الغاية منها كما سبق، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (1).
الصحة وعدم الصحة في العبادات:
اتفق العلماء على أن العبادات الصحيحة هي التي استوفت أركانها وشروطها، وترتبت عليها الآثار الشرعية من براءة الذمة بالأداء.
وأن العبادات غير الصحيحة هي التي فقدت ركنًا أو شرطًا أو أكثر، ويترتب عليها عدم براءة الذمة، ولا فرق فيها بين الفساد والبطلان، باتفاق (2).
الصحة وعدم الصحة في المعاملات:
اتفق العلماء أيضًا على أن العقود الصحيحة هي التي أقرها الشارع ورتب عليها آثارها، بعد أن تستكمل أركانها وتستوفي شروطها، وأن العقد غير الصحيح هو الذي لم يستوف أركانه وشروطه، ولكنهم اختلفوا في وصف العقد غير الصحيح وتقسيمه على قولين:
القول الأول: أن العقد غير الصحيح قسم واحد، وهو الفاسد أو الباطل، ولا فرق بين الفساد والبطلان في المعاملات كالعبادات، سواء كان الخلل في الركن أو في الشرط والوصف، والفساد والبطلان مترادفان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (3).--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: 2 ص 234، وانظر: أصول الفقه، البرديسي: ص 86، الإحكام، الآمدي: 1 ص 91.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، الإحكام، الآمدي: 1 ص 121، جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 100، المدخل الفقهي العام: 1 ص 687، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 62، المستصفى: 1 ص 94، فواتح الرحموت: 1 ص 121، شرح الكوكب المنير: 1 ص 468.
(3) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 73، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، جمع =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
القول الثاني: العقد غير الصحيح قسمان، فاسد وباطل، فإن حدث خلل في الركن فهو باطل، ولا يترتب عليه أثر، وإن حدث الخلل في الشرط أو الوصف فيكون العقد قد انعقد بأركانه وترتبت عليه بعض الآثار، ولكنه فاسد، وهو قول الحنفية.
ويكون البطلان والفساد عند الحنفية متغايرين، فالباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه كالبيع من الصبي الصغير والمجنون فهو باطل، لأنه اختل ركن من أركانه وهو الصيغة والأهلية فيكون باطلًا ولا تترتب عليه آثاره الشرعية، والفاسد هو ما شرع بأصله لا بوصفه، كبيع الدراهم بالدراهم مع التفاضل وهو الربا، والبيع بثمن مجهول، والزواج بغير شهود، فكل منها فاسد لوجود الخلل الذي يرجع إلى شرط من الشروط أو لورود النهي عن صفة فيه (1).
تعريف الباطل والفاسد:
الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (2).
وعرف الأستاذ الزرقا الباطل في الاصطلاح بأنه: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره وآثاره في نظر الشرع (3).
وهذا المعنى متفق عليه بين العلماء.
والفاسد لغة: تغير الشيء عن الحال السليمة، والمفسدة ضد--------------------------------------------
= الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 101، أصول الفقه، البرديسي: ص 111، المسودة: ص 80، شرح الكوكب المنير: 1 ص 468، 473.
(1) المراجع السابقة، التلويح: 3 ص 73، وسوف يرد تفصيل هذا الموضوع في المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف.
(2) المصباح المنير: 1 ص 72، القاموس المحيط: 3 ص 335.
(3) المدخل الفقهي العام: 1 ص 651.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
المصلحة، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (1).
أما في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في معنى الفساد على قولين، كما سبق في اختلافهم في غير الصحيح، فقال جمهور العلماء: إن الفساد بمعنى البطلان، وقال الحنفية: الفساد يغاير البطلان، والفاسد قسيم للباطل، فالحكم إما أن يكون صحيحًا أو غير صحيح، وغير الصحيح إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون فاسدًا، وعرفوا الفساد بأنه مرتبة بين الصحة والبطلان، يختل فيها العقد في بعض نواحيه الفرعية، وأنه مشروع بأصله لا بوصفه كبيع مال الربا، أما الباطل فهو ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه، فالعقد إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا أو باطلًا (2).
أساس الاختلاف في الفساد والبطلان:
يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:
الأول: مقتضى النهي: فقال الجمهور: النهي يقتضي البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد علي وصف فيه، كما سبق الكلام عنه في أنواع الحرام، وسيرد مزيد تفصيل لذلك في--------------------------------------------
(1) القاموس المحيط: 2 ص 323، المصباح المنير: 1 ص 646.
(2) القواعد والفوائد الأصولية ص 110، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، جمع الجوامع على حاشية البناني: 1 ص 105، نهاية السول، الإسنوي: 1 ص 75، المستصفى: 1 ص 95، تيسير التحرير: 2 ص 236، فواتح الرحموت: 1 ص 122، وانظر تفصيل أحكام البطلان والفساد والآثار التي تترتب على كل منهما في: المدخل الفقهي العام: 1 ص 649 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
بحث الأمر والنهي إن شاء اللَّه تعالى (1)، وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد، ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.
الثاني: الفرق بين الركن والشرط: سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد، وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (2).--------------------------------------------
(1) انظر: مباحث الكتاب والسنة، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ص 67.
(2) الوسيط في أصول الفقه: ص 102، تيسير التحرير: 2 ص 236، المدخل الفقهي العام: 1 ص 681، أصول البيوع الممنوعة، عبد السميع إمام: ص 144، وانظر: المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 68 وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة، البوطي: 67، 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
المطلب الخامس في العزيمة والرخصة
هذا هو القسم الخامس للحكم الوضعي الذي اختلف العلماء في اعتباره داخلًا في الحكم الوضعي أو غير داخل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة (1).
القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة وابن السبكي والإسنوي وابن عبد الشكور، ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية، فالواجب أو المندوب أو المكروه أو الحرام أو المباح إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومخيرًا فيه، ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي (2).--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 43، مباحث الحكم: ص 120، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482.
(2) كشف الأسرار: 2 ص 618، جمع الجوامع مع حاشية البناني: 1 ص 119، منهاج الوصول: ص 7، فواتح الرحموت: 1 ص 116، القواعد والفوائد الأصولية: ص 114، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي والآمدي والشاطبي وصاحب شرح مسلم الثبوت، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء، ورأينا ترجيحه والسير على منواله (1).
أولًا: العزيمة
تعريف العزيمة:
العزم لغة: هو القصد المؤكد، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] أي حزمًا وتصميمًا. وعزم على الشيء جد واجتهد في أمره، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وعزائم اللَّه فرائضه (2).
وفي الاصطلاح: هي ما شرعه اللَّه لعامة عباده من الأحكام ابتداء (3).--------------------------------------------
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 91، فواتح الرحموت: 1 ص 116، الموافقات: 1 ص 122، المستصفى: 1 ص 98، تسهيل الوصول: ص 255، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482، الوسيط في أصول الفقه: ص 105.
(2) المصباح المنير: 2 ص 558، القاموس المحيط: 4 ص 149.
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 124، كشف =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
"ما شرعه اللَّه": أي الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى، ولفظ "عامة عباده" قيد يخرج الأحكام الخاصة ببعض المكلفين، وأن العزيمة عامة لجميع العباد ولجميع الأحوال، وتخرج الخصوصية، ولفظ "ابتداء" أي لم تسبق في شريعتنا بأحكام أخرى، وأن العباد مكلفون بها من أول الأمر.
وعرف البيضاوي العزيمة بأنها "الحكم الثابت لا على خلاف الدليل القائم لعذر"، وهذا التعريف للمقابلة مع تعريف الرخصة الآتي بعد قليل، فكل حكم لم يخالف الدليل أصلًا كالأكل والشرب، أو خالف الدليل ولكن ليس بسبب العذر بل بسبب الاختبار مثلًا كالتكاليف، أو خالف الدليل لمانع كإفطار الحائض وترك الصلاة، فهذه كلها عزائم.
ومن التعريفين السابقين نجد أنه لا واسطة بين العزيمة والرخصة، فكل حكم ثبت بالشرع فهو عزيمة، إلا إذا ورد ما يخالفه لعذر فهو رخصة، وسميت الأحكام الأصلية عزيمة لأنها مشروعة ابتداء حقًّا لصاحب الشرع الذي يستحق الطاعة وتنفيذ الأوامر (1).
وذهب بعض الأصوليين في تعريف العزيمة إلى أنها "الحكم الثابت الذي خولف لعذر"، فالعزيمة تقابل الرخصة، وأن الحكم لا يسمى عزيمة إلا إذا ثبت الترخيص فيه لعذر، وتكون الأحكام ثلاثة أقسام: الرخصة والعزيمة عند وجود العذر، والحكم الأصلي الذي لم يتطرأ--------------------------------------------
= الأسرار: 2 ص 618، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، تيسير التحرير: 2 ص 228، أصول الفقه، خلاف: ص 138، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91، أصول السرخسي: 1 ص 117، مباحث الحكم: ص 115، أصول الفقه، الخضري: ص 71، تسهيل الوصول: ص 250، شرح الكوكب المنير: 1 ص 476.
(1) كشف الأسرار: 2 ص 618، فواتح الرحموت: 1 ص 116، تيسير التحرير: 2 ص 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
إليه هذا الترخيص ولم يحطه عذر، فهو حكم لا يوصف بأنه رخصة ولا عزيمة، وإنما هو حكم شرعي أصلي (1).
ويرجح القول الأول في تقسيم الأحكام إلى قسمين: رخصة وعزيمة، وأن جميع الأحكام الشرعية التكليفية تعتبر عزائم للَّه تعالى، ويكلف العبد بتنفيذها والالتزام بها وتطبيقها، وبذل الجهد والمشقة في المحافظة عليها، واستحقاق الأجر والثواب من اللَّه على فعل الواجبات والمندوبات، واستحقاق الذم والعقاب على فعل المحرمات، فإن طرأ عذر رفع الإثم والحرج والذم والعقاب عن فاعل المحرم، وصار الحكم رخصة له من اللَّه تعالى، ولذا تنسب العزائم إلى اللَّه تعالى، فيقال: عزائم اللَّه تعالى، ويراد بها فرائضه التي أوجبها، وحدوده التي أقامها (2).
والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الجمهور، فكل حكم منها هو عزيمة، لأنها من الأحكام التي شرعت ابتداء في الشريعة من غير نظر إلى الأعذار، وتبقى عزيمة ما لم يرد دليل مخالف لها لعذر، سواء كان الحكم الإيجاب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم.
وذهب بعض الأصوليين إلى قصر العزيمة على الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وقصرها آخرون على الواجب والمندوب، وخصها بعضهم بالواجب والحرام فقط (3).--------------------------------------------
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91.
(2) التلويح على التوضيح: 3 ص 82، مباحث الحكم: ص 115.
(3) تسهيل الوصول: ص 251، نهاية السول: 1 ص 91، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، كشف الأسرار: 2 ص 620 وما بعدها، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91، شرح الكوكب المنير: 1 ص 476.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
أنواع العزيمة:
يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:
1 - ما شرع ابتداء من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.
2 - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون اللَّه، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين للَّه سبحانه وتعالى، فحرم اللَّه تعالى سب الأوثان والطواغيت لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} [الأنعام: 108]، ومثله منع استعمال لفظ "راعنا" لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول اللَّه، فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46]، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي صلى الله عليه وسلم، أخزاهم اللَّه ولعنهم (1).
3 - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة، قال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير: 1 ص 507.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (1).
4 - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}] البقرة: 229]، فقد حرم اللَّه تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات اللَّه فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق، يدها وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (2).
ثانيًا: الرخصة
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضدّ الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (3).
وفي الاصطلاح عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (4).--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه عن ابن مسعود، ورواه مسلم عن بريدة، والحاكم عن أنس.
(2) مباحث الحكم: ص 116.
(3) المصباح المنير: 1 ص 304، القاموس المحيط: 2 ص 304.
(4) نهاية السول: 1 ص 87، وانظر: المستصفى: 1 ص 98، تيسير التحرير: 2 ص 228، مختصر ابن الحاجب: ص 43، تسهيل الوصول: ص 251، كشف الأسرار: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
1 - الحكم: أي الشرعي، وهو جنس يشمل الرخصة والعزيمة.
2 - الثابت على خلاف الدليل: قيد أول، والثابت إشارة إلى أن الرخصة لا تكون إلا بدليل مع وجود العذر، والدليل هو الدليل الشرعي الصحيح، الذي سبق شرحه في أول الكتاب، سواء أكان هذا الدليل يفيد الإيجاب كصيام رمضان، أو التحريم كتحريم الميتة، أم الندب كترك الجماعة، أم الكراهة أم الإباحة، أي الدليل الذي يثبت به الحكم الأصلي، وهو العزيمة التي سبق بيانها، وتأتي الرخصة على خلاف هذه الأدلة، فيجوز الإفطار في رمضان للمسافر رخصة، ويجوز أكل الميتة للمضطر رخصة، ويجوز ترك الجماعة لمرض رخصة.
وهذه العبارة احتزاز عن الحكم الخاص الذي لا يخالف دليلًا شرعيًّا، لعدم ورود دليل أصلًا، كحل المنافع المباحة من أكل وشرب ولبس مما لم يرد على منعها دليل، فإباحتها لا تكون رخصة، وإنما تبقى مباحة بحسب الأصل، ويحترز أيضًا عن دليل المنع المنسوخ أو المرجوح، فالحكم الثابت على خلافهما لا يعتبر رخصة بل هو عزيمة (1).
3 - لعذر: قيد ثان، لإخراج ما يستباح لغير عذر، وهذا العذر أعم من الضرورة أو المشقة أو الحاجة، فيشمل الضرورة كأكل الميتة في--------------------------------------------
= 2 ص 670، الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، التلويح: 3 ص 82، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، الموافقات: 1 ص 205، أصول السرخسي: 1 ص 117، شرح الكوكب المنير: 1 ص 478، الأشباه والنظائر، السيوطي: ص 76، 82.
(1) مثال الحكم المخالف لدليل منسوخ جواز فرار مسلم واحد إذا التقى بأكثر من كافرين اثنين، وحرمة قتل النفس توبة، وحرمة إحراق الغنائم، ومثال الدليل المرجوح النص العام الذي يخالفه دليل خاص، مثل عدم قتل المستأمن مع قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] فهذه الأحكام ليست رخصة بل عزيمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
المخمصة، والمشقة كالإفطار في رمضان للمسافر، والحاجة كالسلم (1).
ولفظ العذر احتزاز أيضًا عن التكاليف الشرعية، فالأصل عدم التكليف، فإذا ورد التكليف فلا يعتبر ذلك رخصة؛ لأنه ثبت للابتلاء والاختبار، وليس لعذر، واحتراز أيضًا عن وجوب ترك الحائض للصلاة، وغيرهما من الأحكام التي تثبت لمانع وليس لعذر (2)، والفرق بينهما أن العذر يجتمع مع المشروع كالسفر والمرض مع الصوم، أما المانع فلا يجتمع معه، بل يمنع وجوده أصلًا، كما سبق في تعريف المانع (3).
وهذه الرخصة التي تثبت على خلاف الدليل لعذر تشمل الأحكام الشرعية الأربعة، وهي: الإيجاب والندب والكراهة والإباحة، وبتعبير آخر تشمل أفعال المكلف التي تتعلق بها الأحكام (4)، ونضرب مثالًا لكل منها:
1 - الواجب: مثل أكل الميتة للمضطر، فهو واجب عند جمهور الفقهاء (5).--------------------------------------------
(1) قارن ما جاء في مباحث الحكم: ص 117، فإنه يرى أن السلم والقراض والمساقاة ليست رخصة لأنها شرعت لعذر غير شاق، والرخصة تختص بالشاق، وتسمى رخصة مجازًا.
(2) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 124.
(3) عرف بعض الحنفية الرخصة بأنها ما تغيَّر من عسر إلى يسر لعذر، وهذا تعريف عام يشمل الرخصة الحقيقية والمجازية، فالناسخ لعذر رخصة عندهم، وهذا توسع في الرخصة، انظر تسهيل الوصول: ص 251، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 88.
(4) جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 121، التوضيح: 3 ص 82، تيسير التحرير: 2 ص 229، نهاية السول: 1 ص 90، المستصفى: 1 ص 99، المجموع: 4 ص 222، وقارن الموافقات: 1 ص 209، شرح الكوكب المنير: 1 ص 479.
(5) قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
2 - المندوب: مثل القصر للمسافر عند الجمهور خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر عزيمة وليس رخصة.
3 - المباح: مثل رؤية الطبيب لعورة المرأة أو الرجل، فالنظر في الأصل محرم، ولكنه أبيح لرفع الحرج عن الناس، ومثل الإجارة والمساقاة والسلم، فإنها رخصة مجازية، لأنها عدول عن القياس لعذر، وهو الحاجة إليها، ومثل الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة؛ فإنه رخصة عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة (1).
4 - المكروه: مثل النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فالنطق بالكفر حرام، وعند الإكراه يجوز النطق بها، مع الكراهة، وإن صبر فأولى كما سنرى، ومثل قصر الصلاة لأقل من ثلاث مراحل عند الشافعية، ومثل الإفطار في رمضان، فإنه خلاف الأولى، لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].
ولا يخطر على البال أن يرخص اللَّه تعالى في أمر وتكون الرخصة حرامًا، فإن اللَّه تعالى لا يشرع الحرام (2)، ولأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (3)، وقال لعمار: "إن عادوا فَعُدْ" (4).--------------------------------------------
= انظر: تفسير ابن كثير: 2 ص 14، المجموع: 4/ 222، الأشباه للسيوطي: ص 82.
(1) مباحث الحكم: ص 123، نهاية السول: 1 ص 90، شرح الكوكب المنير: 1 ص 480.
(2) كشف الأسرار: 2 ص 619.
(3) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان عن ابن عمر، وفي لفظ لأحمد: "من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة،، تفسير ابن كثير: 2 ص 14، مسند أحمد: 2 ص 71، 108، ورواه البزار بإسناد حسن، والطبراني وابن حبان وصححه (الترغيب والترهيب 2/ 135).
(4) رواه البيهقي وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
إطلاقات الرخصة:
أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:
1 - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل وترخيص وتيسير ورفع للحرج عن الناس (1)، ولما جاء في الحديث: "نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم" (2).
2 - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد اللَّه بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، ودفع ربع المال زكاة، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا (3)، ودل على النسخ قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286]، وقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
3 - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر--------------------------------------------
(1) الموافقات: 1 ص 206.
(2) قال القرطبي في شرح مسلم: إنه عثر عليه بهذا اللفظ، ويظهر أنه حديث مركب من حديثين (فتح القدير 5/ 324).
(3) أصول الفقه، الخضري: ص 72، أصول الفقه، خلاف: ص 139، مباحث الحكم: ص 119، الموافقات: 1 ص 207، أصول السرخسي: 1 ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
فيها من معارضة قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132].
فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، كما سنرى في الفقرة التالية، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (1).
أنواع الرخصة:
الرخصة مبنية على أعذار العباد، ولما كانت أعذارهم مختلفة فلذلك اختلفت الرخص وتنوعت إلى أربعة أنواع، الأول والثاني متفق عليهما، والثالث والرابع نص عليهما الحنفية واعتبروهما رخصة مجازًا (2)، وهذه الأنواع هي:
1 - الرخصة في فعل المحظورات، وهي التي تجعل الفعل في حكم المباح، فتسقط المؤاخذة عنه، مع بقاء حكم الحرام فيه، مثل الترخص بكلمة الكفر عند الإكراه على النفس بالقتل أو على قطع عضو من الجسد، والامتناع عن النطق بكلمة الكفر عزيمة، فإن صبر حتى قتل كان مأجورًا، وإن نطق بها فلا يؤاخذ لوجود الإكراه مع ثبوت الإيمان والتصديق بالقلب، ومثله الترخيص للإفطار في رمضان للإكراه، والترخيص بإتلاف مال غيره، ومن اضطره الجوع الشديد والظمأ الشديد--------------------------------------------
(1) المراجع السابقة، الإحكام، الآمدي: 1 ص 123.
(2) تسهيل الوصول: ص 252، كشف الأسرار: 2 ص 635، أصول السرخسي: 1 ص 118، جمع الجوامع والبناني: 1 ص 122، التلويح: 3 ص 82، تيسير التحرير: 2 ص 228، 232، وقارن رأي الخضري في كتاب أصول الفقه: ص 74، فإنه يرى أن هذا التقسيم خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
إلى أكل الميتة أو شرب الخمر فيباح له أكلها وشربها.
وحكم هذا النوع -ما عدا الكفر مع الإكراه- ترجيح الأخذ بالرخصة على العزيمة لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، ولأن في الرخصة حفظًا للنفس ولاستيفاء حق اللَّه فيها، ولو أصر على العزيمة وامتنع عن شرب الخمر وأكل الميتة عند الاضطرار والإكراه حتى مات بسببهما أثم بإلقاء نفسه إلى التهلكة (1).
أما الإكراه على الكفر فالأخذ بالعزيمة أولى وأفضل لبقاء المحرم والحرمة، ولو تحمل المكره الإكراه، وامتنع عن الرخصة، وقتل، كان شهيدًا، لأنه بذل نفسه لإقامة حق اللَّه تعالى.
والدليل على ذلك أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من الصحابة، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة اللَّه، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له"، وحصل مثل ذلك مع عمار وخبيب بن عدي وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في خبيب: "هو أفضل الشهداء، وهو رفيقي في الجنة (2) ".
2 - الرخصة في ترك الواجباب: وهي الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح مع قيام السبب الموجب لحكمه، ولكن الحكم متراخٍ عن--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: 2 ص 232، وقال الإمام أحمد في قول: إن العزيمة أفضل في الميتة، ويخير بين القتل وشرب الخمر، انظر المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، 72.
(2) انظر تسهيل الوصول: ص 252، فواتح الرحموت: 1 ص 116، كشف الأسرار: 2 ص 635، الإصابة: 2 ص 102، سيرة ابن هشام: 2 ص 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
السبب حتى يزول العذر، فهذا العذر اتصل بالسبب، ومنعه من العمل (1)، مثل إفطار المسافر والمريض في رمضان، فهذا رخصة مع قيام السبب وهو شهود الشهر الثابت، وتراخي الحكم، وهو وجوب الصوم وحرمة الإفطار في أيام أخر، وبما أن السبب قائم فيجوز لهما الصوم، وبما أنه يجب الصوم عليهما على التراخي إلى أيام أخر، فلا يجب عليهما الفدية إذا ماتا قبل وجوب الأيام الأخر.
وحكم هذا النوع جواز الإفطار في رمضان، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، ولكن الأخذ بالعزيمة أولى إذا لم يضعفه الصوم، فالصوم في السفر والمرض أفضل من الإفطار، لقوله تعالى في نفس الآية: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] إلا إذا أضره الصوم وأضعفه، أو منعه عن أمر أهم كالجهاد، فيكون الإفطار أفضل، وإن خاف الهلاك يجب الإفطار (2).
3 - نسخ الأحكام في الشرائع السابقة: وهي الأحكام التي سقطت عنا، ولم تشرع في حقنا، وكانت في الشرائع السابقة، كاشتراط قتل النفس وقطع الأعضاء في التوبة، وقص موضع النجاسة في الثوب، ودفع ربع المال في الزكاة، وغير ذلك مما خففه اللَّه عنا، ولم يشرع علينا، وجاءت مقابله أحكام ميسرة وسهلة، وهذا النوع رخصة مجازية، لأن الأصل لم يرد في شريعتنا أصلًا، ولا يجوز القيام به ولا العمل بموجبه قطعًا.--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار: 2 ص 638.
(2) تذكر كتب الحنفية أن الشافعية تقول بأن العمل في إفطار المسافر أولى، (انظر التلويح: 3 ص 85، أصول السرخسي: 1 ص 119)، وهذا غير صحيح، فالثابت عند الشافعية أن الصوم أفضل، لثبوت ذلك بصريح النص، (انظر نهاية السول، الإسنوي: 1 ص 90، المستصفى: 1 ص 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
4 - ما سقط عن العباد بإخراج سببه بأن يكون موجبًا للحكم في محل الرخصة، مع كون الساقط مشروعًا في وقت آخر كالقصر في السفر فهو رخصة مجازًا عند الحنفية، ولا تصح العزيمة عندهم (1).
فالنوعان الأول والثاني رخصة حقيقية لثبوت العزيمة المقابلة لها، والعمل فيها، وتسمى عند الحنفية رخصة ترفيه، وقال الحنفية بالنوع الثالث والرابع وأنهما مجازيان للرخصة، ووافقهم الإمام الغزالي على ذلك، ويطلق عليهما اصطلاح رخصة إسقاط، فالترخيص أسقط حكم العزيمة، وصار الحكم الشرعي هو الرخصة (2).
خاتمة: هل الأفضل الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة؟
اختلف العلماء في ترجيح الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة، وكان اختلافهم غالبًا في كل جزئية على حدة (3)، وجاء الشاطبي وتناول هذا الموضوع بشكل عام، ووازن بين الرخصة والعزيمة، وذكر الأدلة التي ترجح الأخذ بالعزيمة، ثم أتبعها بالأدلة التي ترجح الأخذ بالرخصة، ونستعرض أهمها:
أولًا: أدلة ترجيح العزيمة:
1 - العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به، أما--------------------------------------------
(1) ذكرت الشافعية في قول أن حكم قصر الصلاة في السفر كالأفطار في رمضان، وأن الإتمام أفضل من القصر، والمشهور عندهم أن القصر أفضل من الإتمام، إذا بلغ ثلاث مراحل، والأدلة متوفرة في الفقه المقارن، انظر التوضيح: 3 ص 86، المستصفى: 1 ص 98، تسهيل الوصول: ص 252، مغني المحتاج: 1 ص 271، 437.
(2) تسهيل الوصول: ص 252، التوضيح: 3 ص 86، المستصفى: 1 ص 98، أصول الفقه، خلاف: ص 141، أصول السرخسي: 1 ص 117 وما بعدها.
(3) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 72، أصول الفقه، الخضري: ص 76، مباحث الحكم: ص 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
الرخصة، وإن كان مقطوعًا بها، لكن سبب الترخيص ظني، وهو المشقة، لأنها ليست منضبطة، وتتفاوت حسب الأشخاص والأحوال.
2 - العزيمة راجعة إلى أصل كلي في التكليف لجميع المسلمين، وهو أصل عام مطلق على جميع المكلفين، أما الرخصة فإنها ترجع إلى حالة جزئية حسب بعض المكلفين المعذورين، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات فالرخصة عارض طارئ على العزيمة، ومن المقرر عند تعارض الأمر الكلي مع الأمر الجزئي، ترجيح الكلي، لأنه يحقق ويقتضي مصلحة عامة.
3 - الأمر بالمحافظة على التكاليف وتحمل المشاق فيها، وإنْ فُتِح مقابلها باب الرخصة أحيانًا، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فوصفهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والمشقة بالمؤمنين، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10]، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} [آل عمران: 186]، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
4 - الأخذ بالرخصة قد يصبح ذريعة إلى انحلال العزائم في التعبد، أما الأخذ بالعزيمة فإنه يعوِّد على الثبات في التعبد، والأخذ بالحزم في الأمور، وإن اعتاد الشخص على الرخص صارت كل عزيمة شاقة عليه وحرجة، فيحاول التهرب منها، والخروج من مقتضاها.
5 - إن الأصل في التشريع هو التكليف، والتكليف فيه كلفة ومشقة على العبد، واقتضت حكمة اللَّه تعالى أن تكون الكلفة حسب طاقة الإنسان وقدرته، وحسب مجرى العادات، فإن ظهرت شدة المشقة والتكليف على بعض الأفراد أو في بعض الحالات فلا تخرج العزيمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
عن قصد الشارع، ولا تؤثر في مقتضى العزيمة، فالأصل البقاء على العزيمة، ولا يخرج عنها إلا لسبب قوي (1).
ثانيًا: أدلة ترجيح الأخذ بالرخصة:
1 - الرخصة ثابتة قطعًا بالشرع كالعزيمة، فإن وجدت المظنة وجد الحكم، لأن الشارع اعتبر الظن في ترتيب الأحكام، وأنه يجري مجرى القطع، فإنْ ظن المشقة الكبيرة والمرض في الصوم فيرخص له الإفطار.
2 - أن أصل الرخصة وإن كان جزئيًّا فلا يؤثر عليها، لأنها تعتبر كالأمر المستثنى من العزيمة، أو هي من باب تخصيص العام أو تقييد المطلق، والخاص يقدم على العام، والمقيد يقدم على المطلق (2).
3 - الأدلة على رفع الحرج عن الأمة بلغت درجة القطع، وأن الشارع يقصد السهولة واليسر للمكلف، مما يدل على أن الرخصة أرجح من التمسك بالعزيمة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (3)، ولم يُخَيَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 28].
4 - أن مقصود الشارع من الرخصة الرفق والتخفيف عن المكلف، فمن أخذ بها فيكون موافقًا لقصد الشارع، وقد نددت الآيات الكريمة--------------------------------------------
(1) الموافقات: 1 ص 224، وانظر: أصول الفقه، الخضري: 77.
(2) الموافقات: 1 ص 232.
(3) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، والبزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه (الترغيب والترهيب 2/ 135).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)