فقال أبو زرعة: المغيرة لم يسمع من عطاء، مرسل1 … ويقول أبو حاتم الرازي: مجاهد بن جبر عن عائشة مرسل2. ويقول الإمام أحمد: عبد الملك ابن أبي بكر عن عمر "في زكاة الدين" مرسل3. وسئل يحيى بن معين، سليمان بن أبي هند عن خباب مرسل؟ " شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحر4 "قال: نعم مرسل5، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم نجد أن أبا زرعة أطلق المرسل على ما حذف من سنده أكثر من راو، وهو ما سمي "بالمعضل" أو "البلاغات"، بعد ذلك يقول ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وحدثنا بهذا الباب في "كتاب النكاح" بطريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "أسلم غيلان بن سلمة وعنده عشر نسوة. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعًا".
وحدثنا أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي، قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن". فسمعت أبا زرعة يقول له: مرسل أصح6". ويقول يحيى بن سعيد القطان: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: أي والله، وسفيان ابن سعيد -يعني الثوري- قيل له: مرسلات مالك بن أنس؟ قال: هي أحب إليّ7، ومعلوم أن مالكًا وابن عيينة والثوري جميعًا كانوا يرسلون بحذف جزء من السند أو السند كله، كما نشاهد ذلك واضحًا في الموطأ.
وهذا المعنى هو ما استمر عليه عرف الفقهاء والأصوليين بعد ذلك.
507- وقد رأى معظم المتأخرين بعد القرن الثالث أن المرسل هو ما رواه--------------------------------------------
1 المصدر السابق ص135.
2 المصدر السابق ص 126.
3 المراسيل ص 87.
4 أخرجه مسلم متصلًا من طريق آخر عن خباب بلفظ: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرمضاء، فلم يشكنا". "بشرح النووي 2/ 266". وانظر الترمذي بتحفة الأحوذي 1/ 483.
5 المراسيل: ص 58.
6 علل الحديث: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - المكتبة السلفية بالقاهرة 1343 1/ 400 - 401/ 1199.
7 المراسيل: ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المنقطع هو ما أسقط من سنده راو واحد من دون التابعي، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين1، وما أشبه ذلك.
508- ويبدو أن هذا المعنى للمرسل لم يستقر عليه من بعد القرن الثالث، وإن ادعى الحاكم أن مشايخ الحديث لم يختلفوا فيه، لأن الخطيب -وهو في القرن الخامس- قدم التعريفين على أنهما مستعملان وإن كان أشار إلى أن أكثر الاستعمال للثاني2.
509- وقد خالف الحاكم ادعاءه بالإجماع هذا حينما قال: إن مشايخ أهل الكوفة يطلقون المرسل على من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء3 أي بالمعنى الأول. وحينما عرف المرسل مرة أخرى فقال: "هو قول الإمام التابعي أو تابع التابعي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينه وبين رسول الله قرن أو قرنان" ولا يذكر سماعه من الذي سمعه منه"4.
510- ومنشأ هذا الاضطراب عند الحاكم أن المعنى الأول الذي استقر قبل القرن الرابع ظل سائرًا مع المعنى الثاني - كما نص على ذلك الخطيب.
511- وإذا كنا نبحث عند علماء القرن الثاني فإننا سنأخذ المعنى الذي استقروا عليه وبنوا عليه آراءهم والذي يشمل المرسل والمنقطع والمعضل عند المتأخرين.
مراسيل الصحابة:
512- والعلماء جميعًا وعلى الأقل في القرن الأول والثاني الهجريين يذهبون إلى أن الأحاديث المرسلة التي يرويها الصحابة الكبار والصغار--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص 70، 71.
2 الكفاية "هـ" ص 21.
3 معرفة علوم الحديث ص25، 26.
4 المدخل: ص12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوها منه إنما هي من قبيل الأحاديث
الصحيحة والمحتج بها، فهي والمتصلة سواء، وذلك لأنهم عدول بتعديل الله لهم ومتثبتون في رواياتهم، فلا يخشى أن يحدثوا عن ضعيف أو كذاب.
اللهم من أحضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير مميز، كعبيد الله بن عدي ابن الخيار، ومحمد بن أبي بكر، فإنه ولد عام حجة الوداع، فإن مرسله يأخذ حكم مراسيل غير الصحابة.
513- وقد رأى العلماء أن مرسل الصحابي حجة؛ لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي آخر. والكل مقبول، واحتمال الصحابي الذي أدرك وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن التابعين بعيد جدًّا، بحذف مراسيل الصحابة الذين لم يميزوا إذا اعتبرناهم من الصحابة؛ لأنهم أخذوا عن التابعين بكثرة فاحتمال أن الساقط عندهم غير صحابي قوي، ويحتمل أن يكون غير الصحابي هذا غير ثقة1.
وهناك أكثر من اتجاه في الاحتجاج بمرسل غير الصحابي وقبوله وعدم الاحتجاج به ورفضه في القرن الثاني الهجري، الذي نعنى بدراسته.
الاتجاه الأول:
514- وهو قبول المرسل، وعلى رأس هذا الاتجاه الإمام مالك رضي الله عنه، فقد ساق في "الموطأ" الكثير من المراسيل التي احتج بها وقبلها ومنها:
1- ما رواه "عن زيد بن أسلم: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: "فوق هذا"، قأتي بسوط قد ركب به "ذهبت عقدة طرفه ولان"، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد، ثم قال:
"أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من--------------------------------------------
1 الموطأ "طبعة الشعب" ص 515 - 516. و"يبدي صفحته" أي يظهر جانبه ووجهه والمراد من يظهر ما ستره أفضل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإن من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".
ومنها:
2- حديث الشاهد واليمين رواه مالك هكذا: "عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد"1.
515- يقول الشيخ محمد أبو زهرة -رحمة الله عليه- معقبًا على هذا الحديث: "ونرى السند فيه فقط جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين، والصحابي بيقين ليس فيه، فهو مرسل لم يذكر فيه الصحابي على أقوى الفروض، ومع ذلك أخذ به مالك رضي الله عنه، واعتبره"2.
والحديث فعلًا مرسل كما يقول أستاذنا إلا أن في السند غير جعفر أباه كما هو واضح من نص الحديث في "الموطأ" وما ذكره الشيخ وذكرته هنا.
3- ومن هذا الحديث الذي يحكي ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر، يقول مالك:
"عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر، يوم افتتح خيبر: "أقركم فيها ما أقركم الله عز وجل، على أن الثمر بيننا وبينكم" 3.
516- وقد أكثر الإمام مالك من المراسيل التي سميت فيما بعد بالبلاغات يقول في متعة الطلاق.
"أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له، فمتع بوليدة"4.
وهو في هذا اعتمد في إخباره عن عبد الرحمن بن عوف الصحابي--------------------------------------------
1 الموطأ ص 449.
2 مالك، حياته وعصره -آراؤه الفقهية: محمد أبو زهرة. الطبعة الثانية- الأنجلو المصرية ص 295.
3 الموطأ ص 438.
4 المصدر السابق ص 354.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
رضي الله عنه بلاغ بلغه "ولم يذكر من الذي بلغ، ولم يذكر السند إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه"1.
517- وليس معنى قبول مالك للمراسيل عدم اهتمامه بالسند وأنه لا قيمة له عنده، أو عدم اهتمامه بتوثيق الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم … كلا فهو المتشدد في قبول الأخبار، وقد مضى شيء من تشدده هذا، ولكنه يعتمد علىتوثيق من يأخذ عنه هذا المرسل، وثقته فيه، ومتى حدث ذلك وكان وفق مقاييسه النقدية، فإنه يطمئن إلى حديثه ويثق فيه، "فالتشدد في الاختيار هو سبب الاطمئنان وقبول الإرسال"2.
ومن أجل هذا رأى من بعده أن هذه المراسيل التي دونها في "الموطأ" إنما هي في حقيقتها أحاديث مسندة إلا القليل النادر منها، والذي لا يتجاوز أربعة أحاديث3.
518- ويقول القرافي مبينًا حجة من يقبلون المراسيل: إن سكوت المرسل مع عدالته، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام "ليقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم: إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامح ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال"4.--------------------------------------------
1 مالك، حياته وعصره: ص 265.
2 المصدر السابق ص 296.
3 تدريب الراوي 1/ 212 - 213. وقال السيوطي: وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد - وقد وصل ابن الصلاح الأحاديث الأربعة هذه. "مقدمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي للموطأ "طبعة الشعب ص 4- 5".
4 شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي "684هـ" تحقيق طه عبد الرءوف سعد. مكتبة الكليات الأزهرية - دار الفكر. القاهرة - بيروت. الطبعة الأولى 1393هـ - 1973م. ص 379 - 380.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
519- ونقل السيوطي عن ابن جرير أن التابعين قد أجمعوا بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم على رأس المائتين1 -وإذا كان ابن جرير قد انتقد في هذا، لأن هناك من لم يقبل المرسل في القرنين الأول والثاني، كسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري2- فإنه يبقى مسلمًا به أن الأكثرية قد قبلت المرسل وعملت به في أواخر القرن الأول والنصف الأول من الثاني، ولم يكن مالك شاذًّا في هذا.
520- ولكن مالكًا قد رفض بعض المراسيل مما جعل البعض يعيد، من الذين يرفضون المرسل، ومن هذا البعض الإمام الحاكم النيسابوري3، ومما جعل البعض -من ناحية أخرى- يهاجمه ويصفه بالتناقض؛ لأنه يأخذ بالمرسل ثم يترك بعض المراسيل، كابن حزم الذي يقول: إن مالكًا ترك حديث الوضوء من الضحك في الصلاة مع أنه يأخذ بالمراسيل4.
521- والحق أن الإمام مالكًا قبل المرسل بشروط خاصة، قد أشرنا إليها وبها يطمئن إلى أن هذا المرسل مثل المسند، ولكن بدون هذه الشروط يرفض المرسل كما يرفض المسند في بعض الأحيان على الرغم من اتصاله، وهو لا يرفضه هذا وذاك لأنه مرسل أو مسند؛ بل لأنه لا تتوافر فيه الثقة في رواية أو مرسله.
وابن حزم متجن في هذا الهجوم؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ما دام العلماء يأخذون بالمسانيد فينبغي أن يأخذوا بها جميعًا، وكذلك الأمر هنا؛ لأن هناك من المقاييس الأخرى التي يجب أن تراعى في الخبر مرسلًا أو غير مرسل.--------------------------------------------
1 تدريب الراوي 1/ 198.
2 فتح المغيث 1/ 136.
3 المدخل: ص12.
4 الإحكام 2/ 136 - 137.
5 انظر اختلاف الأحاديث والآثار في هذا الموضوع في نصب الراية 1/ 47 - 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
522- وربما رفض مالك "حديث القهقهة" لأنه كان موضع شك من الفقهاء والمحدثين؛ لأن مداره كان على أبي العالية؛ قام خراساني إلى عبد الرحمن بن مهدي -وكان أعلم الناس بحديث القهقهة- فقال: يا أبا سعيد، حديث رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة". فقال عبد الرحمن: هذا لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: من أين قلت؟ قال: إذا أتيت الصراف بدينار، فقال لك: هو بهرج تقدر أن تقول له: من أين قلت؟.. قلت: نفسره لنا "قال: إن هذا الحديث لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فسمعه هشام بن حسام من حفصة وكتان في الدرا معها، فحدث به هشام الحسن، فحدث به الحسن، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فمن أين سمعها الزهري؟ قال: كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن، وإلى الزهري فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري، فقال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله1.
523- أرأيت كيف شاع الاضطراب في رواية هذا الحديث وخفيت ظروف روايته وملابساتها؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الزهري كان يقول: "لا وضوء في القهقهة". فقال الدارقطني: فلو كان هذا صحيحًا لما أفتى بخلافه2.
وقد تكلم الناس في أبي العالية وفي مراسيله، قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، ولا أبي العالية، وما حدثتموني لا تحدثوني عن رجلين من أهل البصرة: عن أبي العالية والحسن، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما.. وقال مرة أخرى: أربعة يصدقون من حدثهم، فلا يبالون ممن يسمعون: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال، وأنس بن سيرين3.--------------------------------------------
1 المحدث الفاصل ص 312 من المطبوع.
2 نصب الراية 1/ 48.
3 المصدر السابق 1/ 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
فلكل هذا وغيره يرفض الإمام مالك بعض المراسيل، كما يترك بعض المسانيد، شأنه في ذلك شأن المستوثقين مما يحملون، المحتاطين فيما يأخذون.
524- وقد أخذ ابن حزم على مالك أيضًا أنه ترك حديثًا مرسلًا رواه عن عروة بن الزبير "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس قيام"1.
525- والحديث كما رواه الإمام مالك في "الموطأ": "عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج في مرضه، فأتى، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، فاستأجر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كما أنت: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر"2.
526- والحديث مرسل -كما يقول ابن حزم-.. وعلى احتمال أن مالكًا لم يأخذ به، فعنده من الأسباب لذلك غير كونه مرسلًا.
أولًا: أن عنده من الأحاديث المتصلة ما يتعارض مع هذا الحديث، وقد ذكرها في "الموطأ" قبل رواية هذا الحديث المرسل.
الأول: رواه مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا فصرع، فجحش شقة الأيمن "خدش أو فوق الخدش" فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" 3.--------------------------------------------
1 الإحكام 2/ 137.
2 الموطأ ص 104 "طبعة الشعب".
3 الموطأ: ص 103 - 104 "طبعة الشعب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
والثاني: رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: صلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" 1.
وهذا السند هو نفسه سند الحديث
المرسل إلا أنه وصل بعائشة وربما كان هذا هو مصدر شك مالك في الحديث المرسل الذي تركه.
ثانيًا: أن هناك من الصحابة من أفتى بجلوس المأمومين خلف الإمام الجالس، كجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس ابن فهد، ويقول ابن حبان: إنه "لم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واه، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه2.
527- وإذا كنا -مع الأستاذ أحمد شاكر، عليه رحمة الله -لا نرضى من ابن حبان ادعاءه الإجماع؛ لأنه لا دليل عليه، إذ السكوت عن الشيء ليس معناه الأخذ به، "ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل" -كما قال الإمام الشافعي3- فإننا نرى أنه ليس من شك في أن الإمام مالكًا قد بلغه عمل بعض الصحابة وفتواهم في هذا الأمر، فأيد به الأحاديث المتصلة وترك من أجلها الحديث المرسل.
528- والحق أن قبول مالك للمراسيل على هذا النحو كان استجابة لعصره الذي كانت تكثر فيه المراسيل؛ لأن التابعين قد سمع كل واحد منهم--------------------------------------------
1 الموطأ: ص 103 - 104 "طبعة الشعب".
2 نصب الراية: 2/ 49.
3 تحقيق الرسالة ص257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
العديد من الصحابة، ويجد مشقة في إحصاء من سمع منهم هذا الحديث أو ذاك، روي عن الحسن البصري أنه كان يقول: "إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالًا" وروي عنه أيضًا قوله: متى قلت لكم: حدثني فلان فهو حديثه لا غير، ومتى قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سمعته من سبعين أو أكثر، كما روي عن الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثًا عن عبد الله فأسنده لي، فقال: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت: قال عبد الله، فقد رواه لي غير واحد. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ … فقال الحسن: أيها الرجل، ما كذبنا، ولا كذبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"1.
529- ومهما يكن من شيء فقد اجتهد الإمام مالك في هذا العصر على أن يحمل الكثير من الأحاديث المسندة على الرغم من هذه الظروف ولم يحمل من المرسل إلا القليل بالنسبة لغيره، يقول أحمد بن صالح: "ثلث حديث مالك مسند، وليست هذه المنزلة لأحد من نظرائه"2.
الاتجاه الثاني:
530- وهو قريب من الاتجاه الأول، ويكاد يتطابق معه، مع امتداد له آخر بقدر امتداد مدرسة الأحناف -صاحبة هذا الاتجاه- التي قام رجال فيها غير أبي حنيفة ببنائها
بعد زمن مالك وأبي حنيفة، ومن هنا نشأ هذا الامتداد الذي تغيرت صورته عما رآه مالك في حجية المراسيل.
531- يقبل الأحناف مراسيل الصحابة -كغيرهم- والتابعين وتابعيهم، أو مراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى -كما يعبر مؤلفوا أصولهم3.--------------------------------------------
1 كشف الأسرار 3/ 724 -تدريب الراوي 2/ 204- قواعد التحديث ص142 - مالك: ص 296.
2 ترتيب المدارك 1/ 135.
3 أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار 3/ 723.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
وهم في هذا يتطابق اتجاههم مع اتجاه مالك وأكثر التابعين وتابعي التابعين، لأنهم كانوا يواجهون هذه المراسيل ويقولون بحجيتها … وامتدت هذه المدرسة إلى مشارف القرن الثالث فكان لهم رأي فيما بعد أهل القرون الثلاثة هذه، وهذا ما يميز اتجاه هذه المدرسة عن الاتجاه الأول، ومن يدري لو كان الله قد قيض لمدرسة مالك نفس هذه القوة إلى ذلك الحين؟، ربما كانوا قد ذهبوا إلى ما ذهبت إليه هذه المدرسة.
532- ويبدو أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قد قالوا بما قال به مالك، بدليل أن محمدًا مثلًا يعتمد على ما أرسله، وهو من أهل القرن الرابع1 "189 هـ" وفي "الموطأ" الذي رواه عن مالك يقول: "بلغنا عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق فقضى صلاته"2 وأخذ بهذا، ويقول: "بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السيرين جميعًا: "عليكم بالسكينة" حين أفاض من عرفه، وحين أفاض من المزدلفة"3.
والمراد بالسيرين: سير العنق الذي هو بين الإبطاء، والإسراع، والنص وهو أرفع من العنق.
ويقول في هذا الباب: "بلغنا أنه قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيضاع الإبل وإيجاف الخيل" فبهذا نأخذ4.
533- ووضع أساس تحديد القرون الثلاثة -على ما أعلم- عيسى بن أبان الذي عاش جزءًا من القرن الثالث الهجري "220 هـ" ورأى أن--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 363. والقرن هنا معناه الجيل.
2 موطأ الإمام مالك "93 هـ - 179 هـ" رواية محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة 1387هـ - 1967م الطبعة الثانية ص100.
3 المصدر السابق ص 165.
4 المصد السابق ص 164. ويقال: وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا إذا حمله على سرعة السير "النهاية" وإيجاف الخيل أي إسراعها من الوجيف وهو سرعة السير ومنه الآية الكريمة: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} "الحشر 26" أي: فما أجريتم في تحصيله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
المجتمع قد تغير ولم يكن كما كان عليه أهل القرون الثلاثة الأولى، إلا أهل العلم الذين حافظوا على دينهم واهتمامهم بالحديث، ولهذا قال: تقبل مراسيل أهل القرون الثلاثة وأهل العلم من غيرهم.
ويقول السرخسي: "وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته، مرسلًا ومسندًا، وإنما يعني به محمد الحسن رحمه الله وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقًا وإنما اشتهر بالرواية عنه، فإن مسنده يكون حجة ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه"، وضع عيسى ابن أبان بهذا الأساس في أن هناك من المراسيل من لا تقبل.
ثم جاء أبو بكر الرازي "370 هـ" فحدد القرون الثلاثة بقبول مرسلها، وما بعدها لا يقبل إلا عمن هو عدل ثقة، يقول السرخسي: وأصح الأقاويل في هذا ما قال أبو بكر الرازي رضي الله عنه أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم تعرف منه الرواية مطلقًا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة، إلا إذا اشتهر مرسله بأنه لا يروى إلا عمن هو عدل ثقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية، فكانت عدالتهم ثابتة بتلك الشهادة ما لم يتبين خلافها.
534- وهذا لا يمنع أن بعض الأحناف المتقدمين إلى حد ما مثل أبي الحسن الكرخي "340 هـ" يظلون على قبول المرسل مثل المسند دون قيد زمني "فمن تقبل روايته مسندًا تقبل روايته مرسلًا" فهو "لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار"1.
535- وحجة الأحناف:
1- أن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على قبول المرسل، فقبلوا روايات ابن عباس رضي الله عنهما مع أنه لم يسمع من النبي صلى--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 263.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، ويقال: بضعة عشر حديثًا، فقد أرسل الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع منه في كثير من الأحاديث، ومما من ذلك "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر". وإنما سمع ذلك من أخيه الفضل.. والنعمان ابن بشير ما سمع إلا حديثًا واحدًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده، وإذا فسدت فسد سائر جسده ألا وهي القلب". ثم كثرت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وأبو هريرة رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" ولما أنكرت ذلك عائشة، رضي الله عنها، قال: هي أعلم، حدثني به الفضل بن عباس رضي الله عنهما، فقد أرسل الرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم من غير سماع منه1. وروى ابن عمر رضي الله عنهما: "من صلى على جنازة فله قيراط" الحديث. ثم أسنده إلى أبي هريرة.
وقال البراء بن عازب، رضي الله عنه: ما كل ما نحدث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حدثنا عنه، لكنا لا نكذب.
"ولما أرسل هؤلاء، وقبل والصحابة مراسيلهم، ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك، صار ذلك إجماعًا منهم على جواز ذلك ووجوب قبوله"2.
2- وإذا انتقلنا إلى التابعين وجدنا الحسن وسعيد بن المسيب، رضي الله عنهما وغيرهما من أئمة التابعين كانوا كثيرًا ما يروون مرسلًا. وقد كان إعلانهم عن أنهم يرسلون الحديث الواحد عن أكثر من صحابي سببًا في قول عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند، "فإن من اشتهر عنده حديث بأن سمعه بطرق طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده، وقطع الشهادة بقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 60 - 61.
2 كشف الأسرار 3/ 724.
3 أصول السرخسي 1/ 361.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
وقد يقال: إن قبول مراسيل الصحابة إنما هو لثبوت عدالتهم، وهذا غير موجود في غيرهم: لوجود الكذب في عصر التابعين وتابعيهم.
ويجيب الأحناف بأنه لا فرق بين صحابي يرسل وتابعي يرسل؛ لأن عدالتهم ثبتت بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم للقرون الثلاثة، وخاصة إذا كان الإرسال من وجوه التابعين، مثل عطاء بن رباح من أهل مكة، وسعيد بن المسيب من أهل المدينة، ومثل الشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبي العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام، فإنهم كانوا يرسلون ولا يظن بهم إلا الصدق1.
ولا يقال: إن هؤلاء الكبار ربما سمعوا من غير العدول، ولم يبينوا حالهم - لأنه لا يظن بهم فعل هذا، فإن من يستجيز الرواية ممن يعرفه غير عدل من غير بيان لا تقبل روايته مرسلًا ولا مسندًا2.
كما لا يقال -أيضًا- إنهم رأوا أن الإسناد لا تقوم به الحجة فحذفوه لأن القول بهذا معناه أنهم كتموا موضع الحجة بترك الإسناد مع علمهم أن الحجة لا تقوم بدونه.
"فتعيين أنهم اعتقدوا أن المرسل حجة كالمسند، وكفى باتفاقهم حجة"3.
3- أن التابعين أرسلوا وملئوا كتبهم بالمراسيل، ولم يروا أن أحدًا من الأمة أنكر عليهم ذلك، فكان ذلك إجماعًا منهم على قبوله"4.
4- على أننا إذا عدلنا الراوي، ونفينا عنه الكذب في كلام الناس، فمن غير المعقول أن يكذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويحدث عنه--------------------------------------------
1 كشف الأسرار 3/ 724.
2 أصول السرخسي 1/ 361.
3 المصدر السابق 1/ 361 - 362.
4 كشف الأسرار 3/ 723.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
بإسناد هو منقطع "والمعتاد من الأمر أن العدل إذا وضح له الطريق واستبان له الإسناد طوى الأمر وعزم عليه، فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يتضح له الأمر نسبه إلى من سمعه؛ لتحمله ما تحمل عنه1".
5- أن كثيرًا من السنن روي مرسلًا، فترك هذه المراسيل تعطيل لكثير من السنن التي يحتاج إليها الفقهاء لبيان الأحكام الشرعية بأدلة من السنة2.
536- وكان من الطبيعي أن يذهب الأحناف -كغيرهم- إلى أن المسند أرجح من المرسل؛ لتحقيق المعرفة برواة المسند وعدالتهم، دون رواة المرسل "ولا شك أن رواية من عرفت عدالته أولى ممن لا تعرف عدالته ولا نفسه"3.
537- ولم يشذ منهم إلا عيسى بن أبان ومن تبعه من بعض المتأخرين، قالوا بأن المرسل أقوى من المسند؛ لأن المرسل قد سمعه بطرق كثيرة -كما سبق أن ذكرنا- ولأن المرسل ينطوي على حكم مرسله بصحة الحديث بخلاف ما إذا أسند فإنه لم يعزم الأمر، وإنما تركه لك، وأحالك عليه؛ لتتبين ما إذا كان صحيحًا أو غير صحيح4.
538- لكنه ليس مثل "المشهور" من الأحاديث الذي تجوز به الزيادة على الكتاب -كما سبق أن ذكرنا5- بل هو في مرتبة أدنى منه؛ لأن هذه الميزة التي ثبتت للمراسيل، وهي كونها أعلى من المسند -إنما ثبتت لها اجتهادًا ورأيًا، فتكون مثل قوة ثبتت بالقياس، وقوة المشهور ثبتت بالتنصيص، وما ثبت بالتنصيص فوق ما ثبت بالرأي، فلا يكون المرسل مثل المشهور6.--------------------------------------------
1 أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار 3/ 724.
2 المصدر السابق 3/ 724.
3 كشف الأسرار 3/ 725.
4 أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار 3/ 724.
5 ص 116 من هذا البحث.
6 البزدوي وكشف الأسرار معًا 3/ 725.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
الاتجاه الثالث:
539- هذا الاتجاه وقف موقفًا وسطًا، فلم يقبل كل المراسيل الصحيحة كما رأى الاتجاه الأول والثاني تقريبًا، ولم يرفض كل المراسيل كما رأى الاتجاه الرابع والأخير الذي سنتعرف عليه بعد قليل -إن شاء الله عز وجل.
540- وهو يرى أن هناك مراسيل جديرة بالقبول؛ لأن هناك من الدلائل والشواهد على صحتها، وأن هناك مراسيل ينبغي رفضها أو التوقف في قبولها؛ لعدم وجود هذه الدلائل التي تدعو إلى الاطمئنان إليها، ويكون قبولها نوعًا من المجازفة؛ لأن رواتها تأكد فعلًا أنهم يروون عن الضعاف. وعلى هذا فقد قبل المراسيل، التي تتوافر فيها شروط ميعنة، ورفض غيرها.
541- وعلى رأس هذا الاتجاه، بل وصانعه -الإمام الشافعي، رضي الله عنه. وهو يرى أن المرسل ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: مرسل كبار التابعين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثرت مشاهدتهم لهم.
ثانيهما: مرسل غيرهم أو مرسل من بعد كبار التابعين، كما يعبر الإمام الشافعي.
542- أما القسم الأول "مرسل كبار التابعين" فإنه يقبل في حالات منها:
1- أن يشركه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن يوافقوه في معنى ما روى فقط، فإن وجد ذلك كان دلالة على أن من أخذ عنه المرسل قد حفظه وضبطه وبالتالي فهو صحيح.
543- ويقول ابن الصلاح إن هذا هو سبب احتجاج الشافعي رضي الله عنه، بكثير من مرسلات سعيد بن المسيب، رضي الله عنه، فإنها وجدت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
مسانيد من وجو أخر، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لما بينهما من الصلة والتصاهر. وهذا لا يمنع أن هناك مرسلات لابن المسيب لم يقبلها لعدم انضمام إليها ما يقويها. ولا يختص ذلك بإرسال ابن المسيب، فهناك مراسيل لغيره قبلها1.
544- وإذا كان البعض قد أنكر أن يكون الشافعي قد أخذ بمراسيل ابن المسيب وإنما هو أخذ بالمسانيد التي أتت من طرق أخرى؛ فإن ابن الصلاح قد رد عليه بقوله: إن بالمسند تتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال، حتى يحكم له مع إرساله بأنه صحيح تقوم به الحجة وبالتالي يحكم على المتن بأنه صحيح، وهذا على اعتبار أن الإسنادين إذا اختلفا اختلف الحديثان، ويصير حينئذ المرسل والمسند دليلين لمعنى واحد يرجح على معنى آخر معارض إذا كان له طريق واحد مسند2.
على أنه إذا كان المسند حسنًا فإنه يرتقي بالمرسل عنه هذه المرتبة. وهذا كله -بطبيعة الحال- إذا كان المسند بمفرده صحيحًا صالحًا للحجة، أما إذا كان مما يفتقر إلى اعتضاد؛ لأن فيه ضعفًا، فإنه يقوي المرسل والمرسل يقويه، ويصير كل منهما بالآخر حجة3.
544- وإذا لم توجد هذه الحالة وانفرد الراوي بإرسال حديث لم يسنده غيره فإن مما يقوي مرسله هذا ويجعله مقبولًا هو:
2- أن يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه وبرجال غير رجاله.
وهذه الحالة -في رأي الإمام الشافعي- أضعف من الحالة الأولى.
ويفيد كل المراسلين الآخر، ويقوي الظن بوجود أصل لكل منهما، وينقل كل منهما من مرتبة الضعف إلى مرتبة الحسن لغيره؛ لأن ضعف كل منهما--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص 73، تدريب الراوي 1/ 200 - 201.
2 المصدر السابق. ص 73.
3 فتح المغيث 1/ 143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
إنما هو من جهة خفة ضبط راويه وحفظه وكثرة غلطه، لا من جهة اتهامهما بالكذب1.
545- وإن لم يوجد ذلك فإنه يقبل إذا:
3- وافقه ما يروى عن بعض صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم، لأنه إذا وجد ذلك كان دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله تعالى.
4- أو يوافقه عوام من أهل العلم يفتون بمثل ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
546- هذه هي الحالات التي ذكرها الإمام الشافعي في الرسالة1.
ولا شك أن هناك حالات أخرى عنده لم يذكرها هنا، يتقوى بها المرسل، وتبعث على درجة الاطمئنان به، ومنها ما ذكره السخاوي في فتح المغيث وهي:
5- أن يكون المرسل قد خبر علم من أرسل عنه وعرفه؛ لأنه في هذه الحالة يمكنه أن يدرك حديثه دون تحريف من غيره، قال الشافعي رحمه الله في حديث لطاوس عن معاذ: "طاوس لم يلق معاذًا، لكنه عالم بأمر معاذ، وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافًا.
547- ومثل هذا تمامًا ما ذهب إليه الطحاوي في الاحتجاج بحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سئل: "كان عبد الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا". قال الطحاوي: فإن قيل: هذا منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله،--------------------------------------------
1 الرسالة ص 461 - 463. وانظر حالات أخرى في كتاب الحديث المرسل حجيته وأثره في الفقه الإسلامي: محمد حسن هيتو. دار الفكر بيروت لبنان ص 43، 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
وخلطته بخاصته من بعده، ولا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا1.
548- وقد رأى بعضهم أن مما يسند به المرسل فعل صحابي أو انتشار أو عمل أهل العصر أو قياس معتبر، لكننا لم نعثر على نص للشافعي يقول بذلك، وإن كان بعضه يمكن أن يفهم من كلامه، فرأى الصحابي مثل عمله ورأيه مما يعضد به المرسل كما نص على ذلك في الرسالة، وعمل أهل العصر مثل فتوى عوام من أهل العلم إلا أن إرجاع بعضه إلى كلام الشافعي فيه تكلف، كما يقول السخاوي2.
549- وقد انتقد القاضي أبو يعلى في كتابه العدة اتجاه الشافعي هذا في قبول المرسل في هذه الحالات، وقال: إنه بهذا لا يقبل المرسل لذاته، وإنما يقبله لأمور انضمت إليه، فكأنه في رأيه عندما يعمل بالمرسل إنما يعمل بالأمور التي انضمت إليه معه3.
ونقول: إنه ليس الأمر كذلك؛ لأن هذه الأمور تزيل الشك في المرسل فيعمل به هو4.
550- وفي الحالات التي يقبل فيها المرسل جميعًا لا بد أن يتوافر في المرسل شرطان، وإلا أضر إرساله بحديثه، ولا يسع أحدًا قبول مرسله:
الشرط الأول:
أن يكون ممن يعرف من يرسل عنه، فليس مجهولًا عنده ولا عند أهل العلم، وألا يكون ممن يروي عن الضعاف المرغوب عن الرواية عنهم، يقول--------------------------------------------
1 فتح المغيث 1/ 134.
2 المصدر السابق 1/ 142.
3 العدة في أصول الفقه: للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء "380 - 408هـ" نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية. ص 138 - 139.
4 وانظر في مناقشة أبي يعلى وغيره في اعتراضات أخرى كتاب الحديث المرسل حجيته وأثره ص 43 - 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "أن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه.
الشرط الثاني:
ألا يخالف الحفاظ إذا شاركهم في معنى حديث يرويه وألا يكون ممن يزيد عليهم في ذلك، أما إذا خالفهم بالنقص فإن هذا يكون دلالة على حفظه وضبطه وتحريه؛ يقول الإمام الشافعي، معبرًا عن هذا الشرط: "ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه1.
551- ولم يكن الشافعي يقول في قبوله المرسل على هذا النحو كلامًا نظريًّا فقط وإنما طبق ما قاله وإذا كنا لا نستطيع أن نقرأ فقهه كله فنستخرج منه الأمثلة العديدة فإننا نكتفي بإيراد شيء منها يدل على أن الشافعي استفاد من المراسيل على النحو الذي رسمه.
552- قال الشافعي في مختصر المزني في باب "بيع اللحم بالحيوان: "أخبرنا مالك: عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" … وعن ابن عباس: "أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" … وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلًا وآجلًا؛ يعظمون ذلك، ولا يرخصون فيه. قال الشافعي: وبهذا نأخذ، كان اللحم مختلفًا أو غير مختلف، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، خالف في ذلك أبا بكر. وإرسال ابن المسيب عندنا حسن"2.--------------------------------------------
1 الرسالة ص 463.
2 مختصر المزني: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني "264هـ" مطبوع على هامش كتاب الأم، طبعة دار الشعب بالقاهرة 2/ 157 - 158.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)