الجمعة بالمسجد الحرام وكلها حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعنا ومقحمة عليه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: لا يخفى على من له حظ من العلم والفهم ما في كلام المردود عليه من المكابرة في إنكار الاستدلال بالآية والحديث المذكورين على المنع من بدعتي المولد والمأتم، وما فيه أيضاً من المكابرة في قوله: إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه، أي إنها على حد زعمه لا تدل على المنع من بدعتي المولد والمأتم، ولا يخفى ما في كلامه أيضاً من المعارضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» فهذا الحديث الصحيح يبطل قول المردود عليه ويجتثه من أصله لأنه يدل على أن كل ما خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من الأعياد والاحتفالات فهو من المحدثات والبدع والضلالات التي يجب ردها، ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي وإطعام الطعام في المآتم فيجب المنع من هاتين البدعتين لأنهما خارجتان عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ولا يستطيع صاحب المقال الباطل ولا غيره من المفتونين بالبدع أن يدخلوهما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في سنة الخلفاء الراشدين المهديين.
الوجه الثاني أن يقال إن الاستدلال بقول الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» يأتي على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
البدع كلها، ومنها الاحتفال بالمولد النبوي وبدعة إطعام الطعام في المأتم لأن كلاً من هاتين البدعتين قد أحدثت بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستا من الأفعال التي كان عليها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرت قريباً قول النووي في الكلام على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أنه صريح في رد كل البدع والمخترعات وأنه ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به، وذكرت أيضاً قول الحافظ ابن حجر أن فيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، وإذا تعارض قول النووي وابن حجر وقول صاحب المقال الباطل وأمثاله من المفتونين بالبدع فلا شك أن قوله وأقوال أمثاله في تقرير البدع وتأييدها بالشبه هو المطّرح المردود.
الوجه الثالث: أن يقال ما زعمه صاحب المقال من أنه لا يصح الاستدلال بالآية والحديث في موضوعه - أي إنه لا يصح الاستدلال بهما على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وكذلك قوله إن كل الأحاديث والآيات الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه - أي إنه ليس فيها دليل على المنع من بدعتي المولد والمأتم على حد زعمه - وهذا القول منه مبني على مجرد الدعوى التي لا تستند إلى دليل من كتاب ولا سنة، وما ليس عليه دليل فحقه الرد والاطّراح ولا عبرة به.
الوجه الرابع: أن يقال إن المحققين من العلماء قد أنكروا الاحتفال بالمولد النبوي وصرحوا أنه بدعة ولا يجوز فعله، وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي المسمى بـ «الرد القويم، على الرفاعي والمجهول وابن علوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي» فليراجع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
هناك، وأما الاحتفال بالمأتم وإطعام الطعام فيه فهو مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنه قد أمر أهله أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت ولم يأمر أهل الميت أن يصنعوا الطعام للناس، وقد أنكر المحققون من العلماء صناعة الطعام من أهل الميت وصرحوا أنه بدعة وقال بعضهم: إنه بدعة مستقبحة، ونص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أنه من النياحة وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه إنهم كانوا يعدونه من النياحة، وقال أبو البختري وسعيد بن جبير إنه من أمر الجاهلية، وقد ذكرت كلام العلماء فيه قريباً فليراجع ففيه وفيما ذكره العلماء في المنع من بدعة المولد أبلغ رد على زعم المردود عليه أن الآيات والأحاديث الواردة حول الابتداع في الدين خارجة عن موضوعه ومقحمة عليه.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل ثالثاً: لا أجد في حديث «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» أية دلالة على تحريم صنع الطعام من آل جعفر لأنفسهم ولضيوفهم من المعزين والمواسين، ولا يعني أهل الميت أصلاً ولا يخاطبهم، بل هو مجرد حث لغيرهم من الأقارب والجيران على مكرمة من مكارم الأخلاق لمساعدة من نزلت بهم مصيبة الموت وهي سنة في حق الأقارب والجيران وليست في حق الأولين ولا ذنب للآخرين، فإذا لم يقدم أحد من الأقارب والجيران الطعام لأهل الميت ماذا يصنعون، هل يظلون وضيوفهم من المعزين والمواسين جياعاً، أم يصنعون طعاماً، وإذا فعلوا وأكلوا وأكل الناس معهم سيكونون آثمين، وما هو الدليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
والجواب: أن يقال أما صنع أهل الميت الطعام لأنفسهم فلم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم دليل يدل على المنع منه. وأما الاجتماع عند أهل الميت وصنعهم الطعام للناس فهو من المحدثات التي ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم بإحسان. وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، وقد تقدم قول عمر رضي الله عنه أن الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام من النياحة. وتقدم أيضاً قول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» وتقدم أيضاً قول أبي البختري وسعيد بن جبير أنه من أمر الجاهلية، وفي هذا مع ما ذكرت قبله من الحديث الصحيح وقول عمر وجرير بن عبد الله رضي الله عنهما أوضح دليل على المنع من بدعة المأتم، ومن لم يفقه هذا الدليل الواضح فليستعذ بالله من الطبع على القلب.
فصل
وأما قول صاحب المقال الباطل: أما دليلنا على الجواز فإنه ما رواه أبو داود في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما رجع استقبله داعي امرأته - أي زوجة الميت - فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا. وفي هذا الحديث دلالة صريحة على جواز ما يصنعه أهل الميت من طعام ودعوة الناس إليه سواء بقصد طلب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الثواب للميت أو إكراماً للضيف.
فالجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن الكاتب قد حَرَّفَ كلمة في الحديث وزاد فيه جملة أفسدت اللفظ وغَيَّرت المعنى، فأما الكلمة التي وقع فيها التحريف فهي قوله: «داعي امرأته» والذي في سنن أبي داود «داعي امرأة» بالتنكير لا بالإضافة، وقد وقع هذا التحريف في «مشكاة المصابيح» ، ولعله وقع من بعض النساخ بعد المؤلف، وأما الجملة التي أفسدت اللفظ وغيّرت المعنى فهي قوله - أي زوجة الميت - وقد سبقه إلى هذه الزيادة التي قد غيّرت المعنى على القارئ حيث قال في شرح المشكاة - أي زوجة المتوفى -وسأذكر لفظ الحديث عند أبي داود وغيره ليتضح خطأ صاحب المقال الباطل ومن سبقه إلى التحريف في الحديث والتفسير الباطل في بيان المراد بالمرأة.
الوجه الثاني: أن يقال قد جاء في حديث جيد الإسناد أن الميت الذي خرج النبي صلى الله عليه وسلم معه كان من الأنصار، وجاء فيه وفي أحاديث أخر ما يدل على أنه أبو الدحداح الذي تصدق بحديقته وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: «كم من عذق مدلى في الجنة لأبي الدحداح» وأما المرأة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الطعام فهي امرأة من قريش وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص رضي الله عنهما وعنها. فأما الدليل على أن الميت من الأنصار فقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن فضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة» وروى الإمام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
أحمد أيضاً عن محمد بن جعفر عن شعبة وحجاج عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح، قال حجاج أبي الدحداح ثم أتى بفرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه قال: فقال رجل من القوم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لأبي الدحداح» قال حجاج في حديثه قال رجل معنا: عند جابر بن سمرة في المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من عذق مدلى لأبي الدحداح في الجنة» وقد رواه مسلم والطبراني في الكبير بنحوه، وفي رواية للطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال صلينا على ابن الدحداح رجل من الأنصار فلما فرغنا أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرس حصان فركبه حين رجع من الجنازة.
وروى البيهقي في سننه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة وأنا غلام مع أبي فجلس على حفرة القبر وجعل يومي إلى الحفار ويقول: «أوسع من قبل الرأس أوسع من قبل الرجلين ورب عذق له في الجنة».
وقد ذكر ابن سعد في: «الطبقات الكبرى» جملة من نساء الأنصار اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر منهن أمامة بنت محرث بن زيد بن ثعلبة، قال: وأمها سلمى بنت أبي الدحداحة صاحب العذق المذلل في الجنة، ويستفاد من قول ابن سعد أن البشارة بالعذق المذلل في الجنة إنما وردت في حق أبي الدحداح ولم ترد في حق غيره، وقد علم مما تقدم من الأحاديث أن أبا الدحداح هو الميت الذي جاء ذكره في حديث عاصم بن كليب الذي رواه أبو داود وغيره.
وأما الدليل على أن المرأة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الطعام حين رجع من الجنازة كانت من قريش فقد رواه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الإمام أحمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلاً من الأنصار أخبره قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش فقال: يا رسول الله إن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف فانصرفنا معه فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم بين أيديهم ثم جيء بالطعام فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ووضع القوم أيديهم ففطن له القوم وهو يلوك لقمته لا يجيزها فرفعوا أيديهم وغفلوا عنا ثم ذكروا فأخذوا بأيدينا فجعل الرجل يضرب اللقمة بيده حتى تسقط ثم أمسكوا بأيدينا ينظرون ما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها فألقاها فقال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فقامت المرأة فقالت يا رسول الله: إنه كان في نفسي أن أجمعك ومن معك على طعام فأرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة أمس من البقيع فأرسلت إليه أن ابتغي لي شاة فلم توجد فذكر لي أنك اشتريت شاة فأرسل بها إليَّ فلم يجده الرسول ووجد أهله فدفعوها إلى رسولي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطعموها الأسارى» إسناده صحيح رجاله كلهم من رجال الصحيح سوى كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم وهو ثقة وثقه أبو زرعة وابن سعد وقال رأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: يقال إن له صحبة، وقد روى له أهل السنن والبخاري في جزء رفع اليدين.
وقال أبو داود في الباب الثالث من «كتاب البيع»: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر: «أوسع من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها» فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطعميه الأسارى» وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق أبي داود بمثل روايته. ورواه الدارقطني في سننه من طريق ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار فذكر أوله بنحو رواية أبي داود وقال فيه فلما انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش فقال: إن فلانة تدعوك وأصحابك وذكر بقيته بنحو رواية أحمد، ورواه الدارقطني أيضاً حدثنا علي بن محمد بن عبيد حدثنا ابن أبي خيثمة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب عن أبيه قال حدثني رجل من الأنصار قال خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه وقال فيه قالت: فبعثت إلى أخي عامر بن أبي وقاص وقد اشترى شاة من البقيع فلم يكن أخي ثمَّ فدفع أهله الشاة إليَّ.
إسناده صحيح، أما علي بن محمد بن عبيد فقال فيه الخطيب البغدادي: كان ثقة أميناً حافظاً عارفاً، ونقل الخطيب عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه قال فيه الحافظ الثقة، وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ» وقال فيه الحافظ الإمام وذكر قول الخطيب فيه وأقره وأما ابن أبي خيثمة فهو أحمد بن زهير بن حرب قال فيه الخطيب البغدادي كان ثقة عالماً متقناً حافظاً بصيراً بأيام الناس راوية للأدب. قال: وذكره الدارقطني فقال: ثقة مأمون، وترجم له الذهبي في «تذكرة الحفاظ»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وقال فيه الحافظ الحجة الإمام، وذكر قول الخطيب فيه وأقره، وأما موسى بن إسماعيل التبوذكي وعبد الواحد بن زياد فهما من رجال الصحيحين، وأما عاصم بن كليب فقد روى له مسلم وأهل السنن، وأبوه تقدم الكلام في توثيقه.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه المسمى بـ «الإصابة» روينا في الجزء الثاني من حديث أبي العباس بن مكرم بإسناده عن عاصم بن كليب عن أبيه حدثني رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة وأنا غلام مع أبي يومئذ - فذكر الحديث في قصة المرأة التي أضافتهم بالشاة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لقمة فلاكها ولم يسغها فقالت المرأة: أرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع وكان أخي عامر بن أبي وقاص عنده شاة فدفعها أهلها إلى رسولي وهو غائب، الحديث.
وقد تبين من سياق هذه الأحاديث أن الميت الذي خرج النبي صلى الله عليه وسلم معه وأخبر أن له عذقاً في الجنة هو أبو الدحداح الأنصاري وأن المرأة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الطعام كانت قرشية وهي أخت سعد وعامر ابني أبي وقاص ولم تكن أم الدحداح التي هي زوجة الميت، ففي هذا أبلغ رد على من زعم أن صاحبة الطعام زوجة الميت والله أعلم.
الوجه الثالث: أن صاحب المقال الباطل قد اختصر الحديث اختصاراً أخلَّ به وأوهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه أكلوا طعام المرأة، وليس الأمر كذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ اللقمة من فيه من حين ابتدأوا في الأكل فرفع القوم أيديهم وأخذوا بأيدي غلمانهم عن الطعام وألقوا ما كان معهم ثم إن رسول الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
- صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تطعمه الأسارى. وقد تقدم بيان ذلك في حديث عاصم بن كليب.
فصل
وزعم صاحب المقال الباطل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لمخالفه أنت جاهل أو إنك تقول بغير علم.
والجواب أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» وعاب الذين أفتوا بغير علم وشدد في الإنكار عليهم، فأما حديث أبي ذر رضي الله عنه فقد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: «أساببت فلاناً» قلت: نعم، قال: «أفنلت من أمه» قلت: نعم، قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» هذا لفظ البخاري في «كتاب الأدب» من صحيحه. وفي رواية لمسلم قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» وفي رواية له أخرى بعد قوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» قال: قلت على حال ساعتي من الكبر قال: «نعم على حال ساعتك من الكبر».
وفي قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «إنك امرؤ فيك جاهلية ما هو أبلغ وأنكى من القول أنت جاهل. وفي الحديث دليل على أنه يجوز وصف المخالف للسنة بصفة الجهل».
وأما إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الذي أفتوا بغير علم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ووصفه إياهم بالعي الذي هو الجهل وعدم العلم فقد رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من حديث جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مختصراً وصححه الحاكم والذهبي.
قال ابن الأثير في «النهاية» وابن منظور في «لسان العرب»: العي الجهل قال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم، وقال الخطابي في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له انتهى. وفي هذين الحديثين وحديث أبي ذر رضي الله عنه أبلغ رد على صاحب المقال الباطل الذي قد بذل وسعه في معارضة العلماء الذي يحذرون من بدعتي المأتم والمولد وغيرهما من أنواع البدع والمخالفات.
فصل
وزعم صاحب المقال الباطل أن المنافقين لم يحرموا من بر النبي صلى الله عليه وسلم وعطفه. قال: ولم يسلط عليهم لسانه وقسوته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يبر المنافقين ويعطف عليهم كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما كان يعاملهم بما أمره الله به من جهادهم والغلظة عليهم، قال الله تعالى في سورة التوبة وسورة التحريم: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. ذكره البغوي في تفسيره. قال: واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه، وقال: لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق وقال الضحاك: بتغليظ الكلام وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم، قال ابن كثير: وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال انتهى. وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. وقد روى الإمام أحمد والطبراني عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن فيكم منافقين فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً ثم قال: إن فيكم أو منكم فاتقوا الله» وفي رواية الطبراني: «فسلوا الله العافية» قال فمر عمر على رجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه قال مالك: قال فحدثه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعداً لك سائر اليوم. وفي هذا الحديث ما مع تقدم ذكره من الآية الكريمة وأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين أبلغ رد على من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبر المنافقين ويعطف عليهم.
وقد فضح الله المنافقين في سورة براءة وغيرها من السور ونهى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
رسوله صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لهم والصلاة عليهم والقيام على قبورهم، قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة التوبة، قال التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها، رواه البخاري ومسلم.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبر ويعطف على أناس قد حذره الله منهم في قوله تعالى: {هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون} وقال فيهم: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال فيهم: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولآء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط}.
فإن احتج المفتون على ما زعمه من بر المنافقين والعطف عليهم بما ورد في قصة عبد الله بن أبي بن سلول حين مات وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به أن يخرج من قبره وأنه نفث عليه من ريقه وألبسه قميصه وصلى عليه.
فالجواب: أن يقال ليس في قصة عبد الله بن أبي ما يتعلق به أهل الباطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فعل مع عبد الله بن أبي ما فعل إكراماً لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي لأن عبد الله بن عبد الله كان من فضلاء الصحابة وخيارهم. وقد استأذن رسول الله - صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وسلم - في قتل أبيه فلم يأذن له، وقال لأبيه أنت الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو العزيز، ولما مات أبوه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعيّر بهذا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته فأمر به فأخرج منها وتفل عليه من ريقه وألبسه قميصه، وكان هذا قبل أن ينهاه ربه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ثم إن الله تعالى أنزل عليه: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} فكان بعد نزول هذه الآية لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبر المنافقين ويعطف عليهم.
الوجه الثاني: أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن موصوفاً بالقسوة كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما كان موصوفاً باللين والرأفة والرحمة للمؤمنين وبالشدة والغلظة على الكافرين والمنافقين، قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} وفي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} وحرزاً للأميين وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، قال عطاء لقيت كعباً فسألته فما اختلفا في حرف إلا إن كعباً يقول بلغته أعيناً عمومى وآذاناً صمومى وقلوباً غلوفى، هذا لفظ أحمد.
فهذه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين. وأما مع الكافرين والمنافقين فقد أمره الله بالشدة والغلظة عليهم فقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}.
وفيما ذكرته من الآيات وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أبلغ رد على من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسوة.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل ألم يقل بعض العلماء إن البدع ليست كلها سيئة، وقالوا إن هناك بدعة سيئة وبدعة حسنة حتى في الدين.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال وهل يظن صاحب المقال الباطل أن أقوال بعض العلماء في تحسين بعض البدع يجب الأخذ بها ولا تجوز مخالفتها وأنها تجرى مجرى النصوص من الكتاب والسنة، كلّا بل إن الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به أقوال الناس وأعمالهم، فما وافقهما فهو مقبول، وما خالفهما فهو مردود على صاحبه كائناً من كان، وإذا عرضنا أقوال القائلين بتحسين بعض البدع على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة للنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع على وجه العموم والأمر باجتنابها بدون استثناء منها. وما خالف أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مخالف لكتاب الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
لأن الله تعالى قال في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} وفي هذه الآيات أبلغ رد على من عمل بشيء من البدع وعلى من استحسن شيئاً منها ولم يلتفت إلى النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير منها والأمر بردها.
الوجه الثاني: أن يقال ما ذكره صاحب المقال الباطل عن بعض العلماء في تحسين بعض البدع فهو قول باطل مردود بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع والأمر باجتنابها بدون استثناء شيء منها، فالأول من النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي، وقال ابن عبد البر في كتابه «جامع البيان العلم وفضله»: حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح. وفي هذا الحديث النص على أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة، وفي هذا أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم، وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
الدين، وقد قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الكلام على حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذاما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة انتهى.
الثاني: من النصوص قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد رواه النسائي بإسناد جيد ولفظه «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ففي هذا الحديث النص على أن الأمور شر محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار، وفي هذا النص أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم، وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين، وقد روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث جابر رضي الله عنه، ورواه ابن وضاح وابن عبد البر وغيرهما موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه، وعلى تقدير صحة وقفه فله حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف، وحديث جابر يشهد له ويقويه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الثالث: من النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوما به «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، قال النووي في شرح مسلم: قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به. قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وقال أيضاً وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، ثم ذكر قول النووي أن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك، قال: وقال الطرقي هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، قال الحافظ: وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها انتهى.
قلت: وفي النص على رد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ تحذير من البدع على وجه العموم، وفيه أيضاً أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين.
الوجه الثالث: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم الاستدراك على الشريعة المحمدية، وما استلزم الاستدراك على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الشريعة الكاملة فهو قول سوء يجب رده على قائله، وقد قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بَعْدُ فلا يكون لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} معنى يعتبر به عندهم انتهى. وذكر الشاطبي أيضاً ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً» وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام» ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة» وذكر بقيته بمثل ما تقدم انتهى.
الوجه الرابع أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يستلزم رد النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع والأمر بردها، وما استلزم الرد للنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قول سوء يجب رده على قائله.
الوجه الخامس: أن القول بتحسين بعض البدع حتى في الدين يفتح باب التشريع في الدين والعمل بما لم يأذن به الله، وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك وتوعدهم بأشد الوعيد فقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم} وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على من استحسن شيئاً من البدع وعلى من زعم أن البدع ليست كلها سيئة وأن هناك بدعة حسنة حتى في الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ألم يرد على لسان أحد الصحابة رضوان الله عليهم «نعمت البدعة هذه، ألم يُحْدِث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس في صلاة التراويح وجعلها عشرين ركعة ولم يكن ذلك موجوداً في عهد الرسول ولا عهد أبي بكر وهل قام الصحابة وهم مثله في العلم والفقه والمقام من رسول الله وهاجموه وقالوا له لماذا تشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله، وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما اجتماع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فليس ببدعة ولم يُحْدِثه عمر رضي الله عنه كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما هو سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث. منها ما رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم واللفظ له وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: «أما بعد فإنه لم يخف عليَّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)