وقال القَسْطَلّانِيّ في «الإرشاد»: وقد اطلع على أصل اليُونِينِيّ (1) وهذا الحديث ساقط في رِواية غير الأربعة. اهـ.
والمزي في «تحفة الأشراف» ذكر هذا الحديث (2) وعزاه للبخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن ابن الهاد به.
قلت: وجميع الشراح للصحيح أثبتوا هذا الحديث في شروحهم، مع حكاية اختلاف النسخ فيه، وقال ابن بطال (3) قال بعد ذكره حديث ابن عمر: وفيه أبو سعيد مثله، وكذا قال ابن الملقن في «التوضيح» (4) ثم قال: وأما حديث أبي سعيد فهو ساقط في بعض النسخ، وهو ثابت في «الأطراف» لأبي مسعود وخلف دون الطرقي وهو من أفراد البُخارِيّ وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمرو ذكره الإسماعيلي أول الباب قبله. ا. هـ.
وذكر هذا الحديث أيضا في هذا الموضع ابن رجب الحنبلي في شرحه «فتح الباري» (5) أما الكرماني فقد شرح الحديث دون التعرض للاختلاف في إثباته كأنه لم يقع له خلاف فيه، ومما تجب الإشارة إليه هنا أن الناشر وقد وضع متن «الصحيح» من عنده أهمل ذكر هذا الحديث اعتمادًا على ما جاء في أصل «السلطانية» بينما شرحه المصنف، وهو من الهفوات التي تقع لمن يتصدر لطباعة شروح «الصحيح» دون وضع اختلاف النسخ في الاعتبار، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) 1/ 362 (منحة).
(2) 3/ 372 - 373 (4096).
(3) 2/ 272.
(4) 6/ 423.
(5) 6/ 13.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 636)
أما الحافظ ابن حجر فقد شرح هذا الحديث وجعله بعد حديث ابن عمر ثم قال بعده: تنبيه: سقط حديث أبي سعيد من هذا الباب في رِواية كريمة وثبت للباقين، وأورده الإسماعيلي قبل حديث ابن عمر (1).
وكذا فعل العيني في «عمدة القاري» (2) وقال مثل قول ابن الملقن السابق. وكذا شرحه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «منحة الباري» (3)، والسيوطي في «التوشيح» (4) وسبق ذكر ما قاله القَسْطَلّانِيّ.
وخلاصة القول في ذلك: أن هذا الحديث ثابت في «الصحيح» كما هي رِواية الجمهور وما حدث من حذفه في بعض طبعات «الصحيح» إنما هو من وضع هذا الحديث في الحاشية كما في «السلطانية»، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) تصحفت في المطبوع من «الفتح»: أبي عمر، وهو خطأ.
(2) 4/ 336 - 337.
(3) 2/ 362.
(4) 2/ 679.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 637)
الفصل الرابع:
وسائل توجيه الاختلافات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 639)
وسائل توجيه الاختلافات
مما لا شك فيه أن هناك بعض العوامل تساعد في الترجيح بين الروايات المختلفة. فاختلاف الروايات في صورة من صور الاختلاف التي سبق ذكرها سواء أكان ذلك في سياق الصحيح أو الأحاديث أو ما كان خاصًا بالرواة أو المتون، لا يعني بالضرورة التعارض، ودفع أحد الوجهين للآخر.
فمسائل تفاوت الروايات والتفضيل بينها من أصعب المسالك التي يسلكها الناقد أو المجتهد.
وهي مجال لا يحيط به إلا من رزقه الله تعالى الحفظ والإتقان، والوقوف على كثير من الروايات حتى ينقدح في ذهن الناقد الترجيح بين الروايات المختلفة إن تعذر الجمع بينها.
فبالنسبة للرواة عن «الصحيح» يمكن إعمال بعض القواعد التي اصطلح عليها الناقد في عصر الرواية على الرواة بالإضافة إلى اعتبارات أخرى اقتضتها الظروف الزمانية وبعد الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم (1).
فينبغي الوقوف على عدة أمور:
1 - الحكم بتفاوت الروايات وتفضيل بعضها على بعض أمر اجتهادي.
فيحكم كل إمام من الأئمة في ترجيح رواية على أخرى بمقتضى علمه، وعلم النقاد والأئمة يتفاوت كمًا وكيفًا.
2 - أن الترجيح بين الروايات يشتمل على أمرين:
الأول: تفضيل رواية كاملة على رواية أخرى، أو نسخة كاملة على نسخة أخرى.--------------------------------------------
(1) ينظر: «الكفاية» ص: 806 وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 640)
الثاني: التفضيل في الاختلافات في كل موضع.
والمجال التطبيقي في بحثي هذا يدور على الأمر الأول.
أما الأمر الثاني فيحتاج إلى تتبع وحصر وليس هذا مجاله، وإنما اكتفيت بذكر أمثلة تطبيقية للدلالة على المراد فقط.
3 - أنه لا يلجأ المجتهد إلى الترجيح بين الروايات إلا بعد تعذر الجمع بين الروايتين أو الأكثر، فكثير من الاختلافات تكون أوجه مختلفة لحقيقة واحدة، كأن يكون الخلاف في ذكر اسم راوٍ، فيذكر في بعض الروايات بما يدل عليه، وفي الأخرى باسمه وكنيته، وفي بعضها الآخر بالاسم والكنية واللقب، وهكذا (1).
وبعض الاختلافات الواقعة في الأسانيد والطرق تكون محفوظة عمن رويت عنه بأكثر من وجه فيكون الجمع بين الروايات أولى من الترجيح بينها.
4 - أن نتيجة الترجيح لا تكون بالضرورة رد المرجوح كما إذا لم يكن ثم مخالفة، بل قد يكون الترجيح للاختيار والتفضيل.
لكن إذا كانت نتيجة الترجيح الحكم برد المرجوح لمخالفته للراجح، فهنا يجب العمل بالراجح دون المرجوح، وهذا في مجال المفاضلة بين الاختلافات الجزئية.
5 - أن كثيرًا من وجوه الترجيح بين الروايات التي يذكرها الأصوليون أو المحدثون للترجيح بين الرواة لا تصلح عند التطبيق العملي؛ وذلك لاختلاف الزمان وكيفية الرواية واختلاف المنهجين.--------------------------------------------
(1) مثاله ما جاء في بعض الروايات (حدثنا أبو اليمان) وفي بعضها: (حدثنا الحكم بن نافع) وهما واحد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 641)
كما أن هناك بعض وجوه الترجيح التي تختص بالترجيح بين الروايات أو النُسخ، وهذه الوجوه هي التي تتعلق بالنُسخ وضبطها وكتابتها، وغير ذلك كما أن هناك بعض وجوه الترجيح عند الأصوليين لا تصلح للترجيح بين النسخ والروايات (1).
6 - قد يجتمع في الرواية عدة مرجحات، وقد يكون بعضها أقوى في الدلالة على الترجيح من بعض، وهي ليست مرتبة بحيث لا يلجأ للمرجح الثاني إلا بعد فقد الأول منهما.
7 - هناك وسائل مساعدة ترجع إلى ما قبل البخاري، وذلك باعتبار المتابعات التي تأتي عن شيوخ البخاري أو شيوخ شيوخه أو غير ذلك.
فأبو علي الجياني مثلًا كثيرًا ما يستدل على ترجيح بعض الروايات باعتبار الرواة عن مالك مثلًا. أو غير ذلك.
8 - الترجيح بين الاختلافات الواقعة بين الروايات ينبغي أن يكون موضعًا موضعًا، ولا يكون ذلك بترجيح رواية مطلقة ولا رد رواية مطلقة.
وإنما يكون ذلك بعدة مرجحات، فتقديم العلماء لرواية معينة لا يعني ترجيح ما فيها مطلقًا، وإنما يجب اعتبار عدد من المرجحات.
9 - أن الاختلاف بين الرواة قد يقع في طبقة الرواة عن البخاري وقد يقع الاختلاف بينهم فيما بعد ذلك من طبقات، كما وقع الخلاف بين الرواة عن الفربري من قبل أبي زيد والكشميهني عنه … الخ، وكما وقع الخلاف بين الرواة على أبي زيد من قبل الرواة عنه مثل: الأصيلي والقابسي وعبدوس، وكما وقع الخلاف بين أبي ذر الهروي وكريمة في--------------------------------------------
(1) انظر «المحصول الرازي» 5/ 414 وما بعدها، و «البحر المحيط» للزركشي 6/ 149 وما بعدها، و «التقييد والإيضاح» للعراقي ص: 271 - 274.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 642)
روايتهما عن الكشميهني، وكما وقع الخلاف بين الرواة عن الحمويي من قِبَلْ أبي ذر الهروي والداودي.
مراعاة صحة بعض الروايات، وشهرتها بين العلماء:
مما لا شك فيه أن تلقي العلماء لبعض الروايات بالقبول وإقبالهم على روايتها، دليل على صحة ما فيها، فيجب مراعاة الأقرب إسنادًا للبخاري، فعلو الإسناد يتضح من خلال تقارب الرواة في طبقة واحدة وغير ذلك.
فمثلًا وجود بعض الروايات الصحيحة، مثل رواية أبي ذر الهروي، ورواية الأصيلي، ورواية أبي الوقت، ورواية كريمة المروزية.
فكلما كانت النسخ المتداولة بين أيدينا ترجع إلى هذه الروايات، كانت أولى بالترجيح.
مراعاة الأقرب من طبقات الرواة للبخاري:
لا شك أن عوامل الزمن تسبب كثيرًا من الاختلافات، فكلما كان العهد قريبًا بالبخاري كان ذلك أقرب إلى الصحة:
فمن الأمور التي ميزت رِواية الفَرَبْريّ على غيرها: علو إسناده لبقائه مدة طويلة بعد البُخارِيّ.
فقد بقي بعد وفاة البُخارِيّ أربعة وستين عامًا، كان فيها مقصد العلماء والطلاب ممن يريدون سماع «الصحيح» عاليًا.
ولا شك أن طلب الإسناد العالي من آداب المحدثين.
والمتفق عليه بين الرواة عن أبي زيد المروزي (371) هـ أولى من المتفق عليه بين الرواة عن أبي ذر الهروي (434) هـ لأن الأول أقدم طبقة من الثاني وهكذا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 643)
وأقدم ما وقفت عليه من الروايات هي القطعة الموجودة في مجموعة المستشرق منجانا، وهي قطعة من «الصحيح» برواية أبي زيد المروزي (371) هـ وكتبت في حياة أبي زيد وتقع في سبعة وخمسين لوحة وقد ذكرت وصفًا لها في مبحث رواية أبي زيد المروزي.
ومن أقدم ما عُثر عليه أيضًا نسخة بخط أبي علي الصدفي (514) هـ عن شيخه أبي الوليد الباجي (474) هـ عن أبي ذر الهروي (434) هـ وقد أفردتها بمبحث مستقل.
ويليها نسخة ابن سعادة أبي عمران الأندلسي (422) هـ وهي مأخوذة من النسخة السابقة حيث كان صهرًا لأبي علي الصدفي وتلميذًا له، وكتبها نجله، ونشرها المستشرق ليفي بروفنسال بالتصوير الشمسي وأفردتها بمبحث مستقل أيضًا.
بعض الوسائل التي تساعد في الوصول إلى توجيه الاختلافات:
1 - النسخ من «الصحيح» التي قارنت بين هذه الروايات:
فالرجوع إلى هذه النسخ يحكي لنا الخلاف بين هذه الروايات، مما يجعلنا نستطيع مراعاة المتفق عليه بين الرواة والمختلف فيه، والكثرة العددية من أقوى المرجحات بين الرواة التي ذكرها العلماء.
مثل نسخة أبي ذر الهروي التي قارن فيها بين روايات شيوخه الثلاثة:
ونسخة شرف الدين اليونيني (701) هـ التي قارن فيها بين عدة أصول لروايات مختلفة.
2 - الرجوع للكتب المتعلقة بـ «الصحيح»:
وخاصة التي عرف عن أصحابها مراعاة الروايات المختلفة لـ «الصحيح»، وهذه الكتب أنواع، أذكرها إجمالًا:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 644)
أ - شروح «الصحيح»: لاشك أن شروح «الصحيح» تناولت جانبًا مهمًا من الروايات، بل هي الميدان التطبيقي الحقيقي لبيان الروايات في الألفاظ المختلفة، وتوجيهها، ومن أشمل الشروح في هذا الميدان:
شرح ابن حجر العسقلاني (852) هـ.
وشرح شهاب الدين القسطلاني (923) هـ ولذا تناولتهما بالتفصيل في الباب الثالث.
ب - الكتب التي اهتمت بتقييد هذه الاختلافات وتوجيهها:
ومن أهمها وأقدمها:
كتاب أبي علي الجياني (498) هـ: «تقييد المهمل وتمييز المشكل».
وكتاب القاضي عياض (544) هـ «مشارق الأنوار على صحاح الآثار».
وكتاب ابن قرقول (569) هـ: «مطالع الأنوار على صحاح الآثار».
وقد عرفت بهذه الكتب وقيمتها في ضبط الروايات وتمييزها في الباب الثالث.
ج - كتب الأطراف:
وهي الكتب التي رتبت أحاديث بعض الكتب المسندة ورُتِبت فيها على المسانيد، فهذه الكتب اعتمد أصحابها على نسخ وروايات معينة من «الصحيح»، وبعضهم يذكر أكثر من رواية.
فالمزي مثلًا في «تحفة الأشراف» يذكر المتفق عليه بين الروايات في مظانه، وينبه على ما انفردت به بعض الروايات، بل إنه أحيانًا يكرر الحديث في أكثر من موضع على مقتضى كل رواية، إذا كان الخلاف في الراوي الأعلى، وبمراجعة بعض الأمثلة السابقة يتبين بوضوح اعتماد الشراح
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 645)
للأحاديث في الترجيح بين الروايات على ما يذكره أصحاب الأطراف.
د - الكتب المتعلقة بتمييز رجال الصحيح:
وهذه الكتب كثيرة وهي أنواع:
فمنها كتب الكنى والأسماء ومن أهم المصنفات المطبوعة في ذلك:
- كتاب «الكنى» للإمام النسائي (303) هـ.
- كتاب «الأسماء والكنى» لأبي بشر الدولابي (310) هـ.
- كتاب «الكنى» لأبي أحمد الحاكم محمد بن محمد النيسابوري (378) هـ.
- «الاستغناء في معرفة الكنى» لابن عبد البر القرطبي (463) هـ
- «المقتنى في سرد الكنى» للذهبي (748) هـ.
ومنها كتب المؤتلف والمختلف: وهو ما اتفق في الخط واختلف في اللفظ. أو هو ما تتفق في الخط صورته ويختلف في اللفظ صيغته.
وقد ألَّف في هذا النوع عدد من الأئمة، أقدمهم أبو أحمد العسكري ضمن كتابه «تصحيفات المحدثين».
«المؤتلف والمختلف» للدارقطني (385) هـ.
وألف تلميذه عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري كتابين هما: «مشتبه الأسماء» و «مشتبه النسبة».
وتتابع التأليف فيه حتى ألف فيه الأمير أبو نصر بن ماكولا (475) هـ كتابه الحافل «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب» وعده ابن الصلاح أكمل وأحسن ما صنف في هذا الباب على إعواز فيه.
وجمع الإمام الذهبي (748) هـ في ذلك مختصرًا سماه «المشتبه في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 646)
أسماء الرجال» فقام الحافظ ابن حجر (ت852) هـ بتوضيحه في كتاب سماه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه».
ومنها المصنفات الخاصة بتمييز رواة الصحيح مثل:
- «أسامي من روى عنهم البخاري» تصنيف ابن عدي الجرجاني المتوفى سنة (360) هـ.
- «ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري» للدارقطني (385) هـ.
- «أسماء رجال صحيح البخاري» ويسمى أيضًا «الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد الذين أخرجهم البخاري في جامعه» لأبي نصر الكلاباذي (398) هـ.
- «التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح» لأبي الوليد الباجي (474) هـ.
- «رجال البخاري ومسلم» للدارقطني (385) هـ.
- «الجمع بين رجال الصحيحين» لمحمد بن طاهر بن علي، ابن القيسراني (507) هـ.
- «تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في مصنفاتهم عن الصحابة والتابعين إلى شيوخهم» للحافظ البرقاني (425) هـ.
- «المعجم المشتمل على ذكر شيوخ الأئمة النبل» لأبي القاسم بن عساكر (571) هـ اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الكتب الستة دون الرواة الآخرين (1).
وهذه الكتب أهميتها تظهر في تعيين رجال البخاري المختلف فيهم--------------------------------------------
(1) يراجع كتاب: «رواة الحديث وطبقاتهم» للدكتور مصطفى أبو عمارة ص: 330 وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 647)
بين الرواة.
وكثيرًا ما يرجع إليها أبو علي الجياني في «تقييد المهمل»، وابن حجر في «فتح الباري» للترجيح بين الروايات.
وهذا الأمر له أهمية كبيرة وخاصة في الرجال الذين جاء ذكرهم في «الصحيح» في موضع أو موضعين واختلف في هذه المواضع في هؤلاء الرجال.
وقد سبق ذكر أمثلة لبعض الاختلافات في رجال «الصحيح»، ولم يذكروا إلا مرة واحدة، مما يترتب على هذا الاختلاف جعل هذا الراوي من رجال «الصحيح»، أو لا وذلك لأن علماء الجرح والتعديل جعلوا إخراج البخاري لراوٍ في «الصحيح» حكمًا بتعديله.
ومما يلتحق بذلك الكتب المؤلفة في بيان أحوال الرجال مثل كتب التواريخ والتراجم والطبقات.
هـ - الكتب المؤلفة في العلل:
وهي كثيرة منها:
- «العلل» لعلي بن المديني (234) هـ.
- «العلل» للإمام أحمد بن حنبل (241) هـ.
- «العلل الكبير» و «العلل الصغير» كلاهما للترمذي (279) هـ.
- «العلل» لابن أبي حاتم (327) هـ.
- «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطني (385) هـ.
وهذه الكتب تظهر أهميتها في الترجيح بين الروايات المختلفة إذا كان الاختلاف ترتب عليه علة من العلل التي تقدح في صحة الحديث.
وقد سبق ذكر بعض الأمثلة أدى الاختلاف فيها إلى إيهام وجود علة من العلل وقد أزالتها كتب العلل مثل: كتاب «العلل» للدارقطني، و «علل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 648)
ابن أبي حاتم»، و «علل الإمام أحمد» و «علل الترمذي».
و- الكتب المؤلفة في المستخرجات:
وهذه الكتب تظهر أهميتها في تمييز بعض الرواة المهملين، أو العلل الواردة في السند أو بعض الألفاظ المختلف فيها من المتن.
ولذا نجد أن أبا علي الجياني كثيرًا ما يرجح بين الروايات باستخراجه على بعض الأحاديث، حيث يسوق الإسناد منه إلى الراوي المختلف فيه، ويلتقي مع البخاري في شيخه أو شيخ شيخه.
كما أكثر من ذلك ابن حجر في «فتح الباري» من الترجيح بين الروايات باعتماده على المستخرجات، وخاصة في الاختلافات الواقعة في الأسانيد.
ومما يلتحق بهذا النوع كتاب ابن حجر «تغليق التعليق» الذي وصل فيه كل المعلقات التي جاءت في الصحيح، وذلك له أهمية كبيرة في بعض الاختلافات التي تتعلق بتعليق بعض الأحاديث أو وصلها كما سبق ذكر ذلك في الأمثلة.
ز - كتب السنة المسندة:
وذلك في تخريج الحديث للوقوف على العلل الواردة في الأسانيد.
مثل «صحيح مسلم» والسنن الأربعة ومصنفات بعض شيوخ البخاري أو شيوخ شيوخه: مثل كتب: «الموطأ» للإمام مالك (179) هـ
وكتاب: «مسند إسحاق بن راهويه» (238) هـ.
وكتاب «المصنف» و «المسند» لابن أبي شيبة (235) هـ
وكتاب «المصنف» لعبد الرزاق (211) هـ. وغير ذلك.
فاعتبار روايات هؤلاء الموجودة في كتبهم وذلك في الأحاديث التي رواها البخاري من طريقهم، أمر له أهمية كبيرة، وممن أكثر من ذلك أبو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 649)
علي الجياني وشراح «الصحيح» مثل ابن الملقن وابن حجر وغيرهما.
ومما يلتحق بذلك الكتب المسندة ويكون الإسناد فيها من طريق البخاري.
مثل كتاب: «البحر الزخار» للبزار (292) هـ.
حيث ساق بعض الأحاديث عن شيخه البخاري وهذه الأحاديث في الصحيح.
وكذلك الإمام البيهقي في كتبه ساق مجموعة من الأحاديث عن أبي عبد الله الحاكم بسنده إلى البخاري وهذه الأحاديث في الصحيح وقد سبق ذكرها.
وللإمام أبي القاسم البغوي في كتابه «شرح السنة» كثير من الأحاديث التي تزيد على السبعمائة رواها بإسناده إلى البخاري وهي في الصحيح وقد سبق توضيح ذلك.
وغير هذه الكتب كثير.
فهذه الكتب يمكن الرجوع إليها واعتبار هذه الأحاديث التي جاءت بمثابة روايات لبعض النصوص من الصحيح، ويمكن الاستعانة بها في مقارنة الروايات والترجيح بها.
ي - الكتب التي اهتمت بضبط غريب الحديث:
مثل كتاب «غريب الحديث» للخطابي، «مشارق الأنوار» أيضًا، و «مطالع الأنوار» وكتاب ابن مالك الذي ألفه في توجيه روايات الصحيح في بعض الكلمات من حيث العربية.
فالخطابي (388) قد ذكر في كتابيه: «غريب الحديث» و «أعلام الحديث» الاختلافات اللغوية التي جاءت في الصحيح، وراعى في ذلك حكاية كل الروايات الواردة في الكلمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 650)
خاتمة الباب الثاني
1 - يتبين أن هناك أسبابًا كثيرة لوجود الاختلاف بين الروايات، وهذه الأسباب منها ما يعود إلى منهج البخاري نفسه كبقاء بعض الأبواب والأحاديث مبيضة، ومنها ما يرجع إلى كثرة الرواة عن البخاري، ومنها ما يتعلق بالعوامل البشرية التي تعتري أي إنسان.
2 - هناك نتائج عن هذه الاختلافات، وهذه النتائج تزيل كثيرًا من الإشكالات التي تنتج عن عدم مراعاة هذه الاختلافات، ويعد أبو علي الجياني وابن حجر العسقلاني ممن لهم عناية بإزالة كثير من الإشكالات الناتجة عن الاختلافات.
3 - هناك عوامل تساعد في التوفيق بين هذه الاختلافات، ويعد من أهم هذه العوامل اعتبار أصح النسخ والروايات وهي رواية أبي ذر الهروي.
4 - يتبين بوضوح أن صور هذه الاختلافات متعددة فمنها ما يرجع إلى السياق العام لـ «الصحيح» من حيث الترتيب بين الأحاديث والكتب والأبواب.
ومنها ما يكون في بعض الأسانيد، ومنها ما يكون في بعض المتون، ومنها ما يكون نتيجة لبعض الزيادات من قبل بعض الرواة.
وبناء على ما سبق: فإن ما نجده من فروق بين نسخ «صحيح البخاري» التي بين أيدينا المخطوطة أو المطبوعة لا يعد قادحًا في سلامة عموم الكتاب ونصوصه ولا يعارض ما سبق تقريره من تواتر الصحيح عن البخاري، حيث تتابعت عناية البخاري نفسه بالصحيح وكتابته، وإسماعه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 651)
للآلاف من السامعين والرواة، ثم تلته عناية رواة «الصحيح» عنه، فمن بعدهم، وكذلك ناسخوه عن أصله وما تفرع عنه من متقدمين ومتأخرين، ثم عناية الشراح بضبط تلك الفروق، والتوفيق بين ما يمكن الجمع بينه بوجه معتبر، أو ترجيح ما يظهر رجحانه ببعض الوجوه المعتبرة في الترجيح التي سبق ذكرها. والله أعلم.
ولذا جعلت الباب الثالث في عناية العلماء في ضبط هذه الاختلافات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 652)
الباب الثالث
«عناية الأمة بضبط الاختلافات»
وفيه ثلاثة فصول
الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح:
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ.
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية».
الفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح:
ويتكون من ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات عندهم.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي.
المبحث الثالث: نسخة ابن سعادة.
الفَصْل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات:
أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)
الفَصْل الأول:
عناية المشارقة بالصحيح
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ.
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)
التمهيد
جاء عصر اليُونِينِيّ وقد كثرت روايات «الصحيح» في كل مكان وكثر التحديث بروايات مختلفة بسبب كثرة الرُّواة والبعد الزماني عن البُخارِيّ، فجاء اليُونِينِيّ - رحمه الله تعالى - وعزم على ضبط «صحيح البُخارِيّ» بحيث يجمع في نسخة واحدة أشهر الروايات وأضبطها وأتقنها.
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ
اسمه ونسبه (1):
هو الفقيه المحدث الزاهد، الإمام شيخ العلماء في زمانه، شرف الدين--------------------------------------------
(1) مصادر ترجمة اليُونِينِيّ:
ترجمة شرف الدين اليُونِينِيّ في كتب كثيرة، فقد ترجم له تلميذه الذَّهبي في معظم كتبه، فترجم له في «تاريخ الإسلام» وفيات سنة 701 هـ (53/ 18 - 19)، وفي «المعجم المختص» ص: 168، 169 (207)، و «معجم الشيوخ» 376، 377 (543)، و «تذكرة الحفاظ» 4/ 1500، و «المقتنى في سرد الكنى» 1/ 188 (1608).
كما ترجم له الصفدي في «الوافي بالوفيات» 21/ 421 (295)، واليافعي في «مرآة الجنان» 4/ 235، وابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» 4/ 329 (491)، وتقي الدين الفاسي في «ذيل التقييد» 3/ 210 (1452)، وابن حجر في «الدرر الكامنة» 3/ 98 (223)، وابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» 8/ 198، وابن مفلح في «المقصد الأرشد» 2/ 259 ترجمة (759)، والعليمي في «الدر المنضد» 2/ 450 (1191)، وابن العماد في «شذرات الذهب» 6/ 3، والزبيدي في «تاج العروس» 18/ 602، وغيرها.
وقد ترجم له الدكتور عمر عبد السلام تدمري ترجمة وافية استفدت منها كثيرًا في مقدمة تحقيقه «مشيخة اليُونِينِيّ شرف الدين» تخريج محمد بن أبي الفضل البعلبكي، والتي طبعتها المكتبة العصرية ببيروت مع ملحق من «عوالي شرف الدين» أيضا برِوَاية مؤرخ الإسلام الحافظ الذَّهبي، وذلك في سنة 1423 هـ الموافق 2002 م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)
أبو الحسين، علي بن محمد بن أحمد ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، اليُونِينِيّ (1)
ولادته: ولد رضي الله عنه ببعلبك (2) في الحادي عشر من شهر رجب من سنة إحدى وعشرين وستمائة، وقد نشأ في بيت علم، وأسرة لها شأن عظيم في العلم والديانة وحفظ الحديث.
أسرته: أما والده فهو الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد تقي الدين اليُونِينِيّ المحدث الحافظ الزاهد، أحد الأعلام، كان حنبلي المذهب، ولد في شهر رجب سنة (572) هـ بيونين القريبة من بعلبك، وكان ملازمًا لأسد الشام عبد الله اليُونِينِيّ، وحفظ كثيرًا من كتب الحديث منها: «الجمع بين الصحيحين» و «صحيح مسلم» وأكثر «مسند أحمد» وكان إماما في الفقه.
توفي في 19 من رمضان المبارك سنة (658) هـ (3).--------------------------------------------
(1) نسبة إلى قرية من قرى بعلبك اسمها يونين - بضم الياء وكسر النون الأولى - وسماها ياقوت في «معجم البلدان» 5/ 453، والفيروزآبادي في «القاموس»: يونان بضم الياء وفتح النون الأولى، وقال الزبيدي في «تاج العروس» ويقال فيها: يونين أيضًا وهو المعروف.
وفي هذه القرية نشأة أسرة اليُونِينِيّ، قَال الزبيدي: وهم أهل بيت علم وحديث.
ومن ينسب إلى يونين:
- محمد بن عبد القادر بن على بن محمد … حفيد الشيخ ت777 هـ يكنى أبا الحسن.
- محمد بن على بن أحمد … المعروف بابن اليونانية ت793 هـ.
(2) بعلبك بفتح الباء وسكون العين وفتح اللام والباء الموحدة والكاف مشددة، مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وأثار عظيمة وقصور لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، أو اثنا عشر فرسخًا من جهة الساحل «معجم البلدان 1/ 453».
(3) ينظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» للذهبي 48/ 356 - 361 رقم 456، و «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب 2/ 269 - 273، و «مرآة الجنان» لليافعي 4/ 150، و «الوافي بالوفيات» للصفدي 2/ 121، و «الدرر الكامنة» لابن حجر 2/ 195، 278، 302، و «النجوم الزاهرة» 7/ 92، وغيرها مما لا مجال لحصره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 656)