وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهناك أقوال أخرى.(1)
مسألة [2]: هل ليلة القدر باقية، أم رفعت؟
الصحيح الذي عليه الأدلة المتكاثرة أنها باقية، وأما ما جاء في «البخاري» (49)، من حديث عبادة بن الصامت، وفي «مسلم» (1167) (217)، من حديث أبي سعيد، ومن حديث الفلتان بن عاصم عند البزار كما في «الكشف» (4/ 136)، وهو في «الصحيح المسند» (1068): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان، فحجز بينهما، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فَرُفِعَت»، فالمراد رفع تعيينها، وقد وجد خلاف شاذٌّ لا يُعبأ به بأنها رفعت.
فقد قال الإمام النووي رحمه الله: وهذا القول الذي اخترعه هؤلاء الشَّاذُّون غلطٌ ظاهر، وغباوة بينة؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ.(2)
مسألة [3]: متى ليلة القدر؟
• اختلف في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، أورد الحافظ في «الفتح» أكثر من أربعين قولًا.--------------------------------------------
(1) انظر: «تفسير القرطبي» [سورة القدر]، «الفتح» (2014).
(2) انظر: «المجموع» (6/ 402) ط/الإرشاد، «الشرح الممتع» (6/ 491)، «الفتح» (2023).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 517)
قال عبد الله البسام: ويمكن تصنيف هذه الأقوال إلى أربع فئات:
الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو القول برفعها.
الثانية: ضعيفة، كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان، ويدل على ضعف هذا القول قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].
الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه.
الرابعة: وهي الرَّاجحة، وهو كونها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأرجاها: أوتارها، وأرجى الأوتار: السبع الأواخر، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. اهـ
قلتُ: وهذا القول الأخير هو الصحيح، وتجتمع به الأدلة كلها، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر»، فشمل الليالي الوتر منها والشفع.
وقلنا: إنَّ الليالي الوتر أرجى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «التمسوها في الوتر من العشر الأواخر».
وقلنا: إنَّ ليلة سبع وعشرين أرجى؛ لحديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (762): أنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 518)
وجاء عن ابن عباس عند أحمد (2149): أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إني يشق عليَّ القيام، فمرني بليلةٍ لعل الله يوفقني بليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة». واستدلوا بحديث معاوية الذي في الكتاب، والرَّاجح وقفه كما تقدم.
والذي جعلنا لا نعينها في ليلة سبع وعشرين أنه قد ثبت في «الصحيحين»(1) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين.
وفي «صحيح مسلم» (1168)، عن عبدالله بن أنيس: أنها وقعت ليلة ثلاث وعشرين، أما كون أرجى الليالي جملةً السبع الأواخر؛ فلحديث ابن عمر المتقدم في الكتاب.
وكذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (1165) (209)، عن عبد الله بن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فمن ضعُفَ، أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي».
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة في المسألة: وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي الوِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِيرة، وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يُفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر، وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد الله بْن أُنَيْسٍ، وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّة ذَلِكَ. انتهى.(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2027)، ومسلم (1167).
(2) انظر: «الفتح» (2020)، «مجموع الفتاوى» (25/ 284)، «توضيح الأحكام» (3/ 247).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 519)
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [1]: هل ينال الإنسان ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: يختص الأجر بمن علم بها، قال الحافظ رحمه الله: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَر، وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم(1) مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَة الْقَدْر فَيُوَافِقهَا» … ، ثم قال: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَظَرِي، وَلَا أُنْكِرُ حُصُول الثَّوَاب الْجزِيل لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَة الْقَدْر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِهَا، وَلَوْ لَمْ تُوَفَّق لَهُ. اهـ
الثاني: أنه يناله الأجر الموعود، وإن لم يعلم بها، وهو قول الطبري، والمهلب، وابن العربي، وجماعة.
وهو الراجح، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين رحمه الله، وقال: أما قول بعض العلماء: (إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها)، فقولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، ولم يقل: (عالمًا بها)، ولو كان العلم شرطًا في حصول الثواب؛ لبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.اهـ
قلتُ: ويدل على صحة هذا القول، قول ابن مسعود رضي الله عنه: من يقم السنة؛--------------------------------------------
(1) انظر «صحيح مسلم» رقم (760) (176).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 520)
يصب ليلة القدر. وأقره أبي بن كعب على ذلك، وإنما بيَّن أنها في ليلة سبع وعشرين.
وأما استدلالهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: « … ، فيوافقها .. » فمعناه: يوافقها في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، والله أعلم.(1)
مسألة [2]: علامات ليلة القدر.
ثبت لها بعض العلامات:
أحداها: ليلةٌ سمحاءُ، لا حارَّة ولا باردة.
جاء ذلك من حديث جابر رضي الله عنه عند ابن خزيمة (2190)، وابن حبان (3688)، وفي إسناده: الفضيل بن سليمان، وهو ضعيفٌ، وجاء من حديث عبادة ابن الصامت رضي الله عنه، عند أحمد (5/ 324)، وفيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وفيه انقطاع: خالد بن معدان لم يسمع من عبادة، وجاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عند ابن خزيمة (2192)، والبزار كما في «الكشف» (1034)، وفي سنده: زمعة بن صالح وهو ضعيفٌ، والحديث يرتقي إلى الحسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.
الثانية: نزول المطر.
جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في «الصحيحين»(2)، ومن--------------------------------------------
(1) انظر: «الفتح» (2022)، «السبل» (4/ 192)، «الشرح الممتع» (6/ 497).
(2) تقدم تخريجه قريبًا.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 521)
حديث عبد الله ابن أُنيس رضي الله عنه، في «صحيح مسلم» (1168).
الثالثة: طلوع الشمس في صبيحة تلك الليلة لا شعاع لها.
لِمَا أخرجه مسلم (762)، عن أُبي بن كعب أنه حدَّث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها.
وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أحمد (3857)، من طريق: أبي الصلت، عن أبي عقرب، عنه.
وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة أبي الصلت، وأبي عقرب، وله شاهد كذلك من حديث عبادة بن الصامت، وقد تقدم بيان حاله، ومن أخرجه.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 522)
689 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت إنْ عَلِمْت أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: «اللهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ.(1)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه استحباب الدعاء في تلك الليلة بهذا الدعاء الذي علَّمَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
ويُستحبُّ الإكثار من جميع الأدعية الواردة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) صحيح. أخرجه أحمد (6/ 171، 182)، والترمذي (3513)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (872)، وابن ماجه (3850)، كلهم من طريق عبدالله بن بريدة عن عائشة.
وعبدالله بن بريدة قد نفى الدارقطني سماعه من عائشة؛ ولذلك فقد أورد هذا الحديث شيخنا رحمه الله في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة».
ولكن قد تابع عبدَالله بن بريدة على هذا الحديث أخوه سليمان بن بريدة، وسليمان قد أدرك عائشة، ولكن لا يعلم هل سمع منها أم لا، فيكون على شرط مسلم؛ لأن مسلمًا لا يشترط ثبوت السماع.
وقد أخرج رواية سليمان النسائي في «عمل اليوم والليلة» (877)، وأحمد (6/ 258).
ومن لم يصحح الأحاديث بشرط مسلم؛ فلا يقل الحديث عن درجة الحسن بطريقيه، والله أعلم.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 523)
690 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
بيان معنى الحديث.
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ».
هذا نفيٌ أُريد به النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، والرِّحال جمعُ رَحْلٍ، وهو للبعير كالسرج على الفرس، وكنَّى بشد الرِّحال عن السفر؛ لأنَّه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرَّواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور.
ويدلُّ عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر … » أخرجه مسلم (1397) (513)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.(2)
ويستفاد من هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وشرعية السفر إليها للعبادة: من صلاة، واعتكاف، وغيرها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها.(3)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1197)، ومسلم في كتاب الحج رقم (415).
(2) انظر: «الفتح» (1188).
(3) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 806).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 524)
مسألة [1]: السفر إلى غيرها من المساجد.
قال ابن عبد الهادي رحمه الله: ولو سافر من بلد إلى بلد، مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد؛ لم يكن هذا مشروعًا باتِّفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يَفِ بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم؛ إلا خلاف شاذٌّ عن الليث بن سعد في المساجد، وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط.(1)
مسألة [2]: النذر لإتيان المساجد الثلاثة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 806): ولكن لو نذر ذلك، هل يجب بالنذر؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. والقول الثاني: وهو مذهب مالك، وأحمد وغيرهما: أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناه إتيان المسجد الحرام، وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين، وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»(2)، وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبًا أو لم يكن، وإتيان الأفضل؛ إجراءً للحديث--------------------------------------------
(1) «الصارم المنكي» (ص 32 - 33).
(2) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (1372).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 525)
الوارد في ذلك. اهـ
قلتُ: قول شيخ الإسلام رحمه الله (للحديث الوارد في ذلك) يعني به ما أخرجه أبو داود (3305)، وأحمد (3/ 363)، من حديث جابر رضي الله عنه بإسناد صحيح: أنَّ رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «فشأنك إذًا».
وقد صححه شيخنا الوادعي رحمه الله في «الجامع الصحيح» (4/ 471)، وبوب عليه بما اقتضاه كلام شيخ الإسلام المتقدم، وبالله التوفيق.
مسألة [3]: شد الرَّحل لزيارة القبور.
قال ابن عبد الهادي رحمه الله في «الصارم المنكي» (ص 18 - 19): وذكر -يعني شيخ الإسلام- في ذلك قولين للعلماء، أحدها: القول بإباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. والثاني: أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.
قال: واحتجَّ الشيخ لمن قال بمنع شدِّ الرِّحال وإعمال الْمُطِّي إلى القبور بحديث مشهور متَّفق على صحَّته وثبوته، من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»(1). اهـ--------------------------------------------
(1) أأخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 526)
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4 (محمد بن علي بن حزام البعداني)القسم: شروح الحديث
الكتاب: فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام «حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة»
المؤلف: أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، صنعاء - اليمن
الطبعة: الرابعة، 1440 هـ - 2019 م
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 13 جُمادَى الآخرة 1442
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2331)
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء الخامس
كتاب الحج - كتاب البيوع
فَضْلُهُ وَبَيَانُ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ- المَوَاقِيت - وُجُوهُ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ - الإِحْرَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بهِ صِفَةُ الحَجِّ وُدُخُولِ مَكَّةَ- الفَوَاتُ وَالإِحْصَارُ- كِتَاُبُ الْبُيُوعِ- شُرُوطُه وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 1)
كِتَابُ الْحَجِّ
بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ
691 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ(1) لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
فيه الحث على الحج والعمرة، وبيان فضلهما، وقد وردت أحاديث أخرى منها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في «الصحيحين»(3) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور».
وفي «الصحيحين»(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «من حجَّ فلم يرفث، ولم--------------------------------------------
(1) المبرور: هو الذي لم يخالطه آثام ومعاصٍ.
(2) أخرجه البخاري (1773)، ومسلم (1349).
(3) أخرجه البخاري برقم (26)، ومسلم برقم (83).
(4) أخرجه البخاري برقم (1819)، ومسلم برقم (1350).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 5)
يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه».
وفي «صحيح مسلم» برقم (1348) عن عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
وفي «الصحيحين»(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، وحديث عائشة الثاني في الباب.
وفي «السنن» عن ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد».(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (1782)، ومسلم برقم (1256).
(2) حديث ابن مسعود رضي الله عنه أخرجه الترمذي (810)، والنسائي (5/ 115)، وأحمد (1/ 387)، وإسناده حسن، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه النسائي (5/ 115) بإسناد حسن، وقد حسنهما الإمام الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند» (691) (875).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 6)
692 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ، وَالعُمْرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحِ».(1)
693 - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (6/ 165)، وابن ماجه (2901)، وابن خزيمة (3074)، كلهم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكن ذكر الحديث بلفظ الأمر تفرد به محمد بن فضيل، فقد روى الحديث عن حبيب بن أبي عمرة جمع بلفظ الخبر والفضيلة، وليس بلفظ الأمر، ومنهم:
عبدالواحد بن زياد، كما في «البخاري» (1861)، وأحمد (6/ 79).
خالد بن عبدالله الطحان، كما في «صحيح البخاري» (1520).
سفيان الثوري، كما في «صحيح البخاري» (2876).
جرير بن عبدالحميد، كما في «سنن النسائي» (5/ 114).
يزيد بن عطاء اليشكري، وهو لين الحديث، كما في «مسند أحمد» (6/ 71).
وروى الحديث معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها كذلك بدون لفظ الأمر، فالحديث صحيح بدون لفظ الأمر، والله أعلم.
(2) ضعيف، والراجح وقفه. أخرجه أحمد (3/ 316)، والترمذي (931)، وغيرهما، من طريق حجاج ابن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه به مرفوعًا. وإسناده ضعيف لضعف حجاج بن أرطاة وتدليسه.
ورواه البيهقي (4/ 349)، من طريق يحيى بن أيوب عن ابن جريج والحجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر عن جابر بن عبدالله موقوفًا، ثم قال: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع.
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 7)
694 - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ».(1)--------------------------------------------
(1) ضعيف. أخرجه ابن عدي (4/ 1468) من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر به. وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، وقال ابن عدي: غير محفوظ.
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 8)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [1]: حكم الحج.
قال النووي رحمه الله في «المجموع» (7/ 7): الحجُّ فرضُ عينٍ على كل مستطيع بإجماع المسلمين، وتظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة. اهـ
وقال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (5/ 5): وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرةً واحدة. اهـ
قلتُ: ودليل الوجوب قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بُني الإسلام على خمسٍ … »، وذكر منها: «حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»، وقد استدل على الوجوب أيضًا بأحاديث الباب، وتقدم أنَّ فيها ضعفًا.
مسألة [2]: حكم العمرة.
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: الوجوب، وهو قول أحمد، والشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وإسحاق، والثوري، وغيرهم، وقال به من التابعين: عطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وصحَّ هذا عن جماعة من الصحابة، كعمر، وابنه، وعبدالله بن عباس، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4/ 305)، والبيهقي (4/ 351)، وغيرهما.
واستدل على الوجوب بحديث عائشة رضي الله عنها، الذي في الباب: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ»، وممن استدل به: ابن خزيمة رحمه الله في «صحيحه»، وقد تقدم الكلام عليه، واستدل ابن عباس رضي الله عنهما، بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله.
واستدل أحمد وغيره بحديث أبي رزين العقيلي، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظَّعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر».(1)
وذكر أحمد رحمه الله أنَّ هذا الحديث أصح حديث يدل على وجوب العمرة.
وقد صححه شيخنا رحمه الله في «الجامع الصحيح» (2/ 339)، وبَوَّبَ عليه: [باب وجوب العمرة].
وأخرج أبو داود (1798)، والنسائي (5/ 146 - 147)، وغيرهما بإسناد صحيح عن الصبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: إني وجدت الحج والعمرة--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (4/ 10، 11، 12)، وأبو داود (1810)، وابن ماجه (2906)، والترمذي (930)، والنسائي (5/ 111) (5/ 117)، وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 9)
مكتوبين عليَّ، وإني أهللت بهما جميعًا … ، الحديث، وفيه قال له عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
تنبيه: القائلون بوجوب العمرة يقولون بوجوبها مرة واحدة في العمر.
القول الثاني: الاستحباب، وهو قول الشافعي في القديم وبعض أصحابه، وقال به مالك، والحنفية، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وعزاه شيخ الإسلام للأكثر ورجحه.
وصحَّ عن ابن مسعود كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4/ 304)، أنه قال: الحج فريضة، والعمرة تطوع.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث جابر رضي الله عنه، الذي في الكتاب، وهو ضعيفٌ، والرَّاجح وقفه.
وأخرج ابن ماجه (2989) من حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: «الحج جهادٌ، والعمرة تطوع»، وفي إسناده: الحسن بن يحيى الخشني، وهو متروكٌ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب؛ لعدم ثبوت الأمر بها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث أبي رزين فخرج الأمر جوابًا على سؤاله، وأما حديث الصبي ابن معبد مع عمر رضي الله عنه فغايته أنه يفيد أن عمر رضي الله عنه كان يرى الوجوب وقد خالفه ابن مسعود رضي الله عنه كما تقدم.
وقد رجح الشوكاني في «السيل»، عدم الوجوب؛ لما ذكرنا، والله أعلم.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (5/ 14)، «المجموع» (7/ 7)، «مجموع الفتاوى» (26/ 7 - 9، 256).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 10)
مسألة [3]: العمرة على أهل مكة.
• صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4/ 88)، أنه قال: يا أهل مكة لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطَّواف بالبيت.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (5/ 14 - 15): وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ، إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ. اهـ
وذهب شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (26/ 248 - 301)، إلى أنها بدعة (ص 264)، واختار هذا القول ابن القيم في «زاد المعاد» (2/ 94)، والإمام الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (2626).
وقد استدلوا على عدم المشروعية بأنه لم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه اعتمر من مكة، أو خرج إلى خارجها بقصد العمرة، ولم يفعل ذلك أحدٌ من صحابته إلا عائشة وحدها كما في «مجموع الفتاوى»، و «زاد المعاد».
قال أبو عبد الله غفر الله له: ظاهر كلام الأئمة المتقدمين عدم الوجوب؛ لقولهم (ليس عليه) بخلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية العمرة للمكي، وكذلك للآفاقي إذا أراد أن يكرر، وهذا القول عزاه للأئمة الأربعة صاحب كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» (1/ 685 - 686)، وعزاه الشيخ ابن عثيمين للجمهور كما
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 11)
في «الشرح الممتع» (7/ 56).
وقد جاء عن عمر وعلي رضي الله عنهما ما يؤيد هذا القول، أخرجهما ابن أبي شيبة، وفي إسناده أذينة العبدي، وهو مجهول.
وثبت عن ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة رضي الله عنهم، أنهم كانوا يعتمرون، وهم بمكة؛ يخرجون إلى الحل. أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة.
وهذا القول اختاره ابن حزم، وابن قدامة، والنووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والشوكاني، واللجنة الدائمة، والشيخ مقبل رحمه الله.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في «الصحيحين»،(1) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمرها من التنعيم.
قال ابن حجر رحمه الله في «الفتح» (1785): وبعد أن فعلته عائشة بأمره صلى الله عليه وسلم دلَّ على مشروعيته. اهـ
وأصحاب هذا القول يقولون: يُحْرِم من أراد العمرة من الحل، ويخرج من الحرم.
وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لا يضركم يا أهل مكة ألا تعتمروا؛ فإن أبيتم؛ فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن الوادي. وفي إسناده عمر بن كيسان، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (1785)، ومسلم برقم (1211).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 12)