شُيوخُ الدارَقُطنيِّ:
شَرَع أبو الحسن عليُّ بن عمر الدارقطنيُّ في طلبِ العلم في وقتٍ مُبكِّر من حياته، وكثُرَت رحلاتُه في جَمعه وتَحصيله؛ فكثُر لذلك شُيوخُه الذين أخذَ عنهم وتخرَّج بهم.
وقد ذهب الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السَّلَفي(1) إلى أن شيوخَ الدارقطني في كتاب "العلل" يربو عدَدُهم على مئتين، ثم ذكرَ منهم اثنين وعشرين راويًا من أشهر شُيوخه.
كما قام الدكتور عبد الله بن ضَيْف الله الرُّحَيلي(2) بإحصاء شُيوخه الذين روى عنهم في كتابه "السنن" وحدَه فبلغوا تسعينَ ومئتي راوٍ، في حين بلغوا زُهاءَ واحدٍ وخمسين وثلاث مئة راوٍ في الفِهرس الذي أعدَّه محقِّقو "سنن الدارقطني"(3) .
وذكر الدكتور موفَّق عبد القادر في مقدمة تحقيقه لـ"المؤتلف والمختلف": أن لديه قائمة بأسماء شُيوخه الذين روى عنهُم في "السنن"، و"المؤتلف والمختلف"، و"العلل"، والذين ذكرهم الخطيبُ في "تاريخ بغداد" مرتَّبين على حروف المعجم، وفي نيَّتة إخراجُها في مشيخة الدارقطنيِّ.
ولأحد إخواننا من طلبة العلم في اليمن(4) مُصَنَّف جمع فيه شيوخ--------------------------------------------
(1) في مقدمة تحقيقه لكتاب "العلل" للدارقطني (1/13) .
(2) في كتابه: "الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية" (ص 53- 81) .
(3) طبعة مؤسَّسة الرسالة..
(4) هو الأخ: نايف المنصوري، من تلاميذ الشيخ أبي الحسن المأربي وفقهم الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الدارقطني، وترجم لمن استطاع العثور على ترجمة له منهم، ولما يطبع بعد.
لذا رأينا أن الجهودَ السابقةَ المبذولةَ في إحصاء شيوخ الدارقطني كفَتنا مؤونةَ جمعهم، فآثرنا الاقتصار على ذكر شُيوخِه الذين روى عنهم في كتابنا هذا "سؤالات السلمي"، وقد بلغوا خمسةً وعشرين شيخًا، نوردهُم مرتَّبينَ على حروف المعجم(1) :
1- إبراهيم بن حمَّاد بن إسحاق، أبو إسحاق الأَزْدي البصري (ت 323هـ) . [261] .
2- إبراهيم بن محمَّد، أبو إسحاق المعدَّلُ النَّسَويُّ. [475] .
3- أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن زياد، أبو سَهْل القطَّان البغدادي (ت 350هـ) . [50] .
4- أحمد بن المُطَّلب بن عبد الله بن هارون الواثق، أبو بكر الهاشِمي (ت 344هـ) . [116] و [346] .
5- أحمد بن نَصْر بن طالب، أبو طالب الحافظُ البغدادي (ت 323هـ) . [33] و [143] و [241] .
6- الحسين بن إسماعيلَ بن محمَّد، أبو عبد الله الضَّبِّي البغدادي المَحامِلي (ت 330هـ) . [274] .--------------------------------------------
(1) أثبَتْنا من صرَّح الدارقطنيُّ بالرواية عنهم، دون من سُئل عنهم أو ذكرَهم عَرَضًا، ولم يذكر ما يدلُّ على أنهم من شيوخه.
وذيَّلنا اسمَ كلِّ شيخ من شيوخه برقْم النصِّ الذي ورد فيه التصريحُ بسماعه منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
7- دَعْلَج بن أحمد، أبو محمَّد السِّجْزِي المعدِّل الإمام الفقيه. (ت 351هـ) . [35] .
8- عبد الرَّحيم بن إسماعيلَ القاضي. [56] و [57] .
9- عبد الله بن محمَّد بن زياد، أبو بكر النَّيْسابوري الشافعي (ت 324هـ) . [46] و [365] و [382] و [418] .
10- عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، أبو القاسِم البَغَويُّ (ت 317هـ) . [213] .
11- عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن الناصِح، أبو أحمدَ ابن المُفَسِّر الدمشقي، نزيل مِصْر (ت 365هـ) . [121] و [122] .
12- عبد الله بن يَحيى بن معاوية، أبو بكر الطَّلْحيُّ الكوفي (ت 358هـ) . [426] .
13- عثمان بن أحمدَ بن عبد الله، أبو عمرو ابن السمَّاك الدقَّاق (ت 344هـ) . [268] و [471] .
14- عليُّ بن موسى بن إسحاقَ، أبو الحسن، يُعرَف بـ «ابن الرزَّاز» . [415] .
15- القاسم بن إسماعيلَ، أبو عُبَيد الضَّبِّي (ت 323هـ) . [269] .
16- محمَّد بن أحمدَ بن إسحاقَ، أبو علي الصوَّاف (ت 359) . [472]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
17- محمَّد بن أحمدَ بن عبد الله، أبو طاهر الذُّهْلي، قاضي الدِّيار المِصْرية (ت 367هـ) . [51] .
18- محمَّد بن أحمدَ بن محمَّد بن جعفر، أبو بكر الحدَّاد الكِناني المِصْري الشافعي (345هـ) . [477] .
19- محمَّد بن داودَ بن سليمانَ، أبو بكر النَّيْسابوري (ت 342هـ) . [45] .
20- محمَّد بن عبد الله بن زَكَريَّا بن حَيُّويَه، أبو الحسن المِصْري (ت 366هـ) . [130] و [166] .
21- محمَّد بن عُبَيد الله بن طاهر، أبو جعفر لقبه «مُسَلَّم» بالتشديد. [468]
22- محمَّد بن مَخْلَد بن حَفْص، أبو عبد الله الدُّوري العَطَّار (331هـ) . [115] و [181] و [249] و [293] و [401] .
23- محمَّد بن نوح، أبو الحسن الجُنْدَيْسابُوريُّ الفارِسيُّ نزيل بغداد (ت 321هـ) . [136]
24- محمَّد بن يَحيى بن عبد الله، أبو بكر الصُّولي البغدادي (ت 335) . [146] .
25- يحيى بن محمَّد بن صاعِد، أبو محمَّد الهاشميُّ البغدادي (318هـ) . [248] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
تلاميذه:
عرف طلاَّبُ العلم المنزلةَ التي ارتقاها الدارقطنيُّ فسَعَوا إليه من كل صَوْبٍ، ووَفَدوا عليه من كل مِصر، راغبينَ في الأخذ عنه، وحريصينَ على السَّماع منه. وكثيرٌ ممَّن تلقَّى منه وتخرَّج به غَدوا من أعلام الأمَّة الكبار الذين يشارُ إليهم بالبَنان، ويؤخذ عنهم العلمُ والرِّواية. وقد ذكر الذهبيُّ جماعةً منهم في ترجمة الدارقطنيِّ في "سير أعلام النبلاء"، ونكتفي هنا بذكر أشهَرِهِم:
1- الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم النَّيْسابوري (ت 405)(1) .
2- الحافظ أبو محمَّد عبد الغني بن سعيد الأَزْدي المِصْري (ت 409)(2) .
3- الحافظ أبو القاسِم تَمَّام بن محمَّد الرَّازي (ت 414)(3) .
4- الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني (ت 425 هـ)(4) .
4- الحافظ أبو نُعَيم أحمدُ بن عبد الله الأَصْبَهاني (ت 430)(5) .--------------------------------------------
(1) ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (17/162- 177) .
(2) ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (17/268- 273) .
(3) ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (17/289- 293) .
(4) ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (17/464-468) .
(5) ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (17/453- 464) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
مُصَنَّفاتُ الدارَقُطنيِّ:
يعدُّ الدارقطنيُّ من المُكثرين من التصنيف، فقد خلَّفَ لنا عشراتِ الكتب الجليلة النافعة في غير ما علمٍ وفنٍّ، جُلُّها في علم الحديث ونقده.
وقد تَتبَّع كثيرٌ من الباحثين مصنفات الدارقطنيٍّ المطبوعة وغيرها، منهم الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السَّلَفي في مقدمة تحقيقه لكتاب "العلل الواردة في الأحاديث النبويَّة" المعروف بـ"علل الدارقطني"، والدكتور موفَّق بن عبد القادر في مقدمة تحقيقه لكتاب "المُؤتَلف والمُختلف"، والدكتور عبد الله بن ضَيف الله الرُّحَيلي في كتابه: "الإمامُ أبو الحسن الدارقُطني وآثارُه العلميَّة"، جزاهم اللهُ خيرًا.
ونورد فيما يلي أشهر ما وقفنا عليه من مؤلَّفاته المطبوعة مرتَّبةً على حروف المعجم:
1- الأحاديثُ التي خُولفَ فيها إمامُ دار الهجرة مالكُ بن أنس.
2- أحاديثُ الموطَّأ، واتِّفاقُ الرُّواة عن مالك، واختلافُهم فيه، وزياداتُهم ونُقصانُهم، ويعرف أيضًا بـ"اختلاف الْمُوَطَّآت".
3- أخبارُ عمرو بن عُبَيد، وكلامُه في القرآن، وإظهارُ بدعته.
* اختلاف الْمُوَطَّآت = أحاديث الموطَّأ
4- الإخوَةُ والأخوات. مطبوعٌ بعضُه ومفقودٌ سائرُه.
5- أربعونَ حديثًا من مسند بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
6- الأسخياء والأجواد، طبع باسم: المستجاد من فعلات الأجواد.
7- أسماءُ التابعينَ ومن بعدَهُم ممَّن صَحَّت روايتُه عند مسلم.
8- الإلزاماتُ على صَحيحَي البخاريِّ ومسلم.
9- التتَبُّع: وهو في ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم، أو أحدهما، بيَّن الدارقطني عللها والصواب فيها.
10- تعليقٌ واستدراكاتٌ للدارقطنيِّ على كتاب "المجروحين" لابن حبَّان.
11- الجُزء الثالثُ والعشرونَ من حديث أبي طاهِر محمَّد بن أحمدَ بن عبد الله الذُّهْلي القاضي.
12- جزء فيه علل أحاديث أودعها البخاري في صحيحه.
13- ذكرُ أسماء التابعينَ ومن بعدَهُم ممَّن صَحَّت روايتُه عند البخاريِّ.
14- ذكرُ قومٍ أخرجَ لهم البخاريُّ ومسلمٌ في صَحيحَيهما، وضعَّفهُم النسائيُّ في كتاب "الضعفاء".
15- رؤيةُ الله تعالى، وطبع مرة أخرى بعنوان: الرؤية
16- السُّنَن.
17- سُؤالاتُ البَرْقاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
18- سُؤالاتٌ أُخْرى للبَرْقاني.
19- سُؤالاتُ أبي عبد الله الحاكم.
20- سُؤالاتُ السُّلَمي. وهو كتابُنا هذا.
21- سُؤالاتُ السَّهْمي.
22- سؤالات أبي عبد الله بن بكير للدار قطني.
23- الصِّفاتُ، أو أحاديثُ الصِّفات.
24- الضُّعَفاء والمتروكونَ من المُحدِّثين.
25- العِلَلُ، أو العِلَلُ الواردةُ في الأحاديث النبويَّة.
26- فَضائلُ الصَّحابة. مطبوع بعضُه ومفقودٌ سائرُه.
27- الفَوائدُ المُنتَخَبة من حديث أبي عليٍّ محمَّد بن أحمدَ بن الحسن المعروف بابن الصوَّاف.
28- المُؤتَلفْ والمُختَلفْ.
29- النُّزول. أو أحاديثُ النُّزول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
التَّعريف بالسُّلَمي (1) :
اسمُه ونَسَبُه ومَولدُه:
هو: محمَّد بن الحُسَين بن محمَّد بن موسى بن خالد بن سالِم بن راوِيَة بن سعيد بن قَبيصَة بن سُراقَة، أبو عبد الرحمن، الأَزْدي، السُّلَمي الصُّوفي.
والأَزْدي: نسبةٌ إلى «أَزْد شَنُوءَة» ، وهي قَبيلة أبيهِ، لكنَّه اشْتُهر بـ"السُّلمي"، وهي نسبةٌ إلى قَبيلة أُمِّه بني سُلَيم.
مَولدُه:
وُلدَ السُّلَمي في عاشِر جُمادى الآخِرَة، سنةَ خمسٍ وعشرينَ--------------------------------------------
(1) ترجمته في: "تاريخ بغداد" للخطيب (2/248- 249) ، و"المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" (ص18) ، و"الرسالة القشيرية" (ص140) ، و"الأنساب" للسمعاني (3/46) ، و"المنتظم" لابن الجوزي (15/150-151) ، و"سير أعلام النبلاء" (17/247- 255) ، و"تاريخ الإسلام" (حوادث ووَفَيات سنة 412هـ/ ص 304- 307) ، و"تذكرة الحفاظ" (3/1046- 1047) ، و"ميزان الاعتدال" (3/523) جميعها للذهبي، و"البداية والنهاية" لابن كثير (15/590) ، و"الكشف الحثيث" لسبط ابن العجمي (ص225 رقم 645) ، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (4/143- 147) ، و"لسان الميزان" لابن حجر (5/140-141) ، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص411) ، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (ص97- 98) ، و"طبقات المفسرين" للداودي (ص101 رقم 134) ، و"شذرات الذهب" لابن العماد (3/196- 197) ، و"هدية العارفين" (2/61) ، و"الرسالة المستطرفة" للكتاني (ص54) ، و"تارخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (القسم الثاني/ ص 478- 481) ، و"تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (م1/ج4/ص178- 184) . ومقدمة تحقيق كتابه "طبقات الصوفية" لنور الدين شريبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وثلاثِ مئة، على ما ذكر تلميذُه أبو سعيد محمَّد بن علي الخَشَّاب(1) .
وقيل: وُلدَ يوم الثَّلاثاء، العاشرِ من جُمادى الآخِرَة، سنةَ ثلاثينَ وثلاثِ مئة.
نَشأتُه وطَلَبُه للعِلم:
نشأ أبو عبد الرحمن السُّلمي في بيتٍ يغلبُ عليه التصَوُّف والزُّهد؛ فأبوه الحسين بن محمَّد كان من الزَّاهِدينَ السَّالكين طرقَ التصوُّف، ولم يُعرَف عنه العنايةُ بطلب العلم أو رواية الحديث.
أمَّا جَدُّه لأمه فهو الشيخُ العالم المحدِّث الزاهد الصُّوفي الكبير أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسُف السُّلمي(2) . وأمَّا جدُّ جدِّه أحمد بنُ يوسفَ السُّلميُّ فكان من ثقاتِ المحدِّثينَ، سأل أبو عبد الرحمن السلمي عنه الدارقطنيَّ فقال: ثقةٌ نبيل(3) .
ولقد لازمَ السُّلميُّ جدَّه أبا عمرو ملازمةً، فانتفع بذلك أيَّ نفع، فكان رفيقَه في حضور العلم ومجالس الرِّواية والتحديث. ولم ينتفع--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في "المنتخب من السياق" للفارسي (ص55-56) ، و"سير أعلام النبلاء" (18/150) .
(2) ولد ابن نجيد سنة اثنتين وسبعين ومئتين، وتوفي سنة خمس وستين وثلاث مئة، كنيته أبو عمرو. ترجم له السلمي في "طبقات الصوفية" (ص 454- 457) ، وله ترجمة في: "سير أعلام النبلاء" (16/146- 148) ، و"العبر" (2/336) ، و"الوافي بالوَفَيات" (9/137- 138) ، و"طبقات الشافعية الكبرى" (3/222- 224) ، و"البداية والنهاية" (15/377) ، و"الرسالة المستطرفة" (ص87- 88) .
(3) انظر النص رقم (5) من كتابنا هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
بذلك فحسبُ، بل إنَّ ثراءَ جدِّه مكَّنه من التَّفرُّغِ لطلب العلم صغيرًا والانقطاع له.
فكتب بخطِّه في سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاث مئة عن أبي بكر الصبغي، وهو لمَّا يتجاوزِ الثامنةَ من عمره، وابتدأَ بالتصنيف سنة نيف وخمسين وثلاث مئة، وهو في منتصف عِقْدِه الثالث.
ورحل في طلب الحديثِ والعلم إلى بُلدانٍ كثيرة، قال الذهبيُّ: «كتب الحديثَ بمَرْوَ ونَيْسابورَ والعراقِ والحِجاز»(1) .
مكانتُه وكلامُ العلماء فيه:
كان السُّلميُّ جليلَ القَدْر عند أهل بلدِه، عظيمَ المنزلة في طائفتِه، جمع شيوخًا وكتبًا. وكان صاحبَ حديثٍ مُجوِّدًا، وله عنايةٌ خاصَّةٌ بالصوفيَّة وأخبارهم، صنَّف لهم كتبًا في السنن والتفسير والتاريخ(2) .
قال الذهبيُّ: «قال الخشَّاب(3) : كان مَرْضيًّا عند الخاصِّ والعام، والمُوافِق والمُخالِف، والسُّلطان والرَّعِيَّة، في بلده وفي سائِر بلاد المسلمين، ومضى إلى الله كذلك، وحَبَّب تصانيفَه إلى الناس، وبيعَتْ بأغلى الأثمان، وقد بعْتُ يومًا من ذلك على رَداءة خطِّي بعشرين دينارًا؛ وكان في الأحياء»(4) .--------------------------------------------
(1) "تذكرة الحفاظ" (3/1046) .
(2) "تاريخ بغداد" (2/248) .
(3) هو: محمد بن علي أبو سعيد الخشَّاب، وقد أفرد للسُّلمي ترجمةً في جزء. انظر "السير" (17/247) .
(4) "السير" (17/248) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وقال عبدُالغافر بن إسماعيلَ الفارسيُّ: «أبو عبد الرحمن شيخُ الطريقة في وقته، المُوفَّق في جمع علوم الحَقائق، ومعرفة طريق التصَوُّف، وصاحبُ التصانيف المشهورة في علوم القوم، وقد وَرِثَ التصوُّفَ عن أبيه وجدِّه، وجمع من الكتُب ما لم يُسبَق إلى ترتيبه في غيره، حتى بلغ فِهْرست تصانيفه المئةَ أو أكثر، حدَّث أكثر من أربعينَ سنةً إملاء وقراءة، وكتب الحديثَ بنَيْسابور ومَرْوَ والعراقِ والحجاز، وانتَخَب عليه الحفَّاظ الكبار»(1)
وقد بلغ السُّلميُّ منزلةً عاليةً في معرفة الرجال وأحوالهم، حتى قال الذهبيُّ عنه: «وقد سألَ أبا الحسن الدارقطنيَّ عن خَلْقٍ من الرجال سؤالَ عارفٍ بهذا الشأن»(2) .
ومع هذه المنزلة العالية في العلم؛ أُخذت عليه أمورٌ بسبب تصوُّفه وإغراقه فيه؛ فقد اتُّهمَ بوضع الأحاديث للصُّوفيَّة، والتهاون في رواية الأحاديث والحكايات الموضوعَة والباطلَة.
قال الخطيبُ: «قال لي محمَّدُ بنُ يوسفَ القطَّانُ النيسابوريُّ: كان أبو عبد الرحمن السلميُّ غيرَ ثقةٍ، ولم يكن سَمِعَ من الأصمِّ إلاَّ شيئًا يسيرًا، فلمَّا مات الحاكمُ أبو عبد الله بنُ البيِّع؛ حدَّث عن الأصمِّ بـ"تاريخِ يحيى بن معين" وبأشياءَ كثيرةٍ سواه، قال: وكان يضعُ للصُّوفيةِ الأحاديثَ»(3) .--------------------------------------------
(1) "المنتخب من السياق" (ص 18) .
(2) "تذكرة الحفاظ" (3/1046- 1047) باختصار. وانظر "السير" (17/252) .
(3) "تاريخ بغداد" (2/248) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ومن هنا ذهبَ بعضُ الأئمَّة إلى تضعيفه وردِّ ما يتفرَّد به من روايات.
قال الذهبيُّ في وَصْفه: «الحافظُ العالم الزَّاهد شيخ المشايخ … سمع خلقًا كثيرًا، وكتب العاليَ والنازلَ، وصنَّف وجمعَ، وسارت بتصانيفه الرُّكْبان … إلا أنه ضعيفٌ»(1) .
وقال أيضًا: «في القلب ممَّا يتفرَّد به»(2) .
ودافعَ عنه بعضُ الأئمَّة بأن مثله لا يتعمَّد الكذب، وحَمَلوا ما رواه من الأباطيل على أنه من الوَهَم(3) .
وأكثر ما أُخِذ عليه: تأليفه لكتاب "حقائق التفسير"، فقد أبعَدَ فيه النَّجْعَة، وتنكَّب مذهبَ أهل السنة، ومضى مع الصُّوفيَّة في غُلُوِّهم وفلسفتهم، حتى عُدَّ كثيرٌ مما فيه من زَنْدَقَة الباطنيَّة والقَرامِطَة، وتحريفًا لكلام الله ومُراده.
قال الذهبيُّ: «في تصانيفه أحاديثُ وحكاياتٌ موضوعة، وفي "حقائق التفسير" أشياءُ لا تَسوغ أصلاً، عدَّها بعضُ الأئمة من زندقة الباطنيَّة، وعدَّها بعضُهم عرفانًا وحقيقة، نعوذ بالله من الضَّلال ومن الكلام بهوى، فإن الخيرَ كلَّ الخير في متابعة السنة والتمسُّك بهدي الصَّحابة والتابعين رضي الله عنهم»(4) .--------------------------------------------
(1) "تذكرة الحفاظ" (3/1046- 1047) باختصار.
(2) "ميزان الاعتدال" (3/524) .
(3) انظر "السير" (17/255) ، و"لسان الميزان" (5/141) .
(4) "السير" (17/252) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وقال في "تاريخ الإسلام": «وله كتابٌ سماه "حقائق التفسير" ليتَه لم يصنِّفْه؛ فإنه تخريفٌ وقَرْمَطَةٌ، فدونَكَ الكتابَ فسترى العَجَبَ»(1) .
وذهب الإمامُ الواحديُّ المفسِّر إلى أبعدَ من ذلك، فقد نقل عنه الإمامُ ابن الصَّلاح في "الفَتاوى" أنَّه قال: «صنَّفَ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ "حقائق التفسير"، فإن كان اعتَقَدَ أن ذلك تفسيرٌ فقد كَفَرَ»(2) .
وَفاتُه:
تُوفِّي السُّلمي في شهر شعبانَ(3) ، سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، بنَيْسابور، وكانت جنازتُه عظيمةً مَشهودَة(4) ، رحمه الله تعالى وعفا عنَّا وعنه.
شُيوخُه:
تقدم فيما مضى أن السُّلميَّ أكثَرَ من القراءة والرِّواية عن الأشياخ.
قال السمعانيُّ: «كان مكثرًا من الحديث، وله رحلةٌ إلى العراق والحِجاز، وشيوخُه أكثر من أن تذكر»(5) .--------------------------------------------
(1) "تاريخ الإسلام" (28/307) .
(2) "فتاوى ابن الصلاح" (1/196-197) .
(3) وقيل: في رجب.
(4) "السير" (17/252) .
(5) "الأنساب" (3/46) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ونكتفي هنا بذكر أهم شُيوخه:
1- أحمد بن إسحاقَ بن أيوبَ بن يزيد، أبو بكر الصِّبْغي.
2- إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسف، أبو عمرو السُّلَمي، وهو جَدُّه لأمه.
3- علي بن عمرَ بن أحمدَ بن مهدي، أبو الحسن الدارقطنيُّ.
4- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن الأَخْرَم، أبو عبد الله الشَّيباني، الحافظ، محدِّث نَيْسابور وعالمُها.
5- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان، أبو العبَّاس الأَصَمُّ.
تَلاميذُه:
روى عن السلميِّ جمعٌ من طلاَّب العلم، نقتَصِر على ذكر أشهرهم:
1- أحمد بن الحُسَين بن عليِّ بن موسى، أبو بكر البَيْهَقي، صاحب "السنن".
2- عبد الكريم بن هَوازن، أبو القاسم القُشَيري، صاحب "الرسالة القُشَيرية".
3- عليُّ بن أحمدَ المَديني، أبو الحسن المؤذِّن، وهو آخرُ من حدَّث عنه(1) .--------------------------------------------
(1) "الأنساب" (3/46) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
4- محمَّد بن يحيى بن إبراهيم، أبو بكر النَّيْسابوري المُزَكِّي.
مُصنَّفاتُه:
خَلَّف السُّلميُّ عددًا من المصنَّفات، نذكر منها أشهرَها:
1- آداب الصُّحبة وحسنُ العِشرَة.
2- تاريخُ الصُّوفيَّة.
3- حقائقُ التفسير.
4- السُّؤالاتُ، وهو كتابنا هذا.
5- طبقات الصُّوفيَّة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
التَّعريفُ بكُتُب السُّؤالات
ذكرنا في المقدمة أن كتب السُّؤالات نمَطٌ من التصنيف معروفٌ؛ يوجِّه فيه الطالبُ أسئلةً إلى شيخه فيما يُشْكِلُ عليه من المسائل في الفنِّ الذي اشتُهِرَ به الشيخ، أو ما يهمُّه معرفةُ رأي شيخه فيه.
أما السؤالات العلمية في فروع العلوم المختلفة، فإن أول علم صُنِّف فيه هذا النمط من التصنيف: هو علم الفقه، وأقدم سؤالات وقفنا على الإشارة إليها:
1- سؤالات محمَّد بن عواد بن راشد الجرجاني لأبي يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة رحمهم الله، وقد ذكرها السهمي في "تاريخ جرجان"(1) في ترجمة محمَّد بن عواد هذا، فقال: «له أحاديث ومسائل سأل أبا يوسف القاضي بجرجان» . وقال في ترجمة أبي يوسف(2) : «سأله محمَّد بن عواد بن راشد عن سؤالات في الفقه» .
وكان أبو يوسف قد ولي قضاء جرجان في خلافة المهدي، وظل بها إلى أن مات المهدي سنة تسع وستين ومئة، فقدم مع الهادي إلى بغداد بعد توليه الخلافة، فولاَّه الهادي قضاء بغداد، فلم يزل على قضائها إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين ومئة في خلافة هارون الرشيد(3) .--------------------------------------------
(1) (ص 372) .
(2) (ص 487) .
(3) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (7/330) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
إذن، فيكون محمَّد بن عواد جمع هذه السؤالات قبل سنة تسع وستين ومئة، في فترة وجود أبي يوسف بجرجان مع الهادي.
2- سؤالات عمرو بن أبي سلمة أبي حفصٍ التِّنِّيسيِّ (ت 213هـ) التي سأل عنها الإمام مالكًا. قال الوليد بن بكر الأندلسي الحافظ: عمرو بنُ أبي سلمةَ: أحدُ أصحابِ الحديثِ؛ من نمطِ ابنِ وهبٍ، يختارُ من قولِ مالكٍ والأوزاعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ، ويعوِّلُ في أكثر قوله على مالكٍ، وله ثلاثةُ أجزاءٍ سؤالاتٍ سأل عنها مالكًا، كلُّها بألفاظِ مالكٍ، ما رأيتُ كلامًا أشبه بألفاظِ مالكٍ منها(1) .
3- "المدوَّنة": قال الذهبي(2) : «وأصل الْمُدَوَّنَةِ أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم، فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرًا، وأسقط، ثم رتَّبها سحنون وبوَّبها، واحتجَّ لكثيرٍ من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علَّم عليها وهمَّ بإسقاطها وتهذيب المدونة، فأدركته المنية رحمه الله؛ فكبراءُ المالكية يعرفون تلك المسائلَ ويقرِّرون منها ما قَدَروا عليه، ويُوهنون ما ضَعُف دليلُه» .--------------------------------------------
(1) نقله ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (46/67) ، والمزي في "تهذيب الكمال" (22/54) .
وانظر: "ميزان الاعتدال" (3/263) .
(2) "سير أعلام النبلاء" (12/68) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
4- كتاب "الأقضية"، وهو كتاب في سؤالات حبيب بن نصر ابن سهل التميمي (ت 287 هـ) لسحنون(1) .
5- وأشهر ما يأتينا بعد ذلك وأكثره: ما نُقل عن الإمام أحمد من مسائلَ، وقد جمع العلامةُ الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد الذين نقلوا مسائلَ عن الإمام أحمد في كتابه "المدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل"(2) فبلغ عددهم ما يزيد على السبعين ومئة.
أما السَّؤالاتُ الحديثيَّة والكتب المصنفة في ذلك، فأهمُّ ما وَقَفنا عليه منها:
1- سؤالات إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الخُتَّلي (ت 260هـ) للإمام أبي زكريا يحيى بن معين (ت 233هـ)(3) .
2- سؤالات الأثرم (توفي في حدود 260 هـ) للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت241 هـ)(4) .--------------------------------------------
(1) "الديباج المذهب" (1/106) .
(2) (2/619-665) .
(3) طبع بتحقيق الدكتور أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى سنة 1408هـ، عن مكتبة الدار بالمدينة النبوية.
(4) طبع جزء منها بتحقيق خير الله الشريف، الطبعة الأولى سنة 1422هـ، دار العاصمة- الرياض.
ثم طبع مرة أخرى بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري ضمن "ثلاث رسائل في الجرح والتعديل"، الطبعة الأولى سنة 1425هـ، عن دار البشائر الإسلامية- بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
3- سؤالات أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275هـ) للإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ)(1) .
4- سؤالات عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) للإمام يحيى ابن معين (ت233هـ)(2) .
5- سؤالات محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (ت 297هـ) لعلي بن المديني (ت 234هـ)(3) .
6- سؤالات محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (ت 297هـ) لطائفة من شيوخه في الجرح والتعديل(4) .
7- سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275هـ)(5) .--------------------------------------------
(1) طبع بتحقيق زياد منصور، الطبعة الأولى سنة 1414هـ، مكتبة العلوم والحكم-المدينة المنورة.
(2) طبع بعنوان "تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن أبي زكريا يحيى بن معين في تجريح الرواة وتعديلهم"، تحقيق الدكتور أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى بدون تاريخ، لكن أرخ المحقق مقدمته بتاريخ 17 رجب سنة 1400هـ، دار المأمون للتراث- سوريا.
(3) طبع بتحقيق الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الطبعة الأولى سنة 1404هـ، مكتبة المعارف- الرياض.
ثم طبع مرّة أخرى بتحقيق أبي عمر محمد بن علي الأزهري، الطبعة الأولى سنة 1426هـ، مكتبة الفاروق- القاهرة.
(4) طبع بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري "ضمن ثلاث رسائل في الجرح والتعديل"، الطبعة الأولى سنة 1425هـ، دار البشائر الإسلامية- بيروت.
(5) طبع بتحقيق الدكتور عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، الطبعة الأولى سنة 1418هـ، دار الاستقامة- مكة المكرمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)