480.
(6) "تاريخ الدوري عن ابن معين"2: 469، وانظر: "الكامل"7: 2675.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وقال البخاري: "رجل صالح … ، يَهِم الكثير في حديثه، إلا أحاديث كان يُسْأل عنها، فأما غير ذلك فَيَهِم الكثير، روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث يَهِم فيها … "(1).
والظاهر أن البخاري يعني بالأحاديث التي يُسْأل عنها حديثه عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، كما تقدم عن أحمد، وابن معين.
وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، لازم الأعمش، فأتقن عنه جدا، وكان من المقدمين في أصحابه، وأما في غير الأعمش فيخطئ، وخاصة فيما يرويه عن عبيد الله بن عمر العمري، وهشام بن عروة، قال أحمد: "أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا"(2)، وقال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم "(3)، وقال أبو داود أيضا: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله … "(4).
وقال ابن مُحْرِز: "سمعت يحيى، وسألته عن أبي معاوية قلت: كيف هو في غير حديث الأعمش؟ فقال: ثقة، ولكنه يخطئ"(5).
والضَّحَّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النَّبِيْل، ثقة ثبت، لكنه يخطئ في حديث سفيان الثوري، قال إبراهيم الحربي: "كان أبو عاصم إذا حدث--------------------------------------------
(1) "العلل الكبير"2: 981.
(2) "العلل ومعرفة الرجال"1: 378، 2: 374.
(3) "مسائل أبي داود" ص 404، وانظر: "شرح علل الترمذي"2: 680.
(4) "مسائل أبي داود" ص 404.
(5) "معرفة الرجال"1: 96، 157.
وانظر في أبي معاوية أيضا: "تهذيب التهذيب"9: 137 - 139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
عن ابن جريج وغيره من أصحابه جاء مستويا، وإذا حدث عن سفيان أخطأ؛ لأنه لم يضبط عنه، فكان إذا أخرج المجلس وَجَّهَ به إلى علي بن المديني لينظر فيه، ويصلح خطأه، فقال له بعض من قال له: أيش توجه بكتابك إلى هذا؟ حدِّث كما سمعت، قال: ففعل، وكان يخطئ كل مجلس في اثنين، ثلاثة، من حديث سفيان"(1).
وقال النسائي في شيخه الحسن بن أحمد بن حبيب: "لا بأس به، إلا في حديث مُسَدَّد"، وكذا قال مسلمة بن قاسم: "لا بأس به، يخطئ في حديث مُسَدَّد".
وكان الحسن هذا يروي عن مُسَدَّد "مسنده"(2).
والأمثلة على التوثيق والتضعيف المقيد في شيخ معين أو أكثر كثيرة جدًا.
ويدخل في هذه الصورة -وهو من دقيقها- ما إذا كان التوثيق أو التضعيف في الشيخ المعين مخصوصا بشيء، مثل سماعه منه في بلد معين، أو روايته كتابا لشيخه.
مثال ذلك إسماعيل بن مسلم المكي، ضعيف الحديث، واستثنى أحمد من ذلك ما يرويه عن الحسن البصري في القراءات، قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن مسلم المكي ما روى عن الحسن في القراءات، فأما إذا جاء إلى المسندة التي مثل حديث عمرو بن دينار، يسند عنه أحاديث مناكير، ليس -أراه- بشيء، وكأنه ضعفه،--------------------------------------------
(1) "الجامع لأخلاق الراوي"2: 89، وانظر: "العلل ومعرفة الرجال"2: 557، "ومعرفة الرجال"1: 109.
(2) "إكمال تهذيب الكمال"4: 65، و"تهذيب التهذيب"2: 253 - 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
ويسند عن الحسن، عن سَمُرَة، أحاديث مناكير"(1).
وعبد الرزاق الصنعاني، حافظ ثقة، وقد سمع من سفيان الثوري بمكة، وباليمن، فضعف أحمد سماعه منه بمكة، وقوى سماعه منه باليمن، قال أحمد: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدا، روى عنه عن عبيد الله أحاديث مناكير، هي من حديث العمري، وأما سماعه باليمن فأحاديث صحاح"(2).
وزياد بن عبد الله البَّكَّائي، مختلف فيه، ليّن الحديث، سوى حديثه عن محمد بن إسحاق فهو ثبت فيه، وذلك في "السيرة" لابن إسحاق خاصة، قال عبد الله بن إدريس: "ما أحد أثبت في ابن إسحاق منه، لأنه أملى عليه إملاء مرتين … "(3).
وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به، زعم عبد الله بن إدريس أن زيادا البَكَّائي باع بعض داره وكتب المغازي"(4).
وقال أبو داود، عن ابن معين: "زياد البَكَّائي في ابن إسحاق ثقة -كأنه يضعفه في غير ابن إسحاق-"(5). وقال الدارمي، عن ابن معين: "لا بأس به في المغازي، وأما في غيره فلا، وسألته: عمن أكتب المغازي، ممن يروي عن يونس بن بُكَيْر، أو غيره؟ قال: اكتبه عن أصحاب--------------------------------------------
(1) "العلل ومعرفة الرجال"2: 352، و"الكامل"1: 280.
(2) "شرح علل الترمذي"2: 606.
(3) "الجرح والتعديل"3: 538.
(4) "الجرح والتعديل"3: 538.
(5) "تاريخ بغداد"8: 477.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
البَكَّائي"(1).
وقال صالح بن محمد: "ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد البَكَّائي، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق حتى سمع منه الكتاب"(2).
وابن هشام روى "سيرة ابن إسحاق" عن زياد البَكَّائي، عن ابن إسحاق، ثم هذبها، واشتهرت عنه، وهي المعروفة بـ"سيرة ابن هشام"(3).
الثانية: توثيق الراوي في روايته عن أهل بلد معين، وتضعيفه في روايته عن أهل بلد آخر:
قد يوثق الراوي في روايته عن أهل بلد، لكونه حفظ عنهم، ويضعف في روايته عن أهل بلد آخر، لكونه لم يحفظ عنهم، إما لقلة مكثه عندهم، أو لكونه سمع منهم بعدما كبر، أو لأسباب أخرى، وربما استثنوا من التوثيق أو التضعيف بعض شيوخه.
ومن أشهر من عرف بذلك إسماعيل بن عَيَّاش، قواه الجمهور في روايته عن أهل بلده أهل الشام، وضعفوه في غيرهم، كأهل الحجاز وأهل العراق، قال أبو داود: "سألت أحمد عن إسماعيل بن عَيَّاش فقال: ما حدث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما حديث غيرهم عنده مناكير"(4)، وقال أبو طالب عن أحمد: "ما روى--------------------------------------------
(1) "تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 114.
(2) "تاريخ بغداد"8: 478.
(3) "سيرة ابن هشام"1: 10، 12.
(4) "سؤالات أبي داود" ص 264.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
عن الشاميين فصحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح"(1).
وقال ابن معين: "إسماعيل بن عَيَّاش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلَّط في حفظه عنهم"(2)، وقال أيضا: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت"(3).
وقد توارد على هذا المعنى جماعة من الأئمة، كعلي بن المديني، ودحيم، وعمرو بن علي الفَلَّاس، والبخاري، وأبي زرعة، وابن عدي(4).
ومن هذا الضرب أيضا: بَقِيَّة بن الوليد الحمصي، قواه الأئمة فيما إذا روى عن الثقات، وصرح بالتحديث، لكن ذلك فيما يرويه عن أهل الشام، قال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: "بَقِيَّة صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما حديثه عن عبيد الله بن عمر وأهل الحجاز والعراق فضعفه فيها جدا"(5).
وقال ابن عدي: "صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عَيَّاش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة--------------------------------------------
(1) "الكامل"1: 288، وانظر: "علل المروذي" ص 141، و"الجرح والتعديل"2: 192، و"الكامل"1: 289.
(2) "تاريخ بغداد"6: 226.
(3) "تهذيب الكمال"3: 174، وانظر: "العلل ومعرفة الرجال"3: 9، و"الجرح والتعديل"2: 192، و"الكامل"1: 289.
(4) "سؤالات ابن أبي شيبة" ص 161، و"التاريخ الكبير"1: 370، و"الجرح والتعديل"2: 192، و"الكامل"2: 292، 296، و"تاريخ بغداد"6: 226، و"تهذيب الكمال"3: 176 - 178، و"شرح علل الترمذي"2: 773.
(5) "تاريخ بغداد"7: 125.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وَهِم عليهم، وربما كان الوَهْم من الراوي عنه"(1).
وقال أبو زرعة في حديث رواه بَقِيَّة بن الوليد عن المسعودي فأخطأ فيه: "إذا نقل بَقِيَّة حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا"(2).
وتلتقي هذه الصورة مع التي قبلها فيما إذا استثنى الأئمة بعض شيوخ الراوي في البلد الذي ضعف فيه أو وثق، أو كان تضعيفه أو توثيقه في ذلك البلد متفاوتا.
فمن هؤلاء معمر بن راشد، فإنه ثقة ثبت، إلا في حديثه عن أهل الحجاز وأهل العراق، فإنه يَهِم فيه، واستثنوا من أهل الحجاز حديثه عن الزهري، وعبد الله بن طاوس، ثم إنه في بعض شيوخه من أهل العراق كثابت البناني، والأعمش، أضعف من روايته عن غيرهما.
قال ابن أبي خَيْثَمَة: "سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخِفْه، إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النَّجُود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب، مضطرب كثير الأوهام"(3).
وقال ابن معين أيضا: "معمر، عن ثابت: ضعيف"(4).--------------------------------------------
(1) "الكامل"2: 512.
(2) "شرح علل الترمذي"2: 774.
(3) "سري أعلام النبلاء"7: 10، و"شرح علل الترمذي"2: 774، و"إكمال تهذيب الكمال"11: 300، وفي الأول منها: "فخافه" بدل "فخفه"، وفي الثالث: "فخالفه".
(4) "تهذيب الكمال"28: 303.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وكذا قال ابن المديني في رواية معمر، عن ثابت، إن فيها أحاديث غرائب ومنكرة، وأشار إلى أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عَيَّاش(1).
وبمعنى كلام هذين الإمامين في رواية معمر، عن ثابت، جاء عن أحمد، والعقيلي(2).
وقال أحمد: "أحاديث معمر، عن الأعمش، التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر -يعني الغلط-"(3).
وقال ابن رجب: "أما معمر في الأعمش فهو سيء الحفظ جدا، كذا ذكره ابن معين، والأثرم، والدارقطني"(4).
وقد اعتذر معمر عن ذلك بقوله: "سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي"(5).
وفَرَج بن فَضَالة الحمصي، الجمهور على تضعيف حديثه، ومن قواه فذلك في حديثه عن الشاميين خاصة، وأما حديثه عن أهل الحجاز فلا، وخاصة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال عبد الرحمن بن مهدي: "حدث فَرَج بن فَضَالة عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة"(6).
وقال أحمد: "إذا حدث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه حدث--------------------------------------------
(1) "علل ابن المديني" ص 72، و"شرح علل الترمذي"2: 691، 804.
(2) "المعرفة والتاريخ"2: 166، و"علل المروذي" ص 150، و"شرح علل الترمذي"2: 691، وانظر أيضا: "علل الترمذي الكبير"2: 685.
(3) "شرح علل الترمذي"2: 720.
(4) "شرح علل الترمذي"2: 720.
(5) "المعرفة والتاريخ"3: 29.
(6) "الكامل"6: 2054، وانظر: "الجرح والتعديل"7: 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
عن يحيى بن سعيد مناكير"(1).
وقال أبو حاتم: "صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالا … "(2).
وعباس بن الفضل الأنصاري البصري، متروك الحديث، لكن هو فيما حدث عن البصريين أحسن حالاً مما حدث به عن الكوفيين، قواه أحمد في حديثه عن البصريين، واستثنى من ذلك حديثا باطلا(3)، وقال ابن حبان: "كان إذا حدث عن خالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وشعبة بن الحجاج، أتى عنهم بأشياء تشبه أحاديثهم المستقيمة، وإذا روى عن عنبسة بن عبد الرحمن، والقاسم بن عبد الرحمن، وأهل الكوفة، أتى بأشياء لا تشبه حديث الثقات، كأنه كان يحدث عن البصريين من كتابه، وعن الكوفيين من حفظه، فوقعت المناكير فيها من سوء حفظه، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج بخبره"(4).
الثالثة: توثيق الراوي أو تضعيفه في رواية أهل بلد معين عنه:
قد يحدث بعض الرواة في بلد فيضبط حديثه، ويضبطه أهل ذلك البلد عنه، ثم يحدث في بلد آخر فيقع في حديثه أوهام، إما بسببه، أو بسبب الآخذين عنه.--------------------------------------------
(1) "سؤالات أبي داود" ص 264، وانظر: "سؤالات الآجري"2: 237، و"تاريخ بغداد"2: 395.
(2) "الجرح والتعديل"7: 86.
وانظر: "الكامل"6: 2055، و"تاريخ بغداد"12: 396.
(3) "العلل ومعرفة الرجال"2: 318.
(4) "المجروحين"2: 189.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
فمن هؤلاء: زهير بن محمد الخراساني، حديث أهل العراق عنه مستقيم، وأما حديث أهل الشام عنه فضعيف جدا، حتى إن بعض الأئمة أبدى احتمالاً أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، ويساعد هذا انتشار تدليس الشيوخ في أهل الشام، لكن كأن الجمهور على أنه هو.
قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله -وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد- قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروي عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل موضوعة -أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله"(1).
وذكر البخاري عن أحمد قوله: "كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقلب اسمه"(2).
وقال البخاري: "ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح"(3).
وذكر الترمذي حديثا من رواية الوليد بن مسلم -وهو شامي- عنه، وسأل عنه البخاري فقال: "أنا أتقي هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ، ويقول: ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه، أهل الشام يروون عن--------------------------------------------
(1) "تهذيب الكمال"9: 417.
(2) "التاريخ الكبير"3: 428، و"التاريخ الصغير"2: 149.
(3) "تهذيب الكمال"9: 418، وانظر: "التاريخ الكبير"3: 428، و"التاريخ الصغير"2: 149، و"الكامل"3: 1073.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
زهير بن محمد هذا مناكير"(1).
وقد توارد على تضعيف رواية أهل الشام عن زهير بن محمد أئمة آخرون، كالعجلي، وأبي حاتم، والنسائي، وابن عدي(2).
وأيوب بن عتبة اليمامي، قواه بعضهم فيما حدث به باليمامة، دون ما حدث به بالعراق، قال أبو حاتم: "فيه لين، قدم بغداد ولم يكن معه كتبه، فكان يحدث من حفظه على التوهم فيغلط، وأما كتبه في الأصل فهي صحيحة، عن يحيى بن أبي كثير، قال لي سليمان بن شعبة هذا الكلام -وكان عالما بأهل اليمامة-، وقال: أروى الناس عن يحيى بن أبي كثير، وأصح الناس كتابا عنه"(3).
وقال أبو زرعة: "قال لي: سليمان بن داود بن شعبة اليمامي: وقع أيوب بن عتبة إلى البصرة وليس معه كتب، فحدث من حفظه، وكان لا يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به ثمة فهو مستقيم"(4).
والجمهور على تضعيف أيوب بن عتبة مطلقا، لم يفصلوا هذا التفصيل، وكأن الغالب روايات أهل العراق عنه(5).
ومعمر بن راشد البصري ثم اليمني، في حديث أهل البصرة عنه أوهام وخطأ، كان أتى إلى البصرة لزيارة أمه، فحدث من حفظه--------------------------------------------
(1) "العلل الكبير"2: 952، و"سنن البيهقي"2: 240، و"الميزان"2: 84.
(2) "الجرح والتعديل"3: 590، و"تهذيب الكمال"9: 418، و"الكامل"3: 1078، و"شرح علل الترمذي"2: 777، و"تهذيب التهذيب"3: 350.
(3) "الجرح والتعديل"2: 253.
(4) "الجرح والتعديل"2: 253، وانظر: "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 549.
(5) "طبقات ابن سعد"5: 404، و"التاريخ الكبير"1: 420، و"الكامل"1: 343، و"تاريخ بغداد"7: 4، و"تهذيب الكمال"3: 484.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
فغلط(1)، قال أبو داود: "قلت لأحمد: ما حدث معمر بالبصرة؟ قال: أخطأ بالبصرة في أحاديث"(2)، وقال أحمد أيضا: "حديث عبد الرزاق، عن معمر، أحب إلى من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر -يعني باليمن-، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة"(3).
وقال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه"(4).
وقال أبو حاتم: "ما حدث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث"(5).
وعبد الرحمن بن أبي الزناد الفقيه المدني، مختلف فيه، لكن حديثه بالمدينة أصح وأقوى مما حدَّث به في بغداد، هكذا قاله جماعة من الأئمة، قال يعقوب بن شيبة: "في حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة حديث مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب"(6)، وقال ابن المديني أيضا: "ما حدث عبد الرحمن بن أبي الزناد بالمدينة فهو صحيح، وما حدّث به ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) خط على أحاديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، وكان يقول في حديث: عن مشيختهم، ولقنه البغداديون: عن فقهائهم، وعدّهم، فلان وفلان وفلان"(7).--------------------------------------------
(1) "سير أعلام النبلاء"7: 8.
(2) "مسائل أبي داود" ص 409.
(3) "شرح علل الترمذي"2: 767.
(4) "شرح علل الترمذي"2: 767.
(5) "الجرح والتعديل"8: 257.
(6) "تاريخ بغداد"10: 229، وانظر: "شرح علل الترمذي"2: 770.
(7) "تاريخ بغداد"10: 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وقال عمرو بن علي الفلَّاس: "عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد"(1).
وكذا قال الساجي(2).
وشَرِيْك بن عبد الله القاضي، مختلف فيه أيضا، وذكر أحمد أن حديث شَرِيْك بواسط أصح من غيره، قال أبو داود، "سمعت أحمد يقول: عَبَّاد بن العوام، وإسحاق -يعني الأزرق-، ويزيد، كتبوا عن شَرِيْك بواسط من كتابه، قدم عليهم في حفر نهر، قال أحمد: سماع هؤلاء أصح عنه -يعني سماع أهل واسط-، سمعت أحمد يقول: كأن حديث أهل واسط عن شَرِيْك لا يشبه حديث شَرِيْك "(3).
وقال ابن المديني: "كان عسرا في الحديث، وإنما كان حديث شَرِيْك وقع بواسط، قدم عليهم في حفر نهر، فحمل عنه إسحاق الأزرق وغيره"(4).
وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار، لكنه قصر ذلك على إسحاق الأزرق، قال: " شَرِيْك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح، ولم يسمع من شَرِيْك من كتابه إلا إسحاق الأزرق"(5).
وجرير بن حازم البصري، ذهب إلى مصر فحدث من حفظه أحاديث وقع فيها وَهْم وغلط، قاله أحمد، والساجي،--------------------------------------------
(1) "تاريخ بغداد"10: 229.
(2) "تاريخ بغداد"10: 230.
(3) "مسائل أبي داود" ص 430، وانظر: "سؤالات أبي داود" ص 321، و"مسائل إسحاق"2: 198.
(4) "تاريخ بغداد"9: 283.
(5) "شرح علل الترمذي"2: 759.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وغيرهما(1).
ويزيد بن هارون الواسطي، ثقة ثبت، وحديثه بواسط أقوى من حديثه ببغداد، قال أحمد: "يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يُلَقَّن فرجع إلى ما في الكتب"(2).
ومحمد بن عبد الرحمن المدني الفقيه، المعروف بابن أبي ذئب، ثقة ثبت، إلا أن حديثه بالحجاز أصح من حديثه بالعراق، ففي حديثه بالعراق أغلاط، ذكر مسلم أن سماع الحجازيين منه صحيح، قال: "وفي حديث العراقيين وَهْم كبير، ولعله كان يُلَقَّن فيتلقَّن -يعني بالعراق-"(3).
وشَبِيْب بن سعيد الحَبَطي البصري، ثقة، وحدث بمصر أحاديث مناكير، قال ابن المديني: "ثقة، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح، وقد كتبتها عن ابنه أحمد"(4).
وقال ابن عدي: "كأن شَبِيْبا إذا روى عنه ابنه أحمد بن شَبِيْب نسخة يونس، عن الزهري -إذ هي أحاديث مستقيمة- ليس هو شَبِيْب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شَبِيْبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شَبِيْب هذا الكذب"(5).--------------------------------------------
(1) "إكمال تهذيب الكمال"3: 181، 182.
(2) "مسائل صالح" ص 331.
(3) "شرح علل الترمذي"2: 780، وانظر: "التمييز" لمسلم ص 191، و"فتح الباري" لابن حجر 10: 443.
(4) "الكامل"4: 1346.
(5) "الكامل"4: 1347.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
والوليد بن مسلم الدمشقي، قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء، قال أبو داود، سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالباءة … "، قال: هذا من الوليد، يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند أهل دمشق، وتكلم أحمد أيضا فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة"(1).
ومحمد بن إبراهيم أبو أمية الطَّرْسُوسي، ما حدث به في مصر فيه أوهام، قال ابن حبان: "دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها، فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا ما حدث من كتابه"(2).
الرابعة: توثيق الراوي أو تضعيفه في صفة معينة في الرواية:
هناك صفة في الرواية تحتاج إلى درجة عالية من الحفظ والتثبت، وربما فعلها من في حفظه شيء فلم يحكم الرواية، وهذه الصفة هي أن يجمع الراوي عددا من شيوخه فيروي عنهم جميعا، وكثيرا ما يكون بينهم اختلاف في الإسناد أو المتن، فيحمل حديث بعضهم على بعض دون تمييز، ويستدل الأئمة بهذا على أن هذا الراوي في حفظه شيء، ويتأكد هذا في حال جمعه لعدد من شيوخه.--------------------------------------------
(1) "مسائل أبي داود" ص 413، و"شرح علل الترمذي"2: 772.
(2) "ثقات ابن حبان"9: 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ومن هؤلاء: حماد بن سلمة، قال أحمد عن حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخُشَني، عن النبي صلى الله عليه وسلم (في آنية المشركين): "هذا من قبل حماد (يعني ذكر أبي أسماء الرَّحْبي في طريق أيوب، وأن الصواب فيه: عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة)، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال، ثم يجعله إسنادا واحدا، وهم يختلفون"(1).
وقال أبو يعلي الخليلي: "ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لم لم يدخل البخاري حماد بن سلمة في "الصحيح"؟ قال لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ"(2).
ومثله محمد بن إسحاق، قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثا عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين -يقول: حدثني فلان وفلان- لم يحكمه"(3).
وقال المروذي: "سألته عن محمد بن إسحاق كيف هو؟ فقال: هو--------------------------------------------
(1) "شرح علل الترمذي"2: 815، وانظر: "حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت" حديث 68.
(2) "الإرشاد"1: 417.
وانظر أيضًا: "صحيح ابن حبان"1: 154، و"حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت" ص 82.
(3) "مسائل إسحاق"2: 225.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا"(1).
وسأله أيوب بن إسحاق بن سَافِرِي عن ابن إسحاق هل يقبله إذا تفرد بحديث، فقال: "لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا"(2).
وربما كان الراوي ضعيفا في نفسه، ويزداد ضعفا إذا صنع ذلك، مثل ليث بن أبي سُلَيم، قال ابن معين فيه: "ضعيف الحديث عن طاوس، وإذا جمع طاوس وغيره زيادة هو ضعيف"(3).
الخامسة: تقوية الراوي إذا حدث من كتابه، وتضعيفه إذا حدث من حفظه:
ضبط الرواية له طريقان، أحدهما: حفظها في الصدور، والآخر: تقييدها بكتاب، ولكل واحد منهما ما يميزه، فأما حفظ الصدر فأهم ميزاته أنه لا يدخله التحريف والتبديل، إذ هو علم في صدر صاحبه، وأما الكتب فهي عرضة لذلك، فتحتاج إلى مزيد صيانة وحفظ، وإلا حُرِّفت وأدخل فيها ما ليس منها، وكانت الكتب تمثل عبئا على صاحبها حين يريد السفر، فيبحث عن شخص كفؤ ليودعها إياه(4).--------------------------------------------
(1) "علل المروذي" ص 61.
(2) "تاريخ بغداد"1: 230.
(3) "علل المروذي" ص 216.
وانظر: "الجرح والتعديل"6: 178، و"سؤالات البرقاني للدارقطني" ص 58، و"شرح علل الترمذي"2: 814.
(4) انظر: "معرفة الرجال"1: 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ولهذا السبب -وهو الخوف من التلاعب بها- عمد بعض الرواة إلى كتبه فدفنها أو أحرقها، أو غسلها، خشية أن تقع في يد من لا يعرف قيمتها أو يزورها، ومنهم من كان يوصي بذلك بعد موته(1)، قال الذهبي بعد أن ذكر عن شعبة بن الحجاج أنه أوصى بغسلها: "هذا قد فعله غير واحد، بالغسل، وبالحرق، وبالدفن، خوفا من أن تقع في يد إنسان واهٍ يزيد فيها أو يغيرها"(2).
وقد يقع ذلك -وهو التغيير في الكتاب- بسبب حادث، كما في قصة أحمد بن عمر الوادي، انهدمت داره، وتقطعت الكتب، واختلطت عليه، فصار يخطئ من كتابه(3).
وحفظ الصدر لا يعتريه حين التحديث به والنقل منه ما يعتري التحديث والنقل من الكتاب، ولاسيما حين الكبر وضعف البصر، إذ يعتري التحديث من الكتاب أو النقل منه الخطأ في قراءة بعض الكلمات، وانتقال البصر من إسناد حديث أو متنه إلى إسناد أو متن حديث آخر، وهو ما يعرف بسبق النظر، وقد تقدم شيء من ذلك في الكلام على الفرق بين أصول الرواة العتيقة وبين كتبهم الجديدة ومصنفاتهم في المبحث الأول من هذا الفصل.
روى معاوية بن صالح قال: "قال يحيى (يعني ابن معين) يومًا لرجل ذاكره بحديث من حديث سفيان، عن الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا صلت المرأة خمسها … "، فقال: من حدث بذا؟--------------------------------------------
(1) انظر: "العلل ومعرفة الرجال"1: 215.
(2) "سير أعلام النبلاء"7: 213، 223.
(3) "الضعفاء الكبير"3: 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
قال: أبو عصام (يعني رَوَّاد بن الجَرَّاح)، قال يحيى: نعم رَوَّاد، نعم ذاك حدث عن سفيان، تخايل له سفيان، لم يحدثه سفيان بذا قط، إنما حدثه عن الزبير: "أتينا أنسا نشكو الحجاج … "، وينبغي أن يكون إلى جانب سفيان: عن الربيع بن صُبَيْح، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم "(1).
ثم إن الحفظ في الصدر قريب التناول، يرتحل وينزل مع صاحبه حيث حَلَّ وارتحل، ولا يتهيأ ذلك في الكتاب دائما.
وقد كان الاعتماد في الصدر الأول على حفظ الصدر قبل انتشار الكتابة، واتساع الرواية، بل كان بعضهم ينهى عن الكتابة، وربما عيروا من اعتمد عليها، كما قال الأوزاعي: "كان هذا العلم كريما، يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله"(2).
ثم لما اتسعت الرواية وطالت الأسانيد، وانتشرت الكتابة، وذلك في نهاية القرن الأول وما بعده، صار الاعتماد على ضبط الكتاب، إلى جانب حفظ الصدر، كما قال ابن المبارك: "لولا الكتاب ما حفظنا"(3)، وقال أيضا: "الحبر في الثوب خلوق العلماء"(4)، حتى خشي بعض الأئمة أن يعتمد الطلبة على الكتاب ويدعو الحفظ، قال عبد الله بن--------------------------------------------
(1) "تاريخ دمشق" 18: 209.
وانظر أمثلة أخرى في: "علل ابن أبي حاتم"1: 77 مسألة 207، و"المعرفة والتاريخ"1: 714 - 715، و"الجرح والتعديل"9: 248، و"الكفاية" ص 146، و"تهذيب الكمال"7: 150 - 153.
(2) "الكامل"1: 101، و"سير أعلام النبلاء"7: 114.
وانظر: "الجامع لأخلاق الراوي"2: 250 - 254.
(3) "سير أعلام النبلاء"8: 409.
(4) "سير أعلام النبلاء"8: 409.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)