وقال شيخ الإسلام أبو العباس أيضاً في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: لما ذكر اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً. قال: إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان انتهى.
وسئل رشيد رضا عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة ومن أول من فعل ذلك، فأجاب بقوله: هذه الموالد بدعة بلا نزاع، وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر انتهى وهذا الجواب مذكور في صفحة 111 من الجزء السابع عشر من المنار. وهو أيضاً في صفحة 1242 - 1243 من المجلد الرابع من فتاوى رشيد رضا.
ولرشيد رضا جواب آخر عن بدعة المولد وهو مذكور في صفحة 664 - 668 من الجزء التاسع والعشرين من المنار وهو أيضاً في صفحة 2112 - 2115 من المجلد الخامس من فتاوى رشيد رضا. قال فيه سئل الحافظ ابن حجر عن الاحتفال بالمولد النبوي هل هو بدعة أم له أصل. فأجاب بقوله أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها. فمن جرد عمله في المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
قال رشيد رضا وأقول إن الحافظ رحمه الله تعالى حجة في النقل فقد كان أحفظ حفاظ السنة والآثار ولكنه لم يؤت ما أوتي الأئمة المجتهدون من قوة الاستنباط فحسبنا من فتواه ما تعلق بالنقل وهو أن عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرى عليه ناقلو سنته بالعمل فقد زعم أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤد رسالة ربه كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقد أحسن صاحب عقيدة الجوهرة في قوله:
وكل خير في اتباع من سَلَف … وكل شر في ابتداع من خَلَف
وأما قول الحافظ من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنة ومن لا فلا، ففيه نظر، ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته، والصدقات - وهي مشروعة لا تعد من البدع - وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب المطلوبة شرعاً. وهو بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم انتهى المقصود من كلامه.
وذكر أيضاً أن الحفلات المولدية تشتمل على بدع ومفاسد أخرى كالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وأقواله وأفعاله كما هو المعهود في أكثر القصص المولدية التي اعتيد التغني بها في هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الحفلات. قال: وأما القيام عند ذكر وضع أمه له صلى الله عليه وسلم وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع وقد صرح بذلك الفقيه ابن حجر المكي الشافعي انتهى باختصار.
فليتأمل الكاتب ما نقلته عن العلماء العارفين بماهية الاحتفال بالمولد النبوي وتصريحهم بأنه بدعة ولو كان مقصوراً على الاجتماع على أكل الطعام، وليتق الله تعالى ولا يكن داعياً إلى الشر والضلال وعوناً للشيطان على نشر البدع وإظهارها بين المسلمين، ولا ينس قول الله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون} وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الرابع أن يقال لو كان في الاحتفال بالمولد النبوي أدنى شيء من الخير لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فإنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنه بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.
الوجه الخامس أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس على فعل الخير وأشدهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
مسارعة إلى الأعمال التي تستجلب بها محبة الله تعالى ويتعرض بها لنفحاته، ومع هذا فلم يكونوا يحتفلون بليلة المولد ولا يخصونها بشيء من الأعمال دون سائر الليالي، ولو كان في الاحتفال بالمولد شيء من الخير لسبقوا إليه وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية من هذه الأمة فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وفي هذين الحديثين أوضح دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي لأنه لم يكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعله الصحابة رضي الله عنهم.
الوجه السادس: أن يقال ما زعمه الكاتب من استشعار الحب الإلهي والتعرض لنفحات الرب في الاحتفال بالمولد النبوي وأنهم يخرجون من احتفالهم بالمولد وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله، فكل ذلك من تزيين الشيطان لهم وتلاعبه بعقولهم ليرغبهم في العمل بالبدعة ويهوّن عندهم أمرها ويدعوهم إلى عدم المبالاة بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من البدع وأمره بردها.
الوجه السابع أن يقال من عجيب أمر الكاتب زعمه أنه يستشعر الحب الإلهي ويتعرض لنفحات الرب في حين عمله ببدعة المولد، وما علم المسكين أن العمل بالبدع من أعظم الأسباب التي تبعد عن الله تعالى وتستجلب بها الفتنة والعذاب الأليم قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية. أتدري ما الفتنة؟ ، الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمن حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن محبة الله تعالى والتعرض لنفحاته إنما تنال بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بالعمل بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم وتحقيق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه في كل ما تنازع الناس فيه والتمسك بسنته وتقديم هديه على هدي غيره وعلى أهواء النفوس وشهواتها.
وليس الاحتفال بالمولد النبوي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه ولا من عمل التابعين لهم بإحسان، وإنما هو من هدي بعض الملوك وسننهم. وأول من أحدثه سلطان إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين، ذكر ذلك السيوطي في رسالته التي سماها «حسن المقصد، في عمل المولد» وكانت وفاة كوكبري في سنة ثلاثين وستمائة، وقال رشيد رضا إن أول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر.
والمقصود هنا التحذير من الاحتفال بالمولد النبوي لأنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها والتحذير أيضاً من الاغترار بمزاعم الكاتب وحججه الداحضة في الدفاع عن بدعة المولد والمجادلة عنها بالباطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
فصل
ثم إن صاحب المقال الباطل لم يقتصر على تحسين بدعتي المولد والمأتم والاحتفال بهما بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع ويدعو إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في التاريخ فقال: إن الاحتفالات ينبغي أن لا تقتصر على المولد النبوي فقط بل وفي كل يوم من أيام الإسلام الخالدة كيوم الهجرة ويوم الإسراء والمعراج ويوم بدر ويوم أحد ويوم فتح مكة وكل يوم كان له أثر طيب على المسيرة الإسلامية، فما أحوجنا إلى أيام إجازة بهذه المناسبات كما يفعل غيرنا من الأمم المتحضرة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أحرص الناس على فعل الخير، ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بشيء من الأيام التي دعا الكاتب المفتون إلى الاحتفال بها، ولو كان في الاحتفال بها أو بشيء منها أدنى شيء من الخير لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أسبق إليه ممن كان بعدهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز الاحتفال بشيء من الأيام التي ذكرها الكاتب لأن الاحتفال بها بدعة وضلالة، وأي خير يرجى من البدع والضلالة، ومن لم يتسع له ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فلا وسع الله عليه.
الوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي في شرح مسلم سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن دعاء الكاتب إلى الاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام دعاء صريح إلى الضلالة لأن الاحتفال بها مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافق لهدي الأمم التي زعم الكاتب أنها متحضرة - وهم طوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال الذين كانوا يشرعون لأنفسهم ولأتباعهم كل ما استحسنوه من الاحتفالات بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخهم وقد حاول الكاتب أن يحذو حذوهم في شرع ما لم يأذن الله به من الاحتفالات والأعياد المخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وسوف لا يتم للكاتب مقصوده من البدع إن شاء الله تعالى لأن ولاة الأمور في الحرمين الشريفين وفي جميع الجزيرة العربية ليسوا من أهل البدع ولا ممن يؤيد البدع وأهل البدع، وإنما هم من أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة لا يستجيزون إحداث الاحتفالات والأعياد التي لم يكن عليها الأمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم.
الوجه الثالث: أن يقال أن الكاتب قد عظّم شأن أمم الكفر والضلال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وذلك حين وصفهم بأنهم أمم متحضرة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ومفهوم كلامه يدل دلالة ظاهرة على أنه يرى أن المسلمين متصفون بالبداوة. وما ذاك إلا أنهم قد وقفوا عند حدود الشريعة ولم يجاوروها إلى العمل بالاستحسان وما تدعو إليه أهواء النفوس وشهواتها من الاحتفالات التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان. ولو أن الكاتب تأمل أحوال الذين زعم أنهم أمم متحضرة لتبين له أن حضارتهم ومدنيتهم يرجع حاصلها إلى التوسع في استحلال المحرمات وإعطاء النفوس حظها مما تميل إليه من الشهوات واللذات، فليس لهم دين يردعهم عن المحرمات وعن الشرع في الدين بما لم يأذن به الله، وليس لهم من المروءة والشيم ما يمنعهم عن تعاطي الأمور التي تدنس وتشين عند ذوي الأحلام والنهى.
الوجه الرابع: أن يقال إن الكاتب لما لم يجد ما يستند إليه في دعائه إلى توسيع نطاق البدع - وذلك بالاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام - ذهب يدعو إلى تقليد أمم الكفر والضلال والاستنان بسننهم ليطبق بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم».
وإذا كان الكاتب لا يرى بأساً بالاقتداء بأمم الكفر والضلال ولا يبالي بمخالفة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: لقد أثبتت التجربة أن مثل هذه الاحتفالات بفضل ما يتردد فيها من ذكر الله والصلاة على رسول الله تؤثر في القلوب وتحيي الموات فيها وتجدد صلة الإنسان بالله وتجذب إلى الطاعة وتنفر من المعصية بصورة أبلغ وأعمق أثراً وأنفذ إلى قرارة النفس من كثير من الخطب والمواعظ الباردة التي يرسلها بعض الخطباء والوعاظ في المساجد وغير المساجد. وكيف لا يكون ذلك حقيقاً والله سبحانه وتعالى يقول: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام يقول: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت».
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إنه لا يجوز من الاحتفالات إلا ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهي الأعياد السبعة التي جاء في الأحاديث الصحيحة أنها أعياد المسلمين. وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق (1) ، فأما يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر فإنه يشترك في الاحتفال بها جميع المسلمين، وأما يوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة فإن الاحتفال بها خاص بالحجاج، فهذه الأيام السبعة هي الأيام التي يحتفل بها المسلمون وليس لهم أعياد سواها، وعلى هذا فمن أحدث في الإسلام عيداً يحتفل به سوى هذه الأعياد المذكورة فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف الأمر الذي كان عليه--------------------------------------------
(1) تراجع ص: 77 - 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن يقال إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد في الزهد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة، وروى محمد بن نصر أيضاً عنه رضي الله عنه أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول». وروى الإمام أحمد في الزهد عنه رضي الله عنه أنه قال: «عليكم بالسمت الأول».
والدليل على أن العبادات مبناها على التوقيف ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ففي هذه الأحاديث الصحيحة مع ما تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه أبلغ رد على من يريد التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم.--------------------------------------------
(1) تراجع هذه الأحاديث في ص: 65 - 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الوجه الثالث أن يقال: إن التجربة التي ذكرها الكاتب ليست حجة شرعية على جواز التوسع في البدع والاحتفالات التي لم تكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم، وإنما هي في الحقيقة من تزيين الشيطان للكاتب وتلاعبه بعقله وعقول أشباهه من الذين لم يهتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينتهوا عما نهى عنه من البدع والإحداث في الدين.
وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما على جماعة من التابعين كانوا يجلسون في المسجد حلقاً ويكبرون الله ويهللونه ويسبحونه ويعدّون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى وعدَّ ابن مسعود رضي الله عنه أفعالهم هذه من البدع وإن كانت في الظاهر من أفعال الخير التي تؤثر في القلوب. وقد رويت القصة في ذلك من عدة طرق، منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعوداً على باب ابن مسعود رضي الله عنه بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى رضي الله عنه فقال: اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود رضي الله عنه فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال: لا والله إلا أني رأيت أمراً ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء وأزواجه شواب وأبنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».
ومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
الأشعري رضي الله عنه فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بَعْدُ قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعاً فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟. قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟. قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة» قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا، قال: عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتي ابن مسعود رضي الله عنه وكان رجلاً حديداً فقال: «أنا عبد الله بن مسعود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علماً، عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا.
ومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدث أن ناساً يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوّم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علماً».
وإنما أنكر ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما على الذين يتحلقون في المسجد للذكر ويعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى لأن فعلهم هذا ليس من الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ولهذا عدّ ابن مسعود رضي الله عنه فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة وقال لهم: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة، ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد. وإذا كان ابن مسعود وأبو موسى قد أنكرا ما فعله هؤلاء من التحلق للذكر وعدّ التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويحتفلون بهذه البدعة التي ليس لها أصل في الشريعة، وإنما هي من المحدثات والأعمال التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها؟ وكيف بالذين يحتفلون بالمآتم ويجتمعون فيها على أكل الطعام الذي يصنعه أهل الميت وهو من النياحة والبدعة المستقبحة؟.
فهؤلاء أولى بالإنكار من الذين أنكر عليهم ابن مسعود وأبو موسى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
رضي الله عنهما وأولى أن تعد أفعالهم واحتفالاتهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
وأعظم من هؤلاء جرماً من لم يكتف بالاحتفال ببدعتي المولد والمأتم، بل ذهب يطالب بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في تاريخ الإسلام. فهل يأمن هذا الذي يدعو إلى الضلالة أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».
ولو أن الكاتب تأملَ ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وإن كان ظاهره الخير، وتأملَ أيضاً قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود رضي الله عنه. والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود رضي الله عنه لهم بقوله: «وكم من مريد للخير لن يصيبه» وتأملَ أيضاً قول ابن مسعود رضي الله عنه لهم: «عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً» لو أنه تأمل هذا كله لكان حرياً أن يظهر له الخطأ في إصراره على تأييد البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها، وفي مطالبته بتوسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحتفل بشيء منها ولم يحتفل بها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. وإن أصر على رأيه الفاسد ولم تسمح نفسه بالرجوع إلى الحق ولزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فلا يأمن أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
{ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
الوجه الرابع أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن التجربة التي ذكرها الكاتب كانت مؤثرة في قلبه وقلوب أشباهه من المفتونين بالاحتفالات المحدثة وأن هذه الاحتفالات تحيي الموات في قلوبهم وتجدد صلتهم بالله وتجذبهم إلى الطاعة وتنفرهم عن المعصية لما كان لهم أن يحتفلوا بما لم يحتفل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، بل الواجب عليهم وعلى غيرهم من الناس أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في الاحتفالات وفي جميع الأعمال ولا يبتدعوا شيئاً لم يكن عليه الأمر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أصحابه رضي الله عنهم وإن كانوا يرون أن فيه خيراً لهم لأنه ليس شيء من الأعمال يبتغى فيه الخير إلا وقد سبق إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. فالخير كل الخير في سلوك سبيلهم، والشر كل الشر في سلوك السبل المضلة وهي سبل الأهواء والضلالة والشهوات التي تفضي بسالكيها إلى النار.
الوجه الخامس: أن أقول إن الخطب والمواعظ التي يلقيها الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها ليست على الوصف الذي وصفها به الكاتب هدانا الله وإياه، وإنما هي خطب بليغة جداً لاشتمالها على الدعوة إلى الله تعالى وإخلاص العمل له وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. وتشتمل أيضاً على التذكير بالمعاد والجزاء على الأعمال، وتشتمل أيضاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والأهواء المضلة ومن فتن الشهوات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
والشبهات، وتشتمل أيضاً على الحث على بر الوالدين وصلة الرحم وعلى التآخي في الله تعالى والتعاون على البر والتقوى واجتناب التعاون على الإثم والعدوان، وتشتمل أيضاً على النهي عن المحرمات في المآكل والمشارب والملابس والفروج، إلى غير ذلك مما تشتمل عليه خطبهم من الحكم البليغة والوصايا النافعة فجزاهم الله عن أعمالهم الطيبة ونصائحهم النافعة خير الجزاء وكثّر في المسلمين من أمثالهم.
فأما وصف الكاتب لخطبهم ومواعظهم بالبرودة فهو من قلب الحقائق وعكس القضايا، وقد قيل في المثل المشهور: «لا تعدم الحسناء ذاماً» وقال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسداً وبغياً إنه لدميم
الوجه السادس أن يقال: إن التذكير الذي ينتفع به المؤمنون يكون بطرق كثيرة، ومن أعظمها نفعاً تذكير الخطباء الناصحين في خطبهم في أيام الجمع والأعياد خاصة. وفي غير ذلك من المناسبات التي تدعو إلى الخطب والتذكير بالقرآن وبما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة. وهذه هي طريقة الخطباء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما من المساجد التي قد سمعتُ الخطب فيها، وهي طريقة موروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يذكّر أصحابه في أيام الجمع والأعياد خاصة وفي غيرها من المناسبات، بل وفي كثير من مجالسه النافعة، يذكرهم بالقرآن وبما أوحاه الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة ويعلمهم ما ينفعهم في الدين والدنيا والآخرة ويحذرهم مما يضرهم في الدين والدنيا والآخرة، فلا خير إلا وقد دل أمته عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.
فأما حفلات المولد والمآتم وغيرها من الحفلات المحدثة وما يكون فيها من التذكير إن كان له وجود فيها فليس ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولا من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وإنما هي من المحدثات وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المحدثات على وجه العموم وأمر بردها. وقال صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني» وفي هذا أبلغ رد على الكاتب وعلى أشباهه من المفتونين بالبدع.
الوجه السابع أن يقال إن الحديث الذي أورده الكاتب جازماً بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاله حديث ضعيف جداً ولفظه: «روحوا القلوب ساعة فساعة» رواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب مرسلاً. ومراسيل ابن شهاب من أضعف المراسيل، والمراسيل لا تصلح للاحتجاج ولا تجوز روايتها على الجزم برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما قوله: «فإن القلوب إذا كلّت عميت» فهذه الجملة ليست في حديث ابن شهاب ولا أدري من أين جاء بها الكاتب ولعله أتى بها من كيسه.
ولو فرضنا صحة الحديث فليس فيه ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد والمآتم ولا على جواز توسيع نطاق البدع والاحتفال بالأيام التي كان لها ذكر في الإسلام، فليس في إيراده ما يتعلق به الكاتب بوجه من الوجوه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: أجل إن مجالس الذكر أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ والمنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحتفل بمولده ولا بالمآتم ولا بشيء من الأيام التي وقعت في زمانه وكان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام ولم يكن يجعلها مجالس للذكر والوعظ والإرشاد. وكذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة رضي الله عنهم فإنهم لم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك، ولو كان فيما ذكره الكاتب أدنى شيء من الخير والإصلاح لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أسبق إليه من غيرهم وقد قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} فإن كان الكاتب يرجو الله واليوم الآخر فليتأس برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخالف الأمر الذي كان عليه هو وأصحابه رضي الله عنهم فيصيبه الوعيد الذي توعد الله به المخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} فلا يأمن الكاتب أن يكون من المعنيين بهذه الآية وهو لا يشعر.
وأيضاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» فلا يأمن الكاتب المفتون بالمحدثات التي ليست من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممن انتفى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يشعر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
الوجه الثاني أن يقال إن مجالس الاحتفال بالمولد والمآتم وغيرها من الاحتفالات المحدثة والتي يطالب الكاتب بإحداثها ليست من مجالس الذكر كما قد زعم ذلك الكاتب، وإنما هي من مجالس البدع والضلالة لدخولها في عموم ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بالشر والضلالة وأمر برده. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المفتون بالتمويه وقلب الحقائق.
الوجه الثالث أن يقال إن الكاتب المفتون قد كرر الاعتراض على الخطباء والوعاظ الناصحين من أجل أنهم كانوا يأتون في خطبهم ومواعظهم بما يشق على قلبه الذي قد أصيب بمرض البدع وعدم المبالاة بمخالفة الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وقد كرر أيضاً الذم لخطبهم البليغة، فتارة يقول ارحمونا عن هذا الكلام الممل - ويعني بالكلام الممل نهيهم عن الاحتفال بالمولد النبوي وقولهم إنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتارة يقول اتركوا الكلام عن الموائد والمآتم. وما علم الكاتب أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد نص على أن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة، وعلى هذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم ذكره عنهم جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وتارة يقول ما بال خطباء المساجد عندنا يريدون أن يتحجروا واسعاً ويتدخلوا في خصوصيات الناس ويفتون بأن الولائم التي تقام للعزاء محرمة ومخالفة لسنة رسول الله، وقد تعامى الكاتب عن تحذير النبي صلى الله عليه وسلم عن المحدثات على وجه العموم ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها. وتعامى أيضاً عن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن ولائم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
العزاء من النياحة، وتارة يقول إن خطيب المسجد الحرام قد شغل جمعتين بالكلام عن الاحتفال بالمولد النبوي وتحريمه وتجريمه، وما علم الكاتب أن النهي عن هذه البدعة مستند إلى تحذير النبي صلى الله عليه وسلم عن المحدثات وأمره بردها. وما علم أيضاً أن هذه البدعة قد افتتن بها الجم الغفير من المنتسبين إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وأن النهي عنها يعد عند أهل العلم من أعظم النصيحة للمسلمين، وتارة يقول إنه من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون وتركوا المسجد رغبة عن سماع مثل هذا الكلام.
وما علم الكاتب أنه لا يخرج من المسجد بعد الأذان وهو لا يريد الرجوع إليه إلا منافق، وما علم أيضاً أن الله تعالى قد شبه المعرضين عن سماع التذكرة بالحمر المستنفرة. وتارة يصف الخطب البليغة والمواعظ الحسنة التي يلقيها بعض الخطباء والوعاظ الناصحين بأنها خطب ومواعظ باردة، وتارة يقول في مجالس الاحتفال ببدعتي المولد والمأتم وغيرهما من البدع أنها مجالس ذكر وأنها أقوى أثراً في الوعظ والإرشاد والاتجاه إلى الله وطاعته واجتناب معاصيه من كلام بعض الخطباء والوعاظ المنفرين الذين لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله ولا يعرفون من الدين إلا هذا شرك وهذا بدعة، كذا قال الكاتب في وصف الخطباء والوعاظ الناصحين أنهم منفرون وأنهم لا يحسنون أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وكل ما قاله فيهم وفي خطبهم فهو مردود عليه لأنه من المجازفات التي لا تستند إلى شيء من الحقائق، بل إنها في الواقع من قلب الحقائق وعكس القضايا، وإنه لينطبق على الكاتب قول الشاعر:
ومن يك ذا فم مُرٍّ مريض … يجد مُرّاً به الماء الزلالا
وقول الآخر:
لا يضر البحر أمسى زاخراً … أنْ رمى فيه غلام بحجر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)