وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من زعم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مثل عمر رضي الله عنه في العلم والفقه.
وأما تفوق عمر رضي الله عنه على الصحابة سوى أبي بكر الصديق في المقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو المنزلة عنده فقد جاء فيه أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي» وأشار إلى أبي بكر وعمر. وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «إني لا أرى مقامي فيكم إلا قليلاً فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ورواه الحاكم في مستدركه مختصراً وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه، وقال الحاكم هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين - يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك قال: «عائشة» قلت: من الرجال قال: «أبوها» قلت: ثم مَنْ قال: «عمر» فعد رجالاً، زاد البخاري في رواية له فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.
ومنها ما رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله قالت: أبو بكر قلت: ثم مَنْ قالت: عمر قلت: ثم مَنْ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم مَنْ قال: فسكتت. هذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمر رضي الله عنه قال: استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك» فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. هذا لفظ أبي داود، وفي رواية له أنه قال: «أشركنا يا أُخَيَّ في دعائك» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وفي رواية لأحمد أنه قال: «يا أُخَيَّ أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا» فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله «يا أُخَيَّ».
ومنها ما رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن حنطب رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: «هذان السمع والبصر» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح الإسناد وقال الذهبي حسن.
ومنها ما في مستدرك الحاكم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {وشاورهم في الأمر} قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم فقال: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم قال: «فإني أومن بهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثَمَّ هذا لفظ البخاري في «كتاب أحاديث الأنبياء» وقد رواه الترمذي مفرقاً في موضعين من مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال في كل منهما حسن صحيح.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفتّ إليه فإذا هو عليّ فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما.
وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أبي معمر عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: منزلتهما الساعة.
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بغير الذي هما أهل له من الإسلام فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق فحبهما قربة وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
المسلمين فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب.
وروى الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: ما أظن رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي حديث حسن غريب.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من انتقص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبخسه حقه من علو المنزلة في العلم والفقه والمقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحاديث في فضائل عمر رضي الله عنه وخصائصه التي اختص بها دون غيره من الصحابة رضي الله عنهم كثيرة جداً، ومن أعظمها وأشرفها أن القرآن قد نزل بموافقته في أسرى بدر وفي تحريم الخمر وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى وفي الحجاب وفي قوله للنبي صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه، إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو وبكر والمؤمنون معك فنزلت هذه الآية: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}. ومنها أن الشيطان كان يخاف من عمر رضي الله عنه وإذا سلك عمر رضي الله عنه فجّاً سلك الشيطان فجّاً غير فجّه، ومنها أنه كان أشد هذه الأمة في دين الله. ومنها أنه عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وعليه قميص يجره وأوّل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» إلى غير ذلك من المناقب الجليلة والخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر رضي الله عنه دون غيره، وفيها أبلغ رد على من انتقصه وبخسه حقه.
ومن أشرف الخصال الحميدة التي قد امتاز بها عمر رضي الله عنه على جميع الخلفاء والملوك بعده أنه كان مضرب المثل في العدل وحسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
السيرة والأخذ بالحزم في جميع أموره فليس أحد ممن بعده يماثله في هذه الخصال الحميدة.
ومن أعظم الخصائص التي اختص بها هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما دون سائر الأمة دفنهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفى بهذه المجاورة شرفاً لهما. وقد تقدم قول علي بن الحسين أن منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من النبي صلى الله عليه وسلم منزلتهما الساعة، وفي هذا رد على من انتقص عمر رضي الله عنه وبخسه حقه من علو المنزلة والمقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول صاحب المقال الباطل: وصلاة التهجد في رمضان فقط وفي جماعة هل شرعها الرسول هكذا أو هل فعلها أصحابه؟.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت الأحاديث الثابتة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس جماعة في ثلاث ليال من ليالي رمضان ثم إنه ترك الصلاة بهم وعلل ذلك بأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها، وذكرت أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» وذكرت أيضاً ما رواه البيهقي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ناساً في ناحية المسجد يصلون مع أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: «قد أحسنوا أو قد أصابوا» ولم يكره ذلك لهم، فهذا يدل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان، وفي كل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وتقريره دليل مستقل على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان. وباجتماع هذه الأمور يزداد الأمر في المشروعية تأكيداً وحثّاً على العمل بهذه السنة.
ومن الأدلة أيضاً على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان قول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» وقد ذكرت هذه الأحاديث والأحاديث التي قبلها في الوجه الأول والوجه الثاني فلتراجع. فكل حديث منها يدل بمفرده على مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان، ويدل على ذلك أيضاً إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الصلاة جماعة في قيام رمضان، وفيهم الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وإجماع الصحابة رضي الله عنهم حجة قاطعة، وفي اجتماع هذه الأدلة أبلغ رد على من أنكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أنه لا ينكر مشروعية الصلاة جماعة في قيام رمضان إلا أحد رجلين، إما جاهل لا علم له بشيء من الأحاديث الدالة على المشروعية وإما رجل يتعامى عن الحق ويجادل بالباطل في معارضة الحق ورده ويحاول التلبيس على ضعفاء البصيرة. وهذه الصفة الذميمة تنطبق على صاحب المقال الباطل وعلى أشباه له في بلده وغير بلده.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ألم يحدث عمر إيقاع الطلاق الثلاث في مجلس واحد وبلفظ واحد ثلاثاً بعد أن كان يعتبر طلقة واحدة في عهد الرسول وأبي بكر.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن إلزام عمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
رضي الله عنه بالطلاق الثلاث لا يعد من المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها وإنما هو من السنن التي يجب الأخذ بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ومن الاقتداء بعمر رضي الله عنه العمل بأمره في الإلزام بالطلاق الثلاث.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر يقول به» ومن الحق الذي جعله الله على لسان عمر رضي الله عنه إلزامه بالطلاق الثلاث، وفي كل من هذه الأحاديث أبلغ رد على من اعترض على عمر رضي الله عنه وجعل سنته من قبيل المحدثات في الإسلام.
وأيضاً فإن الصحابة رضي الله عنهما قد وافقوا عمر رضي الله عنه على الإلزام بالطلاق الثلاث وفيهم من الخلفاء الراشدين المهديين عثمان وعلي رضي الله عنهما. والصحابة رضي الله عنهم لا يجتمعون على شيء من البدع والضلالة، وفي اتفاقهم على العمل بما أمر به عمر رضي الله عنه أبلغ رد على من اعترض على عمر رضي الله عنه وجعل سنته من قبيل البدع.
الوجه الثاني: أن يقال إن ابن حزم قد قرر في كتابه «المحلى» أن الطلاق الثلاث المجموعة سنة وليست بدعة، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة من القرآن والسنة ورد على من قال: إن الثلاث المجموعة ترد إلى واحدة فليراجع كلامه في ذلك في «كتاب الطلاق» من كتاب «المحلى»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وعلى ما قرره ابن حزم يكون إلزام عمر رضي الله عنه بالطلاق الثلاث إلزاماً بسنة ماضية قبله.
الوجه الثالث أن يقال من أكبر الخطأ قياس بدعتي المأتم والمولد على سنة عمر رضي الله عنه في الإلزام بالطلاق الثلاث. وهذا القياس الفاسد من جنس قياس الذين قالوا: (إنما البيع مثل الربا) وهو مردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذين الحديثين في البرهان السادس عشر والبرهان التاسع عشر فليراجع هناك.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ومكبرات الصوت في الأذان والإقامة وقراءة الإمام أليست كل هذه من محدثات الأمور الحسنة أم أنها ضلالة يجب منعها وتحريمها وإدخالها تحت طائلة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والجواب أن يقال إن مكبرات الصوت لا تدخل في حد البدعة لأنها إنما تكبر الصوت فقط وليس فيها زيادة في ألفاظ الأذان ولا الإقامة ولا القراءة. وعلى هذا فإدخالها في حد البدعة خطأ ظاهر، ومن هذا الباب ركوب الطائرات والسيارات في السفر إلى الحج والعمرة، وكذلك وضع الساعات في المساجد لمعرفة أوقات الصلوات فكل هذا من الأمور المباحة ومن النعم التي أنعم الله بها على عباده وليست داخلة في حد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
البدعة، ومن زعم أنها من البدع الداخلة تحت عموم النهي فلا شك أنه مصاب في عقله.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ولقد تساءلت في كلمتي السابقة، وهل كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام علينا أم أن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء به نص بتحريمه أو النهي عنه، وأزيد على ذلك الآن بأن فقهاء الإسلام لم يتركوا هذا الموضوع بل درسوه وناقشوه وانتهوا إلى أن ترك الرسول لعمل لا يدل على تحريمه واستدلوا بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ولم يقل ما تركه فانتهوا، وهذا هو الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع لأمته قاعدة عظيمة تعرض عليها الأعمال فيعرف ما يجوز منها وما لا يجوز فقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود.
وقد تقدم تخريج هذين الحديثين والكلام عليهما قريباً (1) مع الرد على ما نقله الكاتب عن بعض العلماء أنه قال: إن البدع ليست كلها سيئة فليراجع هنا.
وعلى هذه القاعدة العظيمة مدار الأعمال كلها. فما كان منها--------------------------------------------
(1) ص: 118 - 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
موافقاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أو سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من الأعمال التي يجب التمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وما لم يكن منها من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة. وفي هذه القاعدة العظيمة أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.
الوجه الثاني: أن يقال قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» وقد تقدم تخريج هذا الحديث في البرهان العشرين فليراجع هناك، وقد ذكرت في الكلام عليه قول النووي إن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا الحديث أبلغ رد على قول الكاتب إن الأصل في الأعمال هو الحل إلا ما جاء نص بتحريمه أو النهي عنه.
الوجه الثالث: أن يقال إن القاعدة التي تقدم ذكرها موافقة غاية الموافقة لقول الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فكل ما كان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أو من سنة الخلفاء الراشدين المهديين فهو مما أمر الله بأخذه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بالتمسك به والعض عليه بالنواجذ، وما كان من محدثات الأمور فهو مما نهى الله عنه لأن رسول صلى الله عليه وسلم قد حذر أمته من محدثات الأمور على وجه العموم وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة وأنها في النار.
الوجه الرابع: أن يقال إن في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
محدثات الأمور وأمره بردها نصاً جلياً على النهي عنها والمنع منها، وهذا النص لا يخفى على من له أدنى علم وفهم للأحاديث النبوية، وإنما يخفى على البليد الذي لا نصيب له من العلم والفهم.
الوجه الخامس: أن يقال ما زعم الكاتب أنه الفهم الصحيح لنصوص القرآن والحديث فهو مبني منه على التخرص واتباع الظن، وكيف يكون فهم الكتاب صحيحاً مع مخالفته للقاعدة الشرعية التي تقدم ذكرها في الوجه الأول ومحاولته لتأييد بدعتي المأتم والمولد والجدال عنهما بالباطل واطراح ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حصر أعياد المسلمين الزمانية في سبعة أيام ولم يجعل المولد منها ولا معها، وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أنهم عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة وقال أبو البختري وسعيد بن جبير: إن ذلك من أمر الجاهلية، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في البرهان الثامن والعشرين والبرهان التاسع والعشرين والبرهان الثلاثين فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب وعلى محاولته تأييد بدعتي المولد والمأتم والدفاع عنهما بفهمه الخاطئ.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ولو أننا زعمنا أن كل ما لم يفعله الرسول ولا أصحابه حرام نكون نحن الذين شرعنا في الدين ما لم يأذن به الله ودخلنا تحت مظلة {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} وخاصة في غير الدين كالاحتفال بالمولد النبوي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وحفلات المآتم، ألم يقل الرسول مرة إثر نقاش بينه وبين أصحابه «أنتم أدرى بأمور دنياكم» أو كما قال.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته أن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وحذرهم من محدثات الأمور وأمرهم بردها ونص على أنها شر وضلالة، وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث الصحيحة في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده (1) فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع الأعمال التي ليست من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ولم يكن عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فهي من البدع التي يجب ردها والمنع منها. وعلى هذا فإن المنكرين لمحدثات الأمور لا ينطبق عليهم القول بأنهم قد شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل، ولا ينطبق عليهم ما جاء في قول الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} وإنما ينطبق ذلك على أهل البدع فهم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وهم الذين افتروا الكذب بما ابتدعوه واستحسنوه من الأعمال التي لم يأمر الله بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. ويشاركهم في أعمالهم السيئة وصفاتهم الذميمة كل من سعى في تأييد البدع وأمور أهل الجاهلية وبذل جهده في إظهار العمل بها في بلاد المسلمين كما قد فعل ذلك الكاتب المفتون بالبدع وأشباه له كثيرون في بلده وغير بلده.
الوجه الثاني: أن يقال إن الكاتب المفتون قد زعم أن إنكار الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم والقول بتحريمها من الشرع في--------------------------------------------
(1) ص: 65 - 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
الدين بما لم يأذن به الله ومما يدخل في قول الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية، وإنه لينطبق على الكاتب قول الله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون}. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن عموم الأحاديث الواردة في التحذير من البدع والأمر بردها يشمل الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم بطريق الأولى لأن الاحتفال بالمولد النبوي قد جعله الجهال عيداً مضاهياً للأعياد المشروعة للمسلمين، بل إنهم يحتفلون بالمولد أعظم مما يحتفلون بالأعياد المشروعة للمسلمين، وأما حفلات المآتم فإنها من أمور أهل الجاهلية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» وهي أيضاً من النياحة كما جاء ذلك في النص الثابت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن غيره من الصحابة رضي الله عنهم. وقد تقدم ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه فليراجع (1) وليراجع كلام العلماء في ذم حفلات المآتم وقول بعضهم إنها بدعة مستقبحة وأنها قلب للمعقول لأن الضيافة إنما تكون للسرور لا للحزن، وما كان بهذه الصفة الذميمة فإنه لا يشك المسلم العاقل في تحريمه.
الوجه الثالث: أن يقال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» إنما هو وارد في تأبير النخل وذلك من الأمور الدنيوية التي ليس لها تعلق بشيء من أمور الدين وليست داخلة في المحدثات التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بردها،--------------------------------------------
(1) ص: 81 - 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وهذا بخلاف الاحتفال بالمولد النبوي وحفلات المآتم فإنهما من المحدثات التي ورد التحذير منها والأمر بردها. فأما الاحتفال بالمولد النبوي فإن الجهال قد اتخذوه عيداً وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى، وقد زعم بعض الجهال من الكتّاب المنتسبين إلى العلم - وهم بعيدون غاية البعد عن العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم - أن الاحتفال بالمولد النبوي سنة حسنة محمودة، وزعموا أيضاً أنها سنة مباركة، وزعموا أيضاً أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعاً، وزعموا أيضاً أنه مشروع في الإسلام، وزعموا أيضاً أنه يثبت الأفئدة، وكل هذا موجود في كتب لهم منشورة. وقد رددت على هذه المجازفات والأباطيل التي هي من الزيادة في الدين والشرع فيه بما لم يأذن الله به في كتابي المسمى بـ «الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع الرد عليها هناك.
وما ذكرته هنا من مجازفات الجهال وأقوالهم الباطلة في تعظيم الاحتفال بالمولد واتخاذه ديناً فيه أبلغ رد على ما في كلام الكاتب المفتون من التمويه على الجهال وإيهامهم أنه لا محذور في الاحتفال بالمولد النبوي وأن القول فيه من جنس القول في تأبير النخل.
وأما حفلات المآتم فقد ذكرت في الوجه الثاني أنها من أمور أهل الجاهلية ومن النياحة التي هي من كبائر الإثم، وما كان بهذه المثابة فقياسه على تأبير النخل من أفسد القياس، ومن أجاز العمل بالنياحة وأمور أهل الجاهلية فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل: ما هي ماهية الاحتفال بالمولد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
النبوي؟ وماذا يجري فيه؟. إنه اجتماع في ليلة مباركة على أمة محمد، اجتماع نستشعر الحب الإلهي ونتعرض لنفحات الرب، يجتمعون يقرءون القرآن ثم يتلون شيئاً من سيرة الرسول الكريم ومعجزاته ويذكرون الله ويصلون على رسوله ثم يأكلون ويشربون الطيبات من الرزق ثم يخرجون وقد امتلأت نفوسهم بمزيد من الحب لله ولرسوله.
هذا هو الاحتفال الصحيح بالمولد النبوي ولا شيء سواه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال على سبيل الفرض والتقدير لو أن الاحتفال بالمولد النبوي كان خالياً من منكرات الأقوال والأفعال وكان على وفق الماهية التي ذكرها الكاتب لكان المنع منه متعيناً لأنه لم يكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من المحدثات، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من المحدثات وأمر بردها ونص على أنها شر وضلالة فقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث في البرهان السادس عشر والبراهين الثلاثة بعده فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الكاتب خاصة وعلى جميع الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويتخذونه عيداً--------------------------------------------
(1) ص: 65 - 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
ولا يبالون بما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن المحدثات ووصفها بالشر والضلالة والأمر بردها، والنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا قد جاءت على وجه العموم فيدخل في عمومها الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من البدع. ولا فرق في ذلك بين بدعة وبدعة، ومن ادعى خروج الاحتفال بالمولد النبوي من عموم الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع والأمر بردها فهو مطالب بأن يأتي بنص من الكتاب أو السنة يدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي وخروجه من عموم المنع من البدع. ولن يجد إلى النص سبيلاً.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى قد شرع للمسلمين سبعة أعياد زمانية وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق الثلاثة. فمن زاد عليها عيداً ثامناً فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وخالف السنة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وكل من ابتدع في الدين فبدعته مردودة كائنة ما كانت، ومن هذا الباب ما يفعله الجهال من الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً يعظمونه أشد من تعظيمهم للأعياد المشروعة للمسلمين ويفرحون به أعظم من فرحهم بالأعياد المشروعة للمسلمين، وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتعظيمه للبدع في نفوسهم.
الوجه الثالث: أن يقال إن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي ليس لها حد محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه، بل إنها تختلف اختلافاً كثيراً على حسب العوائد في الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام فكل من استحسن منكراً من الأقوال أو الأفعال أدخله في ماهية الاحتفال بالمولد.
وأنا أذكر ها هنا بعض المنكرات التي قد أضفيت إلى ماهية الاحتفال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
بالمولد النبوي، فمن ذلك القيام عند ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر ابن علوي في صفحة 27 من رسالته التي سماها: «حول الاحتفال بالمولد النبوي» أن هذا القيام قد استحسنه من استحسنه من أهل العلم. ونقل عن البرزنجي ما ذكره عن بعضهم من استحسان القيام وأن أهل العلم والفضل والتقى قد سنوه، ثم قال ابن علوي في آخر صفحة 28 إن من لم يقم قد يفسر موقفه ذلك بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس. وذكر أيضاً في صفحة 29 أن استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم قد جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقاً وغرباً انتهى ملخصاً من كلامه، وقد رددت على هذه الأقوال الباطلة في كتابي المسمى بـ «الرد القوي. على الرفاعي والمجهول وابن علوي» فليراجع ذلك في آخر الكتاب المذكور، وهذه السنة من سنن الضلالة التي يكون على المبتدي بها وزرها ووزر من عمل بها بعده، ويكون الوزر أيضاً على من يدعو إليها ويحسنها للجهال كابن علوي وأشباهه من أنصار البدع، وقد ذكرت في «الرد القوي» ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من كراهيته للقيام له ونهيه عنه وقوله إن ذلك من فعل الأعاجم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كره القيام له ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم فكيف بالقيام عند ذكر ولادته، فهذا أولى بالنهي والمنع لجمعه بين البدعة المستهجنة والتشبه بالأعاجم.
ومن ماهية الاحتفال بالمولد النبوي أيضاً ما ذكره أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» أنهم يستعملون فيه الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابه وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، وذكر أيضاً أنه يفعل فيه أنواع من المنكرات من الغناء والرقص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
ومن ماهيته أيضاً ما ذكره محمد بن عبد السلام خضر الشقيري في كتابه المسمى بـ «السنن والمبتدعات» أنه تنفق فيه الأموال الباهظة التي تعلق بها التعاليق وتنصب بها السرادقات وتضرب بها الصواريخ ويكون فيها اجتماع الرقاصين والرقاصات والمومسات والطبالين والزمارين واللصوص والنشالين والحاوي والقرداتي وذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء. أهل الإلحاد في أسماء الله والشخير والنخير والصفير بالغابة والدق بالبارات والكاسات والشهيق والنعيق بأح أح يا ابن المره أم أم إن إن سابينها يا رسول الله يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم، اللع اللع، كالقرود.
قال محمد بن عبد السلام ما فائدة هذا كله؟ فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوربا فيفهمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم - حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه.
قال: وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر؟ ، بل وأقروه! ، ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين، فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة انتهى باختصار.
فهذا ما ذكره العالم بماهية الاحتفال بالمولد النبوي في بلاده التي هي من أكبر البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، فأما الماهية التي ذكرها صاحب المقال الباطل فقد يكون الاقتصار عليها نادراً عند المفتونين بالاحتفال بالمولد النبوي، ومع هذا فهي من البدع الداخلة في عموم الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
البدع والأمر بردها، وقد قال أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل»: المولد إذا خلا من السماع وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له ولسنته صلى الله عليه وسلم ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم انتهى.
وقال تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني - وهو من متأخري المالكية - في كتابه المسمى بـ «المورود، في الكلام على عمل المولد» أما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين وقصدوا الجواب عن ذلك فقلت: وبالله التوفيق، لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً. وليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين.
أحدهما: أن يعمله رجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، وهذا لا يختلف في تحريمه اثنان انتهى المقصود من كلامه والأولى أن يقال في الحالة الأولى بالتحريم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف البدع بالشر والضلالة على وجه العموم وأخبر أنها في النار وحذر منها غاية التحذير وأمر بردها من غير تفريق بين بدعة وبدعة، وفي هذا أوضح دليل على تحريم البدع كلها سواء كان معها شيء آخر من المنكرات أو لم يكن. وإذا كان معها شيء آخر من المنكرات كان ذلك أشد لتحريمها وكان الزجر عنها آكد والمنع منها أوجب.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في صفحة 298 من المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى. وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)