الإيمان. ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} (1) (2) " … .
أما بقية أبواب العقيدة كإثبات الوحدانية، أو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وحكم مرتكب الكبيرة، ومسألة الشفاعة، ومسائل الحكمة والتعليل، وفي باب الصحابة وغير ذلك من أبواب العقيدة فهو يسير فيها على وفق منهج السلف.
بل إنه يرد على المخالفين في ذلك؛ حيث يناقش المعتزلة، والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة، ويُفنِّد رأيهم (3)، كما يُخطِّئ الفلاسفة ويرد عليهم في عدد من المسائل كقولهم: بعلم الله بالكليات دون الجزئيات (4).
وتراه يُخطِّئ الشيعة والباطنية وغيرهم في كثير من مخالفاتهم العقدية.
وعلى الرغم من أن ابن عاشور قد نشأ في جوٍ يسود فيه المذهب الأشعري إلا أنه لم يكن يتحرج من توجيه النقد لما آل إليه المذهب الأشعري (5).
فتجده يخالف الأشاعرة في عدد من المسائل في باب القدر وغيره كما أنه يُنكر البدع--------------------------------------------
(1) سورة المطففين، الآية (23).
(2) التحرير والتنوير، ج 15، ص 201.
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 5، 188.
(4) انظر التحرير والتنوير، ج 4، ص 274.
(5) انظر التحرير والتنوير، ج 5، ص 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الحادثة، والأباطيل والخرافات كالطيرة (1)، كما أنه يرد على أباطيل الصوفية (2) وإن كان أحياناً يورد أقوالاً لبعضهم كابن عربي دون تعليق عليها.
كتاباته ومؤلفاته:
ساهم ابن عاشور في إثراء المكتبة الإسلامية بالذخائر والنفائس، حتى وصلت مؤلفاته إلى الأربعين، وهي غاية في الدقة العلمية، وتدل على تبحر الشيخ في شتى العلوم الشرعية والأدبية، ومن أجلّها كتابه في التفسير: التحرير والتنوير -موضوع بحثنا-
ولا تزال العديد من مؤلفات الشيخ مخطوطة، وقد قسمت مؤلفاته إلى أقسام كالآتي.
أولاً: آثاره في التفسير:
1 - تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، اختصر هذا الاسم فسمّاه: التحرير والتنوير (3)، وهو أول تفسير كامل يصنف في تونس على مر التاريخ، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل.
ثانياً: آثاره في الحديث النبوي الشريف:
1 - تعليقات وتحقيق على حديث أم زرع. (مخطوط) (4).
2 - النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح ،وهو تعليقات--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 5، ص 66.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 7، ص 363.
(3) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 8.
(4) انظر علماء ومفكرون معاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / إياد خالد الطباع، ص 105.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
على مواضع في الجامع الصحيح للبخاري، لم يفصل القول فيها المتقدمون من الشراح، بل توقفوا فيها، أو أحجموا عنها، وقد طبع سنة (1399 هـ - 1979 م) في الدار العربية للكتاب في تونس (1).
3 - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، تناول فيه نحو ثلاثمائة حديث ومسألة (2).
ثالثاً: آثاره في الفقه وأصوله:
1 - آراء اجتهادية: وهي مجموعة من الفتاوى في شتى الموضوعات وهو من مؤلفاته المخطوطة (3).
2 - الأمالي على مختصر الخليل ، ومختصر خليل أكبر مدونة شائعة ومعتمدة في الفروع بين الطلاب والشيوخ بجامع الزيتونة، وهو من مؤلفاته المخطوطة (4).
3 - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح على شرح تنقيح الفصول في الأصول: هذا الكتاب حاشيته على كتاب مدرسي كان مشهوراً بين المالكية، يرجعون إليه في مسائل أصول الفقه، وقد طبع الكتاب--------------------------------------------
(1) انظر النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح / محمد الطاهر ابن عاشور، ص 308.
(2) انظر كشف المغطى، ص 5.
(3) انظر علماء ومفكرون معاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / إياد خالد الطباع، ص 112.
(4) المصدر السابق، ص 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
بمطبعة النهضة بتونس سنة (1341 هـ) (1).
4 - الفتاوى: وهو من مؤلفاته المخطوطة ، وهو تقييدات على جملة من النوازل الشرعية التي عني بتحريرها أيام توليه القضاء (2).
5 - قضايا وأحكام شرعية: وهو مجموعة من المسائل الفقهية التي تكثر الحاجة إليها ويعوّل في الأحكام عليها، وهو من مؤلفاته المخطوطة (3).
6 - مقاصد الشريعة الإسلامي: يعد هذا الكتاب من أشهر كتب ابن عاشور، وهدفه من تصنيفه أن يكون مرجعاً بين المتفقهين في الدين عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الخلاف بين فقهاء الأمصار، ويقع الكتاب في (207) من الصفحات، طبع بمصنع الكتاب للشركة التونسية للتوزيع، الطبعة الأولى عام (1978 م) (4).
7 - الوقف وآثاره في الإسلام: وهو مما نشره في مجلة الهداية الإسلامية، وهو من مؤلفاته المطبوعة (5).--------------------------------------------
(1) انظر حاشية التوضيح والتصحيح، ج 1، ص 4.
(2) انظر علماء ومفكرون معاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / إياد خالد الطباع، ص 114
(3) علماء ومفكرون معاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / إياد خالد الطباع، ص 115
(4) انظر مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 5.
(5) انظر الوقف وآثاره في الإسلام، ص 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
رابعاً: آثاره في الثقافة الإسلامية:
1 - أصول التقدم في الإسلام: أصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها في بيان أسباب تقدم المسلمين في بادئ أمرهم، ثم الأسباب التي رجعت بهم عن ذلك التقدم (1).
2 - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: أصل الكتاب مقالات كتبها الشيخ في مجلة (هدى الإسلام)، وغرضه في هذا الكتاب: البحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيرها في المدنية الصالحة، وقد صدرت الطبعة الأولى للكتاب عن الدار التونسية للنشر بتونس عام (1977 م) (2).
3 - أليس الصبح بقريب؟ : الكتاب مطبوع طبعة وحيدة فيما أعلم، في الشركة التونسية للنشر. وهو كتاب قيم في (263) صفحة من القطع العادي، وقد كتبه في صيف عام (1321 هـ)، وقد كتبه رغبة في إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي بعد أن زاوله مدة طويلة متعلماً ومعلماً (3).
والآن يقوم احد طلاب الماجستير بدراسة الفكر التربوي عند العلامة ابن عاشور من خلال كتابه (أليس الصبح بقريب).
4 - تحقيقات وأنظار في الكتاب والسنة: وهو عبارة عن مقالات جمعها له--------------------------------------------
(1) مخطوط، يقع في (80) صفحة، تم تحريره في المرسى (4) رجب (1324 هـ- 1906 م). انظر ابن عاشور ومنهجه في التفسير / عبد الله الريس، ج 1، ص 204.
(2) انظر أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 5.
(3) انظر أليس الصبح بقريب، ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ابنه عبد الملك ابن عاشور، وهو مطبوع (1).
5 - نقد علمي لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرزاق: تتبع فيه الشيخ ما وقع فيه المؤلف من مسائل مشتبهة، والكتاب صدر عن المطبعة السلفية بمصر سنة (1344 هـ) (2).
خامساً: آثاره في اللغة والأدب:
وسأقتصر هنا على المطبوع منها فقط، وهي:
1 - أصول الإنشاء والخطابة، ألفه الشيخ لأنه كان يأخذ على طلبة العلم الشرعي عنايتهم بالنحو وقواعده دون عنايتهم بالإنشاء، والكتاب طبع بتونس عام (1339 هـ -1920 م) (3).
2 - سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن بسام النحوي، يجمع هذا الكتاب الذي حققه ابن عاشور، بين غرضين: الأبيات المحتاجة إلى بيان وشرح، والأبيات التي اقتفى فيها المتنبي معاني غيره مما استجاده عند الشعراء قبله.
وقد صدر هذا الكتاب عن الدار التونسية للنشر في تونس سنة--------------------------------------------
(1) لم أقف عليه. انظر علماء ومفكرون معاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / إياد خالد الطباع، ص 132
(2) انظر نقد علمي لكتاب (الإسلام وأصول الحكم)، ص 3.
(3) لم أقف عليه، والكتاب ينقسم إلى قسمين، القسم الأول في الإنشاء، والقسم الثاني في الخطابة، يقع الكتاب في (73) صفحة. انظر علماء ومفكرون معاصرون، ص 136، وابن عاشور ومنهجه في التفسير /عبد الله الريس، ج 1، ص 199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
(1970 م) (1).
3 - قصيدة الأعشى (2) الأكبر في مدح المحلَّق، قام ابن عاشور بجمع هذه القصيدة من نحو عشرين مصدراً أدبياً، وشرحها طبعت في تونس، سنة (1348 هـ -1929 م) (3) … .
4 - موجز البلاغة، وهو رسالة في البلاغة ألفها ابن عاشور بسبب أنه رأى طلبة العلم يزاولون البلاغة بطريقة بعيدة عن المقصود (4).
5 - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصفهاني (5)، وقد وضع هذا الكتاب رداً على ابن جني في شرحيه لديوان صاحبه أبي الطيب المتنبي، وقد طبع الكتاب في تونس في الدار التونسية سنة (1968 م) (6).--------------------------------------------
(1) لم أقف عليه، انظر علماء ومفكرون معاصرون، ص 146.
(2) اسمه قيس بن جبرة بن قيس بن منقذ بن طريف ابن عمرو بن قعين جاهلي. وهو جد عبد الله بن الزبير بن الأشيم بن الأعشى الشاعر الأسدي وكان قيس الأعشى شاعراً مذكوراً معروفاً. (معجم الشعراء / عفيف عبد الرحمن، ص 21).
(3) لم أقف عليه، انظر علماء ومفكرون معاصرون، ص 148.
(4) انظر موجز البلاغة / ابن عاشور، ص 2.
(5) هو أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، أديب له تصانيف منها: إيضاح المشكل لشعر المتنبي، توفي في رمضان سنة 597 هـ. (الأعلام / الزركلي، ج 4، ص 96).
(6) انظر علماء ومفكرون ومعاصرون: محمد الطاهر ابن عاشور / أياد الطباع، ص 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
سادساً: آثاره في التاريخ والتراجم.
1 - قصة المولد النبوي الشريف، تناولت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مطبوع بتونس سنة (1392 هـ - 1972 م) (1).
2 - قلائد العقيان ومحاسن الأعيان لأبي نصر الفتح ابن خاقان، حوى هذا الكتاب أصنافاً من الأدبيات: كالقصائد والأراجيز الطويلة، وقد قام الشيخ ابن عاشور بتحقيق الكتاب، وهو مطبوع (2).
كما ساهم الشيخ ابن عاشور بالكتابة في المجلات العلمية، والتي أذكر منها (3):
- مجلة السعادة العظمى في تونس.
- المجلة الزيتونية.
ومن الصحف والمجلات الشرقية:
- مجلة هدى الإسلام.
- مجلة نور الإسلام.
- مجلة مصباح الشرق.
- … مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
- … مجلة المجمع العلمي بدمشق.--------------------------------------------
(1) انظر قصة المولد، ص 8.
(2) انظر قلائد العقيان ومحاسن الأعيان / ابن خاقان، ص 7.
(3) انظر شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور / بلقاسم الغالي، ص 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وفاته:
توفي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عن أربع وتسعين سنة في ضاحية المرسى قرب تونس العاصمة، يوم الأحد (13) رجب (1394 هـ - 1973 م)، ووري الثرى رحمه الله بمقبرة الزلاج من مدينة تونس (1)، وبموته ودعت تونس أبرز شخصية علمية عرفتها في القرن الرابع عشر الهجري.--------------------------------------------
(1) انظر شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور / بلقاسم الغالي، ص 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث الثاني
التعريف بتفسير (التحرير والتنوير)
وفيه مطالب:
المطلب الأول: التعريف بـ (التحرير والتنوير).
المطلب الثاني: موقف ابن عاشور من أنواع التفسير.
المطلب الثالث: منهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة.
المطلب الرابع: عناية ابن عاشور بالوجوه البلاغية واللغة.
المطلب الخامس: مصادر ابن عاشور في تفسيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
المطلب الأول
التعريف بـ " التحرير والتنوير "
يعد كتاب التحرير والتنوير من أشهر كتب التفسير في العصر الحديث، يقع في ثلاثين جزءا طبع في دار الكتب الشرقية، وفي الدار التونسية للنشر، والطبعة التي بين يدي تقع في خمسة عشر جزءا لدار سحنون للنشر والتوزيع في تونس.
عقد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور العزم على تناول كتاب الله بالتفسير بعد أن راودته الفكرة مرات ومرات، وفي كل مرة يثني عزمه عن ذلك خوف أن يعتريه من هذا الطريق ما يعتري بعض من يقدم على تفسير كتاب الله من خروج عن المراد الحقيقي للفظ
يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في هذا الصدد: " كنت على كلفي بذلك أتجهم التقحّم على هذا المجال، ............ . ما عسى أن يعرِّض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة، أو فلتات سهام الفهم وإن بلغ ساعد الذهن الفُتوّة " (1).
كما كان يتحرّى من نفسه ثبات عزمه على تفسير القرآن قبل أن يبدأ فيه، فلم تكن فكرة تفسيره للقرآن الكريم مجرد إرادة عابرة أو فكرة خاطفة أو فراغ أو ترف فكري أو أدبي.
فقد راودته هذه الأمنية منذ بعيد كما يقول وهو لم يتجاوز الـ (30)--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
سنة، ولكنه انشغل عن مشروعه هذا بإسناده خطة القضاء في (26) رمضان (1331 هـ). ومن تصميمه على الفكرة - فكرة التفسير- عقد العزم على تحقيق أمنيته بمجرد تفرغه بنقله إلى خطة الفتيا في (26) رجب (1341 هـ)، إذ يقول: " هنالك عقدت العزم على ما كنت أضمرته، واستعنت بالله تعالى واستخرته، وعلمت أن ما يَهُولُ من توقع كلل أو غلط، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسيج هذا النمط، إذا بذلت الوسع من الاجتهاد، وتوخيت طرق الصواب والسداد. أقدمت على هذا المهم إقدام الشجاع، على وادي السباع (1) .. " (2)
وسمّاه: " تحرير المعنى السديد وتنوير العقل المجيد من تفسير الكتاب المجيد"، واختصر هذا الاسم فسماه بـ (التحرير والتنوير من التفسير).
وقد كان ينشر هذا الكتاب على شكل مقالات في المجلة الزيتونية، ثم طبع مقدمات التفسير، وتفسير سورة الفاتحة، وجزء عم في كتاب مستقل عام (1376 هـ)، ثم طُبعت منه أجزاء في عام (1390 هـ)، وَوَصلتْ إلى الجزء الرابع عشر عام (1397 هـ).
وفي عام (1404 هـ- 1984 م) طبع الطبعة الكاملة في (15) مجلدا، عدد صفحات الجزء الواحد تزيد عن (300) صفحة غالباً.--------------------------------------------
(1) وادي السباع موضع بين مكة والبصرة وهو واد قفر من السكان تكثر به السباع، قال سحيم: … مررت على وادي السباع ولا أرى ....... كوادي السباع حين يظلم وادياً. انظر معجم البلدان / ياقوت الحموي، ج 5، ص 344، ولسان العرب / ابن منظور، ج 6، ص 159، مادة: سبع.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
احتوى تفسيره "التحرير والتنوير" على خلاصة آرائه الاجتهادية والتجديدية؛ إذ استمر في هذا التفسير ما يقرب من (40) عاما، وأشار في بدايته إلى أن منهجه هو أن يقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين، تارة لها وأخرى عليها؛ حيث بيّن أن الاقتصار على الحديث المعاد في التفسير هو تعطيل لفيض القرآن الكريم الذي ما له من نفاد، ووصف تفسيره بأنه احتوى أحسن ما في التفاسير، وأن فيه أحسن مما في التفسير.
وتفسير التحرير والتنوير في حقيقته تفسير بلاغي، اهتم فيه بدقائق البلاغة في كل آية من آياته، وأورد فيه بعض الحقائق العلمية، ولكن باعتدال ودون توسع أو إغراق في تفريعاتها ومسائلها.
وقد انتقد ابن عاشور كثيرا من التفاسير والمفسرين، وانتقد فهم الناس للتفسير، ورأى أن أحد أسباب تأخر علم التفسير هو الولع بالتوقف عند النقل حتى وإن كان ضعيفا أو فيه كذب، وكذلك اتقاء الرأي ولو كان صواباً حقيقيا، ، وبيّن أن توهمهم في أن مخالفة النقل عن السابقين إخراج للقرآن عما أراد الله به؛ جعل من كتب التفسير عالة على كلام الأقدمين، بل أصبح التفسير "تسجيلا يقيَّد به فهم القرآن ويضيَّق به معناه".
ولعل نظرة التجديد الإصلاحية في التفسير التي نادى بها ابن عاشور تتفق مع المدرسة الإصلاحية التي كان من روادها محمد عبده الذي رأى أن أفضل مفسر للقرآن الكريم هو الزمن، وهو ما يشير إلى معان تجديدية، ويتيح للأفهام والعقول المتعاقبة الغوص في معاني القرآن. وكان لنظرة الطاهر ابن عاشور هذه أثرها البالغ في تفسيره حيث التفت إلى مقاصد الكتاب الحكيم وفصل بيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
أهدافه وأغراضه، مما كان سببا في فهمه لمقاصد الشريعة الإسلامية التي وضع فيها أهم كتبه بعد "التحرير والتنوير" وهو كتاب "مقاصد الشريعة ".
صدّرّّّ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور تفسيره بمقدمات في علوم القرآن، اشتملت هذه المقدمات على كل ما يحتاج إليه المفسر، حتى لا يضل ولا يزل عن المنهج السليم عند تفسيره لكتاب الله العظيم، وجعل المقدمات قسما من الجزء الأول من التحرير، تناول فيه عدداً من القضايا الهامة، وهي:
الأولى: في التفسير والتأويل، ومعنى كل منهما.
الثانية: في استمداد علم التفسير، ويريد به العلوم التي يستمد منها علم التفسير.
الثالثة: في بيان موقفه من التفسير بالرأي، وعدم الاقتصار على التفسير بالمأثور.
الرابعة: في بيان مقاصد القرآن التي يجب على المفسر أن يبرزها في تفسيره.
الخامسة: في أسباب النزول وبيان أهميتها في التفسير.
السادسة: القراءات وبيان علاقتها بالتفسير.
السابعة: قصص القرآن وبيان فوائدها، وفوائد تكرارها.
الثامنة: في بيان اسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها، وعدد الآي ووقوف القرآن.
التاسعة: في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها، وإن كثرت.
العاشرة: في إعجاز القرآن ووجوه الإعجاز، وأقوال العلماء فيه، ومبتكرات القرآن، وعاداته (1).--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 10 - 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
منهجه في إيراد المعلومات:
1 - يذكر أولاً اسم السورة معتمداً في ذلك على ما ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة رضي الله عنهم، وما هو مكتوب في المصاحف القديمة، أو بطريق الاستنباط فمثلاً عند تفسيره لسورة الحجر قال في افتتاحه للسورة: " سُميت هذه السورة سورة الحجر، ولا يعرف لها اسم غيره. ووجه التسمية أن اسم الحجر لم يذكر في غيرها، والحجر اسم البلاد المعروفة وهو حجر ثمود " (1).
2 - وبعد أن يعرض لتسمية السورة، ينتقل إلى الحديث عن مكية السورة أومدنيتها، ذاكراً الخلاف ومرجحاً ما يختاره، مبينا تاريخ النزول وعدادها بين سور القرآن الكريم المكية والمدنية على رواية جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنه، ومثال ذلك عند تفسيره لسورة الإخلاص وبعد أن ذكر وجه تسمية السورة قال: " وهي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي: هي مدنية ، ونسب كلا القولين إلى ابن عباس. ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها فروى الترمذي عن أبي بن كعب، وروى العطار عن ابن مسعود، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله " أن قريشاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: " انسب لنا ربك " فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها " فتكون مكية، روى أبو صالح عن ابن عباس: " إن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة (أخا لبيد) أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا؟ قال: إلى الله،--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 7، ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
قال صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة. وقال الواحدي: " إن أحبار اليهود (منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف) قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فنزلت ".
والصحيح أنها مكية، فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد، أو حينما سأل أحبار اليهود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم تمام الضبط .. وعدت السورة الثانية والعشرون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم " (1).
3 - ثم يعرض المعلومات التفصيلية للآيات، وهو حين يفسرها يحرص على تفسير كل مجموعة آيات ذات موضوع واحد تحت مقطع واحد، إلا إن هذا لا يتيسّر له نظراً لطول بعض الآيات، فنجده أحياناً يفسر السورة آية آية، وأحياناً الآية جملة جملة، وأحياناً كل مجموعة آيات يفسرها معاً.
4 - حرص على توضيح المشكل والغريب في المتن، ومثاله: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (2) قال: " وما مسنا من لغوب ": ما أصابنا من--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 15، ص 611.
(2) سورة ق، الآية (38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
تعب. واللغوب: الإعياء من الجري والعمل الشديد " (1).
5 - كما تعرض لتخريج الأحاديث والآثار، ومثاله ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (2) قال ابن عاشور تعليقاً على قوله: (الحمد لله): " ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذْ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء على الله، وفي الحديث «الحمدُ رأس الشّكر». قال في الحاشية مخرجاً للحديث: رواه عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر مرفوعاً وفي سنده انقطاع، وروى الديلمي ما يؤيد معنى هذا الحديث من حديث أنس بن مالك مرفوعا " (3).
6 - اعتنى بترجمة الأعلام وضبطها يذكر ذلك في الحاشية، ومثال ذلك ما ذكره عند تفسيره لسورة الفاتحة قال: " وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد ابن المعلى: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "، قال--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 12، ص 326.
(2) سورة النحل، الآية (75).
(3) التحرير والتنوير، ج 7، ص 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ابن عاشور معرفاً بأبي سعيد بن المعلى في الحاشية: " هو الحارث بن نُفَيع (مصغراً) الزرقي - بضم ففتح - الأنصاري المتوفى سنة (74 هـ) " (1).
7 - وقد حرص كذلك على التعريف بالأماكن والقبائل، أحياناً في المتن، وأحياناً في الحاشية، ومثال ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} (2) حيث ذكر مجيء وفد نصارى نجران للرسول صلى الله عليه وسلم، علق في الحاشية: " نجران بفتح النون وسكون الجيم، قبيلة من عرب اليمن، كانوا ينزلون قرية كبيرة تسمى نجران بين اليمن واليمامة وهم على دين النصرانية ولهم الكعبة اليمانية المشهورة وهي كنيستهم التي ذكرها الأعشى في شعره وقد وفد منهم على النبي صلى الله عليه وسلم في ستين رجلاً منهم اثنا عشر نقيباً " (3).
8 - كما حرص على توثيق الأشعار وإكمالها، وبيان معناها، ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (4)، قال: " مراد منه أنه لا عدل فيقبل، ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته؛ لأن--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 134.
(2) سورة البقرة، الآية (113).
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 675.
(4) سورة البقرة، الآية (123).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن له ، قال ابن عرفة: فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله: على لا حب يهتدي بمنارة .. قال معلقاً في الحاشية: " قائله امرؤ القيس، وقبله:
وإني زعيم إن رجعت مملكاً … بسير ترى منه الفرانق أزدرا
على لا حب ........ إلخ … إذا سافه العوذ الديافي جرجرا
الفرانق: بضم الفاء وكسر النون هو الذي يدل صاحب البريد. وأزدرا أفعل تفضيل لغة في أصدرا قرئ بها قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} (1). واللاحب: الطريق الواسع. والمنار: العلامة. وسافه: شده. والديافي: منسوب إلى دياف - بكسر الدال - قرية تنسب لها كرام الإبل، وجرجرا أي صوت " (2).
9 - أحال على مواضع أخرى في تفسيره، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} (3) قال: "جعل افتراءهم الكذب _ لشدّة تحقّق وقوعه _ كأنّه أمر مَرئيّ ينظره الناس بأعينهم، وإنّما هو ممّا يسمع ويعقل، وكلمة: " وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا " نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب (كفى به كذا)،--------------------------------------------
(1) سورة الزلزلة، الآية (6).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 698.
(3) سورة النساء، الآية (50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وقد تقدّم القول في (كفى) عند قوله آنفاً: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (1) " (2).
كما يحيل إلى كتب أخرى، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} (3): " وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة، وللأسبقين من المفسرين تفسيرات لمعنى {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} ليس شيء منها بمناسب، وقد أنهاها القرطبي إلى أحد عشر " (4).--------------------------------------------
(1) سورة الفتح، الآية (28).
(2) التحرير والتنوير، ج 3، ص 85.
(3) سورة المدثر، الآية (6).
(4) التحرير والتنوير، ج 14، ص 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)