المطلب الثاني
موقف ابن عاشور من أنواع التفسير
أولاً: موقفه من التفسير بالمأثور:
اعتمد في تفسيره على التفسير بالمأثور، كركيزة ينطلق منها إلى التفسير بالرأي بما يؤدي إليه اجتهاده من المعاني التي يعضدها الدليل، وتشهد لها اللغة والعقل الصحيح.
، ولقد بين ذلك الشيخ ابن عاشور في مقدمته الثالثة التي عنون لها بـ:
صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي.
حيث قال: "أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما هو مأثور فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر فإن أرادوا به ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير بعض آيات إن كان مروياً بسند مقبول من صحيح أو حسن، فإن التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه، إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم … " (1)--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وسأبين أولا في هذا المطلب اعتماده على التفسير بالأثر من خلال الأمور التالية:
- تفسير القرآن بالقرآن.
- تفسير القرآن بالسنة.
- تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
- موقفه من الإسرائيليات.
• تفسير القرآن بالقرآن:
لم يغفل ابن عاشور هذا الجانب المهم من التفسير بالمأثور، بل إنه يرد على بعض التفاسير لمخالفتها للمأثور ويرجح بعضها على بعض بدلالة القرآن.
أما طريقته في تناوله لتفسير القرآن بالقرآن فهي لا تخرج عن طريقين:
الأول: عنايته بتوضيح المعنى بمعنى آخر من آية أخرى توضحه.
الثاني: تفسير مجمل الآية بآية أخرى من باب حمل المطلق على المقيد.
ومثال الأول قوله عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} (1): " ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربّه أن يسلب عن فرعون وملائه النعم، ويواليَ عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومةَ دعوة موسى وتنحطّ غلواؤهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (2) وقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ--------------------------------------------
(1) سورة يونس، الآية (89).
(2) سورة الأعراف، الآية (130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} (1) " (2).
ومثال الثاني قوله عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا .. } (3): " والمجعول حراماً هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} (4) ، وقوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا .. } (5) " (6) ففسر هذه الآية بما ورد في الآيات الأخرى.
• تفسير القرآن بالسنة:
لم يغفل الشيخ ابن عاشور هذا الجانب بل نجده كثيراً ما يستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية وترجيح بعض المعاني على غيرها، قال ابن عاشور: " فاستمداد علم التفسير للمفسر العربي والمولد من المجموع الملتئم من علم العربية--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف، الآية (133).
(2) التحرير والتنوير، ج 6، ص 273.
(3) سورة يونس، الآية (59).
(4) سورة الأنعام، الآية (138).
(5) سورة الأنعام، الآية (139).
(6) التحرير والتنوير، ج 6، ص 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وعلم الآثار، وأما الآثار فالمعني بها ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من بيان المراد من بعض القرآن في موضع الإشكال والإجمال " (1).
ولقد تميز منهج ابن عاشور في تناول الحديث الشريف بملامح متباينة أبرزها من خلال عدة أمور: الأول: طريقته في إيراد الأحاديث.
الثاني: طريقته في عزو الأحاديث.
الثالث: الحكم على الأحاديث.
أولاً: طريقته في إيراد الأحاديث:
منهجه فيها على النحو الآتي:
أولاً: إنه أحياناً يورد الحديث المفسِّر للآية مباشرة من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (2)، قال ابن عاشور: " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه" لمّا نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 18.
(2) سورة الأنعام، الآية (82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (1) اهـ " (2).
ثانيا: وأحياناً يورد الحديث في شرح المعنى والاستطراد في بيان معناه، ومن أمثلته ما ذكره عند قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (3) قال ابن عاشور: " وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه .. ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه. وفي «الموطأ» عن أبي هريرة وزيد ابن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك. وجلد ابنه مائة ،وغربه عاماً ، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة--------------------------------------------
(1) سورة لقمان، الآية (13).
(2) التحرير والتنوير، ج 4، ص 332.
(3) سورة النور، الآية (2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الآخر فإن اعترفت رَجمها ،فاعترفت فرجمها. قال مالك: والعسيف الأجير اهـ.
فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية، ثم فرض عقاب الزنى في الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني، أي بالعقاب الموجع، وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها. وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبيّن بالضرب
أو بالرجم وهو حكم مؤقت بالنسبة إلى المرأة بقوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (1) ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة.
ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعمّ المحصن وغيره، وخصصته السنة بغير المحصن من الرجال والنساء. فأما من أحصن منهما - أي تزوج بعقد صحيح ووقع الدخول - فإن الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سُنةً متواترةً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ورجم ماعز بن مالك، وأجمع على ذلك العلماء، وكان ذلك الإجماع أثراً من آثار تواترها " (2).
ثانياً: طريقته في عزو الأحاديث:
أ) أحياناً يذكر الحديث النبوي الشريف دون الإشارة إلى راويه بل يقول: وفي الحديث كذا ولا ينسبه، وهذا كثير، ومن أمثلته ما أورده في معرض--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية (15).
(2) التحرير والتنوير، ج 9، ص 148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
شرحه لقوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (1) قال ابن عاشور في مجال الاستشهاد بالحديث على ما يتعلق بحال الملائكة: " المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم " (2) ولم ينسبه.
ب) وأحياناً أخرى يعزوها وينقسم عزوه لها إلى ثلاثة أقسام:
- أن يعزوها إلى مصادر أصلية من كتب السنة:
ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (3)
قال ابن عاشور: " وقد بيَّنت السنة أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف، وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب رضي الله عليهما في «صحيح البخاري» وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى رضي الله عنه كأنه مذعور فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال والله لتقيمن عليه بينة أَمِنْكُم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبي بن كعب - رضي--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية (30).
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 402.
(3) سورة النور، الآية (27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
الله عنه -والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك " (1).
- ومنها ما يعزوها إلى مصادر ثانوية ككتب التفسير التي لا تروي بالسند:
ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} (2) قال ابن عاشور: " وروى القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى، وفي الحديث ضعف " (3).
- ومنها ما يعزوها عزواً عاماً:
ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} (4) قال ابن عاشور: " وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " الحديث. انتهى (5).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ، ج 9 ، ص 199.
(2) سورة البقرة، الآية (142).
(3) التحرير والتنوير، ج 2، ص 12، وانظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 2، ص 154.
(4) سورة هود، الآية (53).
(5) التحرير والتنوير، ج 12، ص 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ثالثاً: طريقته في الحكم على الأحاديث:
لم يجعل ابن عاشور تخريج الأحاديث والآثار شرطاً في كتابه، ومع ذلك نجده كثيراً ما يخرج الروايات، مبيناً صحيحها من ضعيفها، فيتعقب الروايات الضعيفة، ويحذر من الروايات الموضوعة مبيناً خطورتها على التفسير.
ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (1)، وفيها قال ابن عاشور: " وهذه الآية تعمّ جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها، وقد تلقَّفَها القصاصون والدعاة فوضعوا لها قصصاً مختلفة، وجاءوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة، فمنهم من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما في قصة طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش، وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها، وذكر عن الحكيم الترمذي أنه قال في «نوادر الأصول»: هذا حديث مروّق مزيف، وأنه يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون.
وقيل نزلت في مُطعم بن ورقاء الأنصاري، وقيل في رجل غيره من الأنصار، وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أهلٌ لأن ينزل القرآن فيهم إلاّ أن هذه الأخبار ضعيفة أو موضوعة " (2).--------------------------------------------
(1) سورة الإنسان، الآية (8).
(2) التحرير والتنوير، ج 14، ص 387.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
• تفسير القرآن بمرويات الصحابة والتابعين ومن بعدهم:
اعتنى ابن عاشور في تفسيره بأقوال الصحابة والتابعين عناية فائقة حيث أكثر في تفسيره من النقل عنهم، ومن أبرز الذين أفاد منهم ابن عاشور من أعلام الصحابة: عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
ومن أعلام التابعين: أبو رزين مسعود بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعامر بن شراحيل الشعبي، ومجاهد بن جبر، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة مولى ابن عباس والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، ومقاتل بن سليمان البلخي.
فنجد ابن عاشور يورد أقوالهم مستدلاً بها، ومعضداً قوله الذي يذهب إليه، وتجده أحياناً يحاول أن يوفق بين أقوالهم والمدلول اللغوي للكلمة، وقد يردُّ ما روى عنهم أحياناً إذا لم يمكن التوفيق بينه وبين سياق الآية، والبحث له عن مخرج، إما بعدم ثبوت القول إلى الصحابي أو التابعي، أو قد يكون خفي عليه المعنى الحقيقي للآية (1).--------------------------------------------
(1) انظر ابن عاشور ومنهجه في التفسير/ عبد الله الريس، جا معة الإمام، 1408 هـ، ج 1، ص 340.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
• موقفه من الإسرائيليات:
سلك ابن عاشور في إيراد الإسرائيليات منهجاً متميزاً عن كثير من المفسرين، إذ إنه يندر أن يورد الإسرائيليات عن طريق الرواية عن مسلمي أهل الكتاب، ولكنه يوردها كثيراً عن طريق نقله من الكتب المقدسة بمصدرها الأصلي في العهدين الجديد والقديم ، ذاكراً رقم السفر والإصحاح الذي توجد فيه القصة (1).
وقد يكون هذا من مميزات التفسير إذا نظرنا من ناحية تأصيلية في كونه يذكر هذه الإسرائيليات من مصدرها الأصلي، ويمكن أن نعده مأخذا على الشيخ من حيث إنه ضمّن ثقافته الإسرائيلية ونشرها في تضاعيف كتابه دون أن يعنى كبير عناية بنقد هذه الإسرائيليات.
ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} (2).
قال الشيخ نقلاً عن الإسرائيليات: اسم زوج آدم عند العرب "حواء" واسمها في العبرانية مضطرب ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني إن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال لأنها من امرئ أخذت ،وفي الإصحاح الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي … وفي التوراة أن حواء خلقت في الجنة بعد أن سكن آدم في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا--------------------------------------------
(1) انظر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ومنهجه في تفسيره / هيا العلي، ص 317.
(2) سورة البقرة، آية 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (1) (2).
أورد ابن عاشور هذا الخبر الإسرائيلي هكذا دون أن يعقب عليه بأي تعليق أو على المصدر المستقى منه، وهذه المبهمات لا تحدد في شريعة الإسلام إلا بالخبر الصحيح عن الرسول … صلى الله عليه وسلم (3).
وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .. } (4): " وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم ، فقد جاء في سفر الملوك الأول: إن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل (عشتروت) إله الصيدونيين (ومُولوك) إله العمونيين (الفينيقيين) وبنى لهاته الآلهة هياكل ، فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إله إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى" (5).
يبين ابن عاشور في هذا الخبر الدليل على اعتقاد اليهود بكفر سليمان عليه السلام وذلك من خلال نصوص كتبهم، وكان من الممكن أن نعتبر هذا النوع من الاستدلال من محاسن "التحرير والتنوير" لو أن الشيخ ابن عاشور بعد--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف، آية 189.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 429.
(3) الشيخ محمد الطاهر / هيا العلي، ص 317.
(4) سورة البقرة، الآية (102).
(5) التحرير والتنوير، ج 1، ص 630.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
أن استشهد بهذا النص عقب عليه بما يدحض معناه، حيث اشتمل النص على عبارات تنافي عصمة الأنبياء، من كون النساء أثَّرن على سليمان في زمن شيخوخته وأملن قلبه إلى آلهتهن فغضب الله عليه؛ لأن قلبه مال عن إله إسرائيل.
فهل يعقل أن الأنبياء بعد نزول الوحي عليهم وهم المعصومون من الكفر والعصيان أن تمُيل النساء قلب أحدهم إلى الكفر ،كما فعلت نساء سليمان معه في زمن شيخوخته في زعم هذه الإسرائيليات الباطلة ، فهذه الإسرائيليات وأمثالها تخالف عقيدة أهل الإسلام في عصمة الأنبياء (1).
ثانياً: موقفه من التفسير بالرأي:
ذكر ابن عاشور في المقدمة الثالثة من تفسيره موقفه من التفسير بالرأي، وهو يرى أن تفسيراً كثيراً للقرآن لم يكن من المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن التفاسير قد اتسعت، وتفنن أصحابها في استنباط معاني القرآن، بما رزقهم الله من فهم كتاب الله.
ويقول: " لو كان التفسير مقصوراً على بيان معاني مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزراً، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة فمن يليهم - في تفسير القرآن - وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم " (2).
كما حدّد ابن عاشور الضوابط والحدود التي يسير الرأي في دائرتها إذ--------------------------------------------
(1) انظر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور / هيا العلي، ص 506.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
يقول: " إن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل: " رمية من غير رام ". ثم ذكر ماجاء في النهي عن التفسير بالرأي من أحاديث وآثار عن سلف الأمة، ثم قام بتوجيه النهي عنه إلى خمسة وجوه:
1 - أن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر، دون استناد إلى النظر في أدلة العربية، ومقاصد الشريعة وتصاريفها، ومالا بد منه.
2 - أن لا يتدبر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، مقتصراً على بعض الأدلة دون بعض.
3 - أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة، فيتأول القرآن على وفق رأيه، ويصرفه عن المراد، ويرغمه على تحمل مالا يساعد عليه المعنى المتعارف.
4 - أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره، لما في ذلك من التضييق على المتأولين.
5 - أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة والحذر في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك.
وقَسمهُ إلى محمود مقبول، ومذموم مردود، وذكر من أمثلة المردود التفسير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الباطني والتفسير الإشاري (1) … .
ومن يدقق النظر في تفسير ابن عاشور يدرك أنه قد وعى واستوعب جميع الشروط والمواصفات الواجب توافرها في المتصدي لتفسير كتاب الله تعالى.
ومن مذهبه أن ألفاظ القرآن تحتمل الكثير من المعاني المرادة والمقصودة مالم يمنع من ذلك مانع صريح أو غالب من دلالة شرعية أو لغوية أو توقيفية، وهذا هو الذي جعل تفسيره يزخر بالمعاني العظيمة، والأقوال المتعددة في الآية الواحدة، فله نظر لألفاظ القرآن وما تحويه من الكنوز، وقد بيّن ذلك في مقدمة كاملة من مقدمات التفسير وهي المقدمة التاسعة التي عنونها بقوله: " المقدمة التاسعة في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها" (2).
وخلاصة ما ذكره: أن العرب قوم أذكياء ذوو فصاحة وفطنة، وأنزل القرآن بلغتهم، وهي لغة سهلة، وهي أوفر اللغات مادة، وأقلها حروفاً ، وأوفرها ألفاظاً ، وأكثرها في الدلالة على أغراض المتكلم.
ولما كان القرآن نازلاً بهذه اللغة التي هذه صفتها، على أولئك القوم الذين مضى ذكرهم وما هم عليه من الفطنة والذكاء وتمام الفصاحة والبلاغة، كان حقيقاً بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر مما تحتمله الألفاظ، في أقل ما يمكن من المقدار، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها، التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات، ليحصل تمام المقصود من الإرشاد الذي جاء لأجله في جميع--------------------------------------------
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 28 - 37.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 28 - 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
نواحي الهدى وهذا الأساس أو القاعدة التي أرساها الشيخ تنبع من منظور عقلي جرت عليه المدرسة العقلية.
ثم أخذ يستدل على هذا التأصيل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وعن فقهاء الإسلام، من التفاسير التي ليست هي المعنى الأسبق من التركيب، ولكنها محمولة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بذلك إيقاظ الأذهان إلى أخذ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن، ومثال ذلك ما رواه أبو سعيد بن المعلى قال: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الصلاة فلم أجبه، فلما فرغت أقبلت إليه فقال: ما منعك أن تجيبني؟ فقلت: يا رسول الله! كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} (1) فلا شك أن المعنى المسوقة فيه الآية هو الاستجابة بمعنى الامتثال، غير أن لفظ الاستجابة لما كان صالحاً للحمل على المعنى الحقيقي أيضاً وهو إجابة النداء حمل النبي صلى الله عليه وسلم الآية على ذلك المقام الصالح له، وعلم الصحابة والتابعون أن ذلك مما يسوغ في ألفاظ القرآن الجزلة، المحتملة للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة (2).
ومن هنا نتبين موقف ابن عاشور من التفسير بالرأي وأنه قد فتح المجال الواسع لبيان معاني القرآن ومدلولات ألفاظه وتراكيبه.--------------------------------------------
(1) سورة الأنفال، الآية (24).
(2) انظر التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
المطلب الثالث
منهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة
اعتنى الشيخ ابن عاشور بالقراءات عناية كبيرة ، وجعل المقدمة السادسة من مقدمات التفسير للحديث عنها، وذكر أن السبب في كتابتها في المقدمة هو عناية كثير من المفسرين بها.
وبنى أول التفسير على قراءة نافع برواية عيسى بن مينا المدني الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويًا، ولأنها التي يقرأ بها معظم أهل تونس، ثم ذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة.
وذكر أنه اقتصر في تفسيره على ذكر اختلاف القراءات العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة، وإن كانت القراءات السبع قد امتازت على بقية القراءات بالشهرة بين المسلمين في أقطار الإسلام.
ولكنه لم يلتزم بما قال، بل أطنب إطنابا غريبا في بعض المواضع، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (1): " والصراط: الطريق ،وهو بالصاد والسين ،وقد قرئ بهما في المشهورة ،وكذلك نطقت به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء … وقيسٌ قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه. ومن العرب من--------------------------------------------
(1) سورة الفاتحة، الآية (5).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
قلب السين زايًا خالصة " (1).
أما الشروط التي اشترطها ابن عاشور في القراءة المقبولة فهي نفس الشروط التي ترددت عند العلماء وهي:
1 - موافقة اللغة العربية ولو بوجه من الوجوه.
2 - موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية.
3 - صحة سندها.
وإلى ذلك يشير ابن الجزري في "طيبة النشر " بقوله:
فكل ما وافق وجه نحو … وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصح إسناداً وهو القرآن … فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه … لوأنه في السبعة (2)
ولكن مما يجدر الإشارة إليه أن ابن عاشور يرى أن التواتر شرط كاف لأن تكون القراءة مقبولة
حيث يرى أن الشروط الثلاثة الأولى هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن كانت صحيحة السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح، وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه (3).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 1، ص 190.
(2) طيبة النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ص 23.
(3) انظر التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 1، ص 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
ويؤيد كلام ابن عاشور ما ذكره ابن الجزري: "وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده " (1).
ويقول أيضا: " إن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً ، سواء أوافق الرسم أم خالفه " (2).
ومن هنا لا يعبأ الشيخ محمد بن عاشور بمخالفة بعض القراءات المتواترة لرسم المصحف.
أما عن موقفه من القراءات المتواترة من حيث الترجيح والاختيار فهو الآتي:
أولاً: نجده أحياناً يختار من القراءات المتواترة.
ومن أمثلة اختياره بعض القراءات المتواترة الصحيحة ما أورده عند بيان القراءات في قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3) حيث قال: " وقرأ الجمهور هاء «وهو» بالضم على الأصل، وقرأها قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه، والسكون أكثر من الضم في كلامهم ، وذلك مع الواو والفاء ولام الابتداء،
ووجهه: أن الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة--------------------------------------------
(1) النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 1، ص 18.
(2) النشر في القراءات العشر/ ابن الجزري ، ج 1 ، ص 18.
(3) سورة البقرة، الآية (29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
تنزلت منزلة الجزء منها فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها ، فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في حركة لام الأمر مع الواو والفاء، ومما يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان الهاء مِن (هو) إذا دخل عليه حرف، أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دَعوى أنه ضرورة" (1).
ثانياً: لا يرجح بين القراءات المتواترة الصحيحة، بل نجده أحيانا يرد على بعض العلماء الذين يرجحون بين القراءات الصحيحة الثابتة ويطعنون فيها:
ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عاشور عند قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (2) قال: " وكلتاهما - أي قراءة ملك ومالك - صحيحة ثابتة ، كما هو شأن القراءات المتواترة كما تقدم في المقدمة السادسة ، وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة (ملك) بدون ألف ، وقراءة (مالك) بالألف من خصوصيات بحسب قَصْر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة (مالك)، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك. ولا محيصَ عن اعتبار التوسع في إضافة (ملك) أو (مالك) إلى (يوم) بتأويل شؤون يوم الدين. على أن (مالك) لغة في (ملك) ففي--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 387.
(2) سورة الفاتحة، الآية (4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)