الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 1 وردا عامَّينِ من غير تخصيص لبعض الأمة دون بعض.
يقول الشافعي بعد ما بين أن بعض الصحابة عمل بما يخالف الحديث: "وفي هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم خلافه عن رسول الله، يقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجة على أحد علم أن رسول الله قال قولًا أو عمل عملًا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعمله"2.
760- ويذكر الشافعي أن غياب هذه الحقيقة عن بعض العلماء جعلهم يغلطون ويتخذونه مقياسًا لرد الحديث وتضعيفه.
يقول بعد أن بين أن كبار الصحابة اختلفوا حيث لم تبلغهم الأحاديث: "وإنما وضعت هذه الجملة لتدل على أمور غلط فيها بعض من نظر في العلم ليعلم من علمه أن من متقدمي الصحبة وأهل الفضل والدين والأمانة من يعزب عنه من سنن رسول الله الشيء يعلمه غيره، ممن لعله لا يقاربه في تقدم صحبته وعلمه، ويعلم أن علم خاص السنن إنما هو علم خاص بمن فتح الله له علمه، لا أنه عام مشهور كشهرة الصلاة وجمل الفرائض التي كلفتها العامة"3.
761- إذن ثبوت الحديث أو رده ليس بمقياس عرضه على موقف الصحابة في موضوعه ليعلم هل اشتهر بينهم أو لا وهل الذين اختلفوا في موضوعه تحاجوا به أو لا؛ وإنما ثبوته بأن يرويه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما يقول بعض متأخري الحنفية الذين رفضوا هذه المقاييس: إن بعض مما تعم به البلوى صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلمه كثير من الصحابة، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نخابر4 أربعين سنة--------------------------------------------
1 الحشر: 7.
2 اختلاف الحديث ص101. وانظر باب صلاة الإمام جالسًا ومن خلفه قيامًا ص98 وما بعدها.
3 اختلاف الحديث ص137 - 138 وانظر ص19، ص32.
4 المخابرة: هي مزارعة الأرض بجزء مما يخرج منها كالثلث أو الربع وهو جزء معين من الخراج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
حتى روي لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك" فانتهينا، فلا يلزم من عموم البلوى اشتهار حكمها؛ فإن حكم الفصد والحجامة
والقهقهة في الصلاة، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وقراءة الفاتحة خلف الإمام وتركها، والجهر بالتسمية وإخفائها وعامة تفاصيل الصلاة لم تشتهر مع أن هذه الحوادث عامة.
762- والله سبحانه وتعالى لم يكلف الرسول صلى الله عليه وسلم بإشاعة جميع الأحكام؛ بل كلفه بإشاعة البعض، وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، مع أنه يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم بالمطموع أو المكيل بالمكيل حتى يستغني بالاستنباط عن ذكر الأشياء الستة فيجوز أن يكون ما يعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد، وعندئذ يكون صدق الراوي ممكنًا فيجب تصديقه.
763- وإذا كان من المسلم به أن الأصل فيما تعم به البلوى الاشتهار -فإنه في بعض الأحيان يحدث عكس ذلك فقد يترك كل واحد من النقلة الرواية اعتمادًا على غيره، أو لعارض آخر من موت عامتهم في حرب أو وباء أو نحو ذلك وعلى سبيل المثال فقد نقل أن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله لما جمع الصحيح سمعه منه قريب من مائة ألف ولم تتصل الرواية إلا عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري1.
764- وكما رفض الإمام الشافعي هذه المقاييس لتوثيق السنة أثبت مارده الأحناف تطبيقًا لها؛ إذ كان ما رووه يثبت عنده من حيث الثقة في رواته عدالة وضبطًا، ومن هذا أحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند القيام منه. وقد تقدم أن الأحناف لم يأخذوا بها، لأنها لم تشتهر مع أنها مما تعم به البلوى.
765- وابتدأ الإمام الشافعي في إثبات هذه الأحاديث بروايتها وبيان ثبوتها من حيث السند، فذكر أن سفيان بن عيينة أخبره عن الزهري--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ3 ص737.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين".
وروي عن سفيان أيضًا، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يقول: حدثني وائل بن حجر قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه". قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء، فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس. ثم قال الشافعي: وبهذا نقول … فنقول إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع رفعهما، وكذلك أيضًا إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة غير هذه المواضع ثم بين سبب اختياره لهذه الأحاديث وترك غيرها مما يخالفها قال: "لأنها أثبت إسناده منه، وأنها عدد والعدد أولى بالحفظ من الواحدة"1.
766- ثم قال: إن بعض الناس يخالفه في هذا فيقول: إن الرفع لا يكون إلا في ابتداء الصلاة، ويحتج بحديث يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة يرفع يديه ثم لا يعود، ولكن هل هذا الحديث صحيح؟ -إن سفيان الثوري يبين علة هذا الحديث فيقول: إنه سمعه من يزيد دون عبارة "ثم لا يعود" ثم قدم الكوفة فسأل يزيد عن هذا الحديث فزاد هذه العبارة فقال: "فظننت أنهم لقنوه.. فهذا هو سفيان يبين أنه يغلط في هذا الحديث وكان يرى أنه ليس بالحافظ. فهو -إذن- حديث ضعيف.
767- وإذا كان حديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث من حديث يزيد؛ فإن معه أيضًا أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حميد الساعدي، وكذلك حديث وائل بن حجر؛ "وثلاثة عشر حديثًا أولى أن تثبت من حديث واحد".
أضف إلى ذلك أن حديث الزهري أولى لأن فيه زيادة حفظ ليست في الحديث الآخر.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص 211 - 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
768- ويقول الشافعي: إن من يروون حديث رفع اليدين قبل الركوع وبعده يقولون: إن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر وقال: إن عليًّا وابن مسعود أعلم منه وهما لم يروياه ولم يفعلاه. ويرد عليهم بأنهما ربما روياه ولم يسمعه أو فعلاه وخفي عنه، وإذا أخذنا بهذا المبدأ -مبدأ نفي الحديث لأن فلانًا أو فلانًا لم يروه فمعناه أننا نترك فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل غيره وترك غيره1.
769- وقال بعض من يردون هذا الحديث: إن وائل بن حجر أعرابي ومعنى هذا أنه روى حديثًا كان غيره من غير الأعراب أولى بروايته، فرد الشافعي بأنكم قبلتم من هو دونه وتروون عنه مثل قرثع الضبي وقزعة وسهم ابن منجاب. وقد روى إبراهيم النخعي عنهم، فكيف تردون حديث رجل من الصحابة وتروون عمن دونه2؟.
770- وهكذا نرى أن أساس رفض هذا الحديث هو عدم روايته عن علي وابن مسعود، وكان الأولى أن يروياه لأنه من الأمور المشهورة التي تعم بها البلوى وكان تثبيت الشافعي للحديث يقوم على أساس أن غيرهما رواه وكفى بهم أخذًا للحديث واطمئنانًا إليه3.
وحديث مس الذكر أوضح من هذا في توضيح موقف من يأخذ بمقياس صحة ما تعم به البلوى إذا كان مشهورًا وعدم صحة الآحاد منه.
771- لقد روت هذا الحديث الصحابية الجليلة بسرة بنت صفوان، وهو كما رواه الإمام الشافعي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء، فقال عروة: وما علمت ذلك؟ فقال مروان: أخبرتني--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص216 - 217.
2 اختلاف الحديث ص217- 218.
3 انظر طرق هذا الحديث في نصب الراية حـ1 ص392.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
بسرة ابنة صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ"1.
وهذا الحديث من حيث سنده صحيح، فقد قال الترمذي فيه -بعد أن رواه عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة- "حديث حسن صحيح".
772- ويشير إلى أن بسرة لم تنفرد به فقد روي عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي، وأبي هريرة وأروى ابنة أويس وعائشة وجابر وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو.
773- وفي بعض هذه الأحاديث ما نص بعض الأئمة على صحته، قد قال ابن السكن في حديث أبي هريرة: هو أجود ما روي في هذا الباب وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم وابن عبد البر2. وقد رواه الإمام الشافعي مستدلًا به على الوضوء من مس الذكر3.
وحديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة وقال ابن السكن: لا أعلم به علة.
وحديث جابر أخرجه ابن ماجه والأثرم، وقال ابن عبد البر: إسناده صالح وقال الضياء المقدسي: ما أعلم بإسناده بأسًا. وإذا كان الشافعي قد ذكر أنه سمع غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فيه جابرًا4 فإن المرسل هنا حجة عنده وعند مالك وأبي حنيفة.
وحديث عبد الله بن عمر أخرجه أحمد والبيهقي. وقال الترمذي في العلل عن البخاري: هو عندي صحيح. وإذا تركنا الترمذي إلى غيره من الأئمة وجدنا أبا داود يسأل الإمام أحمد بن حنبل: حديث بسرة ليس بصحيح؟--------------------------------------------
1 الأم حـ1 ص15.
2 تحفة الأحوذي ص270 جـ1.
3 الأم حـ1 ث ص15.
4 الأم ص16 جـ1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
فيجيبه: بل هو صحيح. ويقول الدارقطني عنه: صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد ابن الشرفي والبيهقي والحازمي. ويقول المباركفوري: "كل ما طعنوا به في صحة حديث بسرة هذا فهو مدفوع والحق أنه صحيح1.
774- ومع صحته على هذا النحو من حيث السند لم يأخذ به الأحناف لأنه مما تعم به البلوى، ومع هذا ترويه امرأة، ولا يشتهر كما ذكرنا سابقًا.
775- وأخذوا بحديث آخر وهو حديث ملازم بن عمرو عن عبد الله ابن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه؟ ".
وقال الترمذي بعد روايته وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعني التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك2.
776- وعلى الرغم مما قالوه في حديث طلق هذا أيضًا إلا أن الراجح أنه كحديث بسرة صحيح، وإن كان حديثها أصح وأثبت من حديثه3.
777- وقد كان من الممكن أن يقول الحنفية كما قال غيرهم: إن هذين الحديثين صحيحان وأن المتقدم منهما منسوخ بالآخر المتأخر، لوجود بعض العوامل التي تدعو إلى ذلك، منها أن طلقًا روى حديثًا في المنع فدل ذلك على أنه شاهد الحالتين وروى الناسخ والمنسوخ4. ومنها أن مع حديث بسرة الاحتياط، والاحتياط بالوضوء أبلغ ومنها ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح: أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه وهذا يدل على أن الذكر لا يشبه سائر الجسد.--------------------------------------------
1 تحفة الأحوذي جـ1 ص270 - 272.
2 صحيح الترمذي جـ1 ص274 - 275 على شرح تحفة الأحوذي.
3 صحيح الترمذي جـ1 ص274 - 275 على شرح تحفة الأحوذي.
4 تحفة الأحوذي حـ2 ص278.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
ومنها أن حديث طلق يأتي على الأصل وحديث بسرة يأتي على غير الأصل فكان من المعقول أن الأصل كان أولًا ثم نسخ.
ومنها أن طلق بن علي كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سني الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا هريرة الذي روى مثل حديث بسرة كان إسلامه سنة سبع من الهجرة أي خبره بعد خبر طلق بهذه المدة، ولم يثبت أن طلقًا له رجوع إلى المدينة بعد ذلك1.ولم يكن عليهم من بأس حينئذ مع وجود القائلين بالرخصة من أجلَّة الصحابة مثل ابن مسعود وابن عباس؛ لأن ما ذهبوا إليه لا يكون فادحًا بعد ثبوت الآثار المرفوعة، والعذر من قِبَلهِم أنهم قد بلغهم حديث طلق وأمثاله ولم يبلغهم ما ينسخه، ولو وصل قالوا به، وليس هذا بمستبعد، فقد ثبت انتساخ التطبيق في الركوع عند جمع، ولم يبلغ ابن مسعود، حتى دام على ذلك مع كونه ملازمًا للرسول عليه الصلاة والسلام2.
كان من الممكن أن يقولوا ذلك، ولكن عدم شهرة هذا الحديث وهو مما تعم به البلوى هو الذي جعلهم يتركون حديث بسرة ويذهبون إلى ما هو مرجوح.
778- وإذا كان موضوع مس الذكر مما تعم به البلوى حقًّا كما يقول الأحناف، إلا أنه يعتبر من النماذج التي تكون كذلك ولا تشتهر لاتصاله بالعضو الجنسي الذي يميل الكثير إلى عدم ذكره، ولا يقال، فلم روته بسرة -إذن- وهي امرأة؟ نقول: ربما كانت عندها جرأة ليست عند الرجال فيما يتصل بأمور الدين وخاصة عندما رأت الرجال معرضين عن ذكره، وهو من أمور الدين التي لا ينبغي كتمانها، وربما اضطرت إلى ذلك لتعليم بعض النشء الذي لا يعلم هذا الحكم الشرعي، وتربية النشء تتعرض لها المرأة أكثر مما يتعرض لها الرجل.--------------------------------------------
1 المصدر السابق حـ1 ص279.
2 تحفة الأحوذي حـ1 ص280.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
779- ولنتناول مثالًا آخر من الأمثلة التي رفضها الأحناف تطبيقًا للمقياس الثاني وهو ترك الصحابة العمل بالحديث مما يدل على أنه غير صحيح وهو حديث "وجوب الزكاة في أموال اليتامى".
780- يقول الإمام الشافعي راويًا هذا الحديث: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريح عن يوسف بن ماهك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى حتى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة"1 وقال الشافعي: إن هذا إسناد منقطع2.
وأخرج الترمذي عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
وقال الترمذي بعد روايته هذا الحديث: إنما يروي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال: لأن المثنى يضعف في الحديث.
781- وقد ترك الأحناف هذا الحديث لأنه روي أن بعض الصحابة اختلفوا في الموضوع، ولم يحاجوا بالحديث، تركوه مع أن الحديث الذي رواه الشافعي يصلح حجة عندهم، لأنه من مراسيل أهل القرون الثلاثة الذين يحتجون بمراسيلهم.
782- أما الإمام الشافعي فقد أيد هذا الحديث المنقطع بما رواه من الآثار الموقوفة وتدل على أن بعض الصحابة أخذ بذلك ونحن نعلم أن من أسباب كون المرسل حجة عند الشافعي أن يوافقه ما يروي عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم.
روى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني وأخالي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.--------------------------------------------
1 الأم جـ2 ص23 - 24 وفي ص25 يتبين أن الشك من الشافعي.
2 المصدر السابق حـ2 ص25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
وروى عن سفيان عن أيوب بن موسى، ويحيى بن سعيد، وعبد الكريم بن أبي المخارق كلهم بخبر عن القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تزكي أموالنا وإنه ليتجر بها في البحرين.
وروى عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عيتبة أن عليًّا رضي الله عنه كانت عنده أموال بني رافع؛ فكان يزكيها كل عام.
وروي عن سفيان بن عينيه عن عمرو بن دينار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة1. إذن الحديث المنقطع هنا في حكم المتصل موضوع حجة ولهذا أخذ به الإمام الشافعي.
783- وتأييده لهذا الحديث بالمعقول ويعرضه على الأصول يعطينا نموذجًا على أن الإمام الشافعي لم يكن يغفل توثيق المتن من حيث معناه، وإن كان لا يعتبر أن هذا الفيصل في رد الحديث أو عدم توثيقه فقال: "الناس عبيد الله جل وعز، فملكهم ما شاء أن يمكلهم، وفرض عليهم فيما ملكهم ما شاء، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فكان فيما آتاهم أكثر مما جعل عليهم فيه، وكل أنعم فيه عليهم جل ثناؤه، فكان فيما فرض عليهم فيما ملكهم زكاة، أبان أن في أموالهم حقًّا لغيرهم في وقت على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فكان حلالًا لهم ملك المال، وحرامًا عليهم حبس الزكاة، لأنه ملكها غيرهم في وقت كما ملكهم أموالهم دون غيرهم فكان بينًا فيما وصفت وفي قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} 2 أن كل مالك تام الملك، من حر له مال فيه زكاة سواء في أن عليه فرض الزكاة بالغًا كان أو صحيحًا أو معتوهًا أو صبيًّا؛ لأن كلا مالك ما يملك صاحبه، وكذلك يجب في ملكه ما يجب في ملك صاحبه، وكان مستغنيًا بما وصفت من أن علي الصبي--------------------------------------------
1 الأم حـ2 ص24 - 25.
2 التوبة: 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
والمعتوه الزكاة عن الأحاديث؛ كما يلزم الصبي والمعتوه نفقة من تلزم الصحيح البالغ نفقته، ويكون في أموالهم جنايتهما على أموال الناس كما يكون في مال البالغ العاقل، وكل هذا حق لغيرهم في أموالهم فكذلك الزكاة والله أعلم"1.
784- وهذا يقودنا إلى أن الإمام الشافعي رضي الله عنه فعل مثل ما يفعل الأحناف من عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم، ولكن بهدف آخر غير ما هدفوا إليه وهو تأييد الأحاديث الثابتة وتقويتها والرد على مخالفيها وتاركيها مع ثبوتها من وجهة نظره ونظر من يسير في اتجاهه.
785- وهو ينص على أن من أسباب الترجيح عنده وتقوية الحديث أن يعمل به عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم فيقول: "أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أولى بما يعرف أهل العلم أو أصح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله"2.
786- وقد تقدم تطبيقه في تقوية الأحاديث بالعرض على كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبق عرضها هنا على عمل أكثر الصحابة في حديثي الإسفار والتغليس، وقد سبق عرضنا لهذين الحديثين، وترجيح الشافعي لأحدهما بعد عرضهما على كتاب الله وعلى السنة الأخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
787- قال الشافعي مرجحًا حديث التغليس والدخول في الصلاة في أول وقت الصبح: "وإن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس ابن مالك وغيرهم مثبت3.كما فعل ذلك في باب الحجامة للصائم.--------------------------------------------
1 الأم حـ2 ص23.
2 الرسالة ص285.
3 المصدر السابق ص289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
788- فقد روى حديين مختلفين وهما:
أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: كنت مع النبي زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: "أفطر الحاجم والمحجوم".
أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم محرمًا صائمًا.
789- وهذان الحديثان وإن كانا مشتبهين في الإسناد إلا أن الثاني وهو حديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا ولهذا اختاره ورجحه على حديث شداد ابن أوس، لأنه فوق ذلك يحفظه عن بعض أصحاب رسول الله والتابعين وعامة المدنيين1.
790- وإذا كان الإمام الشافعي قد رد على الأحناف ردًّا هادئًا متأنيًا -فإننا نجد الإمام ابن حزم الظاهري "384 - 456هـ" يرد عليهم ردًّا عنيفًا في اتخاذهم هذين المقياسين وما يشبههما، ويجدر بنا أن نعرض لهذا الرد تاكيدًا لرأي الإمام الشافعي وزيادة بيان لقيمة هذين المقياسين عند الآخرين.
791- قال ابن حزم: إننا وجدنا الصاحب من الصحابة رضوان الله عليهم يبلغه الحديث ويأتي عمله لنا على خلافه ولا يدل هذا على أنه رده أو على أنه غير صحيح، فقد يكون متأولًا له، كما وجدناهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، فقد قال أبو هريرة: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم". وقال البراء: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص236 - 238.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
792- ثم ذكر ابن حزم الأمثلة التي تدل على أن الأحاديث كانت تخفي على بعضم، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا عمر رضي الله عنه يقول في حديث الاستئذان: أخفى على هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألهاني الصفق في الأسواق.
وقد جهل أيضًا أمر إملاص المرأة1، وعرفه غيره وغضب على عيينه بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} .
وخفي عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي هذا أيضًا على أبي بكر طوال مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم، فلم يترك بها منهم أحدًا. وخفي على عمر أيضًا أمره عليه الصلاة والسلام بترك الإقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.
وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوامًا كثيرة.
ولم يدر ما يصنع بالمجوس، حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ونسي قبوله عليه السلام الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعله رضي الله عنه قد أخذ من ذلك المال حظًّا كما أخذ غيره منه.
ونسي أمره عليه السلام بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدًا ولا يصلي ما لم يجد الماء، وذكره بذلك عمار.--------------------------------------------
1 في الحديث أن عمر سأل عن إملاص المرأة الجنين: فقال المغيرة بن شعبة قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بغرة "أراد بالمرأة الحامل تضرب فتملص جنينها أي تزلقه قبل وقت الولادة "اللسان".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك فأمسك.
وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى خبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن.
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمساواة بينهما فترك قوله وأخذ بالمساواة.
وكان يرى أن الدية للعصبة فقط، حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي صلى الله عليه وسلم ورث المرأة من الدية؛ فانصرف عمر إلى ذلك.
ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالًا بمهور النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذكرته امرأة بقول الله عز وجل: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} 1 فرجع عن نهيه.
وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة". فأمر ألا ترجم، وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها.
وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت عمر.
793- ويواصل ابن حزم رده على الأحناف ومن ينهج نهجهم فيقول: إنه قد خفي على الأنصار وعليه المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وهذا مما تكثر البلوى، وخفي على عائشة وأم حبيبة أميّ المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسائر الجلة من فقهاء المدينة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار، وكل هذا تعظم البلوى به وتعم.
794- "وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين: إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل فيه خبر الواحد".--------------------------------------------
1 سورة النساء: 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
795- "والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارًا خالفها غيرهم تعم بها البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم، وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدًّا"1.
واستطرد ابن حزم في ذكر الأمثلة التي تدل على أن بعض الصحابة والكبار منهم يتركون الحديث مع شهرته للجهل به ونكتفي بما أوردناه2.
796- على أنه إنصافًا للأحناف نقول: إن هذا الحشد من الأمثلة التي ذكرناها لا ينطبق عليها من وجهة نظرنا ما يهدف إليه وهو كونها مما تعم به البلوى ولا يشتهر، وذلك مثل الاقتراب على الوباء، وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفور النساء قبل ورود البيت، وتوريث المرأة من الدية وغير ذلك.
797- فإذا كان من الممكن التسليم بجهل بعض الصحابة بعض الأخبار التي تعم بها البلوى -فإنه ليس من الكثرة كما ذكر ابن حزم، فبعضها لا يعم به البلوى ولا يحدث كثيرًا ويتجدد بحيث يشتهر ويعلمه جميع الصحابة.
798- على أن الذي يعنينا أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا الأجلاء وعلى رأسهم أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي -قد وثقوا متن الحديث أو نقدوه بعرضه على عمل الصحابة وآرائهم ومدى شهرته بينهم، وإن تفاوتوا في درجات الأخذ بذلك، ولم يقفوا جامدين أمام موضوعات الأحاديث وما تحمل من أدلة للاستنباط مكتفين بالثقة في أسانيدها ورجالها كما رماهم بذلك الجاهلون.
وننتقل إلى مقياس آخر عمل به بعض العلماء، وهو شبيه بمقاييس هذا الفصل لأنه يتعلق بالعمل أو الفتوى وإن كانا هنا في الفصل المقبل يختصان ببلد معين وهو المدينة.--------------------------------------------
1 الإحكام 2- 143 - 144.
2 انظر الإحكام 2/ 144 - 148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة
799- ما لا شك فيه أن للمدينة مكانتها العلمية الكبيرة التي لا يسمو إليها غيرها من بلدان العالم الإسلامي في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ لأنها -كما يقول الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد "175هـ"- موطن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبها أسس الدولة الإسلامية، "وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر أهلها يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، وبعد وفاته، صلى الله عليه وسلم قام من بعده الصحابة، رضوان الله عليهم وهم أتبع الناس له من أمته، فما نزل بهم أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم كان التابعون فيها من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن"1.
800- ومن أجل هذه المكانة كان ينظر إليها كثير من الفقهاء نظرة إكبار، ويعتبرون أن أقوال أهلها وعملهم خير من عمل غيرهم. ولكن، إلى أي مدى كان هذا الإكبار وذلك الاعتبار؟.
801- إن الإمام مالكًا وبعض العلماء يرون أن الأمر إذا كان ظاهرًا معمولًا به فيها فليس لأحد خلافه؛ للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، فهم الذين على ثقة مما يأخذون وما يعملون "ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا- لم يكونوا من ذلك على ثقة ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"2 ومن ناحية أخرى فهم كانوا أطلب الناس لما ذهب علمه عنهم، "منها يسألون عنها على المنبر وعلى المواسم وفي المساجد وفي عوام الناس، ويبتدءون فيخبرون بما لم يسألوا عنه، فيقبلون ممن أخبرهم ما أخبرهم إذا ثبت لهم -فإذا حكم أحدهم الحكم فهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير مخالف له، فيقدم حديث غيرهم إذا خالفهم"3.--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك 1/ 64.
2 ترتيب المدارك 1/ 65.
3 الأم 7/ 242.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
802- وفريق آخر يخفف من هذه القيمة التي أعطاها الفريق الأول لعمل أهل المدينة، فحقيقة كانت المدينة موطن السابقين من المهاجرين والأنصار، ولكنهم خرجوا للجهاد في سبيل الله، وتفرقوا في الأمصار المختلفة يعلمون الناس تعاليم الله، وأصبحت هذه الأمصار بفضل دعوتهم ونشر علمهم، وبفضل المتابعة العلمية من الخلفاء -تحمل علمًا كثيرًا ربما يضارع في القرن الثاني الهجري علم أهل المدينة … بالإضافة إلى ذلك فقد اختلف التابعون فيما بينهم في المدينة، بل ربما اختلف الواحد منهم في فتواه، عندما يفتي في الموضوع الواحد أكثر من مرة الأمر الذي جعل علماء الأمصار الآخرين يلتمسون الفتوى الصحيحة فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند غيرهم؛ لأنها عازبة عنهم ورواها الصحابة في الأمصار التي انتقلوا إليها.
803- وقد بين ذلك الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك بن أنس، وكان قد أرسل إليه الأخير أنه يفتي بغير ما يفتي به أهل المدينة وقال له: "بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه"1.
ثم أفاض الإمام مالك في بيان فضل المدينة وما فيها من علم وعمل كما سبق أن ذكرنا.
804- فرد عليه الإمام الليث برسالة: "وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ بفتياهم فيما اتفقوا عليه -مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له … وأما ما ذكرت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا--------------------------------------------
1 كتاب المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان العيسوي "ت 277" - تحقيق د. أكرم ضياء العمري - مطبعة الإرشاد بغداد - 1394هـ - 1974 م مج1 ص 695 - 697 "نص الرسالة كاملًا" - ترتيب المدارك حـ1 ص64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
به تبعًا لهم فيه، فكما ذكرت. وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} 1 -فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتموهم شيئًا علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون لله كتاب الله وسنة نبيه، ويجهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين، والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه … فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره … إن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا بعد الفتيا في أشياء كثيرة ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن … وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا2".
805- وكانت هذه النظرة وتلك هما الأساس في اختلاف بعض الموقف التي اتخذها كل فريق من بعض المسائل، ويهمنا الآن بيان موقف كل منهما من سنة الآحاد إذا تعارضت مع عمل أهل المدينة.
806- ويوضح القاضي عياض موقف الإمام مالك من خبر الآحاد مع عمل أهل المدينة بأنه على ثلاثة وجوه:--------------------------------------------
1 التوبة: 100.
2 كتاب المعرفة والتاريخ مج1 ص 687 - 695 "نص الرسالة كاملًا" - أعلام الموقعين جـ3 ص72 - 74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
الوجه الأول:
وهو ما يكون العمل مطابقًا لأخبار الآحاد، فهذا يؤكد صحتها إن كان العمل من طريق النقل، ويرجحها إن كان من طريق الاجتهاد.
الوجه الثاني:
يكون عمل أهل المدينة مطابقًا لخبر يعارضه خبر آخر، وفي هذا الوجه يكون عملهم مرجحًا للخبر الذي يوافقه، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت.
807- ويقول ابن تيمية في هذا الوجه مبينًا رأي مالك وغيره: "إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة وفيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجع بعمل أهل المدينة ومذهب أبي حنيفة لا يرجح بعمل أهل المدينة ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجع.
والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به. وقيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه: إذا رأى أهل المدينة حديثهما وعملوا به، فهو للغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويقدمه على مذهب أهل العراق، ويقول: إنهم أتبع للآثار"1.
الوجه الثالث:
أن يكون عمل أهل المدينة مخالفًا للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر، إذ يشبه العمل هنا التواتر ويفيد القطع واليقين، ولا يتركان لغلبات الظنون، وهذا مثل مسألة "الصاع" و"المد" والوقوف،--------------------------------------------
1 صحة أصول مذهب أهل المدينة: ابن تيمية - مكتبة المتنبي ص27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
وزكاة الخضروات، فقد نقلوا مقدار الصاع والمد ونقلوا صدقة الخضروات والأحباس1.
808- ويقول ابن تيمية: إن هذا الوجه حجة باتفاق العلماء الشافعي وأحمد وأصحابهما، كما هو حجة عند مالك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وقد اجتمع أبو يوسف بمالك، وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف إلى قوله وقال: "لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت"2.
809- وهذا يدل على أن أبا حنيفة حين خالفهم في مقدار الصاع والمد مثلًا فإنما خالفهم لأنه لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه وغيره من الأئمة كثير من الحديث، فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه. وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد، وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان سيرجع إليها لو بلغته وصحت عنده.
810- إذن ليس الاختلاف في اعتماد نقل أهل المدينة على هذا النحو، وإنما لعلم بعضهم بأن ما يعلمه أهل المدينة على النقل على حين لا يعلم بعضهم الآخر ذلك.
811- ومثل هذا في كونه حجة عند مالك العمل القديم قبل مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، لأن أهل المدينة في عهد الخلفاء الثلاثة عملوا بسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم وما خالفوها … أما العمل المتأخر فليس بحجة على قول المحققين من أصحاب مالك، وكذلك عند الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم.
812- والدليل على أن العمل المتأخر لا ينظر إليه مالك على أنه حجة يجب على جميع الأمة اتباعه إن خالف النصوص إنه لم يوافق الرشيد أو غيره--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك حـ1 ص70 - 71.
2 صحة أصول مذهب أهل المدينة ص23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
أن يحمل الناس على موطئه، وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت أهل بلدي1، فهو إذن مع الإمام الليث في أن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وأخذ عنهم أهل البلدان التي ذهبوا إليها.
813- أما إذا كان العمل في هذا الوجه من غير طريق النقل، فإن الإمام مالكًا يأخذ بالخبر إذا صح عنده.
814- ويذكر ابن تيمية أنه إذا كان مالك في الموطأ يذكر الأصل المجمع عليه عند أهل المدينة على كل الوجوه السابقة؛ فإنه يحكي مذهبهم سواء أأخذ به أم لم يأخذ.
815- ويبدو أن بعض أصحاب مالك لم يفهموا منه هذا فأخذوا بما يخاف ما رواه من الأحاديث -من عمل أهل المدينة، وإن كان مالك لا يأخذ به وإنما حكاه عنهم فقط. وسنرى ذلك من خلال مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء.
الليث بن سعد وعمل أهل المدينة:
816- وقبل أن نعرض لمناقشة الإمام الشافعي تشير إلى إنكار عالمين كبيرين معاصرين للإمام مالك بعض ما يفتي به أهل المدينة ويعملون به مخالفين السنة. وهما اليث بن سعد، ومحمد بن الحسن الشيباني.
817- وقد ذكر الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك أنه ينكر ما ذهب إليه بعض العلماء بالمدينة، وربما منهم الإمام مالك من القول يجواز جمع أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، وقال له: إن مطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا لم يجمع إمام قط في ليلة--------------------------------------------
1 صحة أصول مذهب أهل المدينة ص28. وهناك رواية تقول: إن هذا القول كان للمهدي، وأخرى تقول: إنه للرشيد. انظر كلمة عن الموطأ للأستاذ د. محمد كامل حسين في مقدمة الموطأ "طبعة الشعب" ص27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)