Arabic source text

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

📘 الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (محمد مصطفى الزحيلي)

📘 আল ওয়াজীজ ফী উসূলিল ফিকহিল ইসলামী (মুহাম্মদ মুস্তফা আয-জুহাইলি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
والإعادة ليست مرتبطة بالواجب المؤقت، فإن بعض الواجبات المؤقتة لا يمكن فيها الإعادة كالواجب المؤقت المضيق، فلا يجري فيه تعجيل ولا إعادة، لأن وقته لا يتسع إلا للأداء، فإن فات الوقت فهو قضاء، كما أن الإعادة قد تتحقق في الواجب المطلق عن الوقت، كمن صام نذرًا مطلقًا أو صام للكفارة، وارتكب فيه محرمًا، أو أطعم عشرة مساكين في الكفارة وشك في إشباعهم، فأراد الإعادة للاحتياط فيكون فعله إعادة لتدارك الخلل في أداء الواجب المطلق (1)، كما يرى بعض العلماء صحة إعادة المندوب.

‌‌ثالثًا: القضاء:
عرفه ابن الحاجب بقوله: هو فعل الواجب بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا (2).
فمتى مضى الوقت المحدد للواجب فقد ثبت في الذمة، ويجب على المكلف قضاؤه، سواء أخره عمدًا أم سهوًا، وسواء أكان متمكنًا من فعله كالمسافر والمريض اللذين يفطران في رمضان، أم غير متمكن شرعًا كالحائض في رمضان، أم غير متمكن عقلًا كالنائم عن الصلاة (3)، ويدخل في القضاء من مات فحج عنه وليه فإنه يكون قضاء، لأن الحج واجب في العمر، وقد فات العمر (4).--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 77.
(2) مختصر ابن الحاجب: ص 35، وانظر: نهاية السول: 1 ص 85، تيسير التحرير: 2 ص 199، فواتح الرحموت: 1 ص 85، حاشية البناني: 1 ص 110، الإحكام، الآمدي: 1 ص 103، التلويح: 2 ص 74، كشف الأسرار: 1 ص 134، أصول السرخسي: 1 ص 44، التبصرة: ص 67.
(3) المراجع السابقة، وعرفه النووي فقال: "هو فعل العبادة بعد وقتها المحدد" المجموع: 6/ 118.
(4) نهاية السول: 1 ص 85، وانظر أنواع القضاء في أصول السرخسي: 1 ص 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

اتفق الفقهاء على وجوب قضاء الواجبات التي، يؤدها المكلف في وقتها المحدد لها شرعًا، كالصلاة والصيام، سواء أكان عدم الأداء لعذر أم لغير عذر، ثم اختلفوا في دليل قضاء الواجب، فذهب جمهور الأصوليين إلى أن القضاء يثبت بدليل جديد غير دليل الواجب لأن الواجب المؤقت -كما سبق- واجبان، واجب الفعل وواجب الوقت، وطلب فعله يشمل الأمرين أي أداء الواجب في الوقت المحدد، فإذا فات الوقت فلا بد من دليل جديد للإيجاب، لأن الدليل الأول لا يتضمن القضاء، بينما ذهب الحنفية والحنابلة إلى وجوب القضاء بالدليل الذي أوجب الأداء لشغل الذمة به، وأنه لا تبرأ الذمة إلا بالأداء أو القضاء، فشملها الدليل، وتقييده بالوقت للمصلحة في الثواب والأجر في شرف الوقت (1).
ونختم الكلام عن تقسيم الواجب باعتبار الوقت، وأنواع الواجب المؤقت، لننتقل إلى التقسيم الثاني.

‌‌التقسيم الثاني للواجب باعتبار المقدار:
ينقسم الواجب من حيث تقديره بمقدار معين أو عدم تقديره من الشارع إلى قسمين: واجب محدد وواجب غير محدد، وذلك أن الواجب إما أن يكون مقدرًا من الشارع بحد معين وهو الواجب المحدد، وإما أن يكون غير مقدر من الشارع وهو الواجب غير المحدد.

‌‌أولًا: الواجب المحدد:
وهو الواجب الذي حدد الشارع له مقدارًا معينًا، مثل الزكاة--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: 2 ص 200، فواتح الرحموت: 1 ص 88، التلويح: 2 ص 79، أصول السرخسي: 1 ص 44، التبصرة: 64.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

والصلاة والحدود والكفارات، فقد بيَّن الشارع مقدار الزكاة في كل نوع، وذكر عدد الصلوات وركعاتها، ونص على مقدار الكفارة في اليمين والظهار، وغير ذلك مما حدده الشارع الحكيم، فلا يجوز تغييره (1).

‌‌ثانيًا: الواجب غير المحدد:
وهو الواجب الذي لم يحدد الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد (2)، وترك ذلك لأهل الذكر من العلماء وأهل الحل والعقد من هذه الأمة، مثل مقدار التعزير على الجرائم التي نهى الشارع عنها، ولم يحدد مقدار العقوبة لها، لأن القصد تحقيق العدالة، وهذا يختلف بحسب الأشخاص والأزمان والأماكن والظروف، مثل مقدار النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، ومثل الإنفاق في سبيل اللَّه وإطعام الجائع والدفع بالتي هي أحسن، والدعوة في سبيل اللَّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المقصود فيها سد الحاجة وتحقيق الهدف منها، وهذا يختلف أيضًا باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن.
ويترتب على هذا التقسيم أن الواجب المحدد يثبت دينًا في الذمة، ويجب أداؤه في وقته، أو قضلؤه بعد وقته، أما الواجب غير المحدد فلا يثبت دينًا في الذمة إلا بعد تعيينه من المكلف أو من السلطة المنوط بها التعيين.
ومثال ذلك النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، قال الحنفية: إنها واجب غير محدد، وبالتالي فلا تشغل الذمة بها إلا بعد تعيينها من القضاء أو بالتراضي، ولا يحق للزوجة أو القريب أن يطالب بها عن--------------------------------------------
(1) الموافقات: 1 ص 97، أصول الفقه، خلاف: ص 123، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 58.
(2) الموافقات: 1 ص 97، مباحث الحكم: ص 81.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

الفترة التي سبقت القضاء أو التراضي.
وقال الجمهور: إنها واجب محدد بحال الزوج والقريب يسرًا وعسرًا، وبما يكفي لسد الحاجة، ولذا فإنها تثبت في الذمة، وتصح المطالبة بها قبل القضاء أو التراضي، لأن القضاء أظهر مقدارها فقط (1).
والحكمة من هذا التقسيم أنه يعطي نموذجًا من النماذج التي تدل على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأن المشرع الحكيم حدد بعض الواجبات نظرًا لأهميتها، لأنها أمور جوهرية في الحياة لا يصح التنازع فيها ولا الاختلاف عليها، لأنها تمس كيان الأمة في دينها ودنياها، أو لأن العقل البشري يعجز عن بيان المقدار المجدي فيها كعدد الصلوات ومقدار الزكاة والحدود، بينما ترك الشارع الحكيم تحديد بعض الواجبات الأخرى، وخول أهل الذكر بها، ليكون مقدارها متناسبًا مع الظروف والناس والأحوال التي تحيط بصاحبها، ولجريان التطور والتجدد واختلاف البيئات والنفوس (2).

‌‌التقسيم [الثالث] (*) باعتبار المكلف:
ينقسم الواجب من جهة المكلف بأدائه إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي.--------------------------------------------
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 34، أصول الفقه، خلاف: ص 125، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 59.
(2) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 113، أصول الفقه، الخضري: ص 47، المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 28، ويجب التنبيه إلى خطأ يقع فيه كثيرون بالنقل عن الشافعية الذين يفرقون في النفقات، فهم يقولون: إن نفقة الزوجة فقط تثبت في الذمة، أما نفقة الأقارب فلا تثبت إلا بحكم القاضي، انظر: المهذب: 4/ 632، ط محققة.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (الثاني)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

‌‌أولًا: الواجب العيني:
وهو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين (1)، وسمي واجبًا عينيًا لأن خطاب الشارع يتوجه إلى كل مكلف بعينه، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه بنفسه، ولا يجزئه قيام مكلف آخر به، فلا بد من أدائه من جميع المكلفين كالصلاة والزكاة والحج والوفاء واجتناب الخمر والميسر.
وحكمه أن كل مكلف ملتزم به، وأن ذمته مشغولة به حتى يؤديه بنفسه، فإن قام به فله الأجر والثواب، وإن تركه فهو آثم وعليه العقاب (2).
ويقصد الشارع من هذا الواجب أمرين: القيام بالواجب من جهة، والتزام كل فرد بعينه به من جهة أخرى (3).

‌‌ثانيًا: الواجب الكفائي:
وهو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد بعينه، فإن قام به بعض المكلفين فقد تأدى الواجب وسقط الإثم عن الباقين، وسمي واجبًا كفائيًا لأن قيام بعض المكلفين به يكفي للوصول إلى مقصد الشارع، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد السلام،--------------------------------------------
(1) نهاية السول: 1 ص 117، أصول الفقه، خلاف: ص 122، ويقول الإسنوي: إن
فرض العين قد يتناول واحدًا معينًا كالضحى والتهجد وغيرها من خصائص النبي
صلى الله عليه وسلم، وانظر الموافقات: 1 ص 100.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 122.
(3) وقد يكون الواجب العيني مطلوبًا من فرد واحد بعينه، وذلك في حالات انقلاب الواجب الكفائي إلى واجب عيني، كطبيب واحد في بلد، وسباح واحد أمام الغريق، وعالم واحد يصلح للقضاء وتتوفر فيه شروطه، فكل مهم يجب عليه بعينه القيام بالعمل، وهذا واجب عيني عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)

والجهاد واكتساب أنواع العلوم المختلفة وأنواع الصنائع وصلاة الجنازة … وغيرها (1).
وحكمه أنه يتعلق بكل المكلفين عند الجمهور، فالقادر عليه يقوم بنفسه به، وغير القادر يحث غيره على القيام به، لأن الخطاب موجه لكل مكلف، كقوله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (2)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} [التوبة: 123]، وإذا قام به بعضهم فقد برئت ذمة الجميع، وإن لم يؤده أحد أثم الجميع، لأن القادر لم يؤده، وغير القادر لم يحث عليه (3)، وهذا القسم يعطي صورة من صور التضامن في المجتمع المسلم.
وفي قول بعض الأصوليين: إن الواجب الكفائي يتعلق ببعض المكلفين، وهو بعض مبهم أو معلوم عند اللَّه تعالى، ولا نعلمه، أو هو متعلق بالمشاهد لمقتضى الواجب، بدليل أن الواجب يسقط عن الكل بفعل البعض، ولو كان واجبًا على الكل لم يسقط، إلا بفعلهم، وردَّ عليهم الجمهور بأنه لا تلازم بين وجوب الفعل وبين سقوطه، لأن المقصود وجود الفعل في الواقع، وقد وجد، فلم تبق علة الوجوب (4).
ويقصد الشارع من الواجب الكفائي القيام به فقط دون اعتبار للقائم به، ويتحقق مقصد المشرع متى قام به بعض المكلفين بدون تعيين،--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 35، نهاية السول: 1 ص 119، تيسير التحرير: 2 ص 213، الموافقات: 1 ص 100، فواتح الرحموت: 1 ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 94، الفروق، القرافي: 1 ص 116.
(2) رواه ابن ماجه وابن عبد البر عن أنس.
(3) المراجع السابقة في الهامش قبل السابق، الموافقات: 1 ص 112، الفروق: 1/ 116.
(4) فواتح الرحموت: 1 ص 64، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 177.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

فالمقصود من الواجب الكفائي وجود الفعل، وليس تكليف الأفراد به.
فإذا وجدت هذه الواجبات الكفائية في الأمة فقد تحققت المصلحة المقصودة من تشريعها (1)، قال الإسنوي: لأن فعل البعض كان في تحصيل المقصود منه والخروج من عهدته (2).
والواجب الكفائي إذا انحصر بشخص واحد صار واجبًا عينيًا ويجب عليه القيام به، مثل وجود عالم واحد للفتوى، وشاهد واحد في القضية، وطبيب واحد في البلدة، وسباح واحد أمام الغريق، ففي هذه الأمثلة تعين الواجب على كل منهم، وصار الواجب الكفائي واجبًا عينيًا عليهم (3).
كما ينقلب الواجب الكفائي من جهة أخرى إلى واجب عيني على كل مسلم في بعض الحالات، كالجهاد في سبيل اللَّه، فهو واجب كفائي ولكن إذا تعرضت بلاد المسلمين للغزو أو الاعتداء، فيصبح الجهاد واجبًا عينيًا على كل مكلف قادر يستطيع حمل السلاح وحماية الوطن والذود عن حياضه، وإقامة حكم اللَّه وشرعه في الأرض.

‌‌التقسيم الرابع باعتبار الفعل المأمور به:
ينقسم الواجب من حيث نوع الفعل المطلوب القيام به إلى قسمين:
واجب معين وواجب مخير.

‌‌أولًا: الواجب المعين:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا بعينه، أي: إن الفعل مطلوب--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: 2 ص 113، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 115، الفروق: 1 ص 116.
(2) نهاية السول: 1 ص 118.
(3) أصول الفقه، خلاف: ص 123، وانظر تفصيل حكم تحمل الشهادة وأدائها وانتقاله إلى واجب عيني في رسالتنا وسائل الإثبات: 1 ص 108 - 109.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)

بعينه، كالصلاة والصيام وثمن المبيع ورد المغصوب (1).
وحكمه وجوب أداء هذا الفعل بعينه، وإن ذمة المكلف لا تبرأ إلا بأدائه، وإن الأمر متعلق بعين الواجب المعين.

‌‌ثانيًا: الواجب المخير:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة وحكم الأسرى (2)، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، فاللَّه سبحانه وتعالى خير الحالف بين الإطعام أو الكساء أو تحرير الرقبة، ومثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4]، فالآية خيرت الإمام بين المن على الأسرى أو أخذ الفداء منهم وأضافت السنة: القتل والاسترقاق.
وحكم الواجب المخيّر أن المكلف بالخيار في أن يخصص واحدًا من الأمور المخير فيها بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد.
وقال جمهور العلماء: إن الواجب المخير منصب على إحدى هذه المأمورات للقطع بصحة القول "أوجبت أحد هذه الأمور" فإن هذا القول لا يوجب جهالة مانعة من الامتثال لحصول التعيين بالفعل، وقال المعتزلة: إن الواجب يتعلق بجميع المأمورات المخير بينها، وفي قول--------------------------------------------
(1) نهاية السول: 1 ص 56، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 59، أصول الفقه، خلاف: 125، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 91، مباحث الحكم: ص 83، الفروق: 3 ص 16، التبصرة: ص 70.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 66، المستصفى: 1 ص 67، الإحكام، لابن حزم: 1 ص 319، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 60، ويسمى هذا الواجب بالواجب المبهم عند كثير من الأصوليين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

عندهم: إن الواجب يتعلق بواحد معين عند اللَّه تعالى (1).
والواجب المخير نوعان، نوع يجوز الجمع فيه بين الأمور المخير بينها، كخصال الكفارة، ونوع لا يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها، مثل إذا تقدم إلى الخلافة عدة أشخاص فيجب على الأمة اختيار واحد منهم ليكون خليفة، ولا يجوز الجمع بينهم (2)، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (3).
وقد يتضيق الواجب المخير من عدة أفعال إلى فعلين مثلًا، أو يتعين بفعل واحد، فالحالف مثلًا مخير في كفارة اليمين بثلاثة أشياء، والآن مخير بين أمرين فقط، وهو الإطعام والكساء، بعد إلغاء نظام الرق عالميًّا، وكذلك فإن تخيير الحاكم في الأسرى تضيق بعد معاهدة جنيف في معاملة الأسرى بمنع القتل ومنع الاسترقاق.

‌‌مقدمة الواجب:
ونختم الكلام على الواجب بمسألة أصولية هامة يطلق عليها الأصوليون اصطلاح مقدمة الواجب، أو يعبرون عنها بعبارة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقبل بيان هذه المسألة نقدم تمهيدًا لها في بيان أقسامها.

‌‌أقسام مقدمة الواجب:
المقدمة إما أن تكون مقدمة وجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، أي شغل الذمة به، كدخول الوقت بالنسبة للصلاة، فهو--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب، ص 36، نهاية السول: 1 ص 97، تيسير التحرير: 2 ص 212 فواتح الرحموت: 1 ص 66، الإحكام، الآمدي: 1 ص 94، المستصفى: 1 ص 68، التبصرة: ص 70.
(2) تسهيل الوصول: ص 259، نهاية السول: 1 ص 96، فواتح الرحموت: 1 ص 66.
(3) رواه مسلم في كتاب الإمارة 12 ص 242.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

مقدمة لوجوب الواجب في ذمة المكلف، وكالاستطاعة لوجوب الحج، وحولان الحول لوجوب الزكاة.
وإما أن تكون مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب بشكل صحيح، أي صحة تفريغ الذمة من الواجب، إما من جهة الشرع، كالوضوء بالنسبة للصلاة، فلا توجد الصلاة الصحيحة إلا بوجود الوضوء، والعدد بالنسبة لصلاة الجمعة، وإما من جهة العقل، كالسير وقطع المسافة للحج (1).
كما تكون المقدمة إما سببًا للواجب، كالبلوغ ودخول الوقت للصلاة والصوم، والصيغة للعتق الواجب بنذر أو كفارة، والاعتداء والقتل للضمان والقصاص، وإما أن تكون شرطًا للواجب كالعقل للتكليف بالواجب، والقدرة للحج، والطهارة للصلاة (2).

ثانيًا:‌‌ حكم مقدمة الواجب:
اتفق العلماء على أن مقدمة الوجوب ليست واجبة على المكلف لأنها ليست في مقدوره، مثل دخول الوقت والاستطاعة وحولان الحول (3).
أما مقدمة الوجود فهي نوعان، نوع لا يقدر المكلف على فعله--------------------------------------------
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 18 وما بعدها، نهاية السول: 1 ص 127، مباحث الحكم، مدكور: 89، المستصفى: 1 ص 71، البرهان، للجويني: 1 ص 257.
(2) السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسوف ندرس كلًّا منهما بالتفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وانظر الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 103، نهاية السول: 1 ص 123، تيسير التحرير: 2 ص 115.
(3) مباحث الحكم: ص 90، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 61، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 119، المستصفى: 1 ص 71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

فلا يجب عليه، كحضور العدد في صلاة الجمعة، ونوع يقدر المكلف على فعله، مثل صيام جزء من الليل حتى يكون صوم النهار الواجب صحيحًا، ومثل غسل جزء من الرأس، حتى يكون غسل الوجه الواجب في الوضوء صحيحًا، فهذا النوع واجب باتفاق العلماء (1)، وهو المقصود من مقدمة الواجب، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
لكنهم اختلفوا في دليل الإيجاب، هل هو نفس دليل الواجب الأصلي، أم هو بدليل جديد؟ أي هل إيجاب الواجب يدل على إيجاب مقدمته أم لا يدل عليها، ولا بد من إيجاب جديد (2)، اختلفوا على عدة مذاهب نذكر اثنين منها:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن دليل الواجب يدل على وجوب المقدمة، سواء أكانت سببًا أم شرطًا، لأن التكليف بالواجب بدون التكليف بمقدمته يؤدي إلى التكليف بالمحال، وهو ممنوع، وأن السعي إلى تحصيل أسباب الواجب واجب، وأن السعي في تحصيل أسباب الحرام حرام، باتفاق، فكان دليل الواجب دليلًا للمقدمة.
الثاني: وهو عكس الأول، وهو أن مقدمة الواجب لا تجب بإيجاب الواجب، وإنما تحتاج إلى إيجاب جديد، لأنه لو وجبت المقدمة بدليل الواجب الأول لوجب التصريح بها، مع أن المقدمة لا يصرح بها، أو لكانت واردة في ذهن المخاطب مع أنه كثيرًا ما يغفل عنها، فإثبات--------------------------------------------
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 120، المستصفى: 1 ص 71، فواتح الرحموت: 1 ص 95، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 61، مختصر ابن الحاجب: ص 38، تيسير التحرير: 2 ص 216.
(2) يعبر عن ذلك أمير بادشاه بقوله: أي ما يتوقف عليه الواجب وجوبه بسبب وجوب ذلك الواجب، تيسير التحرير، له: 2 ص 216.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)

إيجاب المقدمة لشيء لا يقتضيه الخطاب فيكون باطلًا (1).
وهناك آراء أخرى تفرق بين السبب والشرط، وبين الشرط الشرعي والشرط العقلي وغيره، وذلك أن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشؤه الشرع فهو شرط شرعي، كالطهارة بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العقل فهو شرط عقلي، مثل ترك ضد من أضداد المأمور به، كالأكل بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العادة فهو شرط عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح، وغسل جزء من الرأس بالنسبة لغسل الوجه، فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس (2).
وتفصيل هذا الموضوع دقيق ولا طائل تحته، ولذا نكتفي بهذا الجزء منه، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في المضيق (3).
فائدة: يقول القرافي رحمه اللَّه تعالى: "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة" (4).--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم: ص 91، المستصفى: 1 ص 72، فواتح الرحموت: 1 ص 95، الإحكام، الآمدي: 1 ص 104، مختصر ابن الحاجب: 1 ص 39، نهاية السول: 1 ص 120.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 118.
(3) الإحكام، له: 1 ص 14.
(4) شرح تنقيح الفصول: ص 449.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)

‌‌المطلب الثاني في المندوب
‌‌تعريف المندوب:
المندوب أصله المندوب إليه، وحذف الجار والمجرور تخفيفًا وتسهيلًا، والمندوب في اللغة: المدعو إليه والمستحب، والندب: الدعاء إلى أمر مهم (1)، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا
وفي الاصطلاح: نذكر تعريفين له -كما فعلنا في الواجب- أحدهما: يتعلق بالماهية في دليل الحكم، والثاني: يتعلق في أثر الخطاب بالمدح والذم أو بالثواب والعقاب.

‌‌التعريف الأول:
المندوب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم (2).--------------------------------------------
(1) المصباح المنير: 2 ص 819، القاموس المحيط: 1 ص 131.
(2) عرف بعض الأصوليين المندوب بأنه الذي يكون فعله راجحًا في نظر الشارع، أي راجحًا على تركه، أو راجحًا طلبه بدون جزم، (انظر: إرشاد الفحول: ص 6، نهاية السول: 1 ص 40، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 80، 89، أصول الفقه، الخضري: ص 51).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)

1 - ما: اسم موصول بمعنى الذي، صفة فعل المكلف، لأن المندوب هو الفعل الذي تعلق به الندب، والندب حكم شرعي يتعلق بأفعال المكلفين، ولفظ "ما" يشمل كل فعل يتعلق به أحد الأحكام الخمسة، ويخرج فعل غير المكلف كفعل اللَّه تعالى، فلا يوصف بالندب والإيجاب.
2 - طلب الشارع فعله: وذلك بخطاب اللَّه الاقتضائي، ويدخل في التعريف الواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه والمحرم؛ لأن الشرع لم يطلب فعلها، وتخرج الأحكام الوضعية أيضًا.
3 - طلبًا غير جازم: يخرج الواجب بأنواعه، لأن الشارع طلبه طلبًا جازمًا، والطلب غير الجازم إما أن يكون صريحًا أو غير صريح، كما سنرى قريبًا.
فالمندوب هو فعل المكلف الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم ولا حتمي.

‌‌التعريف الثاني:
عرف البيضاوي المندوب فقال: "هو ما يحمد فاعله ولايذم تاركه" (1).
1 - ما يحمد: ما اسم موصول صفة لفعل المكلف -كما سبق- الحمد لغة: الثناء بالجميل على فعل الجميل، والمراد به هنا الثواب من اللَّه تعالى، ويخرج من التعريف المباح، لأنه لا حمد فيه على الفعل،--------------------------------------------
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 57، منهاج الوصول: ص 5، نهاية السول: 1 ص 58، إرشاد الفحول: ص 6، المستصفى: 1 ص 66. كشف الأسرار: 2 ص 623، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 52، التلويح: 3 ص 78، الحدود في الأصول، الباجي: ص 55.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)

ولا حمد فيه على الترك.
2 - فاعله: قيد أول يخرج المكروه والحرام، فإنه يحمد تاركهما، وحمد الفاعل يدخل فيه الواجب والمندوب.
3 - ولا يذم تاركه: يخرج الواجب بأنواعه، لأن تارك الواجب مذموم، أما تارك المندوب فلا يذم ولا يعاقب، لأن الشارع تركه بدون جزم.
وأضاف بعض العلماء لفظ "مطلقًا" على التعريف، أي لا يذم تاركه مطلقًا في جميع حالات الترك، لإخراج الواجب المخير، لأن المخاطب لا يذم على تركه في الجملة إذا فعل واحدًا من المأمورات، ولإخراج الواجب الموسع، لأن المكلف لا يذم على تركه في أول الوقت، فالذم في الواجب المخير بترك جميع المأمورات، والذم في الواجب الموسع بتركه حتى فوات الوقت (1)، ويخرج المباح لأنه لا يذم تاركه.
وذهب كثير من الأصوليين إلى اختيار الجمع بين التعريفين في المندوب، فعرفه الآمدي بقوله: "هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا" (2).

‌‌حكم المندوب:
ويظهر حكم المندوب من التعريف الثاني، وهو أن فاعله يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وتاركه لا يستحق العقاب.
ويطلق العلماء على المندوب أسماء أخرى، كالسنة والنافلة--------------------------------------------
(1) المستصفى: 1 ص 66، كشف الأسرار: 2 ص 623، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111، نهاية السول: 1 ص 59.
(2) الإحكام، له: 1 ص 111.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)

والمرغب فيه والمستحب والإحسان، قال ابن السبكي: والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة (1)، وخص بعض العلماء لفظ السنة بما واظب عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كالوتر، والمستحب بما لم يواظب عليه، والتطوع باختيار بعض الأفعال اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاللبس والأوراد (2).

‌‌الأساليب التي تفيد الندب:
الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها هي:
1 - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في رمضان: "سننت لكم قيامه" (3).
2 - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} فلفظ {اكتبوه} أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، فكتابة الدَّيْن مندوب، لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فلفظ كاتبوهم أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا--------------------------------------------
(1) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 89.
(2) منهاج الوصول: ص 5، إرشاد الفحول: ص 6، حاشة البناني: 1 ص 89، 90، كشف الأسرار: 1 ص 622، نهاية السول: 1 ص 59، ألمدخل إلى مذهب أحمد: ص 62، المجموع للنووي: 3/ 496.
(3) رواه النسائي وابن ماجه، انظر سنن النسائي: 4 ص 158، ط مصطفى محمد، سنن ابن ماجه: 1 ص 421.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)

الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب (1).
3 - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه" (2)، فالحديث لم يرتب عقوبة على ترك الرخصة.
4 - مواظبة الرسول صلى الله عليه وسلم على الفعل في معظم الأحيان، وتركه في حالة أو في بعض الأحيان، ليدل على عدم العقاب على الترك، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو بعدها.
5 - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم (3)، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (4) ومثل قوله: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (5)، وقوله: "إن اللَّه جميل يحب الجمال" (6).
فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب وبيان الفضل والترغيب في الفعل.--------------------------------------------
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 93، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 77.
(2) رواه أحمد والبيهقي والطبراني.
(3) مباحث الحكم: ص 93، وانظر: المعتمد: 1 ص 386.
(4) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة عن سمرة.
(5) رواه الترمذي والحاكم عن عبد اللَّه بن عمرو.
(6) رواه مسلم والترمذي والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)

‌‌هل المندوب مأمور به:
بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟
اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:
القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية (1)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.
واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به (2).
2 - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.
واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة (3).--------------------------------------------
(1) المستصفى: 1 ص 75، فواتح الرحموت: 1 ص 111، الإحكام، الآمدي: 1 ص 112 تيسير التحرير: 2 ص 222 وما بعدها، المسودة في أصول الفقه: ص 11 وما بعدها 15، أصول السرخسي: 1 ص 14، البرهان، للجويني: 1 ص 249.
(2) البرهان: 1 ص 249، فواتح الرحموت: 1 ص 112.
(3) فواتح الرحموت: 1 ص 112.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)

3 - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.
القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط (1).
ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا (2).
2 - قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (3)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أمر به لكان واجبًا.--------------------------------------------
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 111، تيسير التحرير: 2 ص 224، مباحث الحكم: ص 94، أصول السرخسي: 1 ص 14 وما بعدها.
(2) المستصفى: 1 ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 113.
(3) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد ومالك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)

واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة (1).
3 - الأمر حقيقة في لفظ "افعل"، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب (2).
وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية.

‌‌أقسام المندوب:
يقسم العلماء المندوب إلى ثلاثة أقسام:

‌‌أولًا: السنة المؤكدة:
وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكنه يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب على وجه التأكيد، ويشمل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح وسنة الظهر وسنة المغرب وسنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
والضابط لهذا القسم أنه ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدى (3).--------------------------------------------
(1) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 62.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 111، تيسير التحرير: 2 ص 223.
(3) التوضيح على التنقيح: 3 ص 76، أصول الفقه، الخضري: ص 51، مباحث الحكم، مدكور: ص 95، أصول الفقه الإسلامي، زكي الدين شعبان: ص 238.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)