«القاموس»: «وكأمير وكتف وصاحب ذُو الملك» " (1).
كما نجد ابن عاشور قد ردَّ على بعض العلماء السابقين الذين يرجحون بين القراءات الثابتة، ومن ذلك ردّه على ابن جرير عند توجيه القراءات في كلمة (يطهرن) حيث رجّح الطبري قراءة التشديد قائلاً " وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: " حتى يطَّهَّرن " بتشديدها وفتحها، بمعنى حتى يغتسلن، لإجماع الأمة على أنه حرام على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر " (2) … فكان رد ابن عاشور عليه بقوله: " بأنه مردود بأن لا حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع ، ولا إلى ترجيح القراءة به " (3).
أما منهجه في ذكر القراءات الشاذة:
فقد ذكر ابن عاشور في تفسيره أنه لن يتعرض للقراءات الشاذة، ولكنه يذكرها أحياناً، ولأغراض معينة، وهو إن ذكرها إما أن يصرح بشذوذها، ويذكر وجه ذكره لها - كما سيأتي - وإما أن لا يصرح بشذوذها، ولكنه يفهم منه تلميحا ضعفها فمثلاً عند قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} (4) قال: "والقراءة المتواترة {الْمَلَكَيْنِ} بفتح لام الملكين، وقرأه ابن عباس والضحاك--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 175.
(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن / الطبري، ج 2، ص 462.
(3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 368.
(4) سورة البقرة، الآية (102).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
والحسن بن أبزى بكسر اللام" (1).
فهنا لم يصرح ابن عاشور بشذوذ قراءة ابن عباس ومن معه ولكن فهم منه تلميحاً، وقد يكون هذا الذي لم يصرح به مما نقله من كتب التفاسير، وهذا قليل.
أما أغراض ذكر القراءات الشاذة عند ابن عاشور فهي التالي:
1 - إنه يستشهد بالقراءة الشاذة ليفسر ويبين القراءة المتواترة ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (2) قال: " قرأها ابن عباس بزيادة (مواسم الحج) حيث انقطع البيع وحرم، وكانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثمَّوا أن يتجروا في المواسم، فنزلت هذه الآية " (3).
2 - كما أنه يستشهد بالقراءة الشاذة ليدلل على أحد الأقوال الواردة في الآية حيث نجده يورد القراءة الشاذة دون أن يصرح بشذوذها ليعضد بها قولاً من الأقوال الواردة في معنى الآية (4).
3 - كما أنه يستدل أحياناً بالقراءة الشاذة على صحة بعض الوجوه--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 639.
(2) سورة البقرة، الآية (198).
(3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 237.
(4) انظر التحرير والتنوير ج 1، ص 641.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
النحوية، ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} (1): " قرأ الجمهور: فيَغفرْ ويعذّب بالجزم، عطفاً على يحاسِبْكم، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: بالرفع على الاستئناف ، بتقدير فهو يغفر، وهما وجهان فصيحان، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ " (2).
4 - أحياناً يذكر القراءة الشاذة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، قال ابن عاشور: عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} (3): " ومن القراءات الشاذة في هذه الآية ما ذكره في "الكشاف " أن عليا قرأ " والذين يَتَوفون " بفتح التحتية، على أنه مضارع "توفى"مبنيا للفاعل، بمعنى مات، بمعنى توفى أجله، أي: استوفاه، وأنا وإن كنت التزمت ألا أتعرض للقراءات الشاذة فإنما ذكرت هذه القراءة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، أشار إليها في الكشاف وفصلها السكاكي في المفتاح، وهي أن عليا كان يشيع جنازة فقال له قائل " من المتوفي " بلفظ اسم الفاعل " أي بكسر الفاء " سائلا عن المتوفى - بفتح الفاء - فلم يقل: فلان بل قال (الله) مُخَطِّئاً إياه مُنبهاً له بذلك على أنه يحق أن يقول: من المتوفى؟ بلفظ اسم المفعول ، وما فعل ذلك إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفى--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (284).
(2) التحرير والتنوير، ج 2، ص 131.
(3) سورة البقرة، الآية (234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
على الوجه الذي يكسوه جزالة وفخامة وهو وجه القراءة المنسوبة إليه - أي إلى علي - والذين يتوفون منكم بلفظ بناء الفاعل على إرادة معنى: (والذين يستوفون مدة أعمارهم) " (1).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 2، ص 449، وانظر الإمام محمد الطاهر بن عاشور ومنهجه في توجيه القراءات / محمد بن سعد القرني، ص 237 - 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
المطلب الرابع
عنايته بالوجوه البلاغية واللغة
اعتنى ابن عاشور في تفسيره ببيان الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن، وجعل المقدمة الثانية، في استمداد علم التفسير، وركز على أهمية علمي البيان والمعاني ثم الشعر وبهما صدر العلوم التي يستمد منها التفسير، فقدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم، كما أنه بيّن في المقدمة العاشرة من تفسيره كيف تفوّق القرآن على كل كلام بليغ بما توفر فيه من الخصائص التي لا تجتمع في كلام آخر البلغاء، ولذلك حرص ابن عاشور من خلال تفسيره على ما هو آتٍ:
- بيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية، فيقول: " فإني بذلت الجهد في الكشف عن نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير" (1).
- بيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض، مع إعراضه عن تناسب مواقع السور بعضها إثر بعض، قبل أن يبيّن أغراض كل سورة من سور القرآن.
- توضيح مفردات اللغة العربية بالضبط والتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه قواميس اللغة. وهو كما قال فعلا حيث خرج مع التفسير إلى إضافة قاموس لغوي لمفردات القرآن ومن أمثلة ذلك الإطناب في كلمة حجارة، والإطناب الشديد في فواتح السور.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
ومن إطناباته اللغوية التي خرجت عن حد التفسير ، والتي هي كثيرة: كلامه عن اشتقاق كلمة الفاتحة في قريب من صفحة كاملة.
كما أفاض في وجه إضافة سورة إلى فاتحة الكتاب بما يقرب من صفحة أيضًا
وكذا في أصل كلمة بسملة أكثر من صفحة كاملة.
وقد تحدّث ابن عاشور عن البلاغة وأهميتها ودورها وأطال لاسيما في المقدمة الثانية والعاشرة، ومن أهم الأوجه والقضايا التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة هي:
1 - الإيجاز.
2 - المجاز.
3 - الإعجاز.
4 - التفنن.
5 - الالتفات.
أولاً: الإيجاز:
الإيجاز من المباحث اللغوية التي عنى بها الشيخ وحاول لفت الأنظار إلى أسلوب من أساليب القرآن الإبداعية البلاغية، وهو الإيجاز، وقد عرّفه الفخر الرازي: " أنه العبارة عن الغرض، بأقل ما يمكن من الحروف من غير إخلال " (1) … .
وقال الشيخ ابن عاشور في ذلك: " ومن أبدع الأساليب في كلام العرب الإيجاز، وهو متنافسهم غاية تتبارى إليها فصحاؤهم، وقد جاء القرآن بأبدعه إذ--------------------------------------------
(1) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز / الرازي، ص 347.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
كان مع ما فيه من الإيجاز المبين في علم المعاني فيه إيجاز عظيم آخر، وهو صلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معانٍ متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمالات لا ينافيها اللفظ … " (1).
ومن الأمثلة على الإيجاز التي نبّه عليها في تفسيره ما جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} (2) وفيها قال ابن عاشور: " {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} وصف للقوم وليس هو من المقول لموسى وهارون لأن التكذيب حينئذ لمّا يقع منهم، ولكنه وصف لإفادة قُراء القرآن أن موسى وهارون بلَّغا الرسالة وأظهر الله منهما الآيات فكذب بها قوم فرعون فاستحقوا التدمير تعريضاً بالمشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم وتمهيداً للتفريع بـ {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} الذي هو المقصود من الموعظة والتسلية. والموصول في قوله: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} للإيماء إلى علة الخبر عنهم بالتدمير.
وقد حصل بهذا النظم إيجاز عجيب اختصرت به القصة فذكر منها حاشيتاها: أولُها وآخرها لأنهما المقصود بالقصة وهو استحقاق الأمم التدمير--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ، ج 1، ص 121.
(2) سورة الفرقان، الآية (35 - 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
بتكذيبهم رسلهم " (1).
ثانياً: المجاز:
المجاز من المباحث البلاغية التي عرض لها ابن عاشور في تفسيره وناقش من خلال المجاز كثيراً من القضايا البلاغية لإفادة المعنى الحقيقي، وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة (2).
ولعل في وقوف الشيخ عند مجازات القرآن ليلفت الأنظار وينبه على إمكان تفسير اللفظ المجازي بمعناه الحقيقي الذي وضع له، ما يرشدنا على تمكنه من اللغة بفنونها المختلفة.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} (3) قال: " وصف النهار بمبصر، مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتى جعل النهار هو المبصر، والمراد مبصراً فيه الناس (4)، وكذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 9، ص 26.
(2) إرشاد الفحول / الشوكاني، ج 1، ص 95، وسيأتي بيان ذلك من خلال القواعد الترجيحية المتعلقة بالمجاز في الفصل الثاني في المبحث الرابع.
(3) سورة يونس، الآية (67).
(4) التحرير والتنوير، ج 6، ص 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) قال: " وجملة {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن لهم، أي خير، فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل " (2).
ثالثاً: الإعجاز:
الذي يمعن النظر في التحرير والتنوير يرى أن صاحبه بذل جهداً لا يستهان به حتى يبرز في كتابه إعجاز القرآن من خلال فصاحة ألفاظه وقوة تراكيبه.
والإعجاز هو: أن يؤدى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق (3) … .وفي ذلك يقول ابن عاشور: " فوجه الإعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة، لا كما ذهب إليه النظام وجمع من المعتزلة أن إعجازه بالصرفة بمعنى أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب قدرتهم عليها، ولا كما ذهب إليه جماعة من أن إعجازه بمخالفة أسلوبه لأساليب كلامهم من الأشعار والخطب والرسائل ولا سيما في المقاطع مثل يؤمنون وينفقون ويعلمون .. اهـ (4) … .
والشيخ ابن عاشور قد خصّ قضية إعجاز القرآن بالقدر الأوفى والأكبر من الاهتمام والشرح، وقد انتهى به استقراؤه إلى أن ملاك الإعجاز يتمثل في عدّة--------------------------------------------
(1) سورة التوبة، الآية (107).
(2) التحرير والتنوير، ج 6، ص 23.
(3) التعريفات / الجرجاني، ص 47.
(4) التحرير والتنوير، ج 1، ص 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
جهات:
الجهة الأولى: بلوغه الغاية القصوى مما يمكن أن يبلغه الكلام العربي البليغ من حصول كيفيات في نظمه مفيدة معاني دقيقة، وهو المصطلح على تسميته حد الإعجاز.
ومن وجوه الإعجاز التي ذكرها ابن عاشور في تلك الجهة:
1 - الالتفات: وسيأتي الحديث عنه مفصلاً.
2 - التشبيه والاستعارة، وقد جاء في القرآن منهما ما أعجز العرب كقوله: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (1) … .
3 - كثرة النكات البلاغية التي يشتمل عليها القرآن.
4 - فصاحة اللفظ وانسجام النظم، وذلك بسلامة الكلام في أجزائه ومجموعه.
5 - صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات في لغة العرب دلالة على المعاني المقصودة وأشملها لمعان عديدة مقصودة بحيث لا يوجد كلمة في القرآن تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها في حالة تركيبها، ولا تجدها مستعملة إلا في حقائقها (2) … .
والأمثلة على ذلك كثير ة في تفسيره أعرضت عنها خشية الإطالة.--------------------------------------------
(1) سورة مريم، الآية (4).
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 120 - 124.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في نظم الكلام فيما لم يكن معهوداً في أساليب العرب، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة.
ومن أساليب القرآن:
1 - إنه جاء أسلوبه جامعاً بين مقصدين: مقصد الموعظة ومقصد التشريع.
2 - التفنن: وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير.
3 - العدول عن تكرير اللفظ والصيغة، فيما عدا المقامات التي تقتضي التكرير ونحوه.
هذا وللقرآن مبتكرات من الأساليب تميز بها نظمه عن بقية كلام العرب، ذكرها ابن عاشور ومنها:
1 - إنه جاء بأسلوب يخالف الشعر، ويخالف أسلوب الخطابة بعض المخالفة.
2 - إنه جاء بأسلوب التقسيم والتسوير، وهي سنة جديدة في الكلام العربي.
3 - الأسلوب القصصي في حكاية أحوال النعيم والعذاب في الآخرة، وقد كان فن القصة نادراً في لغة العرب.
4 - أوضح الأمثال وأبدع تركيبها خلاف ما عليه أدب العرب حيث تنسى أحداث المثل.
5 - أبدع الإيجاز، وذلك لصلوحية معظم آياته لأن تؤخذ منها معانٍ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
متعددة كلها تصلح لها العبارة باحتمال لا ينافيها اللفظ، ومن بديع الإيجاز الحذف مع الالتباس والتضمين.
6 - استعمال اللفظ المشترك في معنيين أو معان إذا صلح المقام بحسب اللغة العربية لإرادة ما يصلح منها (1).
والأمثلة على ما تقدم كثيرة جداً في تفسير ابن عاشور أعرضت عنها خشية الإطالة.
الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكيمة والإشارات إلى الحقائق العلمية.
ويعني به الإعجاز العلمي، حيث ذكر أقوال العلماء فيه، وتعقَّب الشاطبي في نفيه للإعجاز العلمي ثم قال: " إن هذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بجموعه إذ ليست كل آية من آياته وسورة من سوره مشتملة على هذا النوع " (2).
فابن عاشور يرى شرعية تفسير الآيات تفسيراً علمياً، إلا أنه جعل له شروطاً وضوابط حتى لا يخرج عن مساره الصحيح ذكرها في المقدمة العاشرة من تفسيره منها:
1 - أن لا يبعد عن الظاهر إلا بدليل.
2 - أن لا يكون تكلفاً بيَّناً ولا خارجاً من المعنى الأصلي.--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 113.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
3 - وقد اعتنى ببيان الإعجاز القرآني وإظهاره من خلال تفسيره للآيات (1)، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} (2) قال: "ومن دقائق القرآن قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي. والظاهر أن الأمواج ألْقَت جثّته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقُوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ورجوع جيشه، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم " (3).
الجهة الرابعة: وهي الإخبار بالمغيبات (4):
ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (5) قال: " وفي هذه الآية طرف من الإعجاز--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 128.
(2) سورة يونس، الآية (92).
(3) التحرير والتنوير، ج 6، ص 280.
(4) التحرير والتنوير، ج 1، ص 113.
(5) سورة فصلت، الآية (53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
بالإخبار عن الغيب إذ أخبرتْ بالوعد بحصول النصر له ولدينه، وذلك بما يسَّر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه مِن بعده في آفاق الدّنيا والمشرق والمغرب عامة وفي بَاحة العرب خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمْثالها لأحد من ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، والتّاريخ شاهد بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق للعادة " (1) … .
رابعاً: التفنن:
قال ابن عاشور: " ومن أساليبه ما أسميه بالتفنن ، وهو: بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنباً لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم التفنن عند بلغاء العربية ، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه " (2).
ومن أبدع الأمثلة التي نبّه عليها ابن عاشور في تفسيره مما يدخل في هذا الباب قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 12، ص 18.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا. . . . .} (1).
قال ابن عاشور: " وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه، والمنتقل إليه هي في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله" (2).
خامساً: الالتفات:
وهو نوع من أنواع التفنين ، نبّه الشيخ ابن عاشور وأشار إليه في تفسيره وقد ذكر الزمخشري الالتفات في كشافه، مقروناً بالتفنين فيقول: " الالتفات في علم البيان قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم " (3) … .
وعرف الثعالبي الالتفات بقوله: " هو أن تذكر الشيء وتتم معنى الكلام به، ثم تعود لذكره كأنك تلتفت إليه " (4).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (17 - 20).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 116.
(3) الكشاف / الزمخشري، ج 1، ص 119.
(4) فقه اللغة / الثعالبي، ج 1 ، ص 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وقد عرض الشيخ ابن عاشور نماذج كثيرة من خلال التحرير والتنوير، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} (1) … .
ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهومن الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراضَ البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.
وقد حسَّن الالتفاتَ أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية ، وهو غرض جديد ، فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجّه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جارياً مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة (2).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (88).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 599.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
المطلب الخامس
مصادر ابن عاشور في تفسيره
لا شك أن المصادر تعتبر النواة الأولى للمفسر سواء كانت هذه المصادر تلقِّيا عن الشيوخ أو متمثلة في الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير، ومن خلال قراءتي لهذا التفسير وتتبع محتواه العلمي وجدت أن ابن عاشور نهج في الإشارة إلى مصادره ومراجعه التي استقى منها معلوماته الطرق التالية:
- إنه أحياناً يصرح بذكر اسم الكتاب ولا يشير إلى اسم المؤلف.
- وأحياناً يصرح باسم المؤلف ولا يصرح باسم المصدر.
- وأحياناً أخرى يصرح باسم المصدر والمؤلف جميعاً.
ولقد أشار الشيخ في مقدمته إلى أهم كتب التفسير التي رجع إليها واستعان بها، وهو يرى أنها أهم كتب التفسير المعول عليها من وجهة نظره حيث يقول:
" والتفاسير - وإن كانت كثيرة - فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لاحظَّ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل، وإن أهم التفاسير:
" تفسير الكشاف " و " المحرر الوجيز " لابن عطية و " مفاتيح الغيب " لفخر الدين الرازي، وتفسير البيضاوي الملخص من الكشاف ومن مفاتيح الغيب بتحقيق بديع، وتفسير الشهاب الآلوسي، وما كتبه الطيبي، والقزويني، والتفتزاني على الكشاف، وما كتبه الخفاجي على تفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود، وتفسير القرطبي والموجود من تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
من تقييد تلميذه الأبي وهو بكونه تعليقا على تفسير ابن عطية أشبه منه بالتفسير لذلك لا يأتي على جميع آي القرآن وتفاسير الأحكام، وتفسير الإمام محمد ابن جرير الطبري، وكتاب " درة التنزيل " المنسوب لفخر الدين الرازي، وربما ينسب للراغب الأصفهاني.
ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها وقد ميزت ما يفتح الله لي من فهم في معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية، مما لا يذكره المفسرون، وإنما حسبي في ذلك عدم عثوري عليه فيما بين يدي من التفاسير في تلك الآية خاصة، ولست أدعي انفرادي به في نفس الأمر، فكم من كلام تنشئه تجدك قد سبقك إليه متكلم وكم من فهم تستظهره وقد تقدمك إليه متفهم" (1).
وتعداده لهذه المراجع لا يعني الحصر؛ فهناك الكثير من المراجع التي لم يتطرق إليها في المقدمة ومن ذلك ما يتعلق بـ … :
1 - التفسير وعلوم القرآن:
اعتمد على شروح الكشاف لكل من الجرجاني والتفتازاني، كما رجع أيضاً لابن كثير في تفسيره، وكذلك البغوي في تفسيره. وإلى كتب الأحكام في تفسير القرآن لكل من ابن العربي، والجصاص.
واعتمد في مجال علوم القرآن اعتماداً كبيراً على السيوطي في "الإتقان"، والواحدي في "أسباب النزول".--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
2 - في القراءات:
اعتمد ابن عاشور في ذكر بعض القراءات على كتب السنة المشهورة كصحيح البخاري وسنن الترمذي، كما رجع إلى كتاب "السبعة "لابن مجاهد وقد نصّ عليه في تفسيره، و"حرز الأماني ووجه التهاني" للشاطبي، وكذلك "الدرر المضيئة في القراءات الثلاث" المتممة للعشر لابن الجزري، و"غيث النفع في القراءات السبع " للشيخ علي النوري الصفاقسي، كما أخذ القراءات من كتب التفسير ومن ذلك: كتاب "الكشاف" للزمخشري، و" المحرر الوجيز "لابن عطية.
3 - الحديث النبوي:
أكثر المصادر التي اعتمد عليها في الحديث: صحيح البخاري وصحيح مسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داوود، ومالك، ومسند أحمد بن حنبل ومعجم الطبراني ومسند البزار وابن أبي حاتم وسنن البيهقي والدارقطني.
ومن أكثر هذه المصادر التي اعتمد عليها الشيخ كثيراً في تفسيره: البخاري ومسلم وموطأ مالك.
4 - الفقه والأصول:
أكثر ابن عاشور من النقل كثيراً عن الإمام مالك، كما اعتمد في استشهاداته الفقهية وتأييده على كل من ابن رشد في "بداية المجتهد"، و"الهداية" في الفقه، وأبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن"، وابن حزم في" المحلى "، والجصاص في تفسير "آيات الأحكام" ، والإمام الشافعي، والقرافي في "أنوار الفروق " والشاطبي في " الموافقات ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
5 - العقيدة وعلم الكلام:
اعتمد على كتاب " المستصفى " للغزالي، وكتاب "الإحياء "، وكذلك " المنقذ من الضلال"، وهناك أسماء كثيرة نهل الشيخ منها على سبيل المثال لا الحصر الجلال الدواني في شرح " ديباجة هياكل النور "، والسهروردي في " هياكل النور وحكمة الإشراق " و" حل الرموز ومفاتيح الكنوز " للعز بن عبد السلام، و" شرح المقاصد " لسعد الدين التفتازاني، و"العواصم من القواصم" لابن العربي.
6 - اللغة والنحو:
مصادره في ذلك كثيرة ومتنوعة من أبرزها: " دلائل الإعجاز"، و "أسرار البلاغة" للجرجاني و"الكتاب" لسيبويه، و"مفتاح العلوم" للسكاكي، و"شرح المفصل " لابن الحاجب و"الأشباه والنظائر" للسيوطي.
ما تقدم يعد أهم المصادر التي تتردد وتتكرر في التحرير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)