حقيقة الإعاذة، ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، بل الاستعاذة فعل الربِّ حقيقة، كما أن الإعاذة فعله.
وقد ضَلَّت الطائفتان عن الصراط المستقيم، وأصابت كل طائفة منهما فيما أثبتته من الحق.
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: {(126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127]، وقول هود عليه السلام: {وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88]، ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد، وقد أخبر أنه به سبحانه لا بالعبد، وهذا لا ينفي أن يكون فعلًا للعبد حقيقة، ولهذا أمر به وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه، وإنما يؤمر العبد بفعله هو، ومع هذا فليس فعله واقعًا به، وإنّما هو بالخالق لكل شيء، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالتصبير منه سبحانه وهو فعله، والصبر هو القائم بالعبد، وهو فعل العبد.
ولهذا أثنى على من سأله أن يصبِّره فقال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 250 - 251]، ففي الآية أربعة أدلة:
أحدها: قولهم: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا}، والصبر فعلهم الاختياري، فسألوه لمن(1) هو بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه، وإن شاء منعهموه.--------------------------------------------
(1) كذا في الأصول: "فسألوه لمن"، ولم يظهر لي وجهها، فلعلها: "فسألوا من".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
الثاني: قولهم: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}، وثبات الأقدام فعل اختياري، ولكن التثبيت فعله، والثبات فعلهم، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله.
الثالث: قولهم: {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فسألوه النصر، وذلك بأن يقوّي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم، ويلقي في قلوب أعدائهم الخور والخوف والرعب، فيحصل النصر.
وأيضًا فإنّ كون الإنسان منصورًا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح، وهو واقع بقدرة العبد واختياره، وإما أن يكون بالحجة والبيان والعلم، وذلك أيضًا فعل العبد، وقد أخبر سبحانه أنّ النصر بجملته من عنده، وأثنى على من طلبه منه، وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الربّ.
الرابع: قوله: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وإذنه ههنا هو الإذن الكوني القدري، أي: بمشيئته وقضائه وقدره، ليس هو الإذن الشرعي الذي هو بمعنى الأمر؛ فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة، بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني، فإنّ المأمور المكوَّن(1) لا يتخلف عنه البتة.
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28]، وفي الآية ردٌّ ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما، فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره فغفل هو، فالإغفال فعل الله، والغفلة فعل العبد، ثم أخبر عن اتباعه هواه، وذلك فعل العبد حقيقة.--------------------------------------------
(1) "م": "الكوني".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
والقدرية تحرّف هذا النص وأمثاله بالتسمية والعلم، فيقولون: معنى أغفلنا قلبه: سميناه غافلًا أو وجدناه غافلًا، أي: علمناه كذلك، وهذا من تحريفهم، بل أغفلتُه مثل: أقمتُه وأقعدتُه وأغنيتُه وأفقرتُه، أي: جعلتُه كذلك.
وأما أفعلتُه إذا أوجدتُه كذلك، كأحمدتُه وأجبنتُه وأبخلتُه وأعجزتُه؛ فلا يقع في أفعال الله البتّة، وإنّما يقع في أفعال العاجز أن يجعل غيره جبانًا وبخيلًا وعاجزًا، فيكون معناه صادفتُه كذلك.
وهل يخطر بقلب الداعي: "اللهم أقدرني وأوزعني وألهمني" أي: سمِّني وأعلمني كذلك؟! وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه، والعقلاء يعلمون علمًا ضروريًا أنّ الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك، ويشاءه له، ويقدره عليه، حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن أشياخه وأسلافه، وبقي وفطرته؛ لم يخطر بقلبه سوى ذلك.
وأيضًا فلا يمكن أن يكون العبد هو المُغْفِل لنفسه عن الشيء؛ فإنّ إغفاله نفسَه عنه مشروط بشعوره به، وذلك مضاد لغفلته عنه، بخلاف إغفال الربِّ تعالى له، فإنه لا يضاد علم الربّ بما يغفل عنه العبد، وبخلاف غفلة العبد، فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه، وهذا ظاهر جدًّا، فثبت أن الإغفال فعل الله بعبده، والغفلة فعل العبد.
فصل
ومن ذلك قوله تعالى إخبارًا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: 89]، وهذا يبطل تأويلَ القدريةِ المشيئةَ في مثل ذلك بمعنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
الأمر، فقد علمت الرسل أنه من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ملة الكفر والشرك به، ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء، ويهدي من يشاء.
ثم قال شعيب: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فردَّ الأمر إلى مشيئته وعلمه، فإن له سبحانه في خلقه علم محيط(1) ومشيئة نافذة وراء ما يعلمه الخلائق، فامتناعنا من العَوْد فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا، ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ومشيئتنا، فلذلك ردَّ الأمر إليه.
ومثله قول إبراهيم عليه السلام: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا} [الأنعام: 80]، فأعادت الرسل ــ بكمال معرفتها بالله ــ أمورها إلى مشيئة الربّ وعلمه.
ولهذا أمر الله رسوله أن لا يقول لشيء: إنه فاعله؛ حتى يستثني بمشيئة الله؛ فإنه إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله. وقد تقدم تقرير هذا المعنى.
وبالجملة، فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أعمال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد، قال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كَذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه"(2).
* * * *--------------------------------------------
(1) كذا في الأصول بالرفع في الكلمتين: "علم محيط"، والجادة النصب بإنّ.
(2) أخرجه عبد الله في "السنة" (925)، والفريابي في "القدر" (205) بنحوه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الباب الرابع عشر
في الهدى والضلال ومراتبهما، والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم
هذا الباب(1) هو قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدِّر الله لعبده وأجلّ ما يقسمه له: الهدى، وأعظم ما يبتليه به، ويقدِّره عليه: الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال.
وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم، وكتبه المنزّلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده، لا بيد العبد، وأنّ العبد هو الضالّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
ولابدَّ قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن.
فأما مراتب الهدى فأربعة:
إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مراتبه.
المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى--------------------------------------------
(1) ما عدا "ج": "المذهب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخصّ من المرتبة الأولى، وأعم من الثالثة.
المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل.
المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار.
فصل
فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 - 3]، فذكر سبحانه أربعة أمور عامة: الخلق والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية من تمام الخلق، والهداية من تمام التقدير.
قال عطاء: {خَلَقَ فَسَوَّى}: "أحسن ما خلقه"(1)، وشاهده قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} [السجدة: 7].
فإحسان خلقه يتضمن تسويته، وتناسب خلقه وأجزائه، بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال، فالخلق: الإيجاد، والتسوية: إتقانه وإحسان خلقه.
وقال الكلبي: "خَلَق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه باليدين(2)--------------------------------------------
(1) نسبه إليه في "البسيط" (23/ 431).
(2) كذا في الأصول: "باليدين"، وفي مصدر النقل: "اليدين"، وهو الأشبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
والعينين والرجلين"(1).
وقال مقاتل: "خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق"(2).
وقال أبو إسحاق: "خلق الإنسان مستويًا"(3)، وهذا تمثيل، وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7]، وقال: {السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29]، فالتسوية شاملةٌ لجميع مخلوقاته: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]، وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق؛ فإن التسوية أمرٌ وجودي يتعلق بالتأثير والإبداع، فما عُدِم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية، وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير.
فتأمل ذلك؛ فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}، فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية، كما أنّ الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها، وتمام هذا يأتي ــ إن شاء الله ــ في باب دخول الشر في القضاء الإلهي عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك"(4).
والمقصود أن كل مخلوق فقد سوّاه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه، وإن--------------------------------------------
(1) نسبه إليه في "البسيط" (23/ 431)، ومثله في "تفسير البغوي" (8/ 400).
(2) نسبه إليه في "البسيط" (23/ 431)، ونسبت إلى عطاء في "الكشف والبيان" (10/ 183) وغيره.
(3) "معاني القرآن وإعرابه" (5/ 315).
(4) (2/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
فاتته التسوية من وجه آخر لم يُخلق له.
فصل
وأما التقدير والهداية فقال مقاتل: "قَدّر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها"(1)، وقاله ابن عباس والكلبي(2).
وكذلك قال عطاء: "قدر من النسل ما أراد، ثم هدى الذكر للأنثى"(3).
واختار هذا القول صاحب "النظم"(4) فقال: "معنى "هدى" هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها؛ لأن إتيان ذُكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك"(5).
وقال مقاتل أيضًا: "هداه لمعيشته ومرعاه"(6).
وقال السدي: "قَدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هُدِي للخروج"(7).--------------------------------------------
(1) "تفسير مقاتل" (4/ 669) بنحوه، وبنصها في "البسيط" (23/ 433).
(2) أخرج أثر ابن عباس بمعناه الطبري (16/ 79)، وأثر الكلبي بمعناه عبد الرزاق في "التفسير" (1815)، وانظر: "البسيط" (23/ 433).
(3) نسبه إليه في "البسيط" (23/ 432).
(4) "نظم القرآن" لأبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني من علماء القرن الرابع، انظر: "تاريخ جرجان" (187).
(5) انظر: "البسيط" (23/ 433).
(6) "تفسير مقاتل" (3/ 29).
(7) نسبه إليه في "البسيط" (23/ 434).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة"(1).
وقال الفرّاء: "التقدير: فهدى وأضل، فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر"(2).
قلت: الآية أعمّ من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفرّاء؛ إذ المراد ههنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، وليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته، وهي نظير قوله: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]، فإعطاؤه الخلق: إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه.
وما ذكره مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق للآية؛ فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله: ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه.
وكذلك قول من قال: "إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى"، تمثيل أيضًا، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله.
وكذلك قول من قال: "هداه للمرعى"، فإن ذلك من الهداية، فأين الهداية إلى التِقام الثدي عند خروجه من بطن أمه؟ والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت؟ والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي--------------------------------------------
(1) بنحوه في التفسير المنسوب إليه (722)، وأسنده الطبري (24/ 311)، وانظر: "البسيط" (23/ 433).
(2) "معاني القرآن" (3/ 256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
يعجز عنها الإنسان، كهداية النحل إلى سلوك السُّبُل التي فيها مراعيها على تباينها(1)، ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يعرش بنو آدم.
وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب، وذلك أن لها أميرًا ومدبّرًا وهو اليَعْسوب، وهو أكبر جسمًا من جميع النحل، وأحسن لونًا وشكلًا.
وإناث النحل تلد في إقبال الربيع، وأكثر أولادها يكنّ إناثًا، وإذا وقع فيها ذكرٌ لم تدعه بينها(2)، بل إما أن تطرده، وإما أن تقتله، إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك، وذلك أن الذكر منها لا يعمل شيئًا ولا يكسب.
ثم تجتمع الأمهات وفراخها عند الملك، فيخرج بها إلى المرعى من المروج والرياض والبساتين والمرابع في أقصد الطرق وأقربها، فتجتني منها كفايتها، فيرجع بها الملك، فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها، ولم يدع ذكرًا ولا نحلة غريبة تدخلها.
فإذا تكامل دخولها دخل بعدها، وقد أخذت النحل مقاعدها وأماكنها، فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلّمها إيّاه، فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه، ويترك الملكُ العملَ ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل، فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار.
ثم تقتسم النحل فرقًا، فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب، وهم حاشية الملك من الذكورة.--------------------------------------------
(1) "ج": "بابها"، وفي "د" دون إعجام، وطمست في "م"، والمثبت أشبه.
(2) "م": "لم تدعه يدخل بيتها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصفّيه، والشمع هو ثُفْل العسل(1)، وفيه حلاوة كحلاوة التين، وللنحل به عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل، فينظفه النحل ويصفّيه ويخلّصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها.
وفرقة تبني البيوت، وفرقة تسقي الماء، وتحمله على متونها، وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل.
وإذا رأت بينها نحلة مَهِينة بطّالة قطعتها وقتلتها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال، وتعديهن ببطالتها ومهانتها.
وأول ما تبني في الخلية مقعد الملك وبيته، فتبني له بيتًا مربّعًا يشبه السرير والتخت، فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل شبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه، ويجعل النحل بين يديه شيئًا يشبه الحوض، يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه، ويملأ منه الحوض، يكون ذلك طعامًا للملك وخواصه.
ثم يأخذن في بناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سِكَك ومَحَال، وتبني بيوتها مسدّسة الأشكال، متساوية الأضلاع، كأنها قرأت كتاب إقليدس، حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها؛ لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسَّعة، والشكل المسدّس ــ دون سائر الأشكال ــ إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صارت شكلًا مستديرًا كاستدارة الرحى، ولا يبقى فيه فروج ولا خلل، ويشدّ بعضه بعضًا، حتى يصير طبقًا واحدًا محكمًا، لا--------------------------------------------
(1) ما استقر أسفل العسل من بقايا وكدر ونحوها، انظر: "تاج العروس" (ثفل) (28/ 154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
يدخل بين بيوته رؤوس الإبر.
فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم، الذي يعجز البشر عن صنع مثله، فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين:
إحداهما(1): أن لا تكون زواياها ضيقة، حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلًا.
الثاني(2): أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض امتلأت العَرْصة(3) منها، ولا يبقى شيء منها ضائعًا.
ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدّس فقط؛ فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العَرْصة منها إلا أن زواياها ضيقة، وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العَرْصة منها، بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة، وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين.
فهداها سبحانه إلى(4) بناء بيوتها على هذا الشكل، من غير تسطير ولا آلة ولا مثال يُحْتَذى عليه، وأصنعُ بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدّس إلا بالآلات الكثيرة.--------------------------------------------
(1) "د": "أحدها".
(2) كذا في الأصول: "الثاني"، والوجه: "الثانية".
(3) البقعة الواسعة بين الدور الخالية من البناء، انظر: "الصحاح" (عرص) (3/ 1044).
(4) في الأصول: "على" خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها(1)، وتأتيها ذللًا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها، وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه، وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابًا مختلفًا ألوانه فيه شفاء للناس، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69].
فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خِمَاصًا تسيح سهلًا وجبلًا، فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار، وورق الأشجار، فترجع بِطَانًا، وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جَنَتْه، فتفيده حلاوة ونضجًا، ثم تمجّه في البيوت، حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفّى، فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر ــ إن صادفته ــ فاتخذت فيه بيوتًا، وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى.
فإذا برد الهواء، وأخلف المرعى(2)، وحيل بينها وبين الكسب، لزمت بيوتها، واغتذت بما ادخرته من العسل.
وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة، وتسيح في المراتع، وتشتغل كل فرقة منها بما يخصّها من العمل، فإذا أمست رجعت إلى بيوتها.
وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بوّاب منها ومعه أعوان له، فكل نحلة تريد الدخول يشمها البوّاب ويتفقدها؛ فإن وجد منها رائحة منكرة، أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول، وعزلها ناحية إلى أن--------------------------------------------
(1) "قوتها" من "ج"، ومثلها في "د" مهملة، وفي "م": "قربها"، وفي المعنى شيء.
(2) أخلف النبات: أخرج الخلفة، وهو الذي يخرج بعد الورق الأول في الصيف، انظر: "تاج العروس" (خلف) (23/ 272)، وفي "م": "واختلف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
يدخل الجميع، فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهنّ، ويكشف أحوالهنّ مرة ثانية، فمن وجده قد وقع على شيء مُنْتِن أو نجس قَدَّه نصفين، ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية، هذا دأب البوّاب كل عشية.
وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرًا، إذا اشتهى التنزّه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم، فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار، ثم يعود إلى مكانه.
ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه، فيغضب ويخرج من الخلية، ويتباعد عنها، ويتبعه جميع النحل، وتبقى الخلية خالية، فإذا رأى صاحبها ذلك، وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه، فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل، فيعرفه باجتماع النحل إليه، فإنها لا تفارقه، وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودًا، وهو إذا خرج غضبان جلس على مكان مرتفع من الشجرة، وطافت به النحل، وانضمت إليه، حتى تصير كالكرة، فيأخذ صاحب النحل رمحًا أو قصبة طويلة، ويشدّ على رأسها حزمةً من النبات الطيب الرائحة العَطِر النظيف، ويدنيه إلى محل الملك، ويكون معه إما مِزْهَر(1) أو يَراع أو شيء من آلات الطرب، فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش، فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك، فإذا رضي وزال غضبه طَفَر--------------------------------------------
(1) المِزْهَر: العود الموسيقية التي يضرب بها، ينظر: "تاج العروس" (زهر) (11/ 480)، "تكملة المعاجم" (7/ 339).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ووقع على ذلك الضِّغْث(1)، وتبعه خدمه وسائر النحل، فيحمله صاحبه إلى الخلية، فينزل ويدخلها هو وجنوده.
ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام.
ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة، ولا تدين بطاعتها.
والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العَسّالة، وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع، وإخراجها ونفيها عن الخلايا، وإذا فعلت ذلك جاد العسل، وتجتهد أن تقتل ما تريد قتله خارج الخلية؛ صيانة للخلية عن جيفته.
ومنها صنف قليلة النفع كبيرة الجسم، وبينها وبين العَسّالة حرب، فهي تقصدها وتغتالها، وتفتح عليها بيوتها، وتقصد هلاكها، والعَسَّالة شديدة التيقظ والتحفظ منها، فإذا هجمت عليها بيوتها صاولتها(2) وألجأتها إلى أبواب البيوت، فتتلطّخ بالعسل، فلا تقدر على الطيران، ولا يفلت منها إلا كل طويل العمر، فإذا انقضت الحرب، وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها، وألقتها خارج الخلية.
وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين، وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشباب، وإذا عزم على الخروج ظلّ قبل ذلك بيوم أو يومين يعلّم الفراخ، وينزلها منازلها ويرتبها، فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبّره معهن، لا يخرجن عنه.--------------------------------------------
(1) طَفَر: وثَب، والضِّغْث: قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، ينظر: "الصحاح" (ضغث) (1/ 258) (طفر) (2/ 726).
(2) تحرفت في الأصول إلى: "حاولتها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يطلبن الملك، فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ، ولا يقتل ملكٌ منها ملكًا آخر؛ لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها.
وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية، وخاف من تفرق النحل بسببهم؛ احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدًا، ويحبس الباقي عنده في إناء، ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم، حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث من مرض أو موت أو كان مفسدًا فقتلته النحل؛ أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدًا، وجعله مكانه؛ لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتّت أمرها.
ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزِّهًا ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ.
وفي النحل كرام عمّال لها سعي وهمة واجتهاد، وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة، فالكرام دائمًا تطردها وتنفيها عن الخلية، ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها.
والنحل من أنظف الحيوان وأنقاه، ولذلك لا تلقي زِبْلها إلا وهي تطير، وتكره النتن والروائح الخبيثة.
وأبكارها وفراخها أحرص وأشد اجتهادًا من الكبار، وأقل لسعًا وأجود عسلًا، ولسعها إذا لسعت أقل ضررًا من لسع الكبار.
ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه ـ وقد خُصَّت من وحي الربِّ تعالى وهدايته بما لم يشركها فيه غيرها ـ وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام= كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
أكثر الحيوان أعداء، وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة الله في خلقه، وهو العزيز الحكيم.
فصل(1)
وهذه النمل من أهدى الحيوانات، وهدايتها من أعجب شيء؛ فإنَّ النملة الصغيرة تخرجُ من بيتها وتطلب قوتَها وإن بَعُدت عليها الطريق، فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق مُعْوَجّة بعيدة، ذات صعود وهبوط، في غاية من التوعّر حتى تصل إلى بيوتها، فتخزّن فيها أقواتها في وقت الإمكان، فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت، فإن كان ينبت مع فَلْقه باثنتين فلقته بأربعة، فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يومًا ذا شمس، فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها، ثم أعادته إليها، ولا تتغذى منها نملة على ما جمعه غيرها.
ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته، ثم أتت بالاسم المبهم، ثم أتبعته بما بيَّنه من اسم الجنس إرادة للعموم، ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر، ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول، وهو خشية أن يصيبهم مَعَرّة الجيش(2)، فيحطمهم سليمان وجنوده، ثم اعتذرت عن نبي--------------------------------------------
(1) سيقتبس المؤلف في هذا الفصل كثيرًا من "الحيوان" للجاحظ (4/ 5 - 36).
(2) المعرّة: الأمر القبيح المكروه والأذى، "النهاية في الغريب" (عرر) (3/ 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك، وهذا من أعجب الهداية.
وتأمل كيف عظَّم الله سبحانه شأن النمل بقوله: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17]، ثم قال: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ}، فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي، ودلَّ على أن ذلك الوادي كان معروفًا بالنمل، كوادي السِّباع ونحوه، ثم أخبر عمَّا دل على شدة فطنة هذه النملة، ودقة معرفتها، حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم، فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنًا لا يدخل عليهم فيه سواهم، ثم قالت: لا يحطمنكم سليمان، فجمعت بين اسمه وعينه، وعرَّفته بهما، وعرفت جنوده وقائدها، ثم قالت: وهم لا يشعرون، فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مَعَرَّة الجيش بكونهم لا يشعرون، وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حِذْرهم، ويدخلوا مساكنهم، ولذلك تبسّم نبي الله سليمان ضاحكًا من قولها، وإنه لموضع تعجّب وتبسّم.
وقد روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله نهى عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد(1).
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج، وأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبّح؟!--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق (8415)، ومن طريقه أحمد (3066)، وأبو داود (5267)، وابن ماجه (3224)، وصححه ابن حبان (5646).
والصُّرَد طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار يصيد صغار الحشرات وربما صاد العصفور، وكانوا يتشاءمون به، انظر: "المعجم الوسيط" (1/ 512).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
فهلّا نملة واحدة! "(1).
وذكر هشام بن حسان أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدّة، فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند بيوتهن فجلس عليه، ثم تشهّد، ثم قال: لتنتهنّ أو لنحرقنّ عليكن ونفعل ونفعل، قال: فذهبن(2).
وروى عوف بن أبي جميلة، عن قَسَامَة بن زهير، قال: قال أبو موسى الأشعري: إن لكل شيء سادة، حتى إن للنمل سادة(3).
ومن عجيب هدايتها، أنها تعرف ربّها بأنه فوق سماواته على عرشه، كما رواه الإمام أحمد في "كتاب الزهد"(4) من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو، مستلقية على ظهرها، فقال: ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم".
ولهذا الأثر عدَّة طُرق، ورواه الطحاوي في "التهذيب"(5) وغيره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا [وكيع، حدثنا مسعر، عن زيد العَمِّي، عن أبي--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (3319)، ومسلم (2241).
(2) أورده الجاحظ في "الحيوان" (4/ 18)، وأسنده من أوجه أخرى أحمد في "مسائل عبد الله" (1620)، و"الزهد" (1296).
(3) "الحيوان" (4/ 19)، وأسنده الحارث كما في "بغية الباحث" (799).
(4) لم أقف عليه في مطبوعته، وأخرجه الدارقطني في "السنن" (1797)، وأبو الشيخ في "العظمة" (5/ 1753)، من طرق لينة تشد بعضها بعضًا، وصححه الحاكم (1215).
(5) لعله يقصد "كشف مشكل الآثار" (875)، فإني لم أقف عليه في "شرح المعاني" له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
الصدّيق الناجي](1) قال: "خرج سليمان بن داود يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك، فإمّا أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تهلكنا، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"(2).
وقد حدثني مَن أثق به أن نملة خرجت من بيتها، فصادفت شِقّ جرادة، فحاولت أن تحمله فلم تطق، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها، قال: فرفعْتُ ذلك من الأرض، فطافت في مكانه فلم تجده، فانصرفوا وتركوها، قال: فوضعْتُه، فعادت تحاول حمله فلم تقدر، فذهبت وجاءت بهم، فرفعْتُه، فطافت فلم تجده، فانصرفوا، قال: فعلتُ ذلك مرارًا، فلما كان في المرة الأخيرة استدار النمل حلقة، ووضعوها في وسطها، وقطعوها عضوًا عضوًا.
قال شيخنا ــ وقد حكيت له هذه الحكاية ــ: "هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب"(3).
والنمل من أحرص الحيوان، ويُضرب بحرصه المثل.
ويُذكر أن سليمان بن داود ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لما رأى حرص النملة، وشدَّة ادخارها للغذاء؛ استحضر نملة وسألها: كم تأكل النملة من--------------------------------------------
(1) زيادة من مصدر الخبر، موضعه بياض في الأصول.
(2) "الزهد" (449)، وأخرجه ابن أبي شيبة (30101)، والجاحظ في "الحيوان" (4/ 19) واللفظ له.
(3) انظر: "مفتاح دار السعادة" (2/ 690).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)