الشيء أمر بأحد أضداده، وهو رأي جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة (1).
واستدلوا على ذلك بأن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك، فالمنع من الترك جزء من الإيجاب، وهو منهي عنه بطريق التضمن، ويكون الضد منهيًا عنه بطريق الالتزام، لأن الامتناع عن الضد من لوازم وجوب الفعل، وأن الاشتغال بالضد من لوازم الكف عن الفعل (2).
القول الثاني: أن الخطاب الدال على الوجوب لا يدل على حرمة الضد، لا بطريق التضمن ولا بطريق الالتزام، وهو رأي جمهور المعتزلة وبعض الشافعية (3).
واستدلوا على ذلك بأنه لو كان الخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا يدل على حرمة الضد لكان الآمر متعقلًا للضد ومتصوِّرًا له حتى يحكم بحرمته، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولكن لا يتصور تعقل الضد ومعرفته، وكثيرًا ما يأمر الآمر بالشيء وهو غافل عن الضد الذي--------------------------------------------
= بطريق الالتزام، أما دلالة المطابقة فهي دلالة اللفظ على جميع معناه، كدلالة إنسان على الحيوان الناطق، وأما دلالة التضمّن فهي دلالة اللفظ على جزء معناه، كدلالة الإنسان مطلقًا، وأما دلالة الالتزام فهي دلالة اللفظ على المعنى اللازم لمعناه، ولا يدل على المعنى الموضوع له لغة، مثل دلالة الإنسان على قابلية العلم أو قابلية النطق، ودلالة المطابقة دلالة لفظية، أما دلالة التضمن والالتزام فدلالتهما عقلية أي: إن اللفظ لا يفيد المعنى إلا بوساطة العقل، انظر نهاية السول: 1 ص 225، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 64، حاشية الباجوري على متن السلم في فن المنطق: ص 39، روضة الناظر: ص 8.
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 97، أصول السرخسي: 1 ص 94.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 133، المستصفى: 1 ص 81، فواتح الرحموت: 1 ص 97، أصول السرخسي: 1 ص 94، 270، المسودة: ص 81.
(3) المستصفى: 1 ص 81، فواتح الرحموت: 1 ص 97، المسودة: ص 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
يفوته، ولذا فلا يكون أمره نهيًا عن الضد بأي نوع من أنواع الدلالة.
ويعترض على الدليل بأن الآمر هنا هو اللَّه تعالى، واللَّه عالم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية، ولا يغفل عن الضد، فبطل الدليل، وأن اتفاق العلماء على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولو كان الآمر غافلًا عنه، وكذا هنا فإن الوجوب لا يتم إلا بترك ضده، فكان الضد واجبًا (1).
والخلاصة الهامة في هذا الموضوع أن ترك الفعل يتحقق بالاشتغال بأي ضد من الأضداد، مثل السرقة والخمر والربا تتحقق بأي ضد كالأكل والشرب والصلاة وقيام الليل والوضوء، أما حصول الفعل المطلوب حتمًا، وهو الواجب، فإنه يتوقف على ترك جميع الأضداد المنافية له، مثال ذلك أن ترك الصلاة يتحقق عند الاشتغال بالأكل أو بالشرب أو بالنوم، ولكن أداء الصلاة يتوقف على ترك جميع الأمور التي تتنافى مع الصلاة، ولذا قال العلماء: إن إيجاب الشيء يقتضي حرمة جميع الأضداد المنافية له، وإن النهي عن الشيء يقتضي وجوب الاشتغال بأي ضد من الأضداد، ولا يقتضي وجوب جميع الأضداد (2).
ويضع صدر الشريعة ضابطًا ومعيارًا لذلك فيقول: والصحيح أن ضد الأمر إن فوَّت المقصود بالأمر، يحرم، وإن فوَّت ضد النهي المقصود بالنهي يجب (3).--------------------------------------------
(1) المستصفى: 1 ص 82، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 143، نهاية السول: 1 ص 135.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 134، المسودة في أصول الفقه: ص 81، أصول السرخسي: 1 ص 96، التبصرة: ص 89، الفوائد، ابن القيم: ص 226، ط دار البيان.
(3) التنقيح، له 2 ص 238.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
الوجوب والحرمة في أمر واحد:
ونختم الكلام عن الحرام بمسألة أخرى يشترك فيها الحرام مع الواجب، وهي هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ وبتعبير آخر هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟
إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم (1)، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:
الحالة الأولى:
إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود للَّه تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، بقوله تعالى {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود للَّه والسجود للصنم (2).--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 39، المستصفى: 1 ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107.
(2) خالف المعتزلة في هذه الحالة وقالوا: إن السجود نوع واحد مأمور به، والساجد للصنم عاص لأنه يقصد تعظيم الصنم وليس بنفس السجود: (انظر المستصفى: 1 ص 76، فواتح الرحموت: 1 ص 104، البرهان، للجويني: ص 304، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107، المسودة: ص 84، أصول الفقه، الخضري: ص 54). =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
الحالة الثانية:
إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد، لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه ولا يجوز تركه في آن واحد، كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد (1).
الحالة الثالثة:
إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازميتن فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان، لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما (2).--------------------------------------------
(1) تسهيل الوصول: ص 265، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 72، تيسير التحرير: 2 ص 219.
(2) تسهيل الوصول: ص 265، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
الحالة الرابعة:
إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:
القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول، لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل فلا يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال (1).
واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة (2).--------------------------------------------
(1) تسهيل الوصول: ص 266، المستصفى: 1 ص 76، فواتح الرحموت: 1 ص 105، 106، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام الآمدي: ص 107، مختصر ابن الحاجب: ص 39، أصول الفقه، الخضري: ص 55، الفروق: 2 ص 85، البرهان، للجويني: 1 ص 284.
(2) المستصفى: 1 ص 77، فواتح الرحموت: 1 ص 109، تيسير التحرير: 1 ص 220، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية (1).
وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها، لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (2).--------------------------------------------
= مختصر ابن الحاجب: ص 39، البرهان: 1 ص 288.
(1) قال الباقلاني والرازي في قول ثالث: إن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط عن المكلف، ولكن أداءها واجب بدليل الإجماع السابق، (انظر: المراجع السابقة، البرهان، للجويني: 1 ص 287).
(2) انظر الرد على هذا القول وأدلته في تسهيل الوصول: ص 267، المستصفى: 1 ص 77، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107، المسودة: ص 83، مختصر ابن الحاجب: ص 39، أصول الفقه، الخضري: ص 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
المطلب الرابع في المكروه
تعريف المكروه:
المكروه لغة: القبيح، من كره الأمر مثل قبح، وزنًا ومعنى، وهو ضد المحبوب، والكريهة الحرب، أو الشدة في الحرب (1).
وفي الاصطلاح نذكر تعريفين له، الأول: يتعلق بالذات والماهية، والثاني: يتعلق بالرسم والصفة.
التعريف الأول:
المكروه هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم (2).
والتعريف واضح بعد ما سبق بيانه في شرح تعريف الحرام، فالمكروه هو الفعل الذي طلب الشارع تركه وعدم القيام به، وكان هذا الطلب بدون حتم ولا إلزام، مما يدل على كراهة الفعل، ورغبة المشرع في الابتعاد عنه.--------------------------------------------
(1) المصباح المنير: 2 ص 729، القاموس المحيط: 4 ص 291.
(2) نهاية السول: 1 ص 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
التعريف الثاني:
عرف الإسنوي المكروه فقال: "هو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله" (1).
فالمكروه هو ما يستحق تاركه المدح والثناء والأجر والثواب من اللَّه تعالى، أما فاعله فلا يستحق العقاب والذم، وقد يستحق اللوم والعتاب، ومثال المكروه أكل لحم الخيل، وشرب لبنها عند الحنفية، وترك السنن المؤكدة، والصلاة في الأوقات المكروهة، وغير ذلك مما سنذكره خلال البحث.
والمكروه يقابل المندوب، ولذا يطلق على ترك المندوب، ويطلق على ترك كل مصلحة راجحة، وقد يطلق المكروه على الحرام، مثل قولهم: يكره التوضؤ بآنية الذهب والفضة، أي: يحرم، وقد يطلق على ترك الأولى (2).
الأساليب التي تدل على الكراهة:
1 - اللفظ الصريح بالكراهة، وما أشبهها من الألفاظ التي تصرح بعدم الاستحسان، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (3)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (4).--------------------------------------------
(1) نهاية السول: 1 ص 61، وانظر: إرشاد الفحول: ص 6، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، أصول الفقه، الخضري: ص 53.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، مختصر ابن الحاجب: ص 41، أعلام الموقعين: 1 ص 41، وكان الإمام مالك يعبر كثيرًا عن الحرام بالمكروه ورعًا وخوفًا واحتياطًا.
(3) رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة.
(4) رواه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه، ورواه البيهقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
2 - أن ينهى الشارع عنه نهيًا مقترنًا بما يدل على صرفه إلى الكراهة، مثل قوله تعالى في كراهة السؤال عن المباح خشية أن يحرم على المؤمنين: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، والقرينة التي صرفت النهي عن التحريم إلى الكراهة هي قوله تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101].
3 - أن يطلب الشارع اجتنابه وتركه مع القرينة التي تدل على الكراهة دون التحريم، مثل قوله تعالى في كراهة البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] قال الحنفية: القرينة على صرف الطلب من التحريم إلى الكراهة أن البيع مشروع ومباح في أصله، وإنما كره لأنه يشغل عن الصلاة.
ونلاحظ أن الأساليب التي تفيد التحريم والكراهة واحدة تقريبًا وتشترك فيما بينها، فإن طلب الشارع الكف عن أمر، أو جاء النهي عامًّا، أو طلب الاجتناب مطلقًا، كان الفعل حرامًا، وإن وجدت القرينة التي تصرفه عن الحرمة كان مكروهًا، ومن القرائن اللفظية والنصية ترتيب العقوبة على الفعل أو عدم ترتيبها (1).
حكم المكروه:
إن الفعل المكروه يشتمل على بعض المفاسد، ولذا ترجح طلب تركه على طلب فعله، ولكنه لم يصل إلى درجة الحرام، وإن فاعله لا يستحق العذاب والعقاب في الدنيا والآخرة، وقد يستحق اللوم والعتاب على فعله، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن رغب عن سنتي فليس--------------------------------------------
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 129، مباحث الحكم: ص 150، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 85، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 241، أصول الفقه، البرديسي: ص 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
مني" (1)، وتارك المكروه يمدح ويثاب إذا نوى به التقرب إلى اللَّه تعالى.
ويتفرع عن بحث المكروه عدة أحكام هي:
1 - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ والجمهور على المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب (2).
2 - اختلف العلماء في المكروه هل يعتبر حكمًا تكليفيًّا أم لا؟ ذهب الجمهور إلى أنه ليس تكليفًا، لأن تركه ليس إلزامًا، ولا كلفة فيه، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: إنه تكليف، والأدلة نفسها التي سبقت في المندوب (3).
وخلاصة القول: إن المكروه مع المحرم كالمندوب مع الواجب.
3 - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين، مكروه تحريمي ومكروه تنزيهي، والمكروه التحريمي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم" (4)، والبيع على بيع الآخر، والخطبة على خطبة غيره، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم--------------------------------------------
(1) رواه البخاري ومسلم من حديث طويل.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 225، الإحكام، الآمدي: 1 ص 114، مختصر ابن الحاجب: ص 41.
(3) المراجع السابقة، الموافقات: 1 ص 97.
(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده.
والمكروه التنزيهي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى في المكروه، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير، وأكل لحوم الخيل (1).
4 - قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (2)، ومثل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فإنها خلقت للشياطين (3)، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات وإفطار المسافر في رمضان (4).--------------------------------------------
(1) الإحكام، ابن حزم: 3 ص 321، التوضيح: 3 ص 80، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: ص 549، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 44، أصول الفقه، خلاف: ص 131، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 87، أصول الفقه، البرديسي: ص 77.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن.
(3) رواه ابن ماجه، وأعطان الإبل: المبارك التي تنام فيها، أو تجتمع للشرب فيها.
(4) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 80، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
المطلب الخامس في المباح
تعريف المباح:
المباح لغة: المأذون والمعلن، من باح الشيء ظهر، وأباحه أظهره، والإباحة بمعنى الإظهار وبمعنى الإطلاق والإذن، وأباح لك ماله: أذن في الأخذ والترك، وجعله مطلق الطرفين، وأباح الشيء أحله لك (1).
وفي الاصطلاح نذكر تعريفين للمباح -كما أسلفنا في غيره- صع البيان أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.
التعريف الأول:
المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه (2).
فالشارع لم يطلب فعل المباح ولم يطلب تركه واجتنابه، فهو مستوي الطرفين، ويعترض على هذا التعريف بأنه غير مانع، فيدخل فيه--------------------------------------------
(1) المصباح المنير: 1 ص 91، القاموس المحيط: 1 ص 216.
(2) نهاية السول: 1 ص 52 وحاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
الواجب المخير، فإن كل خصلة منه يخير المرء بين فعلها وتركها، ويدخل فيه الواجب الموسع، لأن المكلف مخير بين الصلاة في أول الوقت أو في تركها (1).
ويرد على هذا الاعتراض بأن الواجب الموسع أو المخير مطلوب من الشارع، وبعد طلبه خير المكلف في أجزائه أو في وقته، أما المباح فليس مطلوبًا أصلًا.
التعريف الثاني:
عرف الشوكاني المباح بأنه ما لا يمدح على فعله ولا على تركه (2).
فالشارع الكريم قصد تخيير المكلف في الفعل والترك، فما فعله المكلف فهو قصد الشارع، وذلك لتساوي المفاسد والمصالح في المباح، أو لتساوي النفع والضرر فيه، أو لأن الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية والعقل السليم الذي خلقه اللَّه تعالى يتجه نحوه، كإباحة الأكل والشرب وأنواع اللباس والمشي في الطرقات والتمتع بالهواء والوقوف في الشمس، ولذا فإن فاعله لا يستحق المدح وتاركه لا يستحق المدح.
وجمع الغزالي وغيره بين التعريفين السابقين فقالوا: المباح ما ورد الإذن من اللَّه تعالى بفعله وتركه، غير مقرون بذم فاعله ومدحه، ولا بذم تاركه ومدحه (3).
ويرادف المباح الحلال والجائز والمطلق (4).--------------------------------------------
(1) الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، مدكور: ص 32، أصول الفقه، خلاف: ص 130، أصول الفقه، الخضري: ص 57.
(2) إرشاد الفحول: ص 6، وانظر: كتاب الحدود في الأصول، الباجي: ص 55.
(3) المستصفى، له: 1 ص 66، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، نهاية السول: 1 ص 61، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 58.
(4) إرشاد الفحول: ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
الأساليب التي تفيد الإباحة (1):
1 - النص الصريح على إباحة الفعل أو التخيير فيه، مثل: افعلوا إن شئتم، أو اتركوا إن شئتم، كقوله صلى الله عليه وسلم في الصوم في السفر: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
2 - النص على عدم الإثم على الفعل أو ما في معناه، كعدم الجناح ونفي الحرج، قال تعالى في إباحة الخلع على مال بين زوجين: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وقال تعالى في إباحة التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها في أثناء العدة: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]، وقال تعالى في إباحة ترك الجهاد على الأعمى وإباحة الأكل من بيت المرء وبيت أبيه وأمه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النور: 61].
3 - الأمر بالفعل مع القرينة الدالة على أن الأمر للإباحة وليس للوجوب أو الندب، مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31]. وقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10].
4 - الأمر بالفعل بعد حظره، فإنه يفيد الإباحة، مثل قوله تعالى في إباحة الصيد بعد التحلل من الحج: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، وكان محرمًا في أثناء الحج بقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا--------------------------------------------
(1) انظر: المستصفى: 1 ص 75، تيسير التحرير: 1 ص 225، الموافقات: 1 ص 87 وما بعدها، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 45، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 89، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: ص 549، أصول الفقه، خلاف: ص 130، الإباحة، مدكور: ص 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (1).
وهذا الأسلوب الرابع يرجع إلى ما قبله، وأن الأمر بالفعل بعد حظره قرينة على صرف الأمر للإباحة.
5 - النص على حل الفعل، مثل قوله تعالى في إباحة الطعام وغيره من الطيبات وإباحة طعام أهل الكتاب: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، ومثل قوله تعالى في إباحة الزواج من غير المحارم: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، وقال تعالى في إباحة معاشرة الزوجة في ليالي رمضان: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
6 - الإباحة الأصلية للفعل عند عدم الأمر به أو النهي عنه، لأن المقرر في الشريعة الغراء أن الأصل في الأشياء الإباحة، فإن لم يرد نص شرعي في مسألة ما فيكون حكمها الإباحة لاستصحاب الأصل فيها (2).
7 - الاستثناء من أشياء محرمة، كقوله تعالى: (حرمت عليكم … إلا …}.
حكم المباح:
يظهر حكم المباح من تعريفه، أن فاعله أو تاركه لا يستحق العقوبة ولا الذم ولا العتاب، ولا يستحق الثواب والأجر والمدح، وأن الشارع لم يطلب فعله ولم يطلب اجتنابه (3)، والأدلة على ذلك ما يلي:--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، المستصفى: 1 ص 75، الإحكام: ابن حزم: 6 ص 870، وقارن ما قاله ابن حزم في هذا الموضوع في الإحكام، له: 3 ص 332، وانظر تفصيل هذا الموضوع بإسهاب في كتاب الإباحة، مدكور: ص 484 وما بعدها.
(3) الموافقات: 1 ص 36 وما بعدها، الإحكام، ابن حزم: 3 ص 321، أصول الفقه، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
1 - إن حقيقة المباح عند الشارع هو التخيير في الفعل والترك من غير مدح ولا ذم، وعند تحقق الاستواء بين الطرفين والتخيير فيهما فلا يتعلق الثواب والأجر أو الذم والعقاب على الفعل أو الترك.
2 - إن فاعل المباح لا يعتبر مطيعًا، لأن الطاعة لا تكون إلا على طلب، كما أن تاركه لا يكون مطيعًا، لأن الشارع لم يطلب تركه، وإذا افترضنا أن فاعله مطيع وله الأجر، فيجب أن يكون تاركه مطيعًا وله الأجر، وهذا غير صحيح ولا معقول.
3 - إن النذر بترك المباح لا يلزم الوفاء به، لأن فعل المباح ليس طاعة، وكذا تركه.
4 - إن المباح قسم خامس في الحكم التكليفي يختص بالتخيير من الشارع، والمساواة بين الطلب والترك، وعدم تعلق الطاعة به، فلو تعلقت به طاعة كان مطلوبًا، ودخل في الواجب أو المندوب، وخرج عن كونه قسمًا خامسًا، وهو مخالف للإجماع.
ويتعلق بحكم المباح أمران:
الأول: أن المباحات إذا قَصَدَ بها المكلف وجه اللَّه تعالى، وابتغى مرضاته، وأنه يقوم بها بقصد الطاعة فإنها تنقلب إلى طاعة وعبادة، كالأكل للتقوي على الطاعة والعبادة والعلم والجهاد، ومثل التمتع بأشعة الشمس بقصد تنشيط الجسم ليصبح قويًّا صحيحًا يحبه اللَّه ورسوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (1).
وهذا الموضوع ميزة من ميزات وخصائص الإسلام في توسيع معنى--------------------------------------------
= الخضري: ص 57، الإباحة، مدكور: 285.
(1) رواه مسلم وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
العبادة، وأن كل أمر قصد به المكلف وجه اللَّه تعالى أصبح عبادة يستحق به صاحبه الأجر والثواب.
الثاني: أن المباح خادم للواجب والمندوب، وأن المباح مباح بالجزء مطلوب الفعل أو مطلوب الترك بالكل (1)، وهذا ما انفرد به الشاطبي، وسوف نعرضه بالتفصيل في نهاية البحث.
هل المباح مأمور بطلبه أو باجتنابه؟:
قبل الجواب عن هذا السؤال نبين أن المباح حكم شرعي بإجماع علماء الأصول، وخالف بعض المعتزلة وقالوا: إن المباح ليس حكمًا شرعيًّا، لأن المباح ما لا حرج في فعله وتركه، وهذا ثابت قبل النص عليه في الشرع، فيبقى مستمرًا لاستصحاب الحال، ولا علاقة للحكم التكليفي به، والواقع أن المباح كحكم شرعي هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بتخيير المكلف بين الفعل والترك، وهذا ثابت بالخطاب الذي تثبت به الأحكام الشرعية الأخرى (2)، ولئن كان المباح حكمًا شرعيًّا، فإنه ليس حكمًا تكليفيًّا، لأن التكليف ما فيه كلفة ومشقة، والتخيير ليس فيه كلفة ومشقة، وإنما دخل في الحكم التكليفي من جهة التغليب، ويدخل في الواجب من جهة الاعتقاد بإباحته (3).
أما من جهة الأمر بالمباح فيكاد العلماء يتفقون على أن المباح غير مأمور به، وأن الشارع خير المكلف فيه، فلم يأمر المكلف بفعله ولم يطلب منه الترك (4).--------------------------------------------
(1) الموافقات: 1 ص 78، 85.
(2) المستصفى: 1 ص 75، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، مباحث الحكم: ص 107.
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 117، مباحث الحكم: ص 109، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64.
(4) المستصفى: 1 ص 75، تيسير التحرير: 2 ص 226، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
وخالف في ذلك الكعبي من كبار المعتزلة، وقال: إن المباح مأمور به، ونفى وجود المباح في الأحكام الشرعية، وأن الأحكام الشرعية إما أن تكون مطلوبة الفعل أو مطلوبة الترك، واستدل على ذلك بأن القيام بأحد المباحات يشغل المكلف عن الحرام، ويكون عمل المباح تركًا للحرام، وترك الحرام واجب، فالمباح واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالاشتغال بالأكل أو بالصيد يمنع الإنسان ويبعده عن السرقة وشرب الخمر وقذف المحصنات والغيبة والنميمة.
وقال الكعبي أيضًا: إن الأحكام الشرعية تتعلق بالنفع والضرر للأفعال، فإن كانت نافعة، أو كان نفعها أكثر من ضررها فهي مطلوبة الفعل، وإن كانت ضارة، أو كان ضررها أكثر من نفعها، فهي مطلوبة الترك، وإنه لا يوجد فعل يتساوى فيه النفع والضرر في آن واحد، أو يتساوى فيه الوجود والعدم، فالأكل فيه منفعة ومطلوب فعله لتغذية الجسم، والنوم مطلوب لصحة الإنسان، واللهو مطلوب بمقدار ما ينتفع الذهن به (1).
وناقش الجمهور أدلة الكعبي وردوا شبهته بأن ترك الحرام والكف عنه أمر نفسي وإرادي ولا يتحقق بالاشتغال بالمباح، وأن المرء يمارس المباحات دون أن يخطر بباله ترك الحرام (2).--------------------------------------------
= الموافقات: 1 ص 73، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، مختصر ابن الحاجب: ص 41.
(1) المراجع السابقة: أصول الفقه، الخضري: 58، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 47، البرهان، الجويني: 1 ص 294.
(2) أصول الفقه، الخضري: ص 59، مباحث الحكم: ص 108، الإباحة: ص 289، وما بعدها.
تيسير التحرير: 2 ص 226، مباحث الحكم: ص 109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
كما ينتج عن قول الكعبي نتائج خطيرة لا يقرها الشرع، وذلك أن ترك الحرام قد يكون بالمباح أو بالمندوب أو بغيرهما فلم يتعين المباح لترك الحرام، وأن ترك الحرام قد يكون بحرام مثله، فهل يكون الحرام الثاني واجبًا حسب قاعدة الكعبي؟ لأنه ينشغل به الفاعل عن الحرام الأول، وأن الصلاة إذا شغلت عن واجب آخر أصبحت حرامًا؟ وهذا غير صحيح باتفاق.
وأجمع العلماء على تقسيم الفعل إلى خمسة أقسام، وأن المباح هو القسم الخامس، فإن نفاه الكعبي فيكون مخالفًا للإجماع، وهذا باطل (1).
ولو اقتصر الكعبي على أن بعض المباح قد يكون واجبًا لكان صحيحًا، وذلك إذا اتجه المرء إلى حرام، ولم يستطع تركه إلا بالاشتغال بمباح، فيكون المباح هنا واجبًا، لأنه وسيلة إلى واجب وهو ترك الحرام (2).
والمباح قد يؤدي إلى مصلحة محققة أو مفسدة ومضرة فيتغير وصفه من المباح إلى غيره كالمندوب والمكروه إذا أدى إلى عكسه فيتغير حكمه (3).
وخلاصة القول: إن المباح حكم شرعي، وإنه حكم غير تكليفي، وإن المباح غير مأمور به شرعًا.
أقسام المباح:
ينقسم المباح من حيث تعلقه بالنفع والضرر إلى ثلاثة أقسام:--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: 2 ص 227.
(2) مباحث الحكم: ص 109.
(3) انظر تفصيل ذلك في الإباحة، مدكور: ص 372 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
1 - قسم لا ضرر على المكلف في فعله وتركه، كالأكل والشرب واللباس والصيد وصبغ الثياب والتنزه في الهواء الطلق وغير ذلك مما سبق شرحه.
2 - وقسم لا ضرر على المكلف في فعله مع فساده وثبوت ضرره وتحريم أصله، وهو ما أباح الشارع فعله من المحرمات للضرورة أو للإكراه، وما أباح الشارع تركه من الواجبات في حالات خاصة، أو لا ضرر على المكلف بتركه مع وجوب أصله كالإفطار للحامل المرضع والمسافر، وترك القيام في الصلاة للعاجز، وسوف ندرس هذا القسم في الرخصة والعزيمة (1)، وما أباح الشارع فعله بعد تحريمه لسبب طارئ مثل دم المرتد يباح، ولا ضرر على إراقته، وقد كان دمه حرامًا فلما ارتد زالت حرمة دمه، بل ينقلب إلى وجوب قتله على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة فإنه حرام لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)} [النساء: 20]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].
3 - قسم ثبت فساده وضرره، ولكن اللَّه تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو.
والأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين،--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب: الإباحة، مدكور ص 372 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)