قال الصنعاني رحمه الله: ويُحتمل أن يصومه لهذه الحِكَمِ كلِّها. اهـ
مسألة [2]: الصيام في شهر المحرم.
يُستحب الصيام في شهر محرم؛ لما رواه مسلم في «صحيحه» (1163)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».
وقد استُشْكِلَ ذلك مع كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما أكثر الصوم في شعبان، ولم يكثره في المحرَّم، وقد أجاب النووي عن ذلك باحتمال أن يكون ما علم بذلك إلا في آخر عمره.
قال رحمه الله: ولعله كانت تعرض فيه أعذار تمنعه من إكثار الصوم فيه، كسفر، ومرض، وغيرهما. اهـ.(1)
مسألة [3]: حكم صيام شهر رجب.
ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (3/ 102) أنه كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية.
وإسناده صحيح.
وعنده من طريق أخرى عنه صحيحة أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر: «المجموع» (6/ 387)، «الفتح» (4/ 253).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 457)
وفي «مصنف عبد الرزاق» (4/ 292) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان ينهى عن صيام رجب كله؛ لئلا يتخذ عيدًا.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (25/ 291): وأما صوم رجب بخصوصه؛ فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»(1) اهـ.--------------------------------------------
(1) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار (6496)، والطبراني في «الدعاء» (911)، وفي «الأوسط» (3939)، وأبونعيم في «الحلية» (6/ 269)، وابن بشران في «الأمالي» (1510)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3543)، وفي «الدعوات الكبير» (529) من طرق عن زائدة بن أبي الرقاد، حدثنا زياد النميري عن أنس رضي الله عنه به. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ زائدة بن أبي الرقاد، وزياد النميري كلاهما شديد الضعف.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 458)
666 - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.(1)--------------------------------------------
(1) حسن بشواهده. أخرجه النسائي (4/ 222)، والترمذي (761)، وابن حبان (3655)، كلهم من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر به.
ويحيى بن سام، قال أبوداود: بلغني أنه لا بأس به. قال الآجري: وكأنه لم يرضه.
وقد جاء في بعض الطرق زيادة: (يزيد بن الحوتكية) بين موسى بن طلحة وأبي ذر، ولا يضر ذلك فقد صرح موسى بن طلحة بالسماع من أبي ذر كما في «سنن النسائي والترمذي»، وكما في «مسند الطيالسي» (477) وصحيح ابن خزيمة (2128) وعلى هذا فيكون موسى بن طلحة قد سمعه من أبي ذر مباشرة وبواسطة يزيد بن الحوتكية، وقد جزم بذلك ابن خزيمة.
وقد وجد في حديث موسى بن طلحة اختلاف كما ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (2/ 226 - 230) فرواه يحيى بن سام كما تقدم، ورواه بعضهم عن موسى بن طلحة بزيادة يزيد ابن الحوتكية، ورواه بعضهم عنه وجعله من مسند عمر بزيادة (يزيد بن الحوتكية)، ورواه عبدالملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة. وهذا الاختلاف لا ينزل الحديث عن درجة قبوله في الشواهد والمتابعات إن شاء الله.
وله شاهد من حديث قتادة بن ملحان، أخرجه أبوداود (2449)، والنسائي (2432)، من طريق عبدالملك بن قتادة عن أبيه به. وعبدالملك بن قتادة مجهول، وقد اختلف في اسم أبيه.
وله شاهد من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه، أخرجه النسائي (2420)، وابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 266 - 267) من طريق أبي إسحاق السبيعي عن جرير بن عبدالله به. وقد اختلف فيه فرواه زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق مرفوعًا، ورواه المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق موقوفًا. قال أبوزرعة: حديث أبي إسحاق عن جرير مرفوع أصح من موقوف، ولأن زيد بن أبي أنيسة أحفظ من مغيرة بن مسلم.
قلتُ: فالحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى الحجية، والله أعلم.
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 459)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
يُستحبُّ صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما جاء في «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه مسلم عن أبي الدراداء رضي الله عنه، أنهما قالا: «أوصانا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بثلاثٍ: «بركعتي الضُّحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأنْ لا أنام حتى أُوتِرَ».(1)
وصحَّ عند أحمد (2/ 26)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «صوم شهر الصَّبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر»، وأخرج أحمد أيضًا (5/ 34) نحوه من حديث قُرَّة بن إياس، وصحح كليهما شيخُنا الإمام مقبل الوادعي رحمه الله في «الجامع الصحيح» (2/ 439).
ويدخل في فضيلة الأحاديث المتقدمة من صام من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره، ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (1160)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي من أي أيام الشهر صام».
ولكن الأفضل والأولى أن تكون في أيام البيض؛ لحديث أبي ذرٍّ، وشواهده المتقدمة.--------------------------------------------
(1) انظر: «البخاري» رقم (1178)، ومسلم رقم (721) (722).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 460)
قال الصنعاني رحمه الله: ولا معارضة بين هذه الأحاديث؛ فإنها كلها دالة على ندبية صوم كل ما ورد، وكل من الرواة حكى ما اطَّلع عليه؛ إلا أنَّ ما أمر به وحثَّ عليه، ووصى به أولى وأفضل، وأما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، وقد عيَّن الشارع أيام البيض. اهـ
وقول الصنعاني رحمه الله: (وقد عيَّن الشارع أيام البيض) يعني أنها الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذا هو الصحيح في تعيينها، وبه قطع الجمهور، وهناك وجهٌ عند الشافعية أنها الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.
قال النووي رحمه الله: وهذا شاذٌّ ضعيفٌ، يرُدُّه الحديث السابق في تفسيرها، وقول أهل اللغة. اهـ
فائدة: سبب تسميتها أيام البيض، قال ابن قتيبة، والجمهور: لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها، وقيل غير ذلك.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «السبل» (4/ 162 - 163)، «المجموع» (6/ 385).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 461)
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [1]: صيام يوم وإفطار يوم.
أجمع العلماء على استحباب صيام يوم، وإفطار يوم؛ لما جاء في «الصحيحين»(1) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أحَبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويُفطِر يومًا»، وفي رواية: «لا صيام أفضل من صيام داود».
• واختلفوا: هل هو أفضل من صيام الدهر، أم أنَّ صوم الدهر أفضل؟ والصواب الأول؛ لدلالة الحديث عليه، وسيأتي إن شاء الله حكم صوم الدهر.
مسألة [2]: صيام التسعة الأيام من ذي الحجة.
ومن الأيام التي يُستحبُّ صيامها: أيام العشر من ذي الحجة، إلا يوم العيد فَيَحرُم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في «البخاري» (969): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما العمل في أيامٍ أفضل من العمل في هذه» يعني أيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج يخاطر بماله ونفسه، فلم يرجع من ذلك بشيء».
قال الحافظ رحمه الله: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِانْدِرَاجِ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1976)، ومسلم (1159).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 462)
الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتُشْكِلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ.
قلتُ: ويُشكل على ذلك ما أخرجه مسلم (1176)، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صائمًا في العشر قطُّ».
لكن قال النووي رحمه الله: يتأول قولها: «لم يصم العشر» أنه لم يصمه لعارضِ مرضٍ، أو سفرٍ، أو غيرهما، أو أنها لم ترَه صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. اهـ
قال الحافظ رحمه الله: وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. اهـ.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «الفتح» (969)، «شرح مسلم» (8/ 71 - 72).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 463)
667 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(1)، زَادَ أَبُودَاوُد: «غَيْرَ رَمَضَانَ».(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: صوم المرأة تطوعًا.
• ذهب الجمهور إلى تحريم الصوم عليها بغير إذن زوجها غير الفريضة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، المتقدم.
قال النووي رحمه الله في «المجموع»: وقال بعض أصحابنا: يُكره. والصحيح الأول -يعني التحريم-.اهـ
قلتُ: وما صححه النووي هو الصحيح؛ لدلالة الحديث عليه، وهو الذي جزم به الصنعاني في «السبل».(3)
مسألة [2]: فإذا صامت، هل يصح صومها؟
قال النووي رحمه الله: فإن صامت بغير إذن زوجها صحَّ باتِّفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأنَّ التحريم لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (5195)، ومسلم (1026).
(2) صحيح. أخرجه أبوداود (2458).
(3) انظر: «الفتح» (5195)، «السبل» (4/ 164)، «المجموع» (6/ 392).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 464)
قال: وأما عن ثواب صيامها، فقال العمراني: أمرُ قبولِهِ إلى الله، ومقتضى المذهب عدم الثواب. وما قاله العمراني(1) أولى، والله أعلم. اهـ
قلتُ: وما اختاره العِمراني، ثم النووي هو المختار عندي، وبالله التوفيق.(2)
مسألة [3]: هل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرًا؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَمَفْهُوم الْحَدِيث فِي تَقْيِيده بِالشَّاهِدِ يَقْتَضِي جَوَاز التَّطَوُّع لَهَا إِذَا كَانَ زَوْجهَا مُسَافِرًا، فَلَوْ صَامَتْ وَقَدِمَ فِي أَثْنَاء الصِّيَام فَلَهُ إِفْسَاد صَوْمهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْر كَرَاهَة، وَفِي مَعْنَى الْغَيْبَة أَنْ يَكُون مَرِيضًا بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجمَاع. اهـ.(3)
تنبيه: يلتحق بصوم رمضان في كون المرأة لا يجب عليها استئذان زوجها صوم الفرض من نذرٍ، أو قضاءٍ إذا ضاق الوقت.(4)--------------------------------------------
(1) العِمراني: هو يحيى بن سالم اليماني، من أئمة الشافعية، وهو صاحب كتاب «البيان في مذهب الشافعي»، توفي عام (558)، و (العِمراني) نسبة إلى أحد أجداده، كان اسمه (عِمران).
انظر ترجمته في مقدمة «البيان» (1/ 120 - ).
(2) انظر: «الفتح» (5195)، «المجموع» (6/ 392).
(3) انظر: «الفتح» (5195)، «المجموع» (6/ 392).
(4) «الفتح» (5195).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 465)
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [1]: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء؟
• في المسألة قولان:
الأول: جواز الفطر، وهو قول جمهور العلماء، وصحَّ عن عُمَر، وعلي، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وجاء عن غيرهم من الصحابة كما في «المحلى» (773)، و «مصنف عبدالرزاق» (4/ 271 - 272)، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي.
واستدلوا بما يلي:
1) حديث عائشة رضي الله عنها، في «صحيح مسلم» (1154)، قالت: أتانا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يومًا، فقلنا: أُهدي لنا حيس، فقال: «أرِنِيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكل.
2) حديث أبي جحيفة رضي الله عنه، في «البخاري» (1968): أنَّ سلمان زار أبا الدرداء، ثم أفطر أبو الدرداء، فأكل مع سلمان.
3) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند أحمد (2/ 336)، وابن أبي شيبة (3/ 15)، والنسائي (4/ 177)، وغيرهم، قال: أُتِيَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بطعامٍ وهو بِمَرِّ الظَّهران، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنوا فكلا»، قالا: إنا صائمان، فقال
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 466)
رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم، ادنوا فَكُلا»، وقد أعله النسائي بالإرسال كما في «الكبرى» (2572 - 2575)، ورجح أنه من مراسيل أبي سلمة.
الثاني: أنه يلزمه الإتمام، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ولكن قَيَّدَه مالك بما إذا كان لغير عذر.
واستدلوا على ذلك:
1) بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33].
1) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للأعرابي: «وصيام رمضان»، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا إلا أن تطوَّع»، فقالوا: الاستثناء مُتَّصِلٌ، والمعنى: إلا أن تتطوع فيلزمك صومه.
والراجح هو القول الأول.
وأمَّا عن أدلة القول الثاني:
1) الآية: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} المراد بها: لا تبطلوا أعمالكم بالشرك، قال ابن عبد البر رحمه الله: من احتج بهذه الآية؛ فهو جاهلٌ بأقوال أهل العلم؛ فإنَّ الأكثر على أنَّ المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أَخْلِصُوهَا لله، وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه، ولا
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 467)
أوجب على نفسه بنذر أو غيره؛ لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ
1) الحديث: «إلا أن تطوَّع» الصحيح أنَّ الاستثناء منقطعٌ، والمعنى: لكن لك أن تتطوع؛ جمعًا بين الأحاديث، والله أعلم.(1)
مسألة [2]: هل يجوز لمن يصوم قضاء رمضان أن يفطر؟
تقدم أن الحنفية والمالكية منعوا الإفطار في التطوع؛ ففي القضاء من باب أولى، ووافقهم الشافعية والحنابلة ههنا في الأصح من مذهبهم؛ لأنه صوم واجب.
وذهب جماعة من الشافعية إلى الجواز؛ لأنه لم يتعين عليه في القضاء ذلك اليوم، ووقت القضاء موسع.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم يوجد سبب، أو عذر فلا يخلو من كراهة، وأما إذا وجد عذر؛ فهو جائز؛ لأن وقت القضاء موسع، فإن ضاق وقت القضاء لم يجز أن يفطر.(2)
مسألة [3]: من صام تطوعًا، فأفطر، فهل عليه قضاؤه؟
• ذهب الجمهور إلى استحباب قضائه بيوم آخر، وقد روى عبد الرزاق (4/ 271)، بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمالٍ ليتصدق به، ثم رجع ولم يتصدق به، أو تصدق ببعضه، وأمسك بعضه.--------------------------------------------
(1) انظر: «المجموع» (6/ 394) «المحلَّى» (773) «الفتح» (1968)، «ابن أبي شيبة» (3/ 29).
(2) انظر: «المجموع» (6/ 394) «شرح الوجيز» (6/ 465) «شرح منتهى الإرادات» (1968).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 468)
• وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء عليه، سواء كان لعذرٍ، أو لغير عُذرٍ.
• وذهب مالك إلى وجوب القضاء إذا كان لغير عذر.
والصحيح قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل يوجب عليه القضاء، وإنما قالوا باستحباب القضاء؛ لأنه من أعمال البر.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «الفتح» (1968) «المجموع» (6/ 396).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 469)
668 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: حكم صيام يوم العيدين لتطوع، أو فرض.
أجمع العلماء على تحريم صومهما كما نقله غير واحد، كابن المنذر، والنووي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.
وَمُسْتَنَدُ الإجماع حديث الباب، وقد أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، وعمر أيضًا، وانفرد به مسلم عن عائشة رضي الله عنهم(2).(3)
مسألة [2]: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد؟
• ذهب عامَّةُ العلماء إلى أنَّ صومه فاسدٌ لا يصح؛ لكون النهي راجعٌ إلى ذات الصوم.
• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: يصح مع الإثم.
والراجح قول الجمهور، ورجَّحه الشوكاني، والصنعاني.(4)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1191)، ومسلم (141) من [كتاب الصيام].
(2) انظر: «البخاري» رقم (1990) (1993)، ومسلم (1137) (1138) (1140).
(3) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (154)، «المجموع» (6/ 440)، «الفتح» (1990)، «التمهيد» (7/ 277).
(4) انظر: «الفتح» (1990)، «المفهم» (3/ 197)، «النيل» (1751)، «السبل» (4/ 164).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 470)
مسألة [3]: إذا نذر أن يصوم يومًا، فوافق يوم العيد؟
نقل النووي، وابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز له صوم يوم العيد.
• واختلفوا: هل عليه قضاء ذلك اليوم أم لا على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يلزمه قضاؤه، وهو أحد قولي الشافعي ووجهٌ عند مالك، وهو قول زُفر وجماعةٍ ورجَّحه ابن عبد البر، وهو الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل يدل على وجوب القضاء.
الثاني: أنه يلزمه القضاء، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وآخِرُ قولي الشافعي.
الثالث: أنه يقضيه؛ إلا أن ينوي أن لا يقضيه، وهو قول الأوزاعي، ووجهٌ عند مالك.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «نيل الأوطار» (1751)، «الاستذكار» (10/ 143)، «الفتح» (1990).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 471)
669 - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ عز وجل». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(1)
670 - وَعَنْ عَائِشَةَ،
671 - وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [1]: أيام التشريق.
هي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين، أو ثلاثة، والراجح أنها ثلاثة، ويدل على ذلك حديث عائشة وابن عمر.
قال الحافظ رحمه الله: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ غَيْر يَوْم عِيد الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ يَوْم الْعِيد لَا يُصَامُ بِالِاتِّفَاقِ، وَصِيَام أَيَّام التَّشْرِيق هِيَ الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهَا، وَالْمُسْتَدِلّ بِالْجوَازِ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قلتُ: يريد قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة:196].
قال: وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيْقِ؛ لَأنَّ لُحُومَ الْأَضَاحِي تُشَرَّق فَيْهِ، أَي: تَنْشَرُ فِي الشَّمْسِ، وَقِيْلَ غَيْرَ ذلِكَ. اهـ--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (1141).
(2) أخرجه البخاري برقم (1997) (1998).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 472)
مسألة [2]: حكم صيام أيام التشريق.
• فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز مُطلَقًا، حكاه ابن المنذر رحمه الله عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة، وقال القرطبي في «المفهم»: وقال بجوازها بعض السلف وكأنهم لم يبلغهم النهي عن صيامها.
القول الثاني: المنع مطلقًا، ذكره ابن المنذر رحمه الله عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو قول الشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزمٍ، وابن المنذر، وقال به من التابعين: الحسن، وعطاء، وعبيد بن عمير.
واستدلوا:
1) بحديث نبيشة الذي في الباب، وقد جاء معناه من حديث كعب بن مالك عند مسلم (1142)، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (1719) بإسناد حسن، ومن حديث بشر بن سحيم عند النسائي (8/ 104)، وابن ماجه (1720) بإسناد صحيح، ومن حديث عقبة بن عامر، وثلاثتها في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين».
2) حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن أبي داود (2418)، قال: هذه الأيام التي كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها يعني أيام التشريق وصححه شيخنا رحمه الله في «الجامع الصحيح».
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 473)
القول الثالث: تحريم صومها إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي، وهو قول ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يصومها، وذهب إليه مالك، والشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على الجواز للمتمتع بعموم الآية: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196]؛ فإنَّ عموم هذه الآية يشمل أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج.
وقد عارض هذا العمومَ عمومُ الحديث المتقدم: «كان يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها»؛ فإنه عامٌّ في الحاج وفي غيره، فوجب ترجيح أحد العمومين، وتخصيص الآخر بالعام الرَّاجح.
وقد رجَّح الصنعاني رحمه الله عموم الحديث، قال: لكونه مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلًّا للصوم، وأنَّ ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له، كأنها منافية للصوم.
والذي يظهر لي -والله أعلم- هو ترجيح عموم الآية؛ لحديث ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، الذي في الباب.
فقولهما: (لم يرخص) يحتمل أنهما أرادا: لم يرخص النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أنهما فهماه من الآية المتقدمة -وهو أقرب- وعلى هذا ففهمهما لذلك من القرائن في ترجيح عموم الآية.
ومما يدل على ذلك أنَّ الصوم إنما يجب على المتمتع عند عدم وجود
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 474)
الهدي، والهدي إنما يلزمه يوم النحر، فلو أنَّ إنسانًا ظنَّ أنه سيجد هديًا يوم النحر فلم يجد، أو فقد ماله يوم النحر؛ فإنه ليس له سبيل إلا أنْ يصوم أيام التشريق.
وقد أشار إلى نحو ما ذكرته ابن جرير الطبري في «تفسيره» (2/ 250).
وعلى هذا: فالصحيح من الأقوال هو القول الثالث، ويخصص عموم الحديث؛ لأنه مرجوح بعموم الآية؛ لأنه راجح، فيكون صيام أيام التشريق محرمًا؛ لدلالة الحديث إلا على المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ لعموم الآية، والله أعلم.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «الفتح» (1996)، «نيل الأوطار» (1754)، «سبل السلام» (4/ 166 - )، «المجموع» (6/ 443)، «المفهم» (3/ 199)، «تفسير القرطبي» (2/ 400 - 401)، «المحلَّى» (802)، «المحلَّى» (4/ 94).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 475)
672 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(1)
673 - وَعَنْهُ أَيْضًا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [1]: حكم إفراد يوم الجمعة بالصوم.
• فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التحريم، نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذرٍّ رضي الله عنهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (1144) (148). من طريق حسين الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة. قال أبوزرعة وأبوحاتم: هذا وهم، إنما هو عن ابن سيرين عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل، ليس فيه ذكر أبي هريرة. رواه أيوب وهشام وغيرهما كذا مرسل، فقال ابن أبي حاتم: قلت لهما: الوهم ممن هو؟ من زائدة أو من حسين؟ فقالا: ما أخلقه أن يكون الوهم من حسين. اهـ «العلل» (1/ 198).
وقد جاء الحديث أيضًا عن أبي الدرداء، لكنه من رواية ابن سيرين عنه، وهي مرسلة. انظر: «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» ص (342).
(2) أخرجه البخاري (1985)، ومسلم (1144).
(খণ্ড: 44) (পৃষ্ঠা: 476)