والجماعة فإنه يسرهم ما يلقيه الخطباء في المسجد الحرام وغيره من الدعوة إلى الخير والنصيحة للمسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع على وجه العموم ومن بدعة المولد النبوي على وجه الخصوص لأن هذه البدعة قد استطار شرها وعظم الافتتان بها عند كثير من المنتسبين إلى العمل. فضلاً عن العوام، وللخطباء أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يحذر في خطبه من البدع ويصفها بالشر والضلالة ويقول إن كل ضلالة في النار. وكان يأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته «من رغب عن سنتي فليس مني» فليتأمل الكاتب هذا الحديث حق التأمل. وليختر لنفسه ما يناسبه من أحد الأمرين اللذين لا بدّ له من أحدهما. إما مقابلة هذا الحديث وما في معناه بالقبول والتسليم وترك البدع والأعمال التي ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وإما مقابلته ومقابلة ما في معناه من الأحاديث بالاستثقال وقلة المبالاة بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من البدع وأمره بردها.
ولا ينس الكاتب قول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} وقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.
الوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب قد نقل عن شيخ الإسلام ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
تيمية رحمه الله تعالى أنه قال. أما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات. ثم قال الكاتب ونحن مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وهو الحق الذي ندين له انتهى. وبناء على هذا القول من الكاتب فإني أذكره بما تقدم في كلام ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري، ففيما ذكروه كفاية في بيان المنكرات التي يحتوي عليها الاحتفال بالمولد النبوي، وقد ذكر رشيد رضا أنهم قد جعلوا الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع، وقال أيضاً إنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. وقال أيضاً إن الحفلات المولدية مشتملة على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه الحفلات. وذكر الشقيري عنهم من الهمجية ومنكرات الأقوال والأفعال ما تشمئز منه قلوب أهل الإيمان. فليراجع الكاتب كل ما ذكروه (1) وليحقق قوله إنه مع شيخ الإسلام في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به، ولا ينسى قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
الوجه الخامس: أن يقال إن الكاتب قد زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به. وهذا في الحقيقة حِبْر على ورق وقول قد خالفه العمل من الكاتب لأنه قد جدّ واجتهد في تأييد بدعة المولد وبذل ما في وسعه في معارضة الذين يذمون هذه البدعة وينهون عنها.--------------------------------------------
(1) 208 - 210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
فإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي خالٍ من المنكرات وأنه مجرد إحياء لذكرى وتعبير عن الحب واجتماع على ذكر كما قد صرح بذلك فيما تقدم من كلامه (1).
فالجواب: أن يقال أولاً إن نفس الاحتفال بالمولد النبوي يعد من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها. والدليل على أنه من المنكرات قول الله تعالى في صفة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته بالاحتفال بليلة مولده فإن الاحتفال بها يخرج من مسمى المعروف ويدخل في مسمى المنكر. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بليلة مولده ولم يحتفل بها أحد من الخلفاء الراشدين فإن الاحتفال بها يكون من البدع التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفها بالضلالة وأخبر في حديث آخر أنها من شر الأمور وأنها في النار وأمر بردها على وجه العموم. وفي هذا أوضح دليل على أن الاحتفال بالمولد النبوي داخل في مسمى المنكرات التي أخبر الله تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمته عنها. وما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالشر والضلالة وأخبر أنه في النار وأمر برده فهو من المنكرات وإن لم يقترن به شيء آخر منها.
ويقال ثانياً: إن خلو الاحتفال بالمولد النبوي من المنكرات نادر والنادر لا حكم له وإنما الحكم للغالب، والغالب على الاحتفالات--------------------------------------------
(1) ص: 197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
المولدية أنها لا تخلو من المنكرات. وقد تقدم ما ذكره ابن الحاج والفاكهاني ورشيد رضا والشقيري عن الاحتفالات المولدية وما يكون فيها من منكرات الأقوال والأفعال. فليراجع الكاتب ما ذكروه إن كان كما زعم أنه مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به، وإن اتهم الكاتب هؤلاء العلماء المعروفين بسعة الإطلاع فيما ذكروه عن الاحتفال المولدية كما اتهم خطيب المسجد الحرام فيما ذكره عنها مما هو معلوم بالاستفاضة عند كثير من علماء أهل السنة فليسافر إلى البلاد المجاورة للبلاد العربية وخصوصاً البلاد المجاورة لها من ناحية المغرب وما يتصل بها من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام وليحضر احتفالهم بالمولد النبوي حتى يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ما يذعره إن كان في قلبه إيمان. أو ما يعجبه إن كان من ذوي القلوب المريضة.
وإن قال الكاتب إن الاحتفال بالمولد النبوي لا يقصد به العبادة ولا أنه عمل ديني كما قد زعم ذلك فيما تقدم من كلامه (1). فليراجع ما ذكره رشيد رضا عنهم (2) أنهم قد جعلوه من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من الشارع، وقوله أيضاً أنه تشريع ظاهر مخالف لنص إكمال الدين وناقض له. ومن له معرفة برشيد رضا وما له من سعة الاطلاع والمعرفة بما يكون من الاحتفالات المولدية من البدع وأنواع المنكرات لا يشك في صحة ما ذكره عن المحتفلين بالمولد النبوي وأنهم قد اتخذوا الاحتفال به عبادة وعملاً دينياً.
ثم إني أحيل الكاتب إلى ما ذكره زميله في الافتتان ببدعة المولد النبوي فإنه قد زعم في مواضع عديدة من كتابه المسمى بـ «الذخائر--------------------------------------------
(1) ص: 197.
(2) ص: 210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
المحمدية» أن عمل المولد مطلوب شرعاً. وذلك في صفحة 269 وصفحة 270 - 271 وصفحة 272 وصفحة 274. وزعم في صفحة 273 أنه مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج وزعم في صفحة 271 أن الاجتماع للمولد سنة. وقال آخر من المفتونين ببدعة المولد والمقلدين لصاحب «الذخائر» في مقال له منشور في جريدة السياسة الكويتية في سنة 1402 هـ إن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً. وزعم أيضاً أنه سنة مباركة. وزعم أيضاً أن الاجتماع لعمل المولد أمر مشروع في الإسلام وقاسه على أعمال الحج.
وإذا كان الأمر قد وصل بالمفتونين بالاحتفال بالمولد إلى اتخاذه عبادة وجعله من شعائر الإسلام ومن السنن والأعمال المطلوبة شرعاً، فما بال الكاتب يتعامى عن ذلك ويستعمل التمويه في كلامه ويقول: إن أكثرية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقيمون الاحتفال بالمولد لا كعبادة ولا على أنه عمل ديني. أما علم أن العبادة تطلق على كل من الواجبات والمسنونات والمستحبات، فإن كل مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كل ما قاله وأنه الحق الذي يدين به فلينكر على صاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وأنه مطلوب شرعاً، ولينكر على الكويتي المقلد لصاحب «الذخائر» ما زعمه من سنية الاحتفال بالمولد وقوله إنه سنة مباركة وأنه أمر مشروع في الإسلام، ولينكر على كل من سار على هذه الطريقة السيئة. وإن لم يفعل فليكف أذاه عن خطيب المسجد الحرام وغيره من علماء أهل السنة. ولا ينس قول الله تعالى: {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
الوجه السادس أن يقال: إن النهي عن الاحتفال ببدعة المولد والتحذير مما يكون فيه من منكرات الأقوال والأفعال ليس من السب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
المحرم كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون، وذلك لأن الخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة لم يذكروا أناساً بأعيانهم وإنما كان كلامهم مجملاً وموجهاً إلى كل من خالف السنة وارتكب ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه من البدع والمنكرات الأقوال والأعمال، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. أو يفعلون كذا وكذا». ولو كان هذا من السب المحرم والأذية للمؤمنين في عقائدهم وأسماعهم لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عنه، وللخطيب في المسجد الحرام وغيره من خطباء أهل السنة أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: إن الإسلام دين اليسر والرفق، وتعاليمه في ذلك واضحة وصريحة {ما جعل عليكم في الدين من حرج} «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» «يسروا ولا تعسروا» {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وإساءة بعض المسلمين في استعمال اليسر والرفق والسماحة لا ينبغي أن يقابل بالتشديد والتعسير والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. ولا يسع أن يكون ذلك حجة يمحى بها كلمات اليسر والرفق من قاموس الإسلام بحجة سد الذرائع.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن إيراد الكاتب للآيتين والحديثين ظاهر في أنه أراد بذلك في الاستدلال على أنه ينبغي التسامح في الاحتفال بالمولد النبوي وأن ذلك من التيسير ورفع الحرج المذكورين في الآيتين والحديث وأنه أيضاً من الرفق والسماحة، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
النهي عنه من التعسير والحرج والتشديد والقسوة على جميع المسلمين والتضييق عليهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. وهذا الاستدلال خطأ ظاهر وهو من القول على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم وذلك من أعظم المحرمات.
يوضح ذلك الوجه الثاني وهو أن المراد باليسر ورفع الحرج استعمال الرخص التي رخص فيها الشارع عند الحاجة، قال ابن كثير في الكلام على قول الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث. وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً فإن لم يستطع فعلى جنبه. إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات انتهى. وقال البغوي معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه. وقيل من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا. وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعداً عند العجز عن القيام، وهو قول الكلبي، وروي عن ابن عباس أنه قال الحرج ما كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في الحرج الذي رفعه الله تعالى فقال عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك. وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه والغريم ومن له والدان، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وروي عن ابن عباس والحسن البصري أنه هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، وكذلك الفطر والأضحى. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سُئل يوم النحر عن أشياء فما يُسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج» انتهى.
وأما قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فالمراد به إباحة الفطر في المرض والسفر كما يدل على ذلك سياق الآية الكريمة. وقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال: «اليسر الإفطار في السفر والعسر الصيام في السفر» وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم مثله. وروى أيضاً عن مجاهد قال هو الإفطار في السفر وجعل عدة من أيام أخر. وقال البغوي قوله تعالى: {يريدُ الله بكم اليسر} بإباحة الفطر في المرض والسفر.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي بوجه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
من الوجوه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر به قط، وقد نهى عن محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها على وجه العموم. والاحتفال بالمولد من المحدثات فيجب اجتنابه عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق على صحته: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
قال النووي في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن وإذا وجب إزالة المنكرات أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه، وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهياً عنه في هذا الحال انتهى.
وقال النووي أيضاً في «شرح الأربعين» قوله صلى الله عليه وسلم: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» أي اجتنبوه جملة واحدة لا تفعلوه ولا شيئاً منه انتهى. وقال ابن رجب في كتابه المسمى «جامع العلوم والحكم» قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة. وروي هذا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى انتهى.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» فالمراد به التيسير وعدم التعسير في الأمور الواجبة وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في «كتاب الأدب» من «فتح الباري» المراد بالأمر بالتيسير فيما كان من النوافل مما كان شاقاً لئلا يفضي بصاحبه إلى الملل فيتركه أصلاً أو يعجب بعمله فيحبط وفيما رخص فيه من الفرائض كصلاة الفرض قاعداً للعاجز والفطر في الفرض لمن سافر فيشق عليه انتهى.
وفيما ذكرته عن العلماء في بيان المراد من الآيتين والحديثين أبلغ رد على الكاتب الذي قد حمل كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على غير المراد منهما وخالف أقوال المفسرين وغيرهم من أكابر العلماء في ذلك. فليتأمل الكاتب أقوالهم حق التأمل لعل الله ينور بصيرته ويوفقه لاتباع الحق واطراح الباطل، وليتأمل أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وليقابل الحديثين بالقبول والتسليم وليعلم أنه لا غضاضة عليه في الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ فقد اعترف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخطئه على رءوس الأشهاد وقال وهو على المنبر «أصابت امرأة وأخطأ عمر» وذلك حين نهى الناس عن المغالاة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: {وآتيتم إحداهم قنطاراً من ذهب} وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» رواه أبو يعلى وابن المنذر وغيرهما من طرق عن عمر رضي الله عنه. وقد عد العلماء رجوع عمر إلى الحق واعترافه بخطئه على رءوس الأشهاد من مناقبه. وللكاتب أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.
الوجه الثالث: قال القرطبي في تفسيره قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلّابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين انتهى.
قلت: ومن هذا الباب العمل ببدعة المولد وغيرها من محدثات الأمور لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر منها ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها. وما كان بهذه المثابة ففي العمل به حرج شديد لما يترتب على ذلك من مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتكاب نهيه.
الوجه الرابع أن يقال: إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين، فأما الشرك والبدع والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها، بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من حاول التيسير ورفع الحرج عن الذين يعملون بدعة المولد ولم يبال بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من البدع وأمره بردها ولا بقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: وإذا كان في برامج الاحتفال بالمولد النبوي مخالفات أو منكرات فلماذا لا نحاول تنقية الاحتفالات من هذه المخالفات ونضع برامج جديدة سليمة لأمثال هذه الاحتفالات ونقيم نموذجاً ندعو الناس إليه ويحقق لهم ما يصبون إليه من لحظات روحية لا يمارس فيها إلا كلّ مشروع مباح من الذكر والدعاء واستذكار لأخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته. لماذا لا يشارك التلفزيون بتقديم هذه الحفلات النموذجية ليتخذها الناس قدوة ويتعلمون منها ويقيمون مثلها أو يكتفون بالجلوس إلى التلفزيون فليس كل الناس يريدون المسلسلات والمسرحيات، وليكن التلفزيون مشتركاً بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة. والبدع كلها من المنكرات ولو لم يقترن بها شيء آخر من منكرات الأقوال أو الأفعال، وقد صرح كثير من أكابر العلماء بأن عمل المولد بدعة، وقد ذكرت أقوالهم في كتابي المسمى بـ «الرد القوي» فلتراجع هناك، وقال رشيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
رضا: هذه الموالد بدعة بلا نزاع. وقال ابن الحاج إنه بدعة وإن خلا من المفاسد.
قلت وكثير من المفتونين ببدعة المولد يعترفون بأنها بدعة ولكنهم يقولون إنها بدعة حسنة، وليس على استحسانهم لها دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وإنما استحسنوها متابعة لأهوائهم وما وجدو عليه آباءهم وشيوخهم ومن يعظمونهم من أهل بلادهم وغير بلادهم.
ومن زعم أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان خالياً من المفاسد ومنكرات الأقوال والأفعال فليس ببدعة فلا يخلو من أحد أمرين، إما كثافة الجهل بما تدل عليه عمومات الأحاديث التي سيأتي ذكرها، وإما المكابرة والاستهانة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وليست المخالفة لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وقلة المبالاة بها من الأمور اليسيرة وإنما هي من الأمور الخطيرة لأن الله تعالى قد حذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد ونفى الإيمان عن فاعله فقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.
الوجه الثاني أن يقال: إن الكاتب المفتون بالبدع لم يقتصر على تحسين بدعة المولد النبوي. بل ذهبت به الجراءة السيئة إلى التخطيط لإعلان هذه البدعة ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة وإقامة نموذج منها يدعو الناس إليه ويزين لهم ما توهّم أنه من اللحظات الروحية وهو في الحقيقة مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، ويدعو أيضاً إلى مشاركة التلفزيون بتقديم الحفلات المبتدعة، وهذا في الحقيقة من الدعاء إلى الضلالة وإلى إحياء البدع التي قد أزيلت على يد الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى منذ أن استولى على البلاد التي تقام فيها بدعة المولد وغيرها من البدع، وسوف لا يتم للكاتب تخطيطه السيء ومحاولته لإظهار البدع في البلاد العربية إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهلها، وإنما هم من أهل السنة، وأهل السنة لا يستجيزون العمل بالبدع والأعمال التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم.
الوجه الثالث أن يقال: إن الدعاء إلى إحياء البدع وإظهارها بين المسلمين صريح في المشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حذر من البدع غاية التحذير ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها على وجه العموم ولم يستثن شيئاً منها وقد قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
الوجه الرابع أن يقال: إن كلام الكاتب في تحسين بدعة المولد والتخطيط لإعلانها ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ودعوة الناس إلى ذلك ظاهر في عدم اكتراثه بما يترتب على ذلك من حمل أوزاره كاملة ومن أوزار الذين يضلون بسببه قال الله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون}. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال النووي سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه.
الوجه الخامس: أن يقال من كان يصبو إلى استذكار أخلاق الرسول وأعماله وآدابه وسيرته فليضع له حلقة في المسجد لدرس ذلك على الدوام أو في كثير من الأيام ولا يجعل ذلك خاصاً بليلة المولد لأن ذلك لم يشرع فيها. فتخصيصها بذلك من البدع.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: لقد جربنا المنع والحرب لهذه الحفلات أكثر من نصف قرن فلم نفلح، فلنجرب التصحيح والتنظيم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فذلك في نظرنا أجدى وأنجح.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
- صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه. والمعنى على أحد الأقوال أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي. وهكذا كانت حال الكاتب المفتون بالبدع حيث ألقى عنه جلباب الحياء وطالب بإعادة الحفلات المبتدعة التي قد منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى من حين استولى على البلاد التي كانت تفعل فيها. وإنما منع منها الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى عملاً بالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع والأمر بردها. فجزى الله الملك عبد العزيز خير الجزاء على هذا العمل الطيب وعلى غيره من أفعاله الحسنة التي من أهمها نصر السنة وأهلها وقمع البدع وأهلها، والله المسئول أن يوفق ولاة الأمر من أبنائه للأخذ على أيدي المسيئين الذين يريدون إظهار البدع في البلاد المقدسة بعد المنع منها وتطهير البلاد من أدناسها.
الوجه الثاني: أن يقال: إن السعي لإحياء البدع وإظهارها بعد المنع منها يُعَدّ من السعي في الأرض بالفساد وقد قال الله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال القرطبي في تفسير هذه الآية إنه سبحانه نهى عن كل فساد قَلَّ أو كثر بعد إصلاح قَلَّ أو كثر فهو على العموم على الصحيح انتهى. وقال البغوي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله. وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. وذكر ابن الجوزي في تفسير الآية أقوالاً أحدها لا تفسدوا بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الوجه الثالث: أن يقال: إن التخطيط لإعلان بدعة المولد ووضع البرامج الجديدة لها ولأمثالها من الاحتفالات المبتدعة ليس فيه تصحيح ولا تنظيم يعود بالخير والفلاح والنجاح كما قد توهم ذلك الكاتب المفتون بالبدع. وإنما هو من التخطيط والتلبيس على العوام وأشباههم من ضعفاء البصيرة، وهو أيضاً من الأعمال التي تعود بالمضرة على الدين وأهله كما جاء بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» وهذا يدل على شؤم البدع وعظم مضرتها على الدين وأهله وذلك لما يقع بسببها من رفع السنن عن المسلمين. وروى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» وما كان بهذه المثابة فلا شك أنه من الشر ومن أسباب الخسران المبين. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وما كان متصفاً بهذه الصفات الذميمة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقول عاقل إنه أجدى للفلاح والنجاح وأنه طريق إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإنما يقوله من زُين له سوء عمله فرآه حسناً.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفلاح والنجاح إنما يحصل لمن كان متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم ومتمسكاً بسنته وتاركاً لما حذر منه من البدع والضلالات وما نهى عنه من المعاصي والمخالفات. وقد وعد الله تعالى على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كل خير وتوعد من شاقه وخالف أمره بالوعيد الشديد فقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى: {وأطيعوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
الرسول لعلكم ترحمون} وقال تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} وقال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} وقال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} وقال تعالى متوعداً لمن شاق الرسول صلى الله عليه وسلم وخالف أمره: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} فلا يأمن الكاتب أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هاتين الآيتين لأنه قد تعرض لذلك بأفعاله السيئة حيث أنه قد جدّ واجتهد في تحسين بدعة المولد والدعاء إليها والجدال عنها بالباطل. ولم يقتصر على هذه الأفعال السيئة بل جاوزها إلى التخطيط لإظهارها وإظهار غيرها من الاحتفالات المبتدعة ورأى في نظره أن ذلك أجدى له وأنجح من محاربتها والمنع منها، ولا يخفى ما في أقواله وتخطيطاته السيئة من صريح المعارضة لأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حذر فيها من البدع ووصفها بالشر والضلالة وأخبر أنها في النار وأمر بردها بدون استثناء شيء منها، فليتق الله صاحب المقال الباطل ولا يكن عوناً للشيطان على الدعاء إلى البدع وتحسينها للجهال ومن لا بصيرة لهم في الدين ولا ينس قول الله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد}.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: وأخيراً فإن الإسلام أو أدب الإسلام وخلق الإسلام وكل تعاليم الإسلام تفرض علينا فرضاً ألا نرسل الخطباء والوعاظ والدعاة بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
ومن يفعل ذلك سيسأله الله عن أمة محمد كيف يوسد أمراً من أمورها إلى غيره أهله.
والجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعة المولد والدعاء إليها وإلى غيرها من الاحتفالات المبتدعة والمطالبة بإعادتها بعد المنع منها وتطهير البلاد المقدسة من أدناسها. بل إنه ذهب يعرّض بالخطباء في المسجد الحرام والوعاظ والدعاة فيه بأنهم قد أُرسلوا بغير زاد من توجيهات الإسلام وآدابه. ويعرّض أيضاً بولاة الأمر بأنهم قد وَسَّدوا الأمر في الخطابة والوعظ والدعوة إلى غير أهله، ويفهم من فحوى كلامه في هذه الجملة الأخيرة أنه قد أراد بها الاعتراض على الملك حفظه الله تعالى بأنه قد ولّى الخطابة في المسجد الحرام لمن لا يرضى بهم الكاتب ولا يصلحون في نظره للخطابة لأنهم ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي وينكرون إقامة الولائم في المآتم وينكرون جميع الاحتفالات المبتدعة التي قد فُتن بها الكاتب وأشباهه من ذوي القلوب المريضة بحب البدع، وهذا هو السبب الذي من أجله شن الكاتب الحملة على الخطباء في المسجد الحرام وبذل جهده في معارضتهم وتأنيبهم على الصدع بالحق وترك المداهنة له ولأشباهه من أهل البدع.
وقد وصف خطبهم ومواعظهم بالبرودة والأوصاف التي هي أليق به وبكلامه، فهل يظن الكاتب أنه أعلى نظراً من الملك الذي اختارهم للخطابة في المسجد الحرام بعدما تحقق صلاحيتهم لهذا المنصب الهام الذي لا يتولاه إلا ذوو التحصيل من العلم وتوجيهات الإسلام وآدابه، وقد شهد لهم أهل العدل والإنصاف من أهل العلم بالتفوق في الخطابة والوعظ والدعوة إلى الله تعالى وبذل النصيحة للمسلمين وأمرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر وتحذيرهم من المحدثات التي قد حذر منها رسول الله - صلى الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
عليه وسلم - ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها، فجزى الله الملك على اختياره لهؤلاء الخطباء الناصحين خير الجزاء ووفقه للأخذ على أيدي المسيئين إليهم.
وقبل الختام ندعو للكاتب ولمن كان على شاكلته أن يلهمهم الله رشدهم ويردهم إلى الحق والصواب. ونسأله تعالى أن يعيذنا جميعاً من اتباع خطوات الشيطان وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
5/ 6/ 1406 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)