موسى هذا الصنيع بملك من ملائكة الله جاءه بأمر من أمره فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ وكيف تصل يده إلى الملك ويَخلُص إليه صكُّه ولطمُه؟ وكيف ينهنهه الملك المأمور بقبض روحه فلا يُمضي أمر الله فيه؟
هذه أمور خارجة عن المعقول، سالكة طريق الاستحالة من كل وجه.
والجواب: أن من اعتبر هذه الأمور بما جرى به عرفُ البشر واستمرت عليه عادات طباعهم، فإنه يسرع إلى استنكارها والارتياب بها لخروجها عن رسولم طباع البشر وعن سنن عاداتهم، إلا أنه (أمر) مصدره عن قدرة الله عز وجل الذي لا يعجزه شيء ولا يتعذر عليه أمر، وإنما هو مجاوبة بين ملك كريم ونبي كليم، وكل واحد منهما مخصوص لصفة خرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص من أثره الله واختصاصه إياه، فالمطالبة بالتسوية (بيننا) وبينهم فيما تنازعناه من هذا الشأن حتى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميين، وقياس أحوالهم غير واجبة في حق النظر، ولله عز وجل لطائف وخصائص يخص بها من يشاء من أنبيائه وأوليائه ويفردهم بحكمها دون سائر خلقه، وقد أعطى موسى النبوة واصطفاه بمناجاته وكلامه، وأمده حين أرسله إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 697)
فرعون بالمعجزات الباهرة كالعصا، واليد البيضاء، وسخر له البحر فصار طريقا يبسا، جاز عليه قومُه وأولياؤه وغرق فيه خصمه وأعداؤه، وهذه أمور أكرمه الله بها وأفرده بالاختصاص فيها أيام حياته ومدة بقائه في دار الدنيا، ثم إنه لما دنا حين وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعا ويجد ألمه حسا- لطف له بأن (لم) يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرا وقسرا، لكن أرسله إليه منذرا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة الملكية التي هي مجبول الخلقة عليها، ومثل هذه الأمور مما يعلل به طباع البشر وتطيب به نفوسهم في المكروه الذي هو واقع بهم، فإنه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام ممن يكيدها فيريدها بسوء، وقد كان من طبع موسى عليه السلام فيما دل عليه آي من القرآن حما [؟] وحدة، وقد قص علينا الكتاب ما كان من وكزه القبطي الذي قضى عليه، وما كان عند غضبه من إلقائه الألواح، وأخذه برأس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 698)
أخيه يجره إليه، وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا، وقد جرت سنة الدين بحفظ النفس، ودفع الضرر والضيم عنها، ومن شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ما سنه فيمن اطلع على محرم قوم من عقوبته في عينه فقال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه، ولما نظر نبي الله موسى عليه السلام إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه وهو لا يثبته معرفة ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسولُ رب العالمين فيما يراوده منه، عمَد إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غيرُ واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين؛ لِمَا أراد الله عز وجل من تعريفه إياه بذنبه وتنبيهه على من لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم عليه السلام حين أرادوا إهلاك قوم لوط، فقال: {قوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 699)
منكرون}، وقال: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة}، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أول ما بدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل عليه السلام في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يثبته، فلما انصرف عنه تبين أمرُه فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم)، فكذلك كان أمر موسى عليه السلام فيما جرى من مناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرا، فلما عاد الملك إلى ربه عز وجل مستثبتا أمره فيما جرى عليه رد الله عز وجل عليه عينه، و (أعاده) رسولا إليه بالقول المذكور في الخبر الذي رويناه ليعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذ لأمره وطاب نفسا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله عز وجل به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه والانقياد لمورد قضائه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 700)
وأخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن عثمان العجلي، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما أفرضت [كذا] عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 701)
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت.
قلت: وفي غير هذه الرواية ولا بد له من لقائي.
ومعاني هذه الأمور فيما لطف الله به لخاص أوليائه معلومة ومواضعها من الحكمة والاستصلاح غير مجهولة، فأما بيان القول والتأويل فيما يُستشنع من ألفاظ هذا الحديث فسيقع في موضعه من هذا الكتاب.
وما أشبه (معنى) قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت) بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 702)
موسى عليه السلام فيما كرهه من نزول الموت به لطفا منه بصفيِّه وعطفا عليه. والتردد على الله تعالى غيرُ جائز، وإنما هو مثل يُقرِّب به معنى ما أراده إلى فهم السامع، والمراد به ترديد الأسباب والوسائط من رسول أو شيء غيره كما شاء سبحانه، تنزه عن صفات المخلوقين وتعالى عن نعوت المربوبين الذين يعتريهم في أمورهم الندم والبداء، وتختلف بهم العزائم والآراء {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 703)
[72] (باب الصلاة على الشهيد)
288/ 1344 - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على (أهل) أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: (إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن).
قوله: أنا فرط لكم. قال الأصمعي: الفرط والفارط المتقدم في طلب الماء، قال: أنا أتقدمكم إليه. يقال: فرَطتُ القوم، وأنا أفرُطُهم، وذلك إذا تقدمهم ليوردهم الماء.
وفيه من العلم أنه قد صلى على أهل أحد بعد مدة، فدل أن الشهيد يصلى عليه، كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب أبو حنيفة، وتأولوا الخبر في تركه الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك من أمرهم، وكان يوما صعبا على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة على قتلاهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 704)
[62] (باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)
289/ 1331 - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حسين، حدثنا ابن بريدة، عن سمرة قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها.
قال بعض أهل العلم: نُرى، والله أعلم أنه إنما قام وسطا منها ليكون حائلا بين القوم وبين موضع العورة منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 705)
[79] (باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟)
290/ 1354 - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله، عن يونس عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن ابن عمر أخبره أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد (حتى) وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة -وقد قارب الحلم- فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد وقال: أشهد أنك رسول الأميين. وقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفصه وقال: آمنت بالله وبرسله، فقال: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 706)
عليه وسلم: خلط عليك الأمر، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني قد خبأت لك خبيئا. فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: اخسأ فلن تعدو قدرك. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله.
291/ 1355 - وقال سالم: (سمعت ابن عمر يقول) انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع أراه في قطيفة له فيها زَمرة أو رمزة، فرأت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل (فقالت) لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد-، هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركته لبين.
قال أبو عبد الله: وقال شعيب في حديثه: رمرمة أو زمزمة.
الأُطُم: بناء من الحجارة مرفوع كالقصر، وآطام المدينة: حصونها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 707)
وقوله: فرفصه، إنما هو فرصَّه، هكذا حدثونا به من غير وجه، يريد أنه قد ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض، ومن [من] رص البناء، كقوله عز وجل: {كأنهم بنيان مرصوص}.
والدخ: الدخان، قال الراجز:
وسال غربُ عينه قلَخَّا .... عند رواق البيت يغشى الدخَّا
وقد زعم بعضهم أنه أراد أن يقول: الدخان، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستطع أن يخرج الكلمة تامة.
وقوله: يختل، معناه يطلب أن يأتيه من حيث لا يعلم، فيسمع ما يقوله في خلوته، ومنه ختل الصيد، وهو أن يؤتى من حيث لا يشعر فيصاد، وقد استدل به بعض أهل العلم في أن شهادة المختبئ شهادة (جائزة) وأن السمع شهادة.
والرمرمة: تحريك الشتفين، والمرمة: الشفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 708)
وأما الزمزمة -بالزاي- فهو من داخل الفم إلى ناحية الحلق، والرمز أيضا رمز الشفتين.
فأما الزمر فمن داخل الفم أيضا كالصفير ونحوه.
وقوله: (لو تركته لبين) أي بين ما في نفسه.
وقوله: (اخسأ فلن تعدو قدرك) يحتمل وجهين:
أحدهما: يريد أنه لا يبلغ قدره أن يطالع الغيب من قبل الوحي الذي يوحى به إلى الأنبياء، ولا من قبل الإلهام الذي يلقى في رُوع الأولياء، وإنما كان الذي جرى على لسانه من ذلك شيئا ألقاه الشيطان إليه حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يراجع به أصحابه قبل دخوله النخل.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: لن تعدو قدرك، أي لن تسبق قدر الله فيك وفي أمرك.
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن إسلام غير البالغ قد يصح، ولولا ذلك لم يكشفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وهو إذ ذاك غيرُ بالغ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 709)
وقد يُسأل عن أمره فيقال: كيف يجوز أن يقاره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعي النبوة، ويتركه بالمدينة يساكنه فيها ويجاوره بها، ولم لم يترك عمر أن يفعل ما هم به من ضرب عنقه وهو منكر لنبوته ومدعيها لنفسه؟
والجواب: أنه قد يحتمل ذلك وجهين من التأويل:
أحدهما: أنه حين تكلم بهذا القول كان غير بالغ، ولا حكم لقول غير البالغ، ولو ارتد من أولاد المسلمين طفل لم يقتل حتى يبلغ فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل بعد بلوغه.
والوجه الآخر: أن هذه الصفة إنما جرت له معه أيام مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه كتب بعد مقدمه المدينة بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على أن لا يُهاجَوا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن الصياد من جملتهم، فلم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فيما كان من قوله ذلك.
وقد اختلف الناس في أمره اختلافا شديدا، هل هو الدجال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 710)
أم لا؟ واضطربت فيه الروايات والآراء من العلماء، وقد جمعتُها في مسألة مفردة وذكرت فيها تلك الأخبار بأسانيدها، وقد رُوي عن أبي ذر أنه قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمه فسألتها فقالت: حملته اثني عشر شهرا، فلما وقع صاح صياح الصبي ابن شهرين، وكان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي بشهر، وكان أبو ذر وابن عمر وجابر بن عبد الله يقولون: هو الدجال، وقال آخرون: ليس هو به، وروي أنه قد تاب عن ذلك القول وراجع الإسلام بعد بلوغه، وأنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس فقيل لهم: اشهدوا.
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: شتمت ابن صياد فقال لي: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 711)
الدجال مكة، وقد حججت معك. وقال: لا يولد له وقد ولد لي. واستدل بعضهم على أنه ليس بالدجال بأن تميما الداري حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصة الدجال والجساسة بالمدينة، وابن الصياد إذ ذاك مقيم بين ظهرانيهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 712)
[79] (باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟)
292/ 1359 - قال أبو عبد الله: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري وقال [قال]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعا؟ ثم يقول: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}).
أصل الفطرة في اللغة: ابتداء الخلقة، ومنه قول الله عز وجل: {الحمد لله فاطر السموات والأرض} أي مبتدئهما.
ومن ذلك قولهم: فطر ناب البعير إذا طلع أول ما ينبت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 713)
ويروى عن ابن عباس أنه قال: لم أعلم ما فاطر السموات حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، (أي) استحدثت حفرها، هذا أصل الفطرة في اللغة، وقد ذهب قوم في معنى الفطرة المذكورة في الحديث إلى أن المراد به الدين، واستدلوا على ذلك ببيان ما استشهد له من الآية حين تلاها عقيب الحديث وهو قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} مع ما تقدمه من قوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا} قالوا: فقد اعتورها البيان من أول الآية وآخرها، فدل أن المراد بها الدين، واستشهدوا على ذلك أيضا بقوله: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء.
والجمعاء هي السليمة التي لا عيب فيها ولا نقص، سميت بذلك لاجتماع السلامة لها في أعضائها، لا جدع بها ولا خرم، حتى يحدثهما فيها أربابها، ضرب البهيمة السليمة الخلقة أول ما تنتج مثلا للمولود في سلامة فطرته من الشرك والإلحاد أول ما يولد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 714)
حتى يكون ما يكون من ذلك بعد.
قلت: وهذا هو حق الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، لولا أن أحاديث أخر عارضته، منها حديث أبي بن كعب، وهو حديث صحيح الإسناد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} وكان طُبع يوم طبع كافرا.
وحديث عائشة حين أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار يصلي عليه فقالت: طوبى لهذا، لم يعمل سوءا ولم يدر به، فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم.
وحديثها الآخر: قالت يا رسول الله، ذراري المؤمنين. فقال: من آبائهم. قلت: يا رسول الله، بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 715)
قال: من آبائهم. قلت: بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
فاحتيج من أجل ذلك في حديث أبي هريرة إلى التأويل والتخريج لتتفق الأحاديث كلها ولا تتضاد وتختلف، فكان المعنى الذي تضمنه الخبر: أن كل مولود من البشر إنما يولد في أول مبدأ الخلق وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقَبول الدين، فلو ترك عليها وخلي وسَوْمَها لاستمر على لزومها ولم ينتقل عنها إلى غيرها، وذلك أن هذا الدين باد حسنه في العقول، ويسره في النفوس، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره ويؤثره عليه لآفة من آفات النشؤ [النشوء] والتقليد، ولو سلم المولود من تلك الآفات لم يعتقد غيره ولم يختر عليه ما سواه، ثم تمثل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم، فيزولون بذلك عن الفطرة السليمة وعن المحجة المستقيمة.
وحاصل المعنى من هذا الحديث: إنما هو الثناء على هذا الدين، والإخبار عن محله من العقول وحسن موقعه من النفوس،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 716)