شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم وذلك في رمضان.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضاً وأهل السنن عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة وقام بنا الليلة تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت وما الفلاح قال السحور، هذا لفظ أحمد وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والنسائي أيضاً بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث عشرين إلى ثلث الليل ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قمنا معه ليلة سبعة وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور.
وإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ليال في رمضان، وما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل إذا قام مع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» فليعلم أيضاً أن ما فعله عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان ثم قطع ذلك خشية أن يفرض القيام على أمته، وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو سنة وليس ببدعة.
الأمر الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وفي رواية الترمذي «كتب له قيام ليلة» ونحوه في رواية للنسائي، وهذا الحديث ظاهر في الترغيب في صلاة القيام في رمضان مع الجماعة وإكمال الصلاة مع الإمام. وفي هذا أوضح دليل على سنية الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان. وفي الحديث أيضاً مع ما جاء في الأحاديث الثلاثة من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ليال في قيام رمضان أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى غيره من الذين يزعمون أن عمر رضي الله عنه هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأن ذلك لم يكن موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومما يرد به عليهم أيضاً حيث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا فقال: «إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم» رواه أبو يعلى ومحمد بن نصر وابن خزيمة في صحيحه والطبراني في الصغير.
ومما يرد به عليهم أيضاً ما رواه البيهقي في سننه عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
ذات ليلة في رمضان فرأى ناساً في ناحية المسجد يصلون فقال: «ما يصنع هؤلاء» قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته قال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم، قال البيهقي: هذا مرسل حسن، وقد روي موصولاً بإسناد ضعيف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه أبو داود والبيهقي في سننيهما ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» وروى محمد بن نصر أيضاً وأبو يعلى والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاء أبي بن كعب رضي الله عنه في رمضان فقال: يا رسول الله كان مني الليلة شيء قال: «وما ذاك يا أُبي» قال: نسوة داري قلن إنا لا نقرأ القرآن فنصلي خلفك بصلاتك فصليت بهن ثمان ركعات والوتر فسكت عنه وكان شبه الرضا. قال الهيثمي رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه في الأوسط وإسناده حسن.
وهذا الحديث والحديث قبله يعضدهما المرسل الحسن الذي رواه البيهقي ويشهد لكل من الأحاديث الثلاثة ما تقدم في حديث عائشة وأبي ذر والنعمان بن بشير رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان، ويشهد لها أيضاً حديث جابر الذي صححه ابن خزيمة، ويشهد لها أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته».
الوجه الثاني: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن عمر رضي الله عنه هو الذي أحدث جمع الناس في صلاة التراويح ولم يكن مسبوقاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وتقريره لكان صنيعه في جمع الناس على إمام واحد سنة يعمل بها كما يعمل بالسنن الثابتة عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
النبي صلى الله عليه وسلم. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم والذهبي، وروى الترمذي والحاكم أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة انتهى، ولفظه عند ابن حبان «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به» وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» وروى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي على شرط مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم وفيهم من الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما على إقرار ما فعله عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، والصحابة رضي الله عنهم لا يجتمعون على شيء من البدع وإنما يجتمعون على السنة، وقد ذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب «قيام الليل» عن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر في المساجد وكتاب الله يتلى فجعل ينادي نَوَّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن.
وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقد ذكره الشاطبي في كتاب «الاعتصام» فقال: ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء، وكان يعجب مالكاً جداً - فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب ثم قال -: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة، منها قوله ليس لأحد تغييرها ولا تبديها ولا النظر في شيء خالفها، قطعٌ لمادة الابتداع جملة، وقوله من عمل بها مهتد - إلى آخر الكلام - مدحٌ لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. ومنها ما سنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو سنة، لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» فقرن عليه السلام كما ترى - سنة الخلفاء الراشدين بسنته وأن من اتباع سنته اتباع سننهم وأن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها. وإما متبعون لما فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك.
ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة في دين الله» وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع. فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله أصولاً حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي رحمه الله تعالى.
الوجه الثالث: أن يقال إنما سمى عمر رضي الله عنه ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستمر على فعله ولأنه لم يكن يفعل في زمان أبي بكر رضي الله عنه فلهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه ما قال، وقد صرح الشاطبي في كتاب «الاعتصام» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز.
وقال في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» وأما قسم المندوب فليس من البدع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
بحال وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثّل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد واجتمع الناس خلفه - ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر رضي الله عنه في قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان وذكر أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» وقد ذكرت هذين الحديثين في الوجه الأول وذكرت معهما حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، بنحو حديث أبي ذر رضي الله عنه ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة رضي الله عنها فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة فإن قيامه أولاً بها دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن يوحى إذا عمل به الناس بالإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه لأحد أمرين، إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل، ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه ورأى الناس في المسجد أوزاعاً - كما جاء في الخبر - قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
فإن قيل فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه» وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق أنها لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي. وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه» ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثاً وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقرارها سنة منه صلى الله عليه وسلم انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم» قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه» وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً، وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب فيعجزوا عن القيام وهذا قد أُمِنَ بعده صلى الله عليه وسلم ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين. وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال إن صلاة الليل في رمضان وفي غيره ليس للركعات فيها عدد معين لا يزاد عليه ولا ينقص منه، فأقلها ركعة وأكثرها لا حد له. ولا ينكر على من زاد في عدد الركعات ولا على من اقتصر على القليل منها، والأفضل في هذا ما كان موافقاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر. وجاء في بعض الروايات في الصحيحين أنه كان يصلي ثلاث عشر ركعة سوى ركعتي الفجر.
واختلفت الرواية في عدد الركعات التي كان الصحابة رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
عنهم يقومون بها في رمضان. فروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس إحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن يوسف - وهو ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج - أن السائب أخبره أن عمر جمع الناس على أبيّ وتميم فكانا يصليان إحدى عشرة ركعة يقرآن بالمئين يعني في رمضان. إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. في إسناده انقطاع لأن يزيد بن رومان لم يدرك عمر رضي الله عنه، وروى البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام. قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قيام رمضان لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم فيه عدداً معيناً بل كان هو صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
بثلاث وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة. ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل. وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن كان بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ انتهى.
الوجه الخامس أن يقال: من استحسن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام واستدل على جواز ما استحسنه منها بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إما كثافة الجهل بحيث لا يعرف الفرق بين المحدثات التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار. وبين فعل الخليفة الراشد الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، ومن كان بهذه المثابة من الجهل فإنه لا يجوز له الخوض فيما لا علم له به لأن الله تعالى قد نهى عن ذلك بقوله: {ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
الأمر الثاني: أن يكون عالماً بدخول بدعتي المأتم والمولد في عموم المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها ولكنه قد وجد أهله وشيوخه وأهل بلده يعملون بهاتين البدعتين ويستحسنونهما وقد تربى على ما وجد عليه أهله وشيوخه وأهل بلده من البدع وأَلِفَها وأحبها فهو لذلك يتعصب لها ويبذل غاية وسعه في الدفاع عنها وينكر على العلماء والخطباء الذين يحذرون منها ويستدلون على المنع منها بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهذا هو الظاهر من حال صاحب المقال الباطل وأشباه له كثيرين من أهل بلده وغير بلده، وما أشد الخطر في هذا لأن الله تعالى يقول: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} وقال تعالى مشدداً على الذين يخالفون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية: أتدري ما الفتنة؟. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} وفيما ذكرته من الآيات أبلغ تحذير من رد الحق واتباع الهوى ومخالفة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضى على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وأبلغ من هذا قول الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
نقيض له شيطاناً فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «بدائع الفوائد» حَذَارِ حَذَارِ من أمرين لهما عواقب سوء، أحدهما رد الحق لمخالفة هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برزَ في قالب هواك. قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلبت أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخرج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى.
الوجه السادس: أن يقال من قاس بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام على فعل عمر رضي الله عنه حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فقياسه من أفسد القياس وهو من جنس قياس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} وهل يستجيز مسلم له عقل ودين أن يقول إن بدعتي المأتم والمولد أو غيرهما من المحدثات في الإسلام من جنس سنة الخليفة الراشد الذي وضع الله الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به والتمسك بسنته والعض عليها بالنواجذ، كلا إن المسلم الذي له عقل ودين لا يستجيز هذا القول الباطل والقياس الفاسد. وإنما يستجيز ذلك من أعماه التقليد لأهل البدع وأصمه، وقد قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
تعمى القلوب التي في الصدور} وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم».
الوجه السابع: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد أخطأ خطأ كبيراً وزل زلة شنيعة في هذه الجملة السيئة من كلامه وذلك أنه صرح في مقاله السيء أن عمر رضي الله عنه أحدث جمع الناس في صلاة التراويح وأنه بذلك قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله وأن الصحابة رضي الله عنهم تركوا الإنكار عليه فلم يقوموا عليه ولم يهاجموه ويقولوا له: لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله؟ وما أعظم هذه الجراءة على أمير المؤمنين. وما أعظم إلحاقه بأهل البدع والمحدثات والذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، ولكن الأمر في الكاتب كما قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب». وأي أدب أسوأ من الطعن على أمير المؤمنين الخليفة الراشد الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد وضع الحق على لسانه وقلبه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالاقتداء به وقرن سنته بسنته وأمر الأمة بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، ومع هذا فإن صاحب المقال الباطل لم يحترمه ولم يحترم أقوال الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم ونصوصه الدالة على تعظيم عمر رضي الله عنه وتفضيله على سائر الصحابة بعد أبي بكر رضي الله عنه، والله المسئول أن يقيض للكاتب ولأشباهه من ذوي الجراءة على رد الحق وتقرير الباطل والتهجم على الخليفة الراشد وانتهاك حرمته من يأخذ على أيديهم عن هذه الإساءة ويأطرهم على الحق.
الوجه الثامن: أن يقال إن هذه الجملة السيئة من كلام الكاتب قد اشتملت على تقرير قاعدتين خبيثتين، إحداهما التسوية بين المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها وأخبر أنها شر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وضلالة، وبين سنة الخليفة الراشد في جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، والثانية تهوين أمر المحدثات في المآتم والمولد وغيرها من البدع ومعارضة الناهين عنها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الوجه التاسع: أن يقال إن كلام الكاتب قد تضمن الطعن على الصحابة رضي الله عنهما ورميهم بالمداهنة في ترك الإنكار على عمر رضي الله عنه ما زعم الكاتب أنه قد أحدثه وشرعه من الدين مما لم يأذن به الله، وذلك حين جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، والصحابة رضي الله عنهم عموماً وعمر رضي الله عنه على وجه الخصوص منزهون عن هذا الإفك والبهتان، فأما عمر رضي الله عنه فإنه لم يحدث في قيام الليل شيئاً لم يسبقه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسنه لأمته بالقول منه والفعل والتقرير كما سبق بيان ذلك في الوجه الأول. ولم يشرع عمر رضي الله عنه من الدين شيئاً لم يأذن به الله، حاشاه من هذا الإفك المبين، وأما الصحابة رضي الله عنهم فإنهم منزهون عن المداهنة والسكوت عن إنكار المنكرات وخصوصاً الإحداث في الدين والزيادة في شرع الله، ومن ظن بهم المداهنة والسكوت عن إنكار المنكر فقد ظن بهم ظن السوء.
وقد روي من عدة طرق أن عمر رضي الله عنه نهى الناس عن المغالاة في مهور النساء والزيادة فيها على أربعمائة درهم فقالت له امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب} - وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» وفي رواية أنه قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
«امرأة أصابت ورجل أخطأ» وفي رواية أنه قال: «كل الناس أفقه من عمر» وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة بن عثمان فقال: جلس عمر بن الخطاب في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين الناس قال: قلت ليس ذلك لك قد سبقك صاحباك لم يفعلا ذلك فقال هما المرءآن يقتدي بهما، هذه إحدى الروايتين عند أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين ونحوه في رواية البخاري والرواية الأخرى عند أحمد. وفي رواية أبي داود عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن شيبة - يعني ابن عثمان - قال: قعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة قال: قلت ما أنت بفاعل قال: بلى لأفعلن قال: قلت ما أنت بفاعل قال لِمَ قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر رضي الله عنه وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه فقام فخرج.
وروى محمد بن سعد في «الطبقات» عن عبيد الله بن عباس قال: كان للعباس رضي الله عنه ميزاب على طريق عمر رضي الله عنه فلبس عمر رضي الله عنه ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صب فيه ماء فيه من دم الفرخين فأصاب عمر رضي الله عنه فأمر عمر رضي الله عنه بقلعه ثم رجع عمر رضي الله عنه فطرح ثيابه ولبس غيرها ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك العباس رضي الله عنه.
وفي هذه الآثار بيان ما كان عليه عمر رضي الله عنه من مزيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
الإذعان للحق إذا بلغه ذلك عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه أيضا من المسارعة إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، وفيها أيضاً بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من بيان الحق لعمر رضي الله عنه فضلاً عن غيره من الناس وأنهم كانوا لا يداهنون أحداً في بيان الحق والرد على من خالفه. وفيها أيضاً أبلغ رد على من رمى الصحابة رضي الله عنهم بالمداهنة والسكوت عن بيان الحق والإنكار على من خالفه.
وإذا علم هذا فهل يقول مسلم له عقل إن عمر رضي الله عنه قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وأنه قد أحدث في قيام الليل حدثاً لم يسبقه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلا لا يقول ذلك مسلم عاقل وإنما يقوله من يتشبه بالروافض في الطعن على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والانتهاك لحرمته، وكذلك لا يقول مسلم عاقل إن الصحابة رضي الله عنهم داهنوا عمر رضي الله عنه ولم ينكروا ما زعم الكاتب أنه أحدثه وشرعه في الدين، وإنما يقول ذلك أعداء الصحابة ومن يتشبه بأعدائهم من أهل البدع الذين قد ملئت قلوبهم غيظاً على أهل السنة الذين ينكرون البدع ويحذرون منها.
الوجه العاشر: أن يقال إن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على إقرار ما أمر به عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان وعملوا بذلك في عهده وعهد الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وعمل بذلك المسلمون في عهد الصحابة وبعد عهدهم إلى زماننا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه أنكر صنيع عمر رضي الله عنه لأنهم كانوا يعلمون أنه لم يبتدع في الدين شيئاً لم يكن مسبوقاً إليه، وإنما كان متبعاً لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
ثم ترك ذلك خشية أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وكانوا يعلمون أيضاً أن عمر رضي الله عنه كان عاملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» ومن كان متبعاً لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاملاً بقوله وتقريره فهو محسن غاية الإحسان، وما على المحسنين من سبيل.
الوجه الحادي عشر: أن يقال إن صاحب المقال الباطل قد انتقص عمر رضي الله عنه وبخسه حقه وذلك في زعمه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مثل عمر رضي الله عنه في العلم والفقه والمقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول باطل مردود على قائله، فإنه ليس بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه أحد يداني عمر رضي الله عنه في العلم والفقه والمقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أن يكون فيهم من يماثله، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، فأما تفوقه في العلم فقد جاء فيه أحاديث كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه ابن عمر وأبو ذر وأبو هريرة والفضل بن العباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في الوجه الثاني فلتراجع هناك، وجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد والترمذي وابن حبان قال ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر رضي الله عنه.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» رواه الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهذا لفظ البخاري، وروى الإمام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
أحمد أيضاً ومسلم والترمذي نحوه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي حديث صحيح. قال ابن وهب تفسير «محدثون» ملهمون، ذكره مسلم في صحيحه بعد إيراده لحديث عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي حدثني بعض أصحاب سفيان قال: قال سفيان بن عيينة «محدثون» يعني مفهمون.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قال: من حوله فما أولت ذلك يا رسول الله قال: «العلم» وقد رواه الطبراني في الكبير ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت أني أعطيت عساً مملوءاً لبناً فشربت حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فأولوها» قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فقال: «أصبتم» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط الشيخين: ووافقه الذهبي في تلخيصه. وما جاء في هذا الحديث والأحاديث قبله فكله من خصائص عمر رضي الله عنه دون غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه «إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير أيضاً من طريق أسد بن موسى حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه «لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم» قال وكيع قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فو الله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: «إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر» قال الهيثمي رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة وقد روى الحاكم في مستدركه رواية أبي وائل عن عبد الله وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ما كنا نبعد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن، وروى الطبراني أيضاً في الكبير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر» قال الهيثمي إسناده حسن، وروى الطبراني أيضاً عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: «كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر» قال الهيثمي رجاله ثقات. وروى الطبراني أيضاً في الكبير من طريق عاصم - وهو ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر - فذكر الحديث وفيه - وأيم الله إني لأحسب بين عينيه ملكاً يسدده ويرشده» قال الهيثمي رواه الطبراني من طرق وفي بعضها عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث وبقية رجالها رجال الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)