حديثَ الصوم [يقتضي] (1) أن لا يخرجَ من أعماله كلِّها عن كونه له إلا الصوم، وحديث الفاتحة يقتضي أن يخرجَ بعض عمله غير الصوم عن كونه له.
والجواب عنه: أن المعنى في اللام مختلف، ففي حديث الفاتحة هي محمولةٌ على أن بعض معاني ألفاظ الفاتحة مختصٌّ به، ومتعلق بخصوصيته؛ كالعبادة وسؤال الهداية.
واللام في حديث الصوم على غير هذا الوجه، على ما ذكرناه في الوجوه السابقة، وعلى ما اخترناه أنها دالةٌ على التقدير في الثواب بجميعِ أعمالِه (2) إلا الصومَ.
فلا تجامُعَ، ولا تعارُضَ (3)، وهذا الوهمُ الذي وقع للسائل سببُهُ الاشتراكُ في معنى اللام.
السابعة: لا شكَّ أنَّ مقصود الكلام الترغيب في الصوم بسبب ترتب الجزاء عليه، فيكون ذلك دافعًا لما يقوله المتأخرون من المتصوفة: إن العبادةَ لطلب الجزاء مرتبةٌ مرغوب عنها، أو مذمومة، حتى يقال: إن العامل للجزاء كالأجير، وإنما الطريق العمل لوجه الله تعالى، وامتثال أمره.--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) "ت": "الأعمال".
(3) "ت": "فلا تعارض ولا تجامع".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 229)
وإنما قلنا: إنه يكون دافعًا لما قالوه، أو معنى ذلك؛ لأن ذلك يُبطل الترغيبَ بذكر الجزاء على الأعمال، مع أن المعنى عليه جزمًا.
وهذا في ألفاظ الشرع كثير جدًا، [نعم] (1) لو قيل: إن غيرَه أعلى منه، فقد يسلم ذلك، وأما أن يكون هذا في محلّ الذم والاستكراه، فلا.
الثامنة: في رواية وكيع، عن الأعمش: "الصومُ لي، وأنا أجزِي بهِ، يدع شهوتَهُ (2) وطعامَهُ من أجلِي" (3).
وهذه الجملة التي هي؛ "يدع شهوتَهُ وطعامَهُ من أجلِي" تقتضي التعليل بها لما سبقها؛ أي: تقتضي تعليل ترتيب الجزاء على هذا الأمر؛ أعني: ترك الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، [والجمل] (4) قد تفيدُ معنى التعليل كثيرًا.
التاسعة: وصفُ العام بالخاص غيرُ جائز، وبعبارة (5) المنطقيين: حملُ الخاص على العام غيرُ سائغ، فلا يقال: الحيوان إنسان، وإطلاق العام لإرادة (6) الخاص مجاز، لا [على] (7) سبيل الحقيقة (8).--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) "ت": "شهواته".
(3) وهي رواية مسلم المتقدم تخريجها برقم (1151/ 164) عنده.
(4) زيادة من "ت".
(5) "ت": "وعبارة".
(6) في الأصل: "على"، والمثبت من "ت".
(7) زيادة من "ت".
(8) انظر: "البرهان في أصول الفقه" للجويني (2/ 773).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 230)
وإذا كان كذلك، فيظهر بهذا (1)، وبما ذكرناه من التعليل: أن الإمساكَ الذي لا يكون بهذه الحالة - أعني: أن يكونَ [لا] (2) لأجل الله تعالى - لا يكون صومًا شرعيًا؛ لأنه لو انقسم الصوم الشرعي إلى ما يكونُ بهذه الصفة، وإلى ما لا يكونُ كذلك (3)، كان فيه وصف العام بالخاص، أو إطلاق العام وإرادة الخاص، والأول: غير سائغ، والثاني: ليس بحقيقة، والأصلُ عدمُهُ.
العاشرة: فيَحْسُنُ (4) هذا في (5) أن يقولَ القائل: الحديث يدل على اشتراط النية في الصوم؛ لدلالة ما ذكرناه من لزوم التعليل، وامتناع وصف العام بالخاص، أو لزوم المجاز من إطلاق العام لإرادة الخاص، مع أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، على أن ما ليس بهذه الصفة ليس صوما، ولا يمكن أن يقال: إنه ليس صومًا لغويًا، فيتعين أن يكون المنتفي الصوم الشرعي، إلا أن فيه بحثًا ونظرًا، نذكره في المسألة بعدها.
الحادية عشرة: إذا قيل: افعلْ كذا لكذا، فله معنيان:
أحدهما: أن تكون اللام تعليلًا للأمر بذلك الفعل.--------------------------------------------
(1) "ت": "بها" بدل "بهذا".
(2) زيادة من "ت".
(3) في الأصل: "كان كذلك"، والمثبت من "ت".
(4) في الأصل: "فيحل"، والمثبت من "ت".
(5) في الأصل: "إلى"، والمثبت من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 231)
والثاني: أن يكون أمرًا بتعليل الفعل بذلك الشيء.
فإذا قلنا: أكرمْ زيدًا لأنه عالم، وكان ذلك تعليلاً للأمر بالإكرام، فلا يَلزمْ منه الأمر بالتعليل، حتى لو أكرمه - ولم يقصد بإكرامه التعليل بالعلم - كان ممتثلاً.
وإذا جعلناه أمرًا بالتعليل، بمعنى: أكرمه؛ معللاً إكرامك له لكونه عالمًا، فلو أكرمه - لا لأجل ذلك - لم يكن ممتثلاً.
فظهر الفرق بين التعليل للأمر، و [بين] (1) الأمر بالتعليل، وكذلك نقول: في باب مدح الفعل، وتعليل مدحه بعلة بلفظ (أجل)؛ أو ما في معناه.
وإذا ثبتَ (2) هذا فقولُه تعالى: "يدع شهوتَه وطعامَه من أجلِي"، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون تعليلاً للأمر؛ أي: أنه فعل ذلك بسبب أمري له بالصوم، فلا يلزم أن يكون فعل ذلك معللًا لَفعله بأنه لأجل الله تعالى.
ويحتمل المعنى الآخر (3)، وهو أن يكون ممدوحًا على كونه فعل ذلك لأجل الله تعالى؛ أي: مقصود أنه كونه لله تعالى، فعلى هذا الثاني: يمكنُ الاستدلالُ الذي ذكره القائل، وعلى الوجه الأول: لا يصح.--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) من هنا بداية المسألة "الثانية عشرة" في "ت". والمسألة الثانية عشرة كما هي في الأصل سقطت من "ت".
(3) "ت": "معنى آخر".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 232)
[الثانية عشرة: الأمر بالإخلاص، الكلام فيه كالكلام في النية سواء] (1).
الثالثة عشرة: ويتعلَّق بهذا الذي تقدَّمَ: أنَّ إضافةً العبادة إلى الله تعالى بالنية؛ هل تجب، أم (2) لا؟
والمراد: النية بالفعل، لا بالقوة، وفي المسألة خلافٌ (3) بين الفقهاء مذكورٌ في الصلاة.
الرابعة عشرة: قد تقدم من الكلام في معنى كونِ الصوم جُنَّة ما يهدي إلى ما يرشدُ إليه اللفظُ من التعليل لعدم الرفث والصخب، فكونه جُنَّة - على حسب المعاني التي قدمنا في كونه جُنَّة -؛ هل هو راجعٌ إلى أمر شرعي، أو أمر وجودي؟ فتأمله.
الخامسة عشرة: في مقدمة لغيرها: اختلف الناس في الكلام؛ هل هو حقيقةٌ في الألفاظ، مجازٌ عن المعنى القائم بالنفس مجازَ إطلاق لفظ الدليل على المدلول، أو هو حقيقةٌ في المعنى القائم بالنفس، مجازٌ في اللفظ مجازَ إطلاق لفظ المدلول على الدليل، أو هو مشترك بينهما؟
ورجَّحَ بعضُ [المتكلمين من] (4) المتأخرين المثبتين (5) لكلام--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) "ت": "أو".
(3) "ت": "اختلاف".
(4) زيادة من "ت".
(5) "ت": "المنتسبين".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 233)
النفس كونَهُ حقيقة في اللفظ (1).
السادسة عشرة: من يجعله حقيقة في اللفظ يَحملُ عليه قولَه عليه السلام: "فليقلْ: إني صائمٌ" عملًا بالحقيقة، ومن يجعله حقيقة في كلام النفس يحمل اللفظ عليه (2)، فلا يكون مأمورًا بقوله لفظًا، والمجازُ على كلِّ مذهب سائغٌ في أن يَجعلَ أحدهما مرادًا من الآخر.
السابعة عشرة: اختلف الفقهاء في أنه يقول ذلك جهرًا، أو [لا] (3)، على أقوال:
ثالثها: الفرقُ بين الصوم الواجب والنفل، ففي الواجب يجهر به؛ لعدم الخوف من وقوع الرياء، وفي النفل يُسِرُّ؛ أي: في نفسه؛ للخوف من ذلك (4).
وهذا التعليل يناسب الصومَ المشتركَ في وجوبه بين الناس، وأما الصوم الذي يختصُّ (5) به بعض الناس؛ كالمنذور، فلا تناسبه فائدة (6) الجهر به.--------------------------------------------
(1) انظر: "مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصبهاني" (1/ 183)، و "البحر المحيط" للزركشي (3/ 116).
(2) أي: على كلام النفس.
(3) زيادة من "ت".
(4) انظر: "عارضة الأحوذي" لابن العربي (3/ 295).
وانظر: "المفهم" للقرطبي (5/ 213)، و "شرح مسلم" للنووي (8/ 28)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 105).
(5) في الأصل: "يخص"، والمثبت من "ت".
(6) في الأصل: "فلا بد"، والمثبت من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 234)
الثامنة عشرة: لا شكَّ أن المقصود بهذا النهيُ عن سبِّ المُسابِّ، وليس اللفظ دالاً على ذلك بنفسه، لكنه معلوم جزمًا، وإلا لكان هذا القول بالنسبة إلى هذا الأمر [أجنبيًا] (1) بمثابة أن نقول: قام زيد، وقام عمرو، مما لا يناسب التعليل، ويكون الأمر بعدم المسبِّ مأخوذًا من مطلق تحريمه، فيبقى "فليقلْ: إني صائم" أجنبيًا معدومَ المناسبة، والمعلومُ خلافه.
التاسعة عشرة: إذا كان المقصود هو النهي عن السب، فقد (2) يُعطي ذلك أحكامَ صيغة السبِّ، حتى يدلَّ ذلك على فساد الصوم بالسبِّ؛ كما لو قالوا: لا تسبَّ في الصوم، بناءً على أنَّ النهي عن الشيء يقتضي الفساد، لا سيَّما في العبادات.
وإنما خرج على هذه [القاعدة] (3)؛ لأنه وإن كان النهي واقعًا على السبِّ، لكنه مخصوص بالصوم، فيكون الصومُ الموصوف بأنه مسبوب فيه منهيًا عنه، فيخرج على أن النهيَ يقتضي الفساد؛ كما قلناه.
أو لا يُعطَى أحكامَ صيغة النهي (4)؟
في هذا بحث؛ فيمكن أن يقال: [إنّا] (5) إذا جعلناه دالاً على--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) "ت": "فقد".
(3) زيادة من "ت".
(4) في الأصل: "السب"، والمثبت من "ت".
(5) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 235)
النهي، فيعطى (1) أحكام النهي، ويمكن أن يقال: إن تلك الأحكام من لوازم الصيغة المخصوصة؛ أعني: لا تفعلْ، وإنما يدلُّ هذا على مُجرَّد ترجيح الترك، ويكون تَحتُّم الترك من أحكام الصيغة المخصوصة.
وكذلك أقول في الخبر إذا كان بمعنى الأمر: هل يعطى حكم صيغة الأمر في الوجوب؛ لأنا نزَّلناه منزلتَهُ، فهو كما [لو] (2) لفظ (3) به، أو يقال: إن التحتم من أحكام الصيغة المخصوصة التي هي: افعلْ مثلًا؟
العشرون: إذا أعطيناه حكمَ صيغة النهي استدلَّ به من (4) يقول: إن ذلك مفسد (5) للصوم؛ لأن النهي يدل على الفساد، وقد قيل به؛ نسب إلى الأوزاعي، بل قد قيل بإفساد الصوم (6)، ويؤيد هذا قوله (7) صلى الله عليه وسلم: "منْ لمْ يدع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَهُ--------------------------------------------
(1) "ت": "فليعطَ".
(2) سقط من "ت".
(3) في الأصل: "لفظه"، والمثبت من "ت".
(4) في الأصل: "على من"، والمثبت من "ت".
(5) "ت": "يفسد".
(6) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 110).
(7) في الأصل: "بقولها، والمثبت من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 236)
وشرابَه" (1)، فإنه يشعر أنه لم يبق معه إلا تركُ الطعام والشراب، وذلك مجرَّدُهُ ليس بعبادة، وإذا انتفت العبادة انتفى الصوم.
الحادية والعشرون: في بحث على هذا الاستدلال، وهو أن نقولَ: قولنا: المقصود من هذا الكلام كذا، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون ذلك الكلام استعمل للدلالة على ذلك [المعنى] (2) بالمطابقة حقيقةً، أو مجازًا.
ويحتملُ أن يكونَ يدلّ عليه بطريق اللزوم، أو السياق.
فعلى الأول: يقرُبُ أن يكونَ اللفظ بمعنى ما دل عليه به، وأن ينزَّل منزلتَهُ، على نظرٍ فيه. وعلى الثاني: لا يلزم ذلك، فتأمَّلْه جيدًا، فَبِهِ تظهر صحةُ هذا الاستدلال، [أو عدمُها] (3).
الثانية والعشرون: قوله عليه السلام: "لخُلوفُ فمِ الصائمِ" تستدلُّ به الشافعيةُ على كراهة السواك للصائم بعد الزوال، قال الشافعي رحمه الله: وأكرهُهُ بالعشي؛ لما أحبهُ من خُلوف فم الصائم (4).
وقد حكينا عن جماعة من أهل اللغة: أن الخُلوف: التغير من--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1804)، كتاب: الصوم، باب: من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) زيادة من "ت".
(3) سقط من "ت".
(4) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (2/ 101). وقد تقدم أن المختار عند الشافعية عدم الكراهة، كما ذكر النووي في "المجموع" (1/ 341).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 237)
غير تخصيص، ومقتضاه لا يوجب تخصيصَ الكراهة بما بعد الزوال، إلا أن يُدَّعى أن التغيير لا يحصل إلا بعد الزوال، والوجود قد لا يساعد على ذلك.
أو يقال: إن التغيير قد يحصل قبل الزوال، [و] (1) لكنه لا يُسمَّى خلوفًا إلا بعد الزوال، وهو خلاف ما نقلناه عن هؤلاء الجماعة من أهل اللغة، ولا نعلم أحدًا منهم خصَّصَ الخلوف بما بعد الزوال.
أو يقال: إن المراد تغيرٌ يحدث عن الصوم، والتغيرُ الحادث عن الصوم إنما هو بعد الزوال.
ولما استدل بالحديث بعضُ الشافعية قال: والخُلوف: بضم الخاء واللام، وهو الرائحة، وذلك يحدث من الزوال إلى آخر النهار (2).
وهذا فيه أمران:
أحدهما: النزاع في أن التغير عن الصوم لا يكون إلا بعد الزوال، فإن ذلك غير منضبط، وربما اختلف بحسب أمزجة الناس، وقوة المعدة وضعفها، وطول النهار وقصره.
والثاني: أنه - على تقدير التسليم فيه - خروجٌ عن الإطلاق، فإن تغير فم الصائم يحصل قبل الزوال جزمًا، فيندرج تحت اللفظ، فإن كان ذلك مقتضيًا لكراهة الإزالة، فاللفظ يقتضيه.--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) وانظر: "المجموع في شرح المهذب" للنووي (1/ 340)، و "فتح الوهاب" لزكريا الأنصاري (1/ 26).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 238)
وتقييدُه (1) بـ: تغير يحدث عن الصوم؛ بخصوصه، خلافُ الإطلاق، لكنه قد يؤخذ من جهة أن المقصود: إظهار شرف الصوم [والترغيب فيه، وذلك يناسب اعتبار سببية الصوم] (2)، وهذا الاعتبار لا يدفع المنع المذكور.
وعلى الجملة: فليس هذا بالظاهر القوة، والعموماتُ التي تدل على استحباب السواك عند كل صلاة، أو عند كل وضوء، تقتضي خلافَهُ، واقتضاؤها له أظهرُ من الاستدلال على الكراهة بهذا الحديث؛ لما يحتاج إليه من المقدمات التي نبَّهنا عليها، ولأن دلالة حديث الخلوف على ما ذكر ليست مقصودة، ودلالةُ استحباب السواك عند كل صلاة وعند كل وضوء مقصودةٌ.
والذي يقتضيه الظاهر: [أنه] (3) حيثُ حصل مسمَّى الخلوف؛ قبل الزوال، أو بعده، وثبت أن الحديث يقتضي كراهةَ إزالته، أن يثبت الحكمُ بثبوت الخلوف مطلقًا، وذلك بعد استيفاء النظر في الترجيح بين العمومات الدالة على استحباب السواك عند الصلوات الواقعة بعد الزوال، وبين دلالة هذا الحديث، وقد بيَّنا أوجه (4) الترجيح آنفًا.
قال شيخنا أبو محمد بن عبد السلام: وأمَّا تحملُ الصائم مشقة رائحة الخلوف، فقد فضَّله الشافعي رحمه الله على إزالة الخلوف--------------------------------------------
(1) في الأصل: "يقيده"، والمثبت من "ت".
(2) زيادة من "ت".
(3) سقط من "ت".
(4) "ت": "وجه".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 239)
بالسواك، مُستدلاً بأن ثوابَه أطيبُ من ريح المسك، ولم يُوافقْ الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر [ثواب العمل أن يكون أفضلَ من غيره؛ لأنه لا يلزم من ذكر] (1) الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوترَ عند الشافعي - في قوله الجديد - أفضلُ من ركعتي الفجر، مع قوله عليه السلام: "ركعتَا الفجرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها" (2)؟! وكم من عبادة قد أثنى الشرع عليها، وذكر فضيلتها، مع أن غيرها أفضلُ منها.
وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التطهير المشروع لإجلال الرب؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا يُشَكُّ فيه، ولأجله شُرعَ السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟
ويدل على أن مصلحةَ السواك أعظمُ من مصلحة تحمُّلِ مشقةِ الخلوف قولُه صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" (3)، ولولا أن مصلحته أتمُّ من مصلحة تحمل مشقة الخلوف، لما أسقطَ إيجابَهُ لمشقته، وهذا يدل على أن مصلحتَهُ انتهت إلى رتبِ الإيجاب، وقد نصَّ على اعتباره بقوله: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي،--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 240)
لأمرتُهُم بالسّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ".
والذي ذكره الشافعي رضي الله عنه تخصيصُ العام بمُجرَّد (1) الاستدلالِ المذكور المعارَضِ بما ذكرناه، ولا يصحُّ قياسُه على دم الشهيد؛ لأن المستاكَ مُناجٍ لربه، فشرع له تطهر فِيْهِ بالسواك، وجسد الميت قد صار جيفةً غيرَ مُناجية، فلا يصح مع ذلك الإلحاق، انتهى (2).
واعلم أن القولَ بأن إزالة الخلوف مكروهة لا يَلزمُه (3) أن عليه تقديم (4) مصلحة تحمل مشقة الخلوف على مشقة السواك (5).
وقد أجاب المالكية - أو من أجاب منهم - عن الاستدلال بهذا الحديث من هذا الوجه: بأن الخلوف من المعدة، وأن السواك لا يزيله، فقال بعضهم: بل يزيده (6).
فيقال عليه: إن أردت بكونه من المعدة: أن سببَهُ ومنشأه منها،--------------------------------------------
(1) في الأصل: "لمجرد"، والمثبت من "ت".
(2) انظر: "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (1/ 33 - 34).
(3) في الأصل: "يلزم"، والمثبت من "ت".
(4) في الأصل: "ذلك تقديم"، والمثبت من "ت".
(5) جاء في هامش "ت"، "بياض" إشارة إلى وجود تتمة للكلام بعد قوله: "مشقة السواك".
(6) انظر: "عارضة الأحوذي" لابن العربي (3/ 256)، و "التلخيص الحبير" لابن حجر (1/ 62).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 241)
فهذا صحيح؛ لأن المعدة إذا خلت ارتفعت منها أبخرة تعلقُ (1) باللسان والأسنان، فتغير رائحة الفم.
فإن أردت بقولك: إن السواك لا يزيله: أنَّ السواك لا يقطع مادته من المعدة، فهذا صحيح، لكنه لا يلزم منه أن لا يُزال ما عَلِقَ باللسان والأسنان، فإن تجدَّد (2) من تلك المادة شيء آخر، كان حكمُه حكمُ الأول في الإزالة.
وإن أردت: أنَّ السواك لا يزيل ما يَعْلَق باللسان والأسنان، ووجد فيهما، فهذا ليس بصحيح (3).
وأما دعوى: أن السواك يزيده إذا كان من المعدة، فيحتاج مُدعيه إلى إثباته.
الثالثة والعشرون: قد ذكرنا: أن قولَه تعالى: "يدع شهوتَهُ وطعامَهُ من أجلي" يقتضي: أن ما ليس كذلك فليس بصوم، وكذلك أيضًا يقتضي (4): أن ما هو كذلك فهو صوم.
فلو [قال] (5) قائل: أجدُ من الحديث أن علةَ الربا في المطعومات الطعمُ؛ كما يقول الشافعي، وقرر ذلك بأن قال: إن كان الحكم--------------------------------------------
(1) "ت": "تتعلق".
(2) في الأصل: "تجددت"، والمثبت من "ت".
(3) "ت": "فذلك غير صحيح".
(4) "ت": "يقتضي أيضًا".
(5) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 242)
المعلق بالطعام يتعلق بالمشتق (1) منه - وهو الطعم - لزم ما ذكرناه، لكنه كذلك، فيلزم ما ذكرناه.
وإنما قلنا: إنه كذلك؛ لأنه إذا ثبت أن وجودَ المذكور يقتضي صحةَ الصوم لم يَجُزْ أن لا يكونَ الحكم المعلق بالطعام يقتضي تعليقه بالمشتق منه، وهو الطعم؛ لأنه لو لم يتعلقْ بالطعم لزم أن يحصل الصومُ عند تركِ الشهوة والطعام، واستعمالِ المشروب؛ كالماء مثلًا، وذلك باطل بالإجماع، ولا كذلك إذا علق بالطعم، فإنه يقتضي حصول الصوم عند ترك الشهوة والطعام والشراب جميعًا، وإذا كان التعليق بالطعام يقتضي التعليق بالطعمية، وأن ذلك موجود في مسألة الربا، فتكون العلة هي الطعم.
فيقال له: هذا مبنيٌّ على اعتبار لفظ هذه الرواية، وقد ثبت في رواية أخرى، فيجبُ أن يضمَّ ذلك إلى ما في هذه الرواية؛ لوجوب العمل بالروايتين معًا، فيبطل الاستدلال؛ لأنه مبني على ما اقتضت (2) هذه الرواية من الاقتصار على ذكر الشهوة والطعام.
واعلم أنَّا في هذا الوجه، وفي كثير من الوجوه التي نذكرها، فنقول: إنه [قد] (3) تَدلُّ على كذا، أو قد يُستدلُّ بها على كذا، إنما نريد بذلك النظرَ إليها من حيث هي هي، وهذا لا يناقضه، إلا أنها--------------------------------------------
(1) "ت": "بالشهوة".
(2) "ت": "اقتضته".
(3) سقط من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 243)
لا تدلُّ من ذلك (1) الوجه، وأما أنه يكون هاهنا مانعٌ من خارج من العمل (2) بذلك الدليل، فلا يعارض دلالة ذلك من حيث هو هو، ولا نَدَّعي أيضًا انتفاءَ المعارض الراجحِ، والمانعِ من العمل بذلك.
والواجبُ على المجتهد الطالب لتحقيق الحق، وإثبات الحكم، النظرُ التام فيما يكون مانعًا ومعارضًا راجحًا، ولا يمتنع أيضًا على المُباحث إيرادُ تلك الموانع والمعارضات الراجحة، ويقطع (3) النظر فيها، والله أعلم.
* * *--------------------------------------------
(1) "من ذلك" مكررة في "ت".
(2) "ت": "ذلك العمل".
(3) "ت": "يقع".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 244)
الحديث الثامن
وروى [مسلم] من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفَاءُ اللِّحيَةِ، والسِّواكُ، واستنشاقُ الماءَ، وقصُّ الأظْفَارِ، وغسلُ البَرَاجِمِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العَانَةِ، وانتقاصُ الماءَ".
قال زكريا: قال مصعب: ونُسِّيتُ العاشرةَ، إلا أن تكونَ المَضْمَضَةُ.
وزاد فيه قتيبة: قال وكيع (1): انتقاصُ الماء؛ يعني: الاستنجاء (2).--------------------------------------------
(1) في نسخة "الإلمام" بخط ابن عبد الهادي (ق 5 / أ)، وكذا في المطبوع من "الإلمام" (1/ 61)، و"الإمام" (1/ 401): "وزاد فيه وكيع" بدل قوله: "وزاد فيه قتيبة: قال وكيع"، والمثبت هنا من النسختين "م" و "ب" موافق للمطبوع من "صحيح مسلم".
(2) * تخريج الحديث:
رواه مسلم (261)، كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة، وأبو داود (53)، كتاب الطهارة، باب: السواك من الفطرة، والنسائي (5040)، كتاب: الزينة، باب: من السنن الفطرة، والترمذي (2757)، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في تقليم الأظفار، وابن ماجه (293)، كتاب: الطهارة، باب: الفطرة، من حديث وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن =
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 245)
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف بمن ذُكر فيه:
مُصعب بن شَيبة: بن جُبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة القرشي العبدري الحَجَبي المكي.
[روى] عن: طَلْق بن حبيب العَنَزي، ومُسَافِع بن عبد الله الحَجَبي، وصفية بنت شيبة بن عثمان العَبْدَرِية.
و [روى] عنه: عبد الملك بن عمير اللَّخْمي، وزكريا بن أبي زائدة الهمذاني، وعبد الله بن أبي السفر الثَّوريُّ، وعبد الله بن مسافع الحَجَبي، ومِسْعَر بن كُدَام الهِلالي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي.
[و] (1) قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: مصعبُ بن شيبة [ثقة.--------------------------------------------
= مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، به.
قال المؤلف في "الإمام" (1/ 402): ولما ذكر ابن منده أن مسلم بن الحجاج أخرجه قال: وتركه البخاري ولم يخرجه، وهو حديث معلول؛ رواه سليمان التيمي، عن طلق بن حبيب مرسلًا، ثم رواه كذلك، انتهى. قال المؤلف: ولم يلتفت مسلم لهذا التعليل؛ لأنه قدَّم وصل الثقة عنده على الإرسال، انتهى.
وسيأتي كلام المؤلف رحمه الله عن الحديث مفصلًا في الوجه الثاني من الكلام في تصحيح الحديث.
(1) زيادة من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 246)
وقال ابن صالح: مصعب بن شيبة] (1): صاحبُ الكعبة، مكيٌّ، ثقةٌ.
قلت: وقد أخرج له مسلم في "صحيحه"، ولم يخلُ من مسٍّ.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبل يقول: مصعب بن شيبة روى أحاديث مناكير.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مصعب بن شيبة، فقال: لا يحمدونه، وليس بالقوي.
وقال النَّسائيُّ: مصعب بن شيبة في حديثه شيء، وقال في موضع آخر: منكر الحديث.
[و] (2) قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ.
قلت: أكثرُ هذه الأقوال ليس بالشديد؛ وقول أحمد: روى أحاديث مناكير، لا يقتضي بمُجرَّده تركَ روايته، حتى تكثرَ المناكير في روايته، وينتهيَ إلى أن يقال فيه: منكر الحديث.
وقول من قال: ليس بالقوي، ولا بالحافظ (3)، يحتمل أن يراد به انحطاطه عن الدرجة العالية في الحفظ.
وقول أبي حاتم: لا يحمدونه، يحتمل مثل هذا؛ أي: لا ينزلونه منزلةَ الكبار في الحفظ.--------------------------------------------
(1) سقط من "ت".
(2) سقط من "ت".
(3) "وليس بالقوي" مكررة في هذا الموضع من الأصل.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 247)
وأشدُّ ما ذكروه قولُ النَّسائيُّ: منكر الحديث، [وقد أشرنا إلى الفرق بين (منكر الحديث)] (1)، و (في حديثه مناكير)، وقد قال أحمد ابن حنبل - فيمن اتفقَ الناسُ على قبول حديثه (2) -: رواه، وأُسندَ إليه أن له مناكيرَ (3).
زكريا بن [أبي] (4) زائدة: وأبو زائدة: قيل: اسمه خالد بن ميمون، وقيل: ميمون بن فيروز، وقيل: اسمه كنيته، وقال بَحشل: اسمه هبيرة أبو يحيى الأعمى الهمذاني الوادعي.
قال الكلاباذي: مولى محمد بن المنتشر (5) الهمذاني الكوفي، وهو أخو عمر وعلي ابني زائدة.
روى عن: أبي عمرو عامر بن شُراحِيل الشعبي، وأبي المغيرة سِمَاك بن حرب الذُّهلي، وأبي إسحاق عمر (6) بن عبد الله الهمذاني--------------------------------------------
(1) زيادة من "ت".
(2) "ت": "حديث".
(3) * مصادر الترجمة:
"الطبقات الكبرى" لابن سعد (5/ 488)، "التاريخ الكبير" للبخاري (7/ 352)، "معرفة الثقات" للعجلي (2/ 280)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 305)، "الضعفاء" للعقيلي (4/ 196)، "رجال مسلم" لابن منجويه (2/ 258)، "تهذيب الكمال" للمزي (28/ 31)، "ميزان الاعتدال" (6/ 437)، "الكاشف" كلاهما للذهبي (2/ 267)، "لسان الميزان" (7/ 388)، "تهذيب التهذيب" كلاهما لابن ججر (10/ 147).
(4) زيادة من "ت".
(5) في الأصل: "المتيسر"، والمثبت من "ت".
(6) في الأصل: "عمرو"، والمثبت من "ت".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 248)