الاستعارات (1).
ومن مواضع التضبيب: أن يقع في الإسناد إرسال أو انقطاع، فمن عادتهم تضبيب موضع الإرسال والانقطاع، وذلك من قبيل ما سبق ذكره من التضبيب على الكلام الناقص.
ويوجد في بعض أصول الحديث القديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعةٌ معطوفةٌ أسماؤهم بعضها على بعض علامةٌ تشبه الضبة فيما بين أسمائهم، فيتوهم من لا خبرة له أنها ضبة وليست بضبة، وكأنها علامة وصل فيما بينها أثبتت تأكيدًا للعطف خوفًا من أن تجعل (عن) مكان (الواو) والعلم عند الله تعالى (2).
ثم إن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب، والفطنة من خير ما أوتيه الإنسان، والله أعلم.
الثالث عشر: إذا وقع في الكتاب ما ليس منه فإنه ينفى عنه بالضرب أو الحك أو المحو أو غير ذلك، والضرب خير من الحك والمحو.
روينا عن القاضي أبي محمد بن خلاد رحمه الله قال: قال أصحابنا:--------------------------------------------
(1) ويمكن أن يكون ذلك تشبيهًا بضبة الباب التي كان يغلق بها قديمًا.
(2) هذا ما يعرف في المصطلحات الحديثة بعلامات الفصل بين الأسماء، مما يدل على سبق المسلمين غيرهم في ابتكار هذه العلامات والرموز الدقيقة التي اصطلحوا عليها لتأكيد الصحيح، أو للإشارة إلى الشك في صحة الكلمة، أو بيان السقط، أو لغير ذلك.
وللأستاذ العلامة أحمد زكي باشا مؤلَّف صغير اسمه: «الترقيم وعلاماته في اللغة العربية» اعتمد فيه على ما وقف عليه من علامات الوقف والابتداء المؤلفة لخدمة القرآن الكريم، وما تنبه إليه من علامات عند المحدثين، أمثال هذه الإشارات التي أشار إليها ابن الصلاح، مما يؤكد سبق المسلمين في تصحيح الكتب وضبطها أنه كان من إبداع المحدثين لا من صنع المستشرقين، كما يروج البعض في زماننا. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الحك تهمة (1).
وأخبرني من أُخبِرَ عن القاضي عِياض قال: سمعت شيخنا أبا بَحْرٍ سفيان بن العاصي الأسدي يحكي عن بعض شيوخه أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا يُبَشرُ شيء، لأن ما يبشر منه ربما يصح في رِواية أخرى، وقد يُسمَعُ الكتاب مرة أخرى على شيخ آخر، يكون ما بشر وحك من رِواية هذا صحيحًا في رِواية الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشر وحُكّ وهو إذا خط عليه من رِواية الأول، وصح عند الآخر اكتفي بعلامة الآخر، عليه بصحته.
ثم إنهم اختلفوا في كيفية الضرب:
فروينا عن أبي محمد بن خلاد قال: أجود الضرب أن لا يطمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطًّا جيدًا بينًا، يدل على إبطاله، ويقرأ من تحته ما خُطَّ عليه (2).
وروينا عن القاضي عِياض ما معناه: أن اختيارات الضابطين اختلفت في الضرب، فأكثرهم على مد الخط على المضروب عليه مختلطًا بالكلمات المضروب عليها، ويسمى ذلك (الشق) أيضًا (3)، ومنهم من لا يخلطه ويثبته--------------------------------------------
(1) «المحدث الفاصل» ص: 606 فقرة 883، وأخرجه القاضي عياض في «الِإلمَاع» من طريقه ص: 150 باب في الضرب والحك والشق والمحو.
وهذا مما يدل على شدة الأمانة العلمية منهم حتى لا تتطرق إليهم التهمة، حتى ولو في كلمة دخيلة على النص.
(2) «المحدث الفاصل» ص: 606
(3) قَال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص: 201: (الشق) بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف، وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب في «الجامع» ولا في «الكفاية» وهو اصطلاح لأهل المغرب، وذكره القاضي عياض في «الِإلمَاع» ومنه أخذ المصنف، وكأنه مأخوذ من الشق، وهو الصدع، أو من شق العصا وهو التفريق، فكأنه فرق بين الكلمة الزائدة وبين ما قبلها وبعدها من الصحيح الثابت بالضرب عليها والله أعلم. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
فوقه، لكنه يعطف طرفي الخط على أول المضروب عليه وآخره (1).
ومنهم من يستقبح هذا ويراه تسويدًا وتطليسًا، بل يحوق على أول الكلام المضروب عليه بنصف دائرة وكذلك في آخره، وإذا كثر الكلام المضروب عليه فقد يفعل ذلك في أول كل سطر منه وآخره، وقد يكتفي بالتحويق على أول الكلام وآخره أجمع.
ومن الأشياخ من يستقبح الضرب والتحويق ويكتفي بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها، ويسميها صفرًا كما يسميها أهل الحساب (2).
وربما كتب بعضهم عليه (لا) في أوله و (إلى) في آخره. ومثل هذا يحسن فيما صح في رِواية وسقط في رِواية أخرى (3). والله أعلم.
وأما الضرب على الحرف المكرر، فقد تقدم بالكلام فيه القاضي أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله على تقدمه. فروينا عنه قال: قال بعض أصحابنا: أولاهما بأن يبطل الثاني؛ لأن الأول كتب على صواب، والثاني كتب على الخطأ، فالخطأ أولى بالإبطال.--------------------------------------------
(1) «الِإلمَاع» ص: 150
(2) رسم الصفر دائرة عند أهل الحساب هو معروف عند المغاربة، وذكره هنا المصنف نقلًا عن القاضي عياض وهو من المغاربة، فالمغاربة حتى اليوم ما زالوا يكتبون الأرقام كما تكتب باللغة الإفرنجية، بخلاف كتابة أهل المشرق فإنهم يكتبون الصفر نقطة.
(3) وهو ما نجده كثيرًا في نسخة اليونينى التي جمع فيها أكثر من رواية لـ «صحيح البُخَارِيّ» وأحيانًا يكتب كلمة (سقط) عند الكلمة الساقطة أو يقتصر على ذكر كلمة (لا) ثم يكتب فوقها أو بجابنها الرمز الدال على النسخة الساقط منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وقال آخرون: إنما الكتاب علامة لما يقرأ فأولى الحرفين بالإبقاء أدلهما عليه وأجودهما صورة (1).
وجاء القاضي عِياض آخرًا ففصل تفصيلًا حسنًا، فرأى أن تكرر الحرف إن كان في أول سطر، فليضرب على الثاني صيانة لأول السطر عن التسويد والتشويه. وإن كان في آخر سطر فليضرب على أولهما صيانة لآخر السطر، فإن سلامة أوائل السطور وأواخرها عن ذلك أولى. فإن اتفق أحدهما في آخر سطر والآخر في أول سطر آخر فليضرب على الذي في آخر السطر، فإن أول السطر أولى بالمراعاة، فإن كان التكرر في المضاف أو المضاف إليه أو في الصفة أو في الموصوف أو نحو ذلك، لم نراع حينئذ أول السطر وآخره بل نراعي الاتصال بين المضاف والمضاف إليه ونحوهما في الخط، فلا نفصل بالضرب بينهما ونضرب على الحرف المتطرف من المتكرر دون المتوسط (2).
وأما المحو: فيقابل الكشط في حكمه الذي تقدم ذكره وتتنوع طرقه، ومن أغربها - مع أنه أسلمها - ما روي عن سحنون بن سعيد التنوخي الإمام المالكي: أنه كان ربما كتب الشيء ثم لعقه.
وإلى هذا يومئ ما روينا عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه أنه كان يقول: من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مدادٌ (3) والله أعلم.
الرابع عشر: ليكن فيما تختلف فيه الروايات قائمًا بضبط ما تختلف فيه في كتابه، جيد التمييز بينها كيلا تختلط وتشتبه فيفسد عليه أمرها (4).--------------------------------------------
(1) «المحدث الفاصل» ص: 607 فقرة 885.
(2) «الِإلمَاع» ص: 151 - 152.
(3) ينظر كلا الأثرين في «الِإلمَاع» ص: 152.
(4) كذا العبارة في جميع النسخ لمقدمة ابن الصلاح وهي غير واضحة المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
وسبيله: أن يجعل أولًا متن كتابه على رِواية خاصة، ثم ما كانت من زيادة لرِواية أخرى ألحقها، أو من نقص أعلم عليه أو من خلاف كتبه إما في الحاشية وإما في غيرها، معينًا في كل ذلك من رواه ذاكرًا اسمه بتمامه، فإن رمز إليه بحرف أو أكثر فعليه ما قدمنا ذكره من أنه يبين المراد بذلك في أول كتابه أو آخره؛ كيلا يطول عهده به فينسى، أو يقع كتابه إلى غيره فيقع من رموزه في حيرة وعمًى.
وقد يدفع إلى الاقتصار على الرموز عند كثرة الروايات المختلفة، واكتفى بعضهم في التمييز بأن خص الرِّواية الملحقة بالحمرة، فعل ذلك أبو ذر الهَرَويّ من المشارقة، وأبو الحسن القابسي من المغاربة، مع كثير من المشايخ وأهل التقييد.
فإذا كان في الرِّواية الملحقة زيادة على التي في متن الكتاب كتبها بالحمرة، وإن كان فيها نقص والزيادة في الرِّواية التي في متن الكتاب حوق عليها بالحمرة، ثم على فاعل ذلك تبيين من له الرِّواية المعلمة بالحمرة في أول الكتاب أو آخره على ما سبق والله أعلم (1).--------------------------------------------
(1) قلت: وقد أبدع العلامة اليونيني في نسخته حيث راعى آداب المحدثين في ذلك، وما ذكره ابن الصلاح من منهج في كتابة الكتاب المتعدد الروايات، يصلح فعله اليوم في تحقيق الكتب من أكثر من نسخة لها، فتُنزّل النسخة المخطوطة من الكتاب بمقام الرواية منه عند القدامى.
وما حكاه ابن الصلاح عن أبي ذر الهروي والقابسي وكلاهما من رواة «الصحيح» سيأتي في رواية أبي ذر ورواية القابسي في الباب الأول من هذه الرسالة، وهذا يدل أيضًا على معرفة المسلمين بأصول التحقيق والمقارنة بين النسخ منذ زمن بعيد، والله أعلم.
ومن الأشياء التي لم يذكرها ابن الصلاح وهي معروفة عند المتقدمين من المحدثين:
1 - البدل: وهو أن يكون في النص كلمة أو عبارة كتبت بخط غير واضح وتشكل على القارئ، فيعمد إلى وضع إشارة عليها ثم يكتب في الهامش الكلمة أو العبارة الواضحة ثم تعقب بكلمة: بدل أو يكتب فوقها حرف الباء هكذا: (ب).
2 - ومنها: التقديم والتأخير:
وهو أن يسهو الناسخ فيكتب كلمة أو عبارة قبل أخرى، ولئلا يضطر إلى الضرب أو المحو أو الكشط يعمد إلى وضع إشارة تبين ما ينبغي تقديمه وما ينبغي تأخيره، فإذا كان التقديم والتأخير في عبارة طويلة وضع إشارة في بداية العبارة المتقدمة وكتب (يؤخر من) ثم حدد بداية العبارة المتأخرة التي ينبغي تقديمها وكتب يقدم.
أما إذا كان التقديم والتأخير في كلمتين فقط، فيكتب على كل منها حرف (م) للدلالة على وجوب تقديم الكلمة الثانية على الأولى كما ورد ذلك في النسخة اليونينية.
3 - يضع الناسخ أحيانًا على بعض الكلمات كلمة (معًا) وذلك إشارة إلى صحة الضبطين في كلمة واحدة كأن يُقال مثلًا معًا.
4 - كثيرًا ما يضع النساخ أول كلمة من الصفحة في أسفل الصفحة التي قبلها؛ وذلك للمحافظة على تسلسل الصفحات فلا تتقدم صفحة على أخرى، وتسمى بالتعقيبة.
5 - ومن الرموز التي استخدمها النساخ أيضًا رمز (حـ) كذا للحاشية التي تكتب زيادة على أصل المروي، وقد تكون بخط الناسخ وقد تكون بخط الراوي.
وقد تكتب (خـ) كذا للدلالة على النسخة إذا كان المروي له أكثر من نسخة.
وغير ذلك وينظر في ذلك مبحث النسخة اليونينية ورموزها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الخامس عشر: غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في قولهم: (حَدَّثَنا) و (أَخْبَرَنا) غير أنه شاع ذلك وظهر، حتى لا يكاد يلتبس.
أما (حَدَّثَنا) فيكتب منها شطرها الأخير، وهو الثاء والنون والألف، وربما اقتصر على الضمير منها وهو النون والألف.
وأما (أَخْبَرَنا) فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولًا (1)، وليس يحسن ما يفعله طائفة من كتابة: (أَخْبَرَنا) بألف مع علامة: (حَدَّثَنا) (2) المذكورة أولًا، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله.--------------------------------------------
(1) أي: تكتب (أنا).
(2) أي: تكتب (أثنا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وقد يكتب في علامة (أَخْبَرَنا) راء بعد الألف، وفي علامة (حَدَّثَنا) دال في أولها (1).
وممن رأيت في خطه الدال في علامة (حَدَّثَنا) الحافظ: أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي والحافظ أحمدُ البيهقي رضي الله عنهم. والله أعلم.
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ما صورته (ح) وهي حاء مفردة مهملة (2)، ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها؛ غير أني وجدت بخط الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي البُخارِيّ، والفقيه المحدث أبي سعيد الخليلي - رحمهم الله تعالى - في مكانها بدلًا عنها (صح) صريحة، وهذا يشعر بكونها رمزًا إلى (صح)، وحسن إثبات (صح) ههنا؛ لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُرَكَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول، فيجعلا إسنادًا واحدًا.
وحكى لي بعض من جمعتني وإياه الرحلة بخراسان عمن وصفه بالفضل من الأصبهانيين، أنها حاء مهملة من التحويل. أي: من إسناد إلى إسناد آخر.
وذاكرت فيها بعض أهل العلم من أهل المغرب، وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل الحديث أنها حاء مهملة إشارة إلى قولنا (الحديث) فقال لي: أهل المغرب - وما عرفت بينهم اختلافًا - يجعلونها حاء مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها: (الحديث) وذَكَر لي أنه سمع بعض البغداديين يذكر أيضا أنها حاء مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها--------------------------------------------
(1) يعني تختصر حَدَّثَنَا: (دثنا)، وأَخْبَرَنَا: (أرنا).
(2) وهى تقع كثيرًا عند مسلم في «صحيحه»، نظرًا لطريقته في سياق الأسانيد، وذكر الاختلاف بينها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
في القراءة: (حا) ويَمُرُّ.
وسألت أنا الحافظ الرحال أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي رحمه الله عنها فذكر أنها (حاء) من (حائل) أي: تحَوُّلُ بين الإسنادين، قال: ولا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة وأنكر كونها من الحديث وغير ذلك، ولم يَعرِفْ غيرَ هذا عن أحد من مشايخه، وفيهم عدد كانوا حفاظ الحديث في وقته.
وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حا) ويمر فإنه أحوط الوجوه وأعدلها، والعلم عند الله تعالى (1).
السادس عشر: ذكر الخطيب الحافظ: أنه ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه، وكنيته ونَسَبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، قال: وإذا كتب الكتاب المسموع، فينبغي أن يكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ وقت السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب فكل ذلك قد فعله شيوخنا.
قلت: كِتْبَةُ التسميع جنب (ذَكَره) أحوط له وأحرى؛ بألا يخفى على من يحتاج إليه ولا بأس بكتبته آخر الكتاب، وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعُه.
وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به، غير مجهول الخط، ولا ضير حينئذ في ألا يكتب الشيخ المسمع خطه بالتصحيح، وهكذا لا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فطالما فعل الثقات ذلك.
وقد حدثني بمرو الشيخ أبو المظفر ابن الحافظ أبي سعد المَرْوَزيّ عن أبيه، عمن حدثه من الأصبهانية: أن عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده قرأ--------------------------------------------
(1) قلت: وفي نسخة اليونيني جاءت في كل المواضع بالخاء المعجمة، إشارة إلى إسناد آخر. ويراجع المبحث الخاص بالنسخة «اليونينية».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ببغداد جزءًا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه؛ ليكون حجة له، فقال له أبو أحمد: يا بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد؛ وتُصدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خطُّ أبي أحمد الفرضي ماذا تقول لهم؟!
ثم إن على كاتب التسميع التحري والاحتياط وبيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبت اسمه، والحذر من إسقاط اسم واحدٍ منهم لغرض فاسد. فإن كان مثبت السماع غير حاضر في جميعه ليكن أثبته معتمدًا على إخبار من يثق بخبره من حاضريه، فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى.
ثم إن من ثبت سماعه في كتابه فقبيح به كتمانه إياه ومنعه من نقل سماعه، ومن نسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به.
رُوِّينا عن الزهري أنه قال: إياك وغلول الكتب. قيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها (1).
وروينا عن الفضيل بن عِياض رضي الله عنه أنه قال: ليس من أفعال أهل الورع ولا أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه عنه؛ ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه (2).
فإن منعه إياه فقد رُوِّينا أن رجلًا ادعى على رجل بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى قاضيها حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن المقرئ في «المعجم» ص: 288 (942)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» 3/ 366، والخطيب في «الجامع» 2/ 47 - 48 (482 - 483)، والقاضي في «الإلماع» ص: 189، والسمعاني في «أدب الإملاء» ص: 176.
(2) أخرجه الخطيب في «الجامع» 1/ 242 - 243 (485 - 486).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أعفيناك منه.
قال ابن خلاد: سألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا، فقال: لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه.
قال ابن خلاد: وقال غيره: ليس بشيء (1).
وروى الخطيب الحافظ أبو بكر، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أنه تحوكم إليه في ذلك، فأطرق مليًّا، ثم قال للمدعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم (2).
قلت: حفص بن غياث معدود في الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة، وأبو عبد الله الزبيري من أئمة أصحاب الشافعي وإسماعيل بن إسحاق لسان أصحاب مالك، وإمامهم وقد تعاضدت أقوالهم في ذلك، ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا ثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه، وقد كان لا يتبين لي وجهه، ثم وجَّهتهُ بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله، كما يلزم متحمِّلَ الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها، والعلم عند الله تعالى.
ثم إذا نسخ الكتاب فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية.
وهكذا لا ينبغي لأحد أن ينقل سماعًا إلى شيء من النسخ، أو يثبته فيها عند السماع ابتداء إلا بعد المقابلة المرضية بالمسموع؛ كيلا يغتر أحد بتلك النسخة غير المقابلة؛ إلا أن يبين مع النقل وعنده كون النسخة غير مقابلة (3)--------------------------------------------
(1) «المحدث الفاصل» ص: 589 فقرة 838.
(2) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» 1/ 241 (481).
(3) قلت: ولإثبات السماع أو القراءة على المخطوط أثر بالغ في توثيق المروي، وخاصة بعد أن أصبح الاعتماد في نقل السنة على المصنفات التي يراد منها جمع ما تفرق في الصحف والأجزاء والنُّسخ، فانصرف العلماء إلى ضبط هذه المصنفات والتحري في نقلها، واستُخْدِمتْ مجالسُ التحديث وسائل لهذا الضبط ببيان من قرئ عليه الكتاب أو تلقي منه، ومن تولى ضبط ذلك المجلس ومن شارك فيه، ومن تولى القراءة وأين كان ذلك، ومتى وما القدر المقروء أو المسموع، وهل شارك الجميع في هذا القدر … إلى غير ذلك مما يعد وثيقة تاريخية.
ويتحقق بإثبات السماع والقراءة على المخطوط ما يلي:
أولًا: الإفادة بأن مضمونها قد سمع في حلقة سماع على شيخ معروف بتخصصه في فن يتعلق بموضوع النسخة، وهذا يمنح المخطوط ثقة في صحة مادته ونصه، وذلك بقراءته على الشيخ ومذاكرة الأقران، وتصحيح السامع سواء كان ذلك ناسخًا أم مقابلًا، والسماعات والقراءات المثبتة بعد كل ذلك تعين المعنيين بتواريخ المخطوط على تحديد تاريخه في حالة إغفاله، وهي بعد ذلك تكشف لنا عن قيمة المخطوط ومدى اهتمام الناس به في عصره وبعد عصره، بل ومدى الثقة به وبمؤلفه، وهي في آخر الأمر تعطينا صورة للحركة العلمية، ومدى انتشار الثقافة، بل ومدى عمقها في عصر من العصور. ينظر «المخطوط العربي» لعبد الستار الحلوجي ص: 173، و «عناية المحدثين بتوثيق المرويات» .. ص: 17 - 18.
ثانيًا: تشكيل حلقات مترابطة من الرُّواة الذين عن طريقهم نقلت آلاف المخطوطات، فكل سماع أو قراءة يحتوى على أسماء الأشخاص الذين تلقوا هذا الأصل عن سابقتهم، حتى ينتهي ذلك إلى مصنف الكتاب، فهي بمثابة شهادات على شهادات بنقل هذه المادة مصونة مضمونة محررة مضبوطة كما وضعها مؤلفها.
«عناية المحدثين بتوثيق المرويات» .. ص: 16.
هذا بالإضافة إلى فوائد ثقافية كثيرة منها:
1 - دراسة تاريخ التدريس في الإسلام والتأريخ لظاهرة علمية.
2 - معرفة أسماء كثير من الرجال والشيوخ وبعض المعلومات عنهم.
3 - تحديد مدارس العلم وأماكنه في العصور الأولى.
4 - معرفة بعض جوانب الحياة الاجتماعية الإسلامية.
ينظر في أهمية السماعات والقراءات بحث: «إجازات السماع في المخطوطات القديمة»، لصلاح الدين المنجد، وهو بحث منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية، الجزء الثاني، المجلد الأول سنة 1950 م من ص: 232 - 252
وللسماع عناصر كثيرة ومنها: ما اشتمل عليه السماع الذي حضره ابن الصلاح، والذي سيأتي ذكره فيما بعد.
وهذه العناصر على سبيل الاختصار هي:
1 - اسم المُسمعُ: ويراد به الشيخ إذا كان راويًا للنسخة، أو المؤلف إذا كان يقرأ من نسخته.
2 - أسماء السامعين: وتسرد فردًا فردًا مع ذكر أسماء آبائهم وذكر ما يميزهم.
3 - القدر المسموع من الكتاب: وكانت أمانة العلم تدفعهم إلى النص على ما سمعه من الحاضرين، فقد يتأخر أحدهم عن السماع فيقولون: سمعه مع فوت .. إلى غير ذلك.
4 - اسم القارئ على الشيخ: والمراد بالقارئ من يتولى قراءة الكتاب، ويختار القارئ عادة الشيخ، ويراعي أن يكون ممن عرف بإتقانه وحسن قراءته، وقد يكون من أقران الشيخ، أو من تلاميذه المبرزين، وقد يشترك في القراءة أكثر من شخص.
5 - كاتب السماع: وهو الذي يتولى تدوين وقائع السماع، وقد يكون هو الشيخ المسموع عليه، وقد يكون هو القارئ على الشيخ أو غيره.
وكان يشترط في كاتب السماع الأمور الآتية:
- الأهلية: بأن يكون موثوقًا به غير مجهول الخط.
- التحري والدقة ببيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل ..
- الأمانة: وذلك بأن يكون أمينًا فيما يثبته: وتلك الشروط ذكرها ابن الصلاح، وهي تؤكد على أهمية أثر كاتب السماع في توثيق المخطوط.
6 - ذكر عبارة: (صح وثبت) أو ما يماثلها، مما يدل على تأكد كاتب السماع من أسماء السامعين.
7 - مكان السماع: وقد يذكر اسم البلد أو المدينة أو المدرسة أو المسجد أو المنزل الذي تم فيه السماع.
8 - تاريخ السماع ومدته: ويحدد فيه التاريخ، وقد يذكر باليوم والشهر والسنة.
وقد يذكر مدة السماع: هل هو في مجلس واحد، أو أكثر؟ إلى غير ذلك.
9 - وصف النسخة التي قرئت وسمعها الحاضرون وقيمتها إذا كان المُسمع أحد الرُّواة لا المؤلف نفسه.
وهكذا ضرب المحدثون أروع الأمثلة من خلال هذا المنهج التوثيقي المنقطع النظير، فهذا الميدان قد تفرد به المحدثون، ولذا كان من أعظم الأسباب لصيانة المرويات، وخاصة بعد عصر التدوين، وأصبح الاعتماد فيه على المرويات والكتب المصنفة.
وهناك ألوان أخرى من أنماط التوثيق التي تميز بها المحدثون أذكرها باختصار، لما لها من أثر في توثيق المرويات ولعدم اهتمام كثير من العلماء بالإشارة إليها: وهما القراءة والمطالعة:
أولًا القراءة: وهي عبارة عن قيام واحد أو أكثر من الطلبة بقراءة كتاب يختاره الشيخ ويقوم الشيخ بالتعليق على المسموع من حين لآخر، أو توضيح لغريب، أو لفظة شاذة، والقراءة تدل بذاتها على قراءة الكتاب على عالم متخصص في الفن الذي ألفت فيه النسخة المقروءة.
وبين السماع والقراءة عموم وخصوص كما يقول الأصوليون؛ فسماع الكتاب على الشيخ يقتضي قارئًا وسامعًا أو أكثر.
وقراءة الكتاب على الشيخ إذا جاءت بعبارة المتكلم الواحد مثل: قرأت هذا الكتاب على فلان. لا تقتضي وجود سامع أو سامعين غير المؤلف.
ومجلس السماع يعد سماعًا وقراءة، إذا كان أحد يقرأ على الشيخ وكان آخرون يستمعون، ويعد مجلس سماع وإملاء إذا كان الشيخ يملي وآخرون يقيدون ما يمليه؛ فإنه بالنسبة للسامعين يسمى سماعًا، وبالنسبة للقارئ أو القراء يسمى قراءة وعرضًا.
وقد يطلق على القراءة العرض أو المقابلة.
وكان من نتائج القراءة على الشيخ ظهور الشروح والمختصرات والحواشي التي أصبح لها أهمية كبيرة في مختلف العلوم.
أما المطالعة ويطلق عليها أيضًا النظر، فتعني أن يطالع عالم أو قارئ أو شيخ في الكتاب بقصد الاستفادة منه أو المذاكرة فيه.
وعادة ما تبدأ عبارات المطالعة بقولهم: طالعه العبد .. ، أو طالع فيه فلان .. ، أو نظر فيه فلان بن فلان، وقد تذكر معلومات أكثر مثل اسم المطالع كاملًا والجزء أو الكتاب الذي تمت مطالعته وتاريخ المطالعة ومكانها وغير ذلك.
وهناك أنماط أخرى ساعدت في توثيق المرويات عند المحدثين وهي:
الإجازات التي تكتب آخر المرويات أو أولها.
ومنها أيضًا التمليكات التي تكتب على المخطوطات.
ولولا الإطالة لتناول البحث التفصيل في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
والله أعلم.
هذا آخر ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في هذا النوع، وهو طويل جدًّا وهو في غاية النفاسة، وفيه فوائد وفرائد كثيرة تعالج أخطاء كثير من القائمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
بطباعة الكتب في عصرنا الحاضر، فهذه الضوابط إنما كانت نتيجة الدرس والنظر والمباحثة في قرون طويلة، ووقائع متعددة فأنتجت مثل هذه الدقائق والضوابط.
ولقد اخترت سوق هذا النوع بتمامه من عند ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وإن كان قد تكلم في ذلك من هو قبله؛ لعدة أسباب:
أولها: أن ابن الصلاح قد استوعب ولخص ما قيل قبله؛ حيث ذكر ما جاء عند الرامهرمزي والقاضي عِياض والخطيب وغيرهم، كما هو واضح فيما سبق.
ثانيها: التأكيد على أن ما اصطلح عليه المتأخرون من علامات للترقيم وضوابط الكتابة لا يمثل إلا جانبًا صغيرًا بالنسبة لضوابط المتقدمين، وليعلم أنصار المستشرقين وتلاميذهم أن في كتب الأوائل من المحدثين على سبيل الخصوص من استوعب هذه القواعد، وأنهم سبقوا المستشرقين في وضع قواعد للكتابة ابتداءً ثم العرض والمقابلة وضوابط التصحيح ثانيًا .. ، إلى غير ذلك من الآداب التي تجب عند السماع والإسماع والرِّواية وغيرها.
ثالثها: أن ابن الصلاح قد طبق هذه القواعد، وخاصة ما يتعلق بمجالس السماع.
فقد كان ابن الصلاح رحمه الله تعالى أول من جلس للتحديث بدار الحديث الأشرفية سنة (630) هـ والتي بناها السلطان الأشرف رحمه الله تعالى (1).--------------------------------------------
(1) هي دار الحديث التي أمر ببنائها الملك الأشرف في دمشق سنة ثمان وعشرين وستمائة، وتم فتحها في سنة ثلاثين وستمائة في ليلة النصف من شعبان، وجعل شيخها الحافظ أبا عمرو بن الصلاح ليملي فيها الحديث، ووقف عليها الملك الأشرف الأوقاف، وجعل بها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع الملك الأشرف «صحيح البُخَارِيّ» في هذه السنة على الزبيدي.
وأصبحت هذه الدار من أشهر دور الحديث في العالم الإسلامي، وولي التدريس فيها جماعة من العلماء بعد ابن الصلاح. ينظر في ذلك: «الدارس في تاريخ المدارس» 1/ 19 - 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وكان ابن الصلاح في هذه الدار قد أسمع الطلاب والحاضرين الكتاب العظيم: «السنن الكبرى» للإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
ولقد سجل لنا التاريخ وحفظ من التلف والضياع سماعًا لهذا الكتاب على الإمام أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى. ونص هذا السماع جاء في آخر المجلد الثامن من «السنن الكبرى» من الطبعة الهندية، رواه عنه بالسند إليه أبو عمرو بن الصلاح في دار الحديث الأشرفية بدمشق الشام سنة (634) هـ في مجالس بلغت في المجلد فقط تسعين مجلسًا، أما مجالس الكتاب كله فبلغت سبعمائة وسبعةً وخمسين مجلسًا، وتحمله عن الحافظ ابن الصلاح وسمعه منه شيوخ العلم والحديث وطلابه في أدق صورة وأضبط سماع لتلك المجالس، التي كانت تساق فيها رِواية ذلك الكتاب الجليل مع العرض والمقابلة له على نسخة المؤلف الإمام البيهقي ونسخة الحافظ ابن عساكر الدمشقي.
وهي صورة رائعة ممتعة تعرفنا ما كان عليه المحدثون الكبار من الضبط والإتقان والعناية البالغة والتجويد العجيب لرِواية الحديث بالسماع والإسناد في مجالسهم وفي أخذ الرُّواة عنهم، حتى في الكتب الكبار كهذا الكتاب.
وتمثل لنا في قدمها من نحو ثمانمائة سنة ما كأنّا نشهده اليوم في الوسائل الضابطة الدقيقة المصورة كالتلفاز مثلًا.
فهي صورة - غير ناطقة ولا صوتية - تسجل تلك المجالس الحديثية، وحال الشيخ المحدث، وحال العلماء الطلاب الحاضرين فيها: سماعًا وتلقيًا، وحضورًا وغيابًا، ويقظة ونومًا، وانتباهًا واشتغالًا، وتحدثًا ونسخًا، وفواتًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
واستكمالًا، كأنك تشهدهم في مجالس التحديث والتسميع لكن ينقصها تسجيل الصوت والكلام، فهي صورة صافية واعية لسماع وتحمل وأداء وأمانة علمية بالغة تميز بها آباؤنا وعلماؤنا المحدثون رضي الله عنهم، وتميز عنهم فيها أيضًا الحافظ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه (1).
وكان مجلس السماع على يد ابن الصلاح رحمه الله تعالى لهذا الكتاب بعنايته وقراءته وسماعه منه من أوله إلى آخره في سبعمائة وسبعةٍ وخمسين مجلسًا، وسمع المجلد الثامن منه عدد كبير بلغ ثلاثة وتسعين محدثًا، في تسعين مجلسًا، في مدينة دمشق، وترى في هذا السماع لهذا المجلد الثامن أمورًا يظهر من خلالها عناية الحافظ ابن الصلاح من أهمها:
1 - الضبط لعدد مجالس السماع التي بلغت في هذا المجلس تسعين مجلسًا كما تقدم.
2 - تعيين هذه المجالس بخط أبي عمرو بن الصلاح نفسه المقروء عليه، فهي كالشهادة منه بذلك.
3 - أن كاتب السماع كتب أسماء السامعين وألقابهم وكناهم وأنسابهم تعريفًا بهم.
4 - أنه ضبط أحوال السامعين؛ من سمع المجالس كلها بغير فوات، ومن سمعها بفوات، ومن سمعها مع نوم في بعضها أو إغفاءٍ أحيانًا، ومن سمعها وهو يتحدث خلال السماع، ومن سمعها وهو ينسخ خلال ذلك، ومن سمع وقد جمع كل ذلك، وتعيين حال كل واحد من السامعين.--------------------------------------------
(1) فهي بحق: صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين كما سماها وعلق عليها الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة؛ حيث ساق نص السماع وعلق عليه بما يزيل أي شك في توصل أحد من العلماء إلى ما توصل إليه آباؤنا الأوائل، ونشره مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة 1992 م
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
5 - كتابة تاريخ الفراغ من إسماع الشيخ ابن الصلاح، حيث كتب ابن الصلاح بخطه في آخر المجلد العاشر (1): بلغ سماع الجماعة - بدار الحديث الأشرفية رحم الله واقفها - وعَرْضُ هذه النسخة على الإتقان من أولِها إلى آخرها بأصلين:
أحدهما: أصل الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن علي المعروف بابن عساكر.
والثاني: أصل أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن صَصْرَى ..
وكان الفراغ من سماعهم للكتاب مني، ومن عرض هذه النسخة يوم الإثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وهو خط عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم آمين.--------------------------------------------
(1) ص: 350
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
الباب الأول
«طبقات الرُّواة»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الباب الأول
«طبقات الرُّواة»
ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول:
الفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ»:
المبحث الأول: إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي.
المبحث الثاني: حماد بن شاكر النَّسفي.
المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ.
المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.
الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ»:
المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (353) هـ.
المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (371) هـ.
المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (376) هـ.
المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (381) هـ.
المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (389) هـ.
المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري.
الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري»:
المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (434) هـ.
المبحث الثاني: رِواية الأصيلي (392) هـ.
المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (553) هـ
المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (463) هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
تمهيد
عناية البخاري بكتابه «الصحيح»
لقد جاء البخاري ومناهج العلماء في التدوين مختلفة، وذلك وفقًا لمتطلبات خاصة بكل زمان ألفت فيه هذه المصنفات.
حتى تولد في نفوس المحدثين إحساس بضرورة عمل جديد، تكون غايته خدمة الحديث النبوي خدمة كاملة، تخلصه مما اختلط به وتميز صحيحه من سقيمه، وتسهل الانتفاع به على الناس.
فلما جاء البخاري كان هذا الإحساس قد قوي حتى أصبح رغبة ينادي بها العلماء، فكان أولَّ مستجيب لتحقيق هذه الرغبة.
وكان النداء بها في مجلسِ أستاذهِ إسحاقَ بنِ إبراهيم بن حنظلة المعروف بابن راهويه.
كما جاء ذلك فيما رواه إبراهيم بن معقل النَّسفي قال: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصرًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب - يعني: «الجامع». رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (1).
ولم تكن هذه الأمنية هي كل ما وجه البخاري إلى تأليف الكتاب، فقد سمعها معه أقرانه دون أن يحاولوا تحقيقها، ولكن إرادة الله سهلت له--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» 2/ 8 ترجمة البُخَارِيّ، وفي «مسألة الاحتجاج بالشافعي» ص: 36 قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أنبأنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت خلف بن محمد بن إسماعيل البُخَارِيّ به، فذكره.
ويوجد مزيد من التفصيل في التخريج وسياق العبارة في مبحث رواية إبراهيم بن معقل النَّسفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
طريق الفوز، فضمت إلى نداء أستاذه حافزًا آخر له حظه الأسمى عند أمثاله من أقوياء الإيمان، وتمثل له هذا الحافز في رؤياه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفسرها له أحد المعبرين بما يوجهه إلى هذا العمل الجليل، وقد روي عنه أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أَذُب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح (1).
بهذا الحافز وذاك، تحركت همة البخاري رحمه الله لتأليف كتابه الجامع الصحيح، وقد أولاه من العناية ما لم يحظ به كتاب آخر، فانتقاه من ستمائة ألف حديث، وكان لا يكتب فيه حديثا إلا إذا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله، وتيقن من صحته، كل ذلك لأنه أراد أن يجعله حجة فيما بينه وبين الله كما قال، ولشدة تحرَّيه فيه امتدَّ به الزمن في تأليفه إلى ست عشرة سنة فيما روى عنه (2).
رُوي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي أنه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: ما أدخلت في كتاب «الجامع» إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول (3).
ومن ذلك قول البخاري: ما كتبت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (4).
وروي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي قال: سمعت محمد بن إسماعيل--------------------------------------------
(1) «هدى الساري» 1 - 4.
(2) «هدى السارى» 2 - 202.
(3) سيأتي في مبحث: إبراهيم بن معقل النَّسفي من هذه الرسالة تخريجه وبيان سياق ألفاظه.
(4) سبق تخريجة في المقدمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
البُخارِيّ يقول: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة، وجعلته فيما بيني وبين الله حجة (1).
بل لقد بلغ من توقِّيه له، ومُبالغته في إتقانه، وحرصه على كمال السلامة فيه، أنه أعاد النظر في تأليفه مرات، وتعهده بكثير من التهذيب والتعديل قبل أن يُخْرِجه للناس، وهذا ما عبر عنه بأنه صنفه ثلاث مرات (2).
لقد حقق البخاري لكتابه غاية الإتقان، بما تأنى في تأليفه، وبما راقب الله فيه، وأعانه على ذلك سعة روايته، وخبرته الدقيقة بنقد الحديث، وإحاطته بعلومه وتاريخ رجاله، وقد تحقق فيه مزايا الجمع، والصحة، والإسناد، والاختصار، وهذه مَعانٍ يفوق ببعضها كل كتاب سبقه، فما بالنا به وقد اجتمعت كلها فيه؟
لقد استعد البخاري لتأليف هذا الكتاب، وتأنى في تأليفه وتَحَرَّى له كما سبق، ومع ذلك لم يقنع بما صنع، بل أراد أن يستوثق من سلامته، وأن يطمئن إلى صدق الجهد الذي بذله فيه، ولذلك عرضه على أشهر الأئمة المعروفين في عصره، فكان له من حسن شهادتهم ما أراد.
يقول أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب «الصحيح» عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث (3).--------------------------------------------
(1) سيأتي في مبحث: إبراهيم بن معقل النَّسفي من هذه الرسالة تخريجه.
(2) «هدى الساري» 2 - 201.
(3) وينظر في معرفة هذه الأحاديث الفصل الثامن من «هدي الساري» في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه الدارقطني وغيره. ينظر «هدي الساري» (ص: 346، 382، 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)