الفضل ابن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ -بالموحَّدة بعد السِّين- وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبع مئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٌ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب -ولو من طريقٍ أخرى- إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.
وعدد مشايخه الذين خرَّج(1) عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية(2) أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.
وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو -كما سبق- أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام،--------------------------------------------
(1) في (ب) و (س): «صرَّح».
(2) في (ص): «كبقيَّة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروِيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل».
وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته. انتهى.
وهذا قاله الذَّهبيُّ رحمه الله في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.
ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع(1) الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستَّ عشْرةَ سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده(2) وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.
وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة،--------------------------------------------
(1) في غير (د): «كتاب».
(2) في (د): «بلد أهله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.
وقال الفَِرَبْريِّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.
وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جَمْرَة: قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ رحمه الله:
حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي … فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
لله ما أحلى مكرَّره الذي … يحلو ويعذب في مذاق السَّامع
بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه … وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي
وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا … في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعِ
ولقد هُديتُ لغاية القصد التي(1) … صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ
وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا … ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»
وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا … فتراه للمحذور(2) أعظَم دافعِ
كم من يدٍ بَيْضَا حواها طِرْسُه … تُومي إلى طُرُق العلا بأصابعِ
وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه … يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ--------------------------------------------
(1) في (د): «الذي».
(2) في (ص): «للمخدور».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ … ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ
في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم … من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ
وقراءة القاري له ألفاظه … تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ
(وقول الآخر):
وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ … هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ
لكتابه الفضلُ المبينُ(1) لأنَّه … أسفاره في الصُّبح كالإسفار--------------------------------------------
(1) في (ص): «الكبير».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
كم أزهرت بحديثه أوراقُه … مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ
أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت … من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ
بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به … متفرِّقاتُ الزُّهرِ والأزهارِ
وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله(1) بن عمر الشَّقِّيع -بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ- النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ:
خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى … وأرى به الجاني تقهقر وانتهى
فسقى البخاري جُودُ جَوْدِ سحائبٍ … ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّهى
الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى … مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى--------------------------------------------
(1) في (ص): «عبد الله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
طَلَبَ الحديثَ بكلِّ قطرٍ شاسعٍ … وروى عن الجمِّ الغفير أُولي النُّهى
ورواه خلقٌ عنه وانتفعوا به … وبفضله اعترف البريةُ كلُّها
بحرٌ بجامعه الصَّحيح جواهرٌ … قد غاصها فاجهد وغُصْ إن رُمْتَها
واروي(1) أحاديثًا معنعنةً زهتْ … تحلو لذائقِها(2) إذا كرَّرتها
وللإمام أبي الفتوح العجلي:
صحيحُ البخاريِّ يا ذا الأدبْ … قويُّ المتون عَلِيُّ الرُّتبْ
قويمُ النِّظام بهيجُ الرُّواء … خطيرٌ يروجُ كنقد الذَّهبْ--------------------------------------------
(1) في (ب) و (س): «وروى».
(2) في (ب) و (س): «لسامعها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
فتبيانُه مُوضِحُ المعضِلاتِ … وألفاظه نخبةٌ للنُّخبْ
مفيدُ المعاني شريفُ المعالي … رشيقٌ أنيقٌ كثيرُ الشُّعبْ
سما عزُّه فوق نجم السَّماء … فكلُّ جميلٍ به يُجتلَبْ
سناءٌ منيرٌ كضوء الضُّحى … ومتنٌ مزيحٌ لشوب الرِّيَبْ
كأنَّ البخاريَّ في جمعه … تلقَّى من المُصطفَى ما اكتتبْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
فللَّه خاطره إذ وعى … وساق فرائده وانتخبْ
جزاه الإله بما يرتضي … وبلَّغه عالياتِ القربْ(1)
ولأبي(2) عامرٍ الفضل بن إسماعيل الجرجانيِّ الأديب رحمه الله تعالى:
صحيح البخاريِّ لو أنصفوهُ … لمَا خُطَّ إلَّا بماء الذَّهبْ
هو الفرق بين الهدى والعمى(3) … هو السَّدُّ دون العنا والعطبْ
أسانيدُ مثلُ نجومِ السَّماءِ … أمامَ متونٍ كمثل الشُّهُبْ
بهِ قام ميزانُ دينِ النَّبي … ودان له(4) العُجْمُ بعد العربْ--------------------------------------------
(1) في (د): «الرُّتب».
(2) في غير (س): «لابن»، وهو تحريفٌ.
(3) في (د): «بين العمى»، وفي (ص): «هو السر بين».
(4) في (د): «وزان به».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
حجابٌ من النَّار لا شكَّ فيه … يميِّز بين الرِّضا والغضبْ
وخير رفيق(1) إلى المُصطفَى … ونورٌ مبينٌ لكشف الرِّيَبْ
فيا عالمًا أجمع العالمون … على فضل رتبته في الرُّتبْ
سبقْتَ الأئمَّة فيما جمعتَ … وفزت على رغمهم(2) بالقَصَبْ
نفيتَ السَّقيم من(3) الغافلينَ … ومن كان مُتَّهمًا بالكذبْ
وأثبتَّ من عدّلتْه الرواةُ … وصحّتْ روايته في الكتبْ
وأبرزتَ في حسن ترتيبه … وتبويبه عجبًا للعجبْ
فأعطاك ربُّك ما تشتهيه … وأجزل حظَّك فيما يَهَبْ
وخصَّك في عَرَصات الجنان … بخيرٍ يدوم ولا يقتضبْ(4)--------------------------------------------
(1) في (د) و (ص): «وسير رقيق».
(2) في (ص) و (م): «جمعهم».
(3) في (ص): «عن».
(4) البيت سقط من (م)، وفي (د) و (ص): «ينغصب».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
فلله دَرُّه من تأليفٍ رفع عَلَم علمه بمعارف معرفته، وتسلسل حديثه بهذا الجامع، فَأَكْرِمْ بسنده العالي ورفعته، انتصب لرفع بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع، فيا له من تصنيفٍ تسجد له جباه التَّصانيف -إذا تُلِيَتْ آياته- وتركع، هَتَكَ بأنوار مصابيحه المشرقة من المشكلات كلَّ مظلمٍ، واستمدَّت جداول العلماء من ينابيع أحاديثه التي ما شكَّ في صحَّتها مسلمٌ، فهو قطب سماء الجوامع، ومطالع الأنوار اللَّوامع، فالله تعالى يبوِّئ مؤلِّفه في الجنان منازلَ مرفوعةً، ويكرمه بصِلَاتٍ عائدةٍ غير مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
الفصل الخامس
في ذكر نسب البخاريِّ، ونسبته، ومولده، وبَدْء أمره، ونشأته وطلبه للعلم، وذكر بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
شيوخه، ومن أخذ عنه، ورحلته، وسَعَة حفظه وسيلان ذهنه، وثناء النَّاس عليه بفقهه وزهده وورعه وعبادته، وما ذُكِرَ من محنته ومنحته بعد وفاته وكرامته.
هو الإمام حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النُّقَّاد الأعلام، شيخ الحديث، وطبيب علله في القديم والحديث، إمام الأئمَّة عجمًا وعربًا، ذو الفضائل التي سارت السُّراة بها شرقًا وغربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردةٌ، والضَّابط الذي استوت لديه الطَّارفة والتَّالدة، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيرة؛ بضمِّ الميم وكسر المُعجَمة، ابن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة وسكون الرَّاء بعدها دالٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ فزايٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ مفتوحةٌ فهاءٌ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
على المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وهو بالفارسيَّة: الزَّرَّاع، الجُعْفيُّ: بضمِّ الجيم، وسكون العين المهملة، بعدها فاءٌ، وكان بَرْدِزْبَه فارسيًّا على دين قومه، ثمَّ أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفيِّ والي بخارى، فنُسِب إليه نسبةَ ولاءٍ؛ عملًا بمذهب من يرى: أنَّ من أسلم على يد شخصٍ كان ولاؤه له؛ ولذا قِيلَ للبخاريِّ: الجعفيُّ، ويمان هذا هو جدُّ المحدِّث عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن يمانٍ الجعفيِّ المسنَدِيِّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وأمَّا إبراهيم بن المغيرة؛ فلم نقف على شيءٍ من أخباره، وأمَّا والد البخاريِّ محمَّدٍ فقد ذُكِرَت له ترجمةٌ في «كتاب الثِّقات» لابن حبَّان، فقال في الطَّبقة الرَّابعة: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاريِّ، يروي عن حمَّاد بن زيدٍ ومالكٍ، روى عنه العراقيُّون، وذكره ولده في «التَّاريخ الكبير»، فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، سمع من مالكٍ وحمَّاد بن زيدٍ، وصحب ابن المبارك، وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وكان أبو البخاريِّ من العلماء الورعين(1)،--------------------------------------------
(1) في (ص): «العاملين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وحدَّث عن أبي معاوية وجماعةٍ، وروى عنه أحمد بن حفصٍ(1) ونصر بن الحسين، قال أحمد بن حفصٍ: دخلت على أبي الحسن(2) إسماعيل بن إبراهيم عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. فقال أحمد: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك.
وكان مولد أبي عبد الله البخاريِّ يوم الجمعة بعد الصَّلاة لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من شوَّال. وقال ابن كثيرٍ: ليلة الجمعة الثَّالث عشر من شوَّال سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ ببُخَارى، وهي بضمِّ الموحَّدة وفتح الخاء المُعجمَة وبعد الألف راءٌ، وهي من أعظم مدن ما وراء النَّهر، بينها وبين سمرقند ثمانيةُ أيَّامٍ، وتُوفِّي أبوه إسماعيل وهو صغيرٌ، فنشأ يتيمًا في حِجر والدته.--------------------------------------------
(1) في غير (د): «جعفر»، وهو تحريفٌ.
(2) في (د) و (ص): «الحسين»، وهو تحريفٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
وكان أبو عبد الله البخاريُّ نحيفًا، ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وكان فيما ذكره غُنْجار في «تاريخ بخارى»، واللَّالَكَائيُّ في «شرح السُّنَّة» في «باب كرامات الأولياء»: قد ذهبت عيناه في صغره، فرأت أمُّه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في المنام، فقال لها: قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد ردَّ الله عليه بصره.
وأمَّا بدء أمره فقد رُبِّيَ في حجر العلم حتَّى ربا، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّبأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاق البخاريِّ: قلت للبخاريِّ: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهِمتُ الحديث في المكتب ولي عشْر سنين أو أقلُّ، ثمَّ خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الدَّاخليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقلت له: إنَّ أبا الزُّبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثمَّ خرج، فقال لي: كيف هو يا غلامُ؟ قلت: هو الزُّبير بن عديٍّ عن إبراهيم. فأخذ القلم منِّي وأصلح كتابه، وقال: صَدَقْتَ، فقال بعض أصحاب البخاريِّ له: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشْرة سنةً، فلمَّا طعنت في ستَّ عشْرة سنةً حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء؛ يعني: أصحاب الرَّأي، ثمَّ خرجت مع أخي أحمد وأمِّي إلى مكَّةَ، فلمَّا حججت رجع أخي إلى بُخَارى، فمات بها، وكان أخوه أسنَّ منه، وأقام هو بمكَّة؛ لطلب الحديث. قال: ولمَّا طعنت في ثماني عشْرة سنةً صنَّفت كتاب «قضايا الصَّحابة والتَّابعين وأقاويلهم»، قال: وصنَّفت «التَّاريخ الكبير» إذ ذاك عند قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في اللَّيالي المقمرة، وقلَّ اسمٌ في «التَّاريخ» إلَّا وله عندي قصَّةٌ، إلَّا أنِّي كرهت تطويل الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
وقال أبو بكر بن أبي عتَّاب الأَعْيَن: كتبنا عن محمَّد بن إسماعيل وهو أمردُ على باب محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وما في وجهه شعرةٌ. وكان موت الفريابيِّ سنة اثنتي عشْرة ومئتين، فيكون للبخاريِّ إذ ذاك نحوٌ من ثمانيةَ عَشَرَ عامًا أو دونها.
وأمَّا رحلته لطلب الحديث؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: أوَّل رحلته بمكَّة سنة عشْرٍ ومئتين، قال: ولو رحل أوَّل ما طلب لأدرك ما أدركه أقرانه من طبقةٍ عاليةٍ ما أدركها، وإن كان أدرك ما قاربها؛ كيزيد بن هارون، وأبي داود الطَّيالسيِّ، وقد أدرك عبد الرَّزَّاق وأراد أن يرحل إليه، وكان يمكنه ذلك، فقِيلَ له: إنَّه مات، فتأخَّر عن التَّوجه إلى اليمن، ثمَّ تبيَّن أنَّ عبد الرَّزَّاق كان حيًّا، فصار يروي عنه بواسطةٍ، ثمَّ ارتحل بعد أن رجع من مكَّة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرِّحلة إليها.
وقال الذَّهبيُّ وغيره: وكان أوَّل سماعه سنة خمسٍ ومئتين، ورحل سنة عشرٍ ومئتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته محمَّد بن سلَامٍ البيكنديِّ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)