وعندنا إذا حلف المدعي مع شاهد فهو حكم بغير شهادة شاهد وامرأتين وشهادة شاهدين1.
646- وقد حكم الله عز وجل في الزنا بأربعة، وجاءت بذلك السنة وقال الله عز وجل: {شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وقد صار أهل العلم إلى ذلك؛ أي إلى إجازة أربعة في الزنا بالسنة واثنين في غير الزنا بالآية الكريمة، ولم يقولوا: إن واحدًا منهما نسخ الآخر ولا خالفه، وأمضوا كل واحد منهما على ما جاء فيه. وقد أجاز أهل العلم شهادة النساء وحدهن في عيوب النساء وغيرها من أمور النساء2، بلا كتاب مضى ولا سنة، ولم يقل أحد إن الله تعالى أحد الشهادات، فجعل أقلها شاهدًا وامرأتين، ولا تجوز بناء عليه شهادة النساء لا رجل معهن.
ولم يقل أحد كذلك: إن هذا مخالف للقرآن والسنة، لا يجوز -إذن- أن نرد السنة في اليمين مع الشاهد، ونتأول القرآن، مع أننا لم نرد أثرًا بأقل من شاهد ويمين ولم نتأول القرآن، وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه أجاز شهادة القابلة3.
647- ثم قال لمخالفيه: إنكم تقضون: أنه من وجد مقتولًا في محلة، ولم تقم بينه على أحد منهم بعينه أنه قتله -يحلف من أهلها خمسون رجلًا خمسين يمينًا ويدفعون الدية هم وعواقلهم، في ثلاث سنين4. فكيف تقضون بهذا مع أنكم تزعمون أن كتاب الله عز وجل يحرم أن يعطي مدع بأقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين … وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرم أن يعطي مدع إلا بالبينة، وهي شاهدان أو شاهد وامرأتان، وتدل على أن اليمين براءة لمن حلف؟! … وكيف تعطون بلا شاهد هنا -في القسامة- وأحلفتم ولم تبرءوا، فخالفتم الكتاب والسنة؟!.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص 353 - 354.
2 ومنها إذا جاءت امرأة بولد، فأنكر الزوج، وقال: استعرته، ولم تلديه، فشهادة القابلة بأن المرأة ولدته تكفي "آداب الشافعي ص166".
3 الأم 7/ 10 وانظر ص14.
4 مسألة القسامة. وقد مر تعريفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
648- فإن قلتم: لم نخالفهما، وقد روي هذا عن عمر الخطاب -وهو أعلم بالكتاب والسنة- قلنا: إن هذا دليل على أن دعواكم أن الكتاب يحرم أن يعطى فيه أحد بأقل من شاهدين، و"أن السنة تحرم أن يحول حكم عن أن يعطي فيه بأقل من شاهدين -"كما في الشاهد واليمين" - أو يحلف فيه أحد، ثم لا يبرأ" - "كما في القسامة" -ليس بعام- كما زعمتم - وإذا كنتم قد خرجتم عن هذا العموم بالخبر عن عمر - فإننا لم نقل بالشاهد واليمين إلا بالخبر الثابت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم وليس برأي رأيناه، والخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أولى من الخبر عن غير رسول الله1.
649- ثم انتقل الإمام الشافعي إلى ضرب أمثلة أخرى من غير الشهادة والدعوى قال فيها الخالفون بالسنة، ولو طبقوا هذا المقياس لتركوها ومنها "المسح على الخفين" مع أن بعض الصحابة تركه وعنف من يمسح على الخفين. أخذ به الأحناف، مع أن الله سبحانه وتعالى لم يزد على أن قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} 2 فما هو بين في كتاب الله إنما هو غسل القدمين أو مسحهما فقط، وليس في مسح الخفين، وإنما ورد ذلك في السنة الثابتة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
650- ومن ذلك قول المخالفين: إنه لا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت قيمته شيئًا مؤقتًا، دون غيره. هذا مع أن ظاهر كتاب الله عز وجل أن يقطع كل من لزمه اسم السرقة، قلّت سرقته أو كثرت، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا.....} 3 الآية الكريمة، وما قالوا بذلك إلا لما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
1 الأم 7/ 11.
2 سورة المائدة: 6.
3 سورة المائدة: 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
مما يدل على ألا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت سرقته شيئًا مؤقتًا دون غيره1.
651- ومن ذلك قولهم برجم المحصن فقط إذا زنى، مع أن المذكور في القرآن الكريم هو الجلد لكل من لزمه اسم الزنا؛ مملوكًا كان أو حرًّا"، محصنًا أو غير محصن، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} 2 وما قالوا بذلك إلا بالسنة، وهي أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا، ولم يجلده، ولم يعرضوا ذلك على القرآن، ويقولوا فيه ما قالوا في حديث الشاهد واليمين3. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي ساقها الإمام الشافعي، رضي الله عنه ليبرهن على أن الذين قالوا بهذا المقياس، كانوا يستعملونه في بعض الأوقات دون بعضها الآخر.
652- لكن قد يقال: إن السنة في هذه المواضع ليست من الآحاد، التي يعرضها الأحناف مثلًا على كتاب الله عز وجل، وإنما هي سنة مشهورة، وهذه يزاد بها على الكتاب -كما قلنا-4؛ لأن ثبوتها أقوى من ثبوت أخبار الآحاد وتفيد طمأنينة القلب، وليس ذلك موجودًا في أخبار الآحاد، فهناك فرق بينها وبين الأخبار التي ردوها، ومنها خبر الشاهد واليمين.
653- وقد نبه على ذلك صاحب كتاب كشف الأسرار عندما قال: "فإن قيل: إن الصحابة خصوا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} 5--------------------------------------------
1 أخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "لم تقطع يد سارق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من ثمن المجن، حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن". وأخرجا عن ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
كما أخرج أصحاب السنن الأربعة عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع".
"نصب الراية 3/ 355؛ 364".
2 سورة النور: 2.
3 الأم 7/ 15.
4 ص 116 من هذا البحث.
5 سورة النساء: 11، 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ميراث لقاتل" وقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} 2 و {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} 1 بقوله عليه السلام: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 2 بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها" في شواهد لها كثيرة فثبت أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز.
"قلنا: هذه أحاديث مشهورة تجوز الزيادة بمثلها على الكتاب، ولا كلام فيها، إنما الكلام في خبر شاذ خالف عموم الكتاب، هل يجوز التخصيص به؟ وليس فيما ذكرتم دليل على جوازه، والدليل على عدم جوازه أن عمر وعائشة وأسامة رضي الله عنهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس، ولم يخصوا به قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} 3 حتى قال عمر، رضي الله عنه: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت"4.
654- والجدير بالذكر أن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لم يكن وحده في الميدان يدفع هذا المقياس، وإنما انتضى لذلك غيره، فقد حكى حوارًا شاهده بين صاحب لمحمد بن الحسن وبين صاحب له يسمى يحيى ابن البناء، وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده ابن البناء.
وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده على من يقولون بعرض الآحاد على الكتاب الكريم، يقول: "حضرت مجلسًا فيه جماعة، فيهم رجل يقال له سفيان بن سخيان، فقلت ليحيى بن البناء -وكان حاضرًا-: كيف فقه هذا؟ فقال لي: هو حسن الإشارة بالأصابع، ثم قال لي: تحب أن تسمعه؟ قلت: نعم. فقال: يا أبا فلان: رأيت شيئًا أعجب من إخواننا من أهل المدينة، في قضاياهم باليمين مع الشاهد؟.. إن الله عز وجل أمر بشاهدين، فنص على--------------------------------------------
1 سورة النساء: 12.
2 سورة النساء: 24.
3 سورة الطلاق: 6.
4 كشف الأسرار 3/ 729 - 730. وانظر في "نفقة المبتوتة" وما قيل في هذا الحديث كتاب "مقارنة المذاهب في الفقه" للأستاذين محمود شلتوت ومحمد علي السايس - مكتبة محمد علي صبيح 1373م، ص 112 - 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
القضية، ثم قال: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، ثم أكد ذلك، فقال: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} ، فبين عز وجل أنه لا تتم الشهادة إلا برجلين أو رجل وامرأتين، فقالوا: يقضي برجل واحد، ويمين صاحب الحق".
"فقال: نعم؛ إنهم يقولون من هذا ما هو خلاف القرآن، فقال له يحيى: احتجوا، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمعنى كتاب الله، وقد رووا عنه أنه قضى باليمين مع الشاهد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام "كذا".
"فقال ابن سخيان: لا يقبل هذا من الرواة، وهو خلاف القرآن فقال له يحيى: فما تقول فيمن تزوج امرأة ودخل بها، وأغلق عليها بابًا وأرخى سترًا، ثم فارقها، وأقرا جميعًا أنهما لم يتماسا؟ فقال: عليه الصداق.
"فقال يحيى: فإنهم يقولون: إن الله تعالى قد قال في كتابه: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وأنت تجعل عليه الكل.
"فقال: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ذلك، وهو أعلم بمعنى الكتاب.
"فقال له يحيى: فلم تر للقوم حجة، وقد رووا ذلك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأيت لنفسك حجة بما رويت عن عمر رضي الله عنه، فلم يكن عنده في ذلك شيء"1.
655- ومهما يكن من شيء فقد أفاض الإمام الشافعي، رضي الله عنه، في رد هذا المقياس أكثر من غيره -على ما نعلم- لأنه يرى أنه باب يمكن أن ينفذ منه الحاقدون على السنة، فيعصفوا بها، ويحاولوا أن يبعدوها المسلمين عنها بحجة أن ما فيها ليس موجودًا في القرآن الكريم، وهذا هو--------------------------------------------
1 آداب الشافعي ص 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
ما حدث فعلًا الآن، في عصرنا الحديث، فقد نبتت نابتة تقول: إن السنة لم تنقل نقلًا صحيحًا، فينبغي تركها، ويرون مخالفتها لكتاب الله عز وجل1.
656- والحق أنه لا ضير على المسلمين في ألا يستعملوا هذا المقياس عندما يتأكدون من صحة نقل الحديث بمنهاج المحدثين ومصفاتهم التي صفت الأحاديث الصحيحة، وأبعدت عنها كل موضوع أو ضعيف، لأنه قد تخفى على عقولنا الحكمة في بعض الأحاديث فنتوهم أنها تعارض مع بعض الأحاديث التي رواها الثقات، كما فعل الأحناف في حديث اليمين مع الشاهد، فقد قالوا: إن في الآية قصرًا، وأن هناك حدًّا أدنى للشهادة، مع أن تأويلًا آخر للآية -كما فعل الإمام الشافعي- أدى إلى وجهة نظر أخرى ترى أن الآية لا تتعارض مع الحديث، وتثبت ما هو أدنى إلى العقل، وهو: أن الحديث إذا صدق نقلته كان وثيق الصلة برسول الله، صلى الله عليه وسلم.
657- على اننا يمكننا أن نستفيد من هذا المقياس في بعض الحالات وذلك عندما يكون الحديث ضعيفًا، فإنه مما يؤكد لنا ضعفه، ويطمئننا على ذلك أن يكون متعارضًا بوضوح مع كتاب الله.. وعند ترجيح بعض الأحاديث بعضها الآخر، ويكون في هذه الحالة عاملاً أيضًا من عوامل الاطمئنان والتأكيد فقط.
الإمام الشافعي واستخدام هذا المقياس:
658- وهذا هو ما فعله الإمام الشافعي كما نرى ذلك في كتابيه اختلاف الحديث والرسالة.
ومن الأمثلة على ذلك اختياره لحديث من أحاديث صلاة الخوف دون آخر؛ "لأن فيه من الشبه بمعنى كتاب الله عز وجل"، فقد روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله،--------------------------------------------
1 انظر مثلًا هذه المحاولة في كتاب "الأضواء القرآنية" وقد أشرنا إليه قبل ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع1: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم".
659- وروى عبد الله بن عمر بن حفص، عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث يزيد بن رومان2.
660- قال الشافعي: وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف خلاف هذه الصلاة في بعض أمرها، فقال: صلى ركعة بطائفة، وطائفة وبين العدو، وجاءت الطائفة التي لم تصل معه، فصلى بهم الركعة التي بقيت عليه من صلاته، وسلم، ثم انصرفوا فقضوا معًا.
وروى أبو عياش الزرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم عسفان وخالد بن الوليد بينه وبين القبلة، فصف بالناس معه معًا، ثم ركع وركعوا معًا، ثم سجد، فسجدت معه طائفة، وحرسته طائفة، فلما قام من السجود، سجد الذين حرسوه، ثم قاموا في صلاته. قال جابر قريبًا من هذا.
661- وهذه الأحاديث كلها صحيحة الإسناد، لكنها تحتاج إلى ترجيح بعضها على بعض ليعمل بالراجع منها.
662- وقد اختار الإمام الشافعي، رضي الله عنه، الأخذ بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع دون غيرها، وهي ما عبر عنها الحديث الأول، حديث خوات بين جبير لما "فيه من الشبه بمعنى كتاب الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ--------------------------------------------
1 الرقاع جمع رقعة، وسميت بذلك؛ لأن بعض الصحابة الذين غزوا فيها نقبت أقدامهم، أي رقت، وسقطت أظفارهم، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق.
2 الرسالة ص182 - 183.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} 1.. وقال عز من قائل: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} 2.
663- فقد فرق الله عز وجل بين الصلاة في الخوف وفي الأمن، حذرًا للمؤمنين أن ينال منهم عدوهم غرة أو يفتح فيهم ثغرة، وحديث خوات ابن جبير هو الذي يدل على هذا الحذر أكثر من غيره، وذلك أن الطائفة التي تصلي مع الإمام تحرسها الطائفة الأخرى التي هي خارج الصلاة "والحارس إذا كان في غير صلاة كان متفرغًا من فرض الصلاة، قائمًا وقاعدًا، ومنحرفًا يمينًا وشمالاً، وحاملاً إن حمل عليه، ومتكلمًا إن خاف عجلة من عدوه، ومقاتلًا إن أمكنته فرصة، غير محول بينه وبين هذا في الصلاة، ويخفف الإمام بمن معه الصلاة إذا خاف حمله العدو بكلام الحارس"3.
664- أما الأحاديث التي تخالف حديث خوات بين جبيرة، فهي على خلاف الحذر الذي تدل عليه الآية، ووافقها فيه حديث خوات، فالطائفة التي تبدأ الصلاة مع الإمام تنصرف دون أن تكمل الصلاة؛ فتحرس الطائفة الأخرى، وهي لا تزال في صلاة، ويعد أن يسلم الإمام يقضيان جميعًا، ولا حارس لهما؛ لأنه لم يخرج من الصلاة إلا الإمام، وهو وحده لا يغني شيئًا أمام العدو، "فكان هذا خلاف الحذر والقوة في المكيدة"4.--------------------------------------------
1 سورة النساء: 102.
2 سورة النساء: 103.
3 الرسالة: ص 265.
4 المصدر السابق ص 265 - 266.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
665- وهناك وجه شبه آخر بين معنى الآيات وحديث خوات، مما جعل الشافعي يرجحه على غيره من تلك الأحاديث، وهو أن الله عز وجل ذكر صلاة الإمام والطائفتين معًا، ولم يذكر قضاء على الإمام، ولا على الطائفتين، مما يدل على أن الإمام والمأمومين يخرجون من الصلاة ولا قضاء عليهم، وهذا ما يدل عليه حديث خوات ويخالفه غيره.
666- ومع هذا فالإمام الشافعي رضي الله عنه لا ينسى أن الأحاديث الأخرى صحيحة؛ لأن من نقلها رواة ثقات عنده، وهذا هو الأساس، فأثبتها وبين وجه صحتها من خلال متنها أيضًا وهو هنا يقدم عناية بمتونها لا تقل عن عناية الآخرين، فهو يرى أن حديث أبي عياش وجابر في صلاة الخوف يمكن الأخذ به إذا وجد السبب الذي من أجله صليت تلك الصلاة على النحو الذي صلوها عليه، فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم في ألف وأربعمائة، وكان خالد في مائتين، وكان منه بعيدًا في صحراء واسعة، لا يطمع فيه؛ لقلة من معه، وكثرة من مع رسول الله، صلى الله عليه سلم، وكان الغالب ألا يحمل عليه العدو، ولو حمل عليه من بين يديه رآه، لأنه قد احتاط منه في السجود، فكانوا يرونه دائمًا، في السجود وفي غير السجود بطبيعة الحال.
فإذا كان الأمر كذلك؛ أي: العدو قليل وبعيد، وليس هناك من حائل يستر العدو عن الجيش، أمكن أن تصلى صلاة الخوف على النحو الذي وصفها به حديث أبي عياش وجابر1، ويكون الاختلاف بينه وبين حديث خوات ابن جبير إنما هو اختلاف الحالين.
667- وكذلك الحديث الآخر، حديث ابن عمر؛ إذ "يحتمل أن يكون لما جاز أن تصلى صلاة الخوف على خلاف الصلاة في غير الخوف، جاز لهم أن يصلوها كيفما تيسر لهم، وبقدر حالاتهم وحالات العدو إذا أكملوا العدد، فاختلفت صلاتهم وكلها مجزئة عنهم إن شاء الله تعالى"2.
668- ومن الأحاديث، كذلك، التي رجح فيها الشافعي، رضي الله عنه، بينها ائتناسًا بظاهر القرآن أحاديث غسل القدمين، وأحاديث مسح--------------------------------------------
1 المصدر السابق ص 262 - 263.
2 الرسالة ص 267. وانظر هذا كله في اختلاف الحديث ص220 - 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
ظهريهما ورشهما، فقد رجح أحاديث غسل القدمين على الأخرى، لأن مع الأولى ظاهر القرآن الكريم. هذا على الرغم من أن في أحاديث المسح أو الرش من هو حسن الإسناد، ويثبت لو كان منفردًا كما يقول الإمام الشافعي، يقول معقبًا على هذه الأحاديث: "فإن قال قائل: فما جعل هذه الأحاديث -يعني: أحاديث الغسل- أولى من حديثي مسح القدمين ورشهما؟ قيل: أما أحد الحديثين -يعني في المسح أو الرش، فليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد، وأما الحديث الآخر فحسن الإسناد، ولو كان منفردًا ثبت، والذي يخالفه -يعني حديث الغسل- أكثر وأثبت منه، إذا كان هكذا كان أولى، ومع الذي خالفه ظاهر القرآن كما وصفت، وهو قول الأكثر من العامة"1. وهو يعني بظاهر القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} 2، بنصب أرجلكم على معنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم.
669- وقد أيد الإمام الشافعي الأحاديث التي نسخت نكاح المتعة بدلائل القرآن الكريم، فقد روى بسنده أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية". كما روى بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصتى، فنهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء". قال الإمام الشافعي: فإن لم يكن في حديث علي بيان أنه ناسخ لحديث ابن مسعود وغيره مما روي في إحلال المتعة فإنه يسقط تحليلها بدلائل القرآن والسنة والقياس.
670- ثم رد على الذين يقولون بأن نكاح المتعة حلال ولم يحرم مبينًا ما أشار إليه من أن دلائل القرآن تدل على تحريمه، وتؤكد حديث علي رضي الله عنه. قال الله جل ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث جـ7 من الأم ص 203 - 207.
2 المائدة: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية الكريمة، فأحلهن بعد التحريم بالنكاح، ولم يحرمهن إلا بالطلاق. وقال عز ذكره في الطلاق: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} 1. وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} 2 الآية الكريمة. فجعل إلى الأزواج فرقة ما انعقد عليه النكاح، فكان بينا -والله أعلم- أن يكون نكاح متعة المتعة منسوخًا بالقرآن والسنة في النهي عنه لما وصفت؛ لأن نكاح المتعة: أن ينكح امرأة مدة، ثم ينفسخ نكاحها بلا إحداث طلاق منه، وفيه إبطال ما وصفت مما جعل الله إلى الأزواج من الإمساك والطلاق. وإبطال المواريث بين الزوجين، وأحكام النكاح التي حكم الله بها في الظهار والإيلاء واللعان -إذا انقضت المدة قبل إحداث الطلاق3.
671- من كل هذا ندرك -أن الأحناف قد عنوا من خلال عرض السنة على القرآن بمتن الحديث وتوثيقه من حيث التأمل فيما يشتمل عليه من معنى.
هذا فوق عنايتهم به عن طريق توثيق الرواة الذين نقلوه -كما عرفت في القسم السابق.. كما أدركنا يقينًا كذلك أن خصومهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي في هذا السبيل، فهم قد دفعوا هذا المقياس من خلال تفحصهم في متون ما رفضه الأحناف؛ ليثبتوا أن هذه المتون -وقد صح سندها في رأيهم جدير معناها بالقبول، وأنها لا تتعارض مع كتاب الله عز وجل.. وكما قلت: فقد قدموا عناية بفحص المتون لا تقل عن عناية خصومهم..
وننتقل -بعون من الله عز وجل وفضل منه- إلى مقياس آخر من مقاييسهم ومناقشة مخالفيهم لهم فيه، لنقدم صورة أخرى من نقد المتون والعناية بتوثيقها من داخلها.--------------------------------------------
1 البقرة: 229.
2 النساء: 20.
3 اختلاف الحديث ص 2546 - 257 ومن أمثلة هذا أيضًا انظر باب طلاق الحائض ص 316 - 318 وباب المرور بين يدي المصلي ص 162 - 165 وباب التيمم ص 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة
672- وكما عرض الأحناف أخبار الآحاد على الكتاب، فقبلوا منها ما وافقه وردوا ما خالفه، عرضوها أيضًا على السنة المشهورة، وعدوا أخبار الآحاد هذه من الأخبار المنقطعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطاعًا باطنيًّا، ذلك لأن الأخبار المشهورة أفادت اليقين القلبي، أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني، فالأولى أوثق صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد.
673- وطبقوا هذا المقياس على بعض الآحاديث منها:
1- حديث الشاهد واليمين الذي وقفنا معه وقفة طويلة آنفًا، ردوه هنا؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة، وهي ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وفي رواية: "على من أنكر" 2.
674- وبيان هذه المخالفة من وجهين:
1- أحدهما: أن الشرع جعل الأيمان كلها في جانب المنكر دون المدعي؛ لأن اللام تقتضي استغراق الجنس، فمن جعل يمين المدعي حجة فقط خالف النص، ولم يعمل بمقتضاه وهو الاستغراق.
2- وثانيهما: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسمًا مدعيًا.. وقسمًا منكرًا.. كما جعل الحجة قسمين أيضًا: قسمًا بينة وقسمًا يمينًا وحصر جنس اليمين في جانب، والبينة في جانب آخر، والعمل بخبر الشاهد واليمين يوجب ترك العمل بموجب هذا الخبر المشهور، فيكون مردودًا2.
675- ومما يقوي الشك في حديث اليمين مع الشاهد -في نظر الأحناف--------------------------------------------
1 صحيح البخاري 6/ 43 "طبعة الشعب" بلفظ "اليمين على المدعى عليه" وكذلك مسلم في الأقضية وقد أخرج هذا الحديث البيهقي والدارقطني.
2 كشف الأسرار 3/ 733.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
-ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور- طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين وإبراهيم النخعي والزهري، فقد قال الزهري والنخعي "أول من أفراد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية.. أضف إلى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض: "ليس لك منه إلا ذلك"، فهذا يقتضي الحصر ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف1 وقال صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه" 2.
676- ومن الأحاديث التي ردها أبو حنيفة رضي الله عنه عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له: "حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذن" 3 فالنبي صلى الله عليه وسلم أفسد البيع وأشار بقوله: "أينقص إذا جف" إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي عندما يجف، ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذ، ولهذا أفسد النبي صلى الله عليه وسلم البيع.
677- رد أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" 4 فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة عن النخل من حين ينعقد إلى أن يدرك، ولا يغير من اسم ذاتها تعدد الأحوال وتغير الصفات عليها، كما لا يتبدل اسم الآدمي بتغير صفاته وتبدل أحواله. والدليل على ذلك ما روي أنه عليه السلام "نهى عن بيع التمر حين يزهي، فقيل: وما يزهي؟ قال: أن يحمر أو يصفر"5، فسماه تمرًا وهو بسر. وقال شاعرهم:--------------------------------------------
1 المصدر السابق 3/ 733 - 734.
2 صحيح البخاري 3/ 332 - 333.
3 سيأتي تخريج هذا الحديث والكلام في توثيقه - إن شاء الله تعالى.
4 أخرج الستة إلا البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". "نصب الراية 4/ 35".
5 صحيح البخاري 3/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
وما العيش إلا نومة وتشرق … وتمر على رأس النخيل وماء
فعبر بالتمر عن الرطب مما يدل على أن اسم التمر لا يختص بالجاف من ثمرة النخيل.. وإذا ثبت أنه تمر، وقد شرط العقد، وهوالمماثلة في المقدار حالة العقد جاز البيع عملًا بالحديث المشهور وتركًا لحديث الآحاد الذي يخالفه، ولا ينظر إلى المماثلة في أعدل الأحوال أي: عندما يصير الرطب جافًّا فينقص مقداره، لسببين:
السبب الأول:
678- أن شرط العقد يعتبر عند نفاذه، فيجب أن تعتبر المساواة في البدلين اللذين ورد عليهما العقد، وهما الرطب والتمر، فأما اعتبار حالة مفقودة يتوقع حدوثها فلا، فاعتبار الأعدل هنا كاعتبار الأجود، والأخير أسقطه الشرع، فلا ينظر إلى التفاوت في الجودة لقوله عليه الصلاة والسلام: "جيدها ورديئها سواء" 1.
السبب الثاني:
679- أن التفاوت الذي لا يكون حادثًا بصنع العباد مثل هذا التفاوت الذي يحدث بين الرطب والتمر بعد ما يصير الأول جافًّا -لا يكون معتبرًا ولا يفسد العقد؛ أما التفاوت الذي ينبني على صنع العباد كالحنطة والدقيق، والمقلي وغير المقلي، فإنه مفسد للعقد، ولهذا لا يجوز التفاوت بين النقد والنسيئة؛ لأنه حادث بصنع العباد وهو اشتراط الأجل.
680- والحديث المشهور هنا يوجب أحكام ثلاثة:
أحدها: وجوب المماثلة شرطًا للجواز، فيجوز البيع حال وجود المماثلة بهذا النص.--------------------------------------------
1 قال الزيلعي: غريب، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد "الخدري" المتقدم "نصب الراية جـ4 وهو يشير إلى حديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد" وقد أخرجه مسلم في البيوع في باب الربا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
ثانيها: أنه يدل على تحريم فضل قائم فعلًا؛ لأن المراد منه الفضل على الذات.
ثالثها: أن الفضل المحرم هو الفضل الذي تنعدم به المماثلة في المقدار.
681- وخبر الواحد يخالفه في هذه الأحكام الثلاثة؛ لأنه أوجب حرمة البيع حال وجود المماثلة في المقدار، وأوجب حرمة فضل ليس قائمًا فعلًا، وإنما يوجد بعد جفاف الرطب، وليس موجودًا حال العقد، بل هو موهوم غير قائم -فإذا خالف خبر الآحاد الخبر المشهور في هذه الأحكام لم يقبل1.
682- وقد حاول أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يؤيد ما ذهب إليه بتضعيف حديث الآحاد من جهة روايته، فيروى أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشداء عليه؛ لمخالفته خبر سعد المتقدم، فقال: الرطب لا يخلو: إما أن يكون تمرًا أو غير تمر، فإن كان تمرًا جاز العقد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، وإن كان غير تمر جاز أيضًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم"، فروى له حديث سعد، كدليل عليه، فقال: هذاالحديث دار على زيد أبي عياش، وهو ممن لا يقبل حديثه"2.
683- ويقول صاحب كشف الأسرار: واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك: "كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد أبو عياش ممن لا يقبل حديثه3؟. لكنه يلزم على قول أبي حنيفة هذا أن الحنطة المقلية التي هي مثل الرطب إن كانت حنطة يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الحنطة--------------------------------------------
1 كشف الأسرار 3/ 735.
2 الاختيار لتعليل المختار: عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود أبو الفضل مجد الدين الموصلي "683 هـ" تحقيق محيي الدين عبد الحميد -مكتبة الجامعة الأزهرية- القاهرة الطبعة الثانية 1372هـ - 1952/ 735 - 736.
3 كشف الأسرار 3/ 735 - 736.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
بالحنطة مثلًا بمثل". وإن لم تكن حنطة ينبغي أن تجوز أيضًا، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ولكن الحكم بخلاف ذلك؛ لتفاوت قائم في الحال عند الاعتبار بأجزاء غير المقلي، وذلك من التفاوت الذي يبتني على صنع العباد، وما كان كذلك يفسد العقد -كما تقدم- ولهذا قال السرخسي: "ما ذكر أبو حنيفة رحمه الله حسن في المناظرات لدفع الخصم، ولكن الحجة لا تتم به لجواز قسم ثالث كما في الحنطة المقلية"1.
ومعنى ذلك أنه يجوز أن نعتبر الرطب قسمًا ثالثًا لا يكون تمرًا مطلقًا لفوات وصف اليبوسة عنه، ولا يكون غيره مطلقًا؛ لبقاء أجزائه عند صيرورته تمرًا كالحنطة المقلية؛ فهي ليست عين الحنطة على الإطلاق، لفوات وصف الإنبات عنها بالقلي، وليست غيرها لوجود أجزاء الحنطة فيها، وكذلك الدقيق بالنسبة للحنطة. إذن فالاعتماد على المقياس الذي اعتمدوه أولى2.
684- ومما هو جدير بالذكر أن أبا يوسف ومحمدًا صاحبي أبي حنيفة عملا بحديث سعد رضي الله عنه، وليس معنى ذلك أنهما لا يأخذان بنفس هذ المقياس؛ أي عرض أحاديث الآحاد على الأحاديث المشهورة كلا، وإنما يريان أنه لا تعارض بين هذين الحديثين، فالمشهور تناول التمر، والرطب ليس بتمر عادة؛ أي: عرفًا، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو حلف لا يأكل الرطب، فأكله بعدما صار تمرًا لم يحنث.. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون المشهور متناولًا لما تضمنه حديث سعد رضي الله عنه، فلا تتحقق المخالفة، فيجب العمل به على رأيهما.
685- وقد رجح أصوليو الأحناف رأي إمامهم الأعظم مجيبين عنه بأنه قد ثبت استعمالًا أن الرطب من جنس التمر، لكن اليمين قد تختلف باختلاف الداعي مع قيام الجنسية، والرطوبة في الرطب وصف داع إلى المنع مرة، وإلى الإقدام أخرى، فيتقيد اليمين بالوصف من أجل هذا … 3.--------------------------------------------
1 المبسوط، شمس الدين السرخسي - مطبعة السعادة. مصر- 12/ 185 - 186.
2 كشف الأسرار 2/ 735 - 736.
3 المصدر السابق 3/ 736.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
مناقشة الإمام الشافعي:
686- ونذهب إلى ناصر السنة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لنرى ماذا يقول فيما ذهب إليه الأحناف من عرض الآحاد على السنة المشهورة، وفي هذا المثال الذي عرضنا فيه رأي أبي حنيفة مطبقًا فيه هذا المقياس.
687- يرى الإمام الشافعي أن عرض الآحاد على السنة المشهورة بهدف تضعيف بعض الأحاديث وردها مع ثبوتها سندًا يتعارض مع طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم التي أمر الله عز وجل بها في كتابه، يقول: "وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره"1.
688- من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يحرم بيع الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خصص به حديث: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"2.
689- وقد ابتدأ الإمام الشافعي الكلام في هذه المسألة بإثبات هذا الحديث وغيره مما يحرم بيع التمر بالتمر لعدم وجود المساواة بينهما:
روي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة" والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا 3.
وهذا الحديث صحيح، لاتصاله والثقة في رواته، وقد أخرجه الشيخان في صحيحهما4.--------------------------------------------
1 الرسالة 330.
2 الموطأ "طبعة الشعب" ص 385.
3 الموطأ "طبعة الشعب" ص 386 - وانظر تعريف المزابنة في اختلاف الحديث ص320، وتعريفات أخرى لها في صحيح البخاري "طبعة الشعب في ص 96 - 99 جـ3".
4 صحيح البخاري 3/ 98 - 99، صحيح بشرح النووي 4/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وروى عن مالك عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان أن زيدًا أبا عياش أخبره عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شراء التمر بالرطب، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك1.
689- وإذا كان قد سبق القول من أبي حنيفة في زيد أبي عياش الذي مدار هذا الحديث عليه وأنه ممن لا يقبل حديثه مما يلزم منه أن هذا الحديث ضعيف -فقد أثبت آخرون أنه صحيح لسببين:
أولهما:
أن هذا الحديث رواه الإمام مالك، وهو كما نعرف: لا يروي إلا ما تأكد من صحته، وعن العدول الضابطين، ومن أجل ذلك ترك الكثرة من أهل الصلاح في المدينة؛ لأنهم غير ضابطين. يقول الحاكم بعد رواية هذا الحديث: "هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم لكل ما يرويه في الحديث إذا لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة"2.
ثانيهما:
690- قال الخطابي: إن بعض الناس تكلم في إسناد هذا الحديث، وقال: زيد أبو عياش مجهول، وليس الأمر على ما توهمه، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته.. وقال المنذري: كيف يكون مجولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن … والترمذي صحيح حديثه …--------------------------------------------
1 الموطا ص386، اختلاف الحديث ص319.
2 المستدرك 2/ 38، 39.
3 نصب الراية 4/ 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وما علمت أحدًا ضعفه. وقال ابن الجوزي: قال أبو حنيفة: زيد أبوعياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل.
691- لكنني لا اعتقد أن أبا حنيفة ضعفه لجهالته، فهو يقبل حديث المجهول في الفروق الثلاثة الأولى كما سبق أن ذكرنا.
الحديث صحيح إذن، ولا يجوز في نظر الشافعي أن يترك، وتاركه لأي سبب كان -بعد هذا- مخالف لأمر الله تعالى بطاعة رسول الله في كتابه الكريم.
692- وترك الإمام الشافعي السند قليلًا ليبين علة نهي النبي، صلى الله عليه وسلم، عن بيع الرطب بالتمر، وهي أن الرطب ينقص إذا يبس، فيصير الأمر أن يباع تمر بتمر أقل منه، كما يباع تمر بآخر لا يدرى كم مكيله؛ لأن مقداره الذي علمناه وهو رطب سينقص بعد ما يجف، وهذا لا يجوز لأنه يكون ربًا. يقول الإمام الشافعي مبينًا هذا: "وأصل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس في معنى المزابنة إذا كان ينقص إذا يبس، فهو تمر بتمر أقل منه، وهو لا يصلح بأقل منه، وتمر بتمر لا يدرى كم مكيله، أحدهما من الآخر.. الرطب إذا يبس فصار تمرًا لم يعلم كم قدره من قدر التمر … وهكذا قلنا: لا يصلح كل رطب بيابس في حال من الطعام إذا كا ن من صنف واحد"1.
693- وهكذا وجدنا عناية من الشافعي بتوثيق متن الحديث ببيان أنه يتمشى مع الأصول الشرعية الأخرى.
694- وإذا كان الشافعي لا يجيز بيع الرطب بالتمر عملًا بخبر الواحد، فإنه يجيز ذلك في حالة واحدة وهي حالة "العرية"، وهي كما عرفها الإمام الشافعي أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصة من التمر، يخرص الرطب رطبًا، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرًا، ويقبض التمر قبل أن يتفرق البائع والمشتري2.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص320.
2 المصدر السابق ص321، وانظر تعريفًا آخر لها في الموطأ ص387 "طبعة الشعب".
3 المصدر السابق ص319 وانظر الرسالة ص333.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
695- والشافعي رضي الله عنه، يجيز العرايا اتباعًا للسنة أيضًا، فقد روي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن حثمة: "أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بكيلها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا".. وروي حديثًا آخر في ذلك فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر". قال عبد الله بن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا"1.
696- وأحاديث العرايا هذه صحيحة، ومن هنا أخذ الشافعي بها في جواز بيع العرايا، ويكون نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر والمزابنة من الجمل التي مخرجها عام، ويراد بها الخاص؛ أي: النهى عام ما عدا العرايا التي خصصته، فهي لا تدخل في نهيه، صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن أمر يأمر به إلا أن يكون منسوخًا، ولا نعلم في ذلك نسخًا2.
697- وكانت إجازة الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع من البيع تلبية لحاجة الناس حينئذ؛ فقد شكى بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر، ويحل موعده، وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون به، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فأرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبًا3.
698- وإذا كان الشافعي في بيان تحريم بيع الرطب بالتمر بالسنة يرد على الأحناف ويتهمهم بأنهم يظهرون القول في بعض الأحاديث من الشبه، وخاصة في المجمل والمفسر منها، ويشبهون على قوم من أهل الحديث ليس لهم بصر بمذاهبه -فإنه في بيان تحليل بيع العرايا يتهم قومًا بعدم جواز--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص319- وانظر الرسالة ص 333.
2 المصدر السابق ص 321.
3 المصدر السابق ص327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)