Arabic source text

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

📘 توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته (رفعت بن فوزي عبد المطلب)

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مطر، وفيهم من الصحابة اللذين ينفذون سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل الذي قال فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل". وشرحبيل
بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.
وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وكان بحمص سبعون من أهل بدر … وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط1.
818- إذن كان في المدينة عمل يخالف ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أماكن أخرى من أمصار الدولة الإسلامية. وهذا يجعل عمل الناس فيها وفتوى علمائها محل نظر وتمحيص وأخذ ورد.
819- وانتقل الإمام الليث إلى مثال آخر مما ينكره على أهل المدينة؛ لأنهم خالفوا فيه السنة، وما عليه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم الذين التزموا بالسنة خير التزام، قال له: إنه يقضي في المدينة بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، ولم يقض به أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم بالشام وحمص وبمصر والعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم لما ولي عمر بن عبد العزيز -وهو قد أحيا السنن- كتب إليه زريق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أورجل وامرأتين … وعمر بن عبد العزيز أيضًا لم يجمع بين العرب والعشاء قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان بخناصر ساكنًا2.--------------------------------------------
1 أعلام الموقعين حـ3 ص74.
2 أعلام الموقعين حـ3 ص74.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)

820- إلى غير ذلك من الأمثلة التي ساقها الإمام الليث بن سعد ليدل على أن المدينة لا تختص دون غيرها بعمل الصحابة والالتزام بالسنة والنظر إليها على أنها موضع حجة على غيرها من البلدان الإسلامية، وإعطاء علمائها الحق الذي ليس لعلماء الأمصار الأخرى ومحاجتهم بعملها وإجماعها فهي كغيرها قد تأخذ بغير السنة عندما يغيب عن علمائها العلم بها، ومن هنا فلا يصح أن يكون عمل أهلها مقياسًا في أيديهم يأخذون به ويدعون من الروايات.
مناقشة محمد بن الحسن:
821- وقد ناقش أهل المدينة في مقياسهم هذا أيضًا الإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي كان من مدرسة أخرى لا ترى هذا الحق الذي يرفض به بعض أهل المدينة بعض السنن.
822- وكان الإمام محمد بن الحسن قد تتلمذ على الإمام مالك وأخذ عنه الموطأ، ودرس فقه أهل المدينة وما هم عليه من عمل وما به يحتجون على الآخرين، ولهذا كان أقدر على مناقشتهم، وبيان ما بينهم وبين مدرسة أهل العراق -التي ينتمي إليها- من خلاف، وإظهار ما يراه حقًّا. ويخالفهم فيه.
823- وتجلى هذا في الموطأ الذي رواه عن الإمام مالك شيخه، كما تجلى في كتاب الحجة الذي ألفه للرد عليهم خاصة في مسائل الخللاف التي بينه وبينهم.
824- وهذا الكتاب يعد أكثر كتب الإمام محمد بن الحسن الفهقية التي تشتمل على الأحاديث والأخبار؛ لأنه كان يريد الإكثار من الأحاديث والأخبار محاولًا أن يثبت لأهل المدينة أن أهل العراق لا يقلون عنهم معرفة بالسنن والآثار إن لم يكونوا أكثر منهم "ولذا كان في مناقشته يشير إلى الاحتجاج بالأحاديث، وأنه يعرف الكثير منها وأن أهل المدينة لا يعرفون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)

الآثار أو يعرفونها ويتركونها، وإن ظنوا غير ذلك"؛ لأن العمل بالمدينة على خلافها1.
825- يقول لهم مثلًا في باب المرور بين يدي المصلي: "ولو أردنا أن نحتج عليهم بأحاديث كثيرة من الأحاديث في هذا ونحوه لاحتججنا عليهم لكن احتجاجنا بأحاديثهم أوجب في الحجة عليهم2.
وفي باب المسح على الخفين يقول: "الآثار في المسح للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها كثيرة معروفة، وما كنت أظن أحدًا ممن نظر في الفقه يشكل عليه الآثار في هذا"3.. ويقول: إن هؤلاء يروون عن ابن شهاب الزهري المسح على ظاهر الخفين وباطنهما، ولكن مالك بن أنس يروي خلاف ذلك، فهو يروي عن هشام بن عروة أنه رأى أباه يمسح على الخفين. وكان يمسح على ظاهرهما ويمسح على باطنهما وعقب على ذلك بقوله: فهذا قول عروة، وهو كان أفقه وأعلم بالرواية عن ابن شهاب4.
826- وهو يؤكد في هذا الكتاب أن اتباع الأوثق من السنة هو الواجب دون غيره، فيقول في "باب الوتر": "قد جاءت في الوتر أحاديث مختلفة، فأخذنا بأوثقها، فرأينا أن يوتر بالأرض ولا يوتر على بعيره؛ لأن الفقهاء شددوا في الوتر ما لم يشددوا في غيرها من الصلوات، سوى الصلوات الخمس، فقال بعضهم: سنة لا ينبغي تركها، وقال بعضهم: واجبة، ورووا في ذلك حديثًا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قد زادكم صلاة يعني الوتر" وقد اختلف في الوتر بعينها: فروي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان ينزل بالأرض فيوتر عليها، ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذنا بأوثقها وأشبهها بالحق، وبما جاءت--------------------------------------------
1 الإمام محمد بن الحسن ص349.
2 الحجة: ص42.
3 المصدر السابق ص24.
4 الحجة: ص39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)

به الآثار من التشديد في الوتر"1. وكأنه يريد أن يقول لأهل المدينة: هذا هو الطريق الأمثل لا ترجيح العمل على السنة.
مناقشة الإمام الشافعي:
827- وقد ناقشهم الإمام الشافعي لأن القول بعمل أهل المدينة في بعض المسائل مقياس غير قائم على أساس صحيح إذا كان يخالف السنة الصحيحة وخاصة ما يرويه الإمام مالك منها وهو منهم.
828- لقد كانت مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء تقوم أساسًا على دعامتين، كما يفهم ذلك واضحًا وصريحًا في "كتاب اختلاف مالك والشافعي" من كتاب الأم2.
الدعامة الأولى:
مناقشتهم فيما يرويه الإمام مالك من الأحاديث التي يخالفونه فيها، فأدلته للرد عليهم تعتمد على هذه الأحاديث. وهذا يجعلنا نرى أن هذه الترجمة خاطئة؛ لأن الشافعي لا يختلف مع مالك هنا، وإنما يختلف مع بعض أصحابه الذين جروا وراء عمل بعض الأئمة فيها وتركوا ما يرويه مالك لفهم خاطئ مؤداه: أن مالكًا عندما ينص على العمل في المدينة يعمل به كما أشرنا.
الدعامة الثانية:
وهي ما يردده الإمام الشافعي مرارًا وتكرارًا من أن حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم يثبت إذا حدث الثقة عن الثقة به حتى ينتهي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأن حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا ثبت على هذا النحو فهو مستغن بنفسه، ولا يلتفت إلى ما يخالفه مما يروى عمن هو دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن حديث رسول الله--------------------------------------------
1 الحجة: ص44.
2 الأم حـ7 ص177 - 249.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)

صلى الله عليه وسلم أولى أن يؤخذ به، ولو علمه من روى عنه خلاف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خالفه1.
مناقشة دعوى الإجماع:
829- وإذا كان هؤلاء يدعون أنهم يثبتون ما اجتمع عليه أهل المدينة، وأن الإجماع في رأيهم أن يحكم أحد الأئمة: أبو بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم -فإن الشافعي رضي الله عنه قد رد عليهم:
أولًا: بأنهم لا يعرفون حكم واحد منهم إلا عن طريق الانفراد أو الآحاد الذي ردوا مثله، مما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم فرضًا من الله عز وجل. والحق أن ما روي عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل محل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: وقد كان بعض الأئمة من الصحابة يحكمون في بعض المسائل بما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لم تبلغهم، فإذا بلغتهم ذهبوا إليها ورجعوا عن حكمهم، فعمر مثلًا مع فضل علمه وطول صحبته وكثرة مسألته وتقواه قد حكم أحكامًا بلغه في بعضها حكم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرجع عن حكمه إلى ما بلغه عن رسول الله، ورجع الناس عن بعض أحكامه بعده، دلالة على أنه لم يبلغه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله عنه، "فإنه قد يعزب عن الكثير الصحبة الشيء من العلم يحفظه الأقل علمًا وصحبة منه، فلا يمنعه ذلك من قبوله".
ثالثًا: وأنتم الذين تتركون السنة لعمل أهل المدينة بحجة أن أحد الأئمة قال بهذا الحكم أو ذاك تتركون وتخالفون مثل عمر بن الخطاب لأن ابن عمر يخالفه أو تتركونه لرأي أنفسكم، ولم يخالف عمر فيه أحد غيركم فهل نعتبركم بهذه المخالفة تخرجون عن الصواب؟!.
إنكم تخالفون عمر في أكثر من مائة قول، وتخالفون أبا بكر في القراءة في الصلاة وفي نهيه عن عقر الشجر وتخريب العامر، وعقر ذوات الأرواح--------------------------------------------
1 الأم حـ1 ص177.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)

إلا لمأكله.. وتركتم على عثمان أنه كان يخمر وجهه وهو محرم وغير ذلك كما تركتم الكثير من رواية الثقات من أهل المدينة غيرهم من الصحابة وكذلك من التابعين وتابعيهم … فأنتم فارقتم مذهبكم الذي تدعونه1.
رابعًا: لقد كان بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين ألف رجل إن لم يزيدوا، ولعلكم لا تروون عنهم قولًا واحدًا عن سنة، وإنما تروون القول عن الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة متفرقين أو مجتمعين والأكثر التفرق، فأين الإجماع؟!.
830- وإذا كنتم تقولون: إن المراد بالإجماع أن يكون الأكثر مجتمعين؛ كأن يكون خمسة نقر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قولًا متفقين عليه وقال ثلاثة قولًا مخالفًا لقولهم، فالأكثر أولى بالاتباع -فإننا نقول: إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا كثيرين، وربما كان مع الثلاثة الكثيرون الذين لم يتكلمون، ومع الخمسة القلة، "والصدق فيه أبدًا ألا يقول أحد شيئًا لم يقله أحد أنه قاله.. ولو قلت: وافقوا بعضهم، قال غيرك: بل خالفوه.. وليس الصدق أن تقول وافقوا ولا خالفوا بالصمت"1.
831- ثم قال الشافعي: إن الإجماع الحقيقي ليس في المدينة وحدها، وإنما في كل بلد، وفي الفرض وخاصة من العلم؛ ذلك الذي لا يسع أحدًا جهله من الصلوات والزكاة، وتحريم الحرام.. وأما علم الخاصة في الأحكام الذي لا يضير جهله على العوام، وعلمه عند الخواص عن مثلهم فنقول فيه واحدًا من قولين: "نقول: لا نعلمهم اختلفوا فيما لا نعلم اختلفوا فيه.. ونقول فيما اختلفوا فيه: اختلفوا واجتهدوا" فنأخذ من هذا ما أشبه أقاويلهم بالكتاب والسنة، يصح أن نحدد أكثر من هذا، فنقول فيما اختلفوا فيه: ذهبنا إلى قول ثلاثة دون اثنين وأربعة دون ثلاثة، ولا نقول هذا إجماع؛ فإن الإجماع قضاء على من لم يقل ممن لا ندري ما يقول3.--------------------------------------------
1 الأم حـ7 ص242 - 243.
2 المصدر السابق حـ7 ص244.
3 الأم حـ7 ص244.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)

832- وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، فإنهم قد اختلفوا أيضًا فيما فيه كتاب وسنة، وذلك لأن الآية من كتاب الله تعالى قد تحتمل معنيين، فيقول بعض أهل اللسان بأحدهما، ويقول بعضهم بالمعنى الآخر الذي يخالفه. والآية محتملة لقولهما معًا؛ لاتساع لسان العرب. وأما السنة فتذهب إلى بعضهم وكل من ثبتت عنده السنة قال بها -إن شاء الله. ولم يخالفها؛ لأن كثيرًا منها واضح ليس فيه تأويل، ومثل الشافعي لذلك باختلافهم في مدة القرء واختلافهم في الوضوء من مس الذكر1.
مناقشة دعوى العمل وصلته بالخبر:
833- ويترك الشافعي، رضي الله عنه دعوى الإجماع إلى دعوى العمل، فيبين أنه ليس من اللازم أن نقبل الخبر إلا إذا تقدمه العمل كما يقول هؤلاء، فليس من عوامل تثبيت الخبر أن يتقدم به عمل من الأئمة: أبي بكر وعمر وعثمان، وقد حفظنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أشياء لا يحفظ عن أحد من خلفائه فيها شيء. وقد "استغنى فيها بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعده، وذلك أن بالخلق الحاجة إلى الخبر عنه، وأن عليهم اتباعه"2.
ومثال هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقه". ويقول الشافعي: "لا أشك أن قد ورد على جميع خلفائه؛ لأنهم كانوا القائمين بأخذ العشر من الناس، ولم يحفظ عن واحد منهم فيها شيء وله أمثال كثيرة3.
834- ثم بين الشافعي رضي الله عنه الطريقة المثلى والصحيحة لأخذ الأحكام، فيقول: وإنما العلم اللازم الكتاب والسنة، وعلى كل مسلم--------------------------------------------
1 المصدر السابق حـ7 ص245.
2 المصدر السابق حـ7 ص243.
3 الأم حـ7 ص243 - 244.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)

اتباعها.. فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة: أبي بكر أوعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة … فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم من الدين في موضع أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم … والعلم طبقات شتى" ثم ذكر هذه الطبقات: الكتاب، فالسنة الثابتة، فالإجماع، فقول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما لا يعلم لهم مخالفًا فيه منهم، فاختلافهم، فالقياس على هذه الطبقات، "ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان".. ثم التفت إلى من يقولون بعمل أهل المدينة فقال لهم: "وإنما يؤخذ العلم من أعلى، وبعض ما ذهبتم إليه خلاف هذا … ذهبت إلى أخذ العلم من أسفل1.
835- وإذا وجد الكتاب أو السنة فلا نعبأ بقول الأكثرية من أهل المدينة أو الأقلية منهم، فمثلًا ذهب بعضهم إلى تحريم لبن الفحل وقلنا بترك التحريم … و"لا أذهب إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء إلى أن أدعه لأكثر أو أقل مما خالفنا في لبن الفحل"2.
836- وفي النهاية بين الشافعي مكمن الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه -في رأيه- وهو ما وجدوه في الموطأ، وذكر قول بعضهم الدال على ذلك: "إن لنا كتابًا قد صرنا إلى اتباعه -يعني الموطأ- وفيه ذكر أن "الناس اجتمعوا" و"الأمر المجتمع عليه عندنا" و"الأمر عندنا". كما بين تناقضهم عندما يقولون ذلك، ثم يخالفون أهل المدينة،
فهي كلمات يطلقونها لا معنى لها، "فلم تكلفتموها، فما علمت قبلك أحدًا تكلم بها، وما كلمت منكم أحدًا قط فرأيته يعرف معناها، وما ينبغي لكم أن تجهلوا إذا كان يوجد فيه ما ترون".--------------------------------------------
1 الأم حـ7 ص246.
2 الأم حـ7 ص247.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)

837- وكان على الشافعي مع هذه المناقشة التي فند فيها ما يقول به -أصحاب الإمام مالك- الذين قالوا بعمل أهل المدينة وبإجماعهم فتركوا بعض السنن من أجل ذلك ومنها ما يرويه مالك نفسه -كان عليه مع هذا أن يبين المسائل التي خالفوا فيها السنة تطبيقًا لقياسهم، وهذا ما عقد له كتابًا من الأم.
838- وسنجتزئ بذكر بعض الأمثلة التي تدل على تطبيق الإمام الشافعي لما قاله أثناء تفنيد أصلهم هذا.
في "باب فوت الحج" روي عن مالك، عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: "أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجاءته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، ولا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع"1.
وروى حديثًا آخر عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين أن رجلًا جعل على نفسه ألا يبلغ أحد من ولده الحلب، فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج معه، فبلغ رجل من ولده الذي قال الشيخ، وقد كبر الشيخ، فجاء ابنه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال: إن أبي قد كبر، ولا يستطيع أن يحج، أفأحج عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
وروى حديثًا ثالثًا فقال: إن مالكًا ذكر، أو غيره، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن نركبها على البعير، وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ قال: نعم2.--------------------------------------------
1 الموطأ ص 236 "طبعة الشعب".
2 انظر هذه الأحاديث الثلاثة في الأم حـ7 ص196.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)

839- فقد ثبت -إذن- بهذه الأحاديث التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجاز أن يحج إنسان عن آخر برواية مالك نفسه، لكن بعض أصحابه قالوا: ليس على هذا العمل مع أن مالكًا لم ينص على ذلك في الموطأ واكتفى بروايته للحديث الأول فيه.
840- وهنا رد عليهم الشافعي بأنهم خالفوا ما رووا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم بن أبي طالب وابن المسيب والحسن وابن عباس. وابن شهاب وربيعة وهم بالمدينة يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل، "وهذا أشبه شيء يكون مثله عندكم عملًا، فتخالفونه كله لغير قول أحد من خلق الله علمته من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجميع من عدا أهل المدينة من أهل مكة والمشرق واليمين من أهل الفقه يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل"1.
841- ومن الأمثلة التي ناقشهم فيها أيضًا مسألة "العمرى" وهي أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك داري أو أرضي أو إبلي ويقول: هي لك عمري. وتنتقل للموهوب له ولورثته من بعده.
ذهب الشافعي فيها إلى أنه لو شرط فيها شرطًا يبطل الشرط وقال مخالفوه من أهل المدينة: لا يبطل الشرط فيها، فلو شرط أن ترد له بعد وفاة الذي يعطاها جاز الشرط ولا يأخذها ورثته.
وقد روى الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه -فإنما هي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطى"، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث.
ثم قال الشافعي: وبهذا نأخذ ويأخذ عامة أهل العلم في جميع الأمصار--------------------------------------------
1 الأم حـ7 ص196 - 197.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

غير المدينة. وقد روي هذا مع جابر بن عبد الله زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
842- وقد رأى هؤلاء الناس من أهل المدينة أن العمرى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل: هي لك ولعقبك. وتركوا هذا الحديث لأن القاسم بن محمد من فقهاء المدينة قال: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا1.
843- قال لهم الشافعي: أتخالفون الحديث وأنتم تروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن هذه الأحاديث رواها الصادقون وإذا قبلنا خبر الصادقين -فمن روى هذا عن رسول الله أرجح ممن روى عن القاسم قولًا يخالفه … "لا يشك عالم أنما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يقال به مما قاله أناس بعده قد يمكن ألا يكونوا سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغهم عن شيء، وإنهم لناس لا نعرفهم"2.
844- وقد ردوا على الشافعي بأن القاسم بن محمد حينما يقول: "قال الناس" هنا فإنما يعني الجماعة من أصحاب رسول الله أو من أهل العلم الذين لا يجهلون للنبي صلى الله عليه وسلم سنة، ولا يجمعون أبدًا من جهة الرأي، ولا يجمعون إلا من جهة السنة.
845- قال الشافعي يرد عليهم: لقد أفتى القاسم بن محمد فيمن قال لأهل زوجته: "شأنكم بها": إنها -كما قال الناس- تطليقة، وأنتم تزعمون أنها ثلاث تطليقات فإن لم يكن قول القاسم والناس هنا حجة عليكم في رأي أنفسكم لهو عن أن يكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة -في العمرى مثلًا- أبعد. وإن كان حجة فقد أخطأتم بخلافكم إياه برأيكم"3.--------------------------------------------
1 انظر الموطأ ص471. وقد روى مالك الحديث وقول القاسم وما عليه أهل المدينة من عمل.
2 الأم حـ7 ص201.
3 ص214 - 237 حـ2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

846- ونكتفي بمناقشة هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري موضع بحثنا، ولكننا نشير إلى أن بعض العلماء وخاصة من الظاهرية ومن أصحاب المذاهب الأربعة قد عارضوهم في أصلهم هذا وأفاضوا في مناقشتهم. ومن هؤلاء ابن حزم في كتابه الإحكام1، وابن القيم في كتابه أعلام الموقعين2.
847- والحق أن عمل كل بلد كان له تأثير في رأي أصحابه واجتهادهم ولكنه ينبغي ألا يرجح على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الأولى بمن قالوا بعمل أهل المدينة وإجماعهم ورجعوهما على بعض السنن أن يفعلوا كما فعل الإمام مالك رضي الله عنه، فقد أقر بالسنة وأخذ بها، وقدم عمل أهل المدينة كنوع من الخلاف ربما كان له وجه من الصواب، شأنه في ذلك شأن ما عليه أهل الأمصار الأخرى. وهذا ما جعله لا يرضى أن يحملوا على الموطأ وما فيه من رواية وعمل عندما أشار عليه أحد الخلفاء بذلك.
848- والنتيجة الأهم من ذلك هي أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا -من خلال هذا المقياس أو الأصل- نظروا إلى الحديث من حيث معناه وفنه ليوثقوه بعيدًا عن إسناده، فعل ذلك الآخذون بعمل أهل المدينة إذا تعارض مع الآحاد والمنكرون على السواء، كما رأينا، وكما تجلى عند الأئمة الليث بن سعد ومحمد بن الحسن والشافعي رضوان الله عليهم أجمعين.
والآن فإلى مقياس آخر من مقاييس توثيق متن الحديث، وهو عرض أخبار الآحاد على القياس، وحقيقة الأمر في تطبيقه عند بعض العلماء.--------------------------------------------
1 ص 214 - 237 حـ2.
2 حـ2 ص294 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

‌‌الفصل الخامس: عرض أخبار الآحاد على القياس
849- خبر الواحد إذا رواه من عرف بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضوان الله عليهم -كان حجة، سواء أكان موافقًا للقياس أم مخالفًا له، فإن كان القياس مخالفًا له ترك هذا القياس؛ لأن مثل هؤلاء لا يتوهم في روايتهم قصور وقد رووا هذا الحديث عن بصيرة، فلم يغيروا فيه فكأنما سمعناه منه صلى الله عليه وسلم1.
850- أما إذا روى خبر الواحد من عرف بالضبط والعدالة والحفظ دون الفقه كأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماع الأحاديث مدة طويلة في السفر والحضر -فما وافق القياس من روايتهم هذه يقبل وما خالفه فإما أن تكون الأئمة قد تلقته بالقبول أو لا، فإن كان الأول قبل، وإلا فالقياس مقدم عليه إذا كان في أمر ينسد فيه باب الرأي.
851- ويشترط أن يكون التعارض بين الخبر والقياس تعارضًا من كل وجه بأن يكون عامين أو خاصين ويبطل كل واحد منهما ما يثبته الآخر بالكلية أما إذا تعارضا من وجه دون وجه بأن يكون أحدهما أعم والآخر أخص فالجمع بينهما مهما أمكن واجب بأن يخصص الأعم بالأخص2.
852- وليس في رد الخبر على هذا النحو طعن في الصحابي الذي رواه، فالصحابة عدول كلهم، وعلى العين والرأس؛ ولكنهم لما كانوا ينقلون الخبر بالمعنى، ومن الصعوبة التعبير عن كل معنى أراده صلى الله عليه وسلم لما أوتي من جوامع الكلم، ولم يؤت غيره هذا -فإن غير الفقهاء من الصحابة، رضوان الله عليهم ينقلون بقدر فهمهم للعبارة، وربما يقصر--------------------------------------------
1 أصول السرخسي حـ1 ص342.
2 حاشية الأزميري على شرح مرآة الأصول حـ2 ص211.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)

تعبيرهم عن المراد، فيؤدي بعضه، ولتوهم هذا القصور قال الأحناف -كما يروي عيسى بن أبان-: إنه إذا انسد باب الرأي فيما روي وكان الخبر مخالفًا للقياس الصحيح وليس موافقًا لقياس آخر فلا بد من تركه؛ لأنه حينئذ كأنه مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع؛ إذ كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة المشهورة والإجماع1.
853- ومثال ما رده الأحناف -تبعًا لرواية عيسى بن أبان- تطبيقًا لهذا المقياس حديث المصراة الذي تقدم ذكره كمثال على مخالفته لكتاب الله عز وجل والخبر المشهور -فهو مخالف أيضًا للقياس الصحيح؛ لأنه أوجب رد صاع من تمر مقابل اللبن الذي حلبه، واللبن الذي يحلب بعد الشراء والقبض لا يكون مضمونًا على المشتري؛ لأنه فرع ملكه الصحيح، فلا يضمنه قياسًا على غيره مما يكون في ملكه الصحيح، ولا يضمن بسبب العقد؛ لأن ضمان العقد ينتهي بالقبض، وهذ بعده فلا يرد، قياسًا على اللبن الآخر بعد القبض، وإذا كان اللبن المصرى موجودًا عند العقد فإنه لم يكن مالًا؛ لأنه باطن كالحبل، ولا يصير مالًا إلا بالحلب فلا يدخل تحت العقد، فيكون حينئذ كالكسب.
854- على أننا إذا اعتبرناه مالًا فهو صفة للشاة أو غيرها فيعتبر مالًا تبعًا، ولا يضمن ويرد، وهو عندئذ كالصوف، ولا يكون حصة من الثمن ما لم يزايل الأصل، ولو زال قبل القبض فآفة من الآفات لم يسقط شيء من الثمن وهو هكذا إذا قبض والوصف متصل بالأصل لا يصير حصة من الثمن ولا يصير مضمونًا.
855- ولئن جاز أن يقابله ضمان فهو ضمان العقد، فينبغي أن يسقط من البائع حصته من الثمن قياسًا على أنه لو اشترى شيئين ثم رد أحدهما فعل ذلك.
856- وإذا اعتبرناه ضمان التعدي فمن الواجب أن يضمن مثل اللبن كيلًا أو دراهم قياسًا على ما يضمن بالتعدي، أما الصاع من التمر بلا تقويم،--------------------------------------------
1 أصول السرخسي حـ1 ص339 - 341.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)

قلّ اللبن أو كثر فلا وجه له في الشرع.. أضف إلى ذلك أن ظاهر هذا الحديث يدل على توقيت خيار العيب، وهو غير مؤقت بالإجماع، "فثبت أنه مخالف للقياس من جميع الوجوه فوجب رده بالقياس"1.
857- ومن الأمثلة كذلك ما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن وطئ جارية امرأته: "فإن طاوعته فهي له، وعليه مثلها، وإن استكرهها فهي حرة، وعليه مثلها" فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث2 "ويتبين أنه كالمخالفات للكتاب والسنة المشهورة والإجماع"3.
858- ويدفع الأحناف ما يعترض عليهم، ويشنع به عليهم من أخذهم بحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، ومع أن رواية هو معبد الجهني وهو لم يعرف بالفقه بين الصحابة، وكان خبر المصراة أولى بالقبول والعمل به لأنه أثبت متنًا وأقوى سندًا وراويه هو أبو هريرة، وهو أعلى رتبة في العلم من معبد -يدفعون هذا بقولهم: إنه قد رواه غير معبد الجهني كثير من الصحابة مثل أبي موسى الأشعري، وجابر وأنس وعمران بن الحصين، وأسامة بن زيد وعمل به كبراء الصحابة والتابعين، مثل علي وابن مسعود وابن عمر والحسن وإبراهيم ومكحول، فلذلك وجب قبوله وتقديمه على القياس.
859- كما يدفعون أيضًا ما رموا به هنا من الطعن في أبي هريرة بهذا المسلك وأمثاله من الصحابة -فيقولون: إنه مما لا شك فيه أنه قد ثبتت عدالته وطول صحبته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم وحسن حفظه وضبطه، فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك4 … ولكن مع هذا قد اشتهر--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ2 ص702.
2 آداب الشافعي ص170 - 171 فقيه محاورة جرت بين الحسن بن زياد اللؤلؤي وأحد أصحاب الشافعي وهو حاضر، وفيها يبين صاحب الشافعي مخالفة هذا الحديث للقياس.
3 أصول السرخسي حـ1 ص342.
4 صحيح البخاري "طبعة الشعب" حـ9 ص133.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)

عن الصحابة رضوان الله عليهم من بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس، وفيما عدا هذه الضرورة فإنهم يعتمدون على روايته هو وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ونحن نفعل كذلك، فقد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار مدة الحيض وغيره، وكانت درجة أبي هريرة عند أبي حنيفة فوق درجة أنس1.
860- والحق أن هذا الرد ليس مقنعًا أو هو من حسن الأدب فقط، فإنهم بهذا فعلًا ينتقصون من استقامة رواية هذا الصحابي الجليل وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ولو آمنوا حقًّا بحفظهم وضبطهم لما تركوا بعضه رواياتهم، ولما تعللوا بأن روايتهم بالمعنى هي التي أخلت ببعض الروايات، وذلك لأنهم عرب، وخالطوا الرسول صلى الله عليه وسلم مخالطة غير عادية مما جعلهم في مأمن من الخطأ في رواية الحديث.
وقد سبق أن ذكرنا في التمهيد مقدار حيطتهم وحذرهم في الرواية ومظاهر هذا، مما يجعلنا نطمئن إلى أدائهم الصحيح لجميع الأحاديث.
861- وإذا كان بعض الصحابة قد رد بعض رواية أبي هريرة فقد ثبت بالدراسة الموضوعية أنه لم يكن يخطئ فيها، وإنما كانت هناك أسباب أخرى وراء معارضته ورد بعض رواياته. كما بين ذلك الإمام الشافعي وابن حزم. كما ثبت أنه كان من الفقهاء، ولم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وكان يفتي في زمن الصحابة ولم يكن يفتي حينئذ إلا المجتهد الفقيه2.
862- وهذا ما يجعلنا نميل إلى الرواية الأخرى عن الأحناف رواية أبي الحسن الكرخي التي تقول: إن الأحناف يقدمون الخبر على القياس مطلقًا سواء أكان راويه مشهورًا بالفقه أم لا؛ لأننا إذا وثقنا في حفظ الراوي وضبطه فالظاهر في هذه الحالة أنه يروي كما سمع، ولو غير--------------------------------------------
1 أصول السرخسي حـ1 ص342.
2 كشف الأسرار حـ2 ص703.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)

لأصبحت روايته على وجه لا يتغير به المعنى. والقول بأن الراوي إذا لم يكن فقيهًا قد يغير في المعنى وهم لا أساس له؛ لأن الأخبار وردت بلسانهم، وعلمهم بهذا اللسان يمنع من غفلتهم عن المعنى وعدم وقوفهم عليه وعدالتهم وتقواهم وضبطهم تدفع تهمة التزيد أو النقصان في الخبر الذي يروونه1.
863- واستدل القائلون بهذا -رواية عن الأحناف- بأن الخبر يقين بأصله؛ لأنه من حيث إنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل الخطأ، وإنما الشبهة في عارض النقل، حيث يحتمل الغلط والنسيان والكذب. أما القياس فالاحتمال في أصله؛ أي: في علته التي يبني عليها الحكم، فإنها لا تتحقق يقينًا إلا بنص أو بإجماع وهو أمر عارض. ولا شك أن يتيقن الأصل راجع على محتمله.
864- وعلى تقدير ثبوت العلة فيه قطعًا يحتمل أن تكون خصوصية الأصل شرطًا لثبوت الحكم، أو خصوصية الفرع مانعًا عنه فيكون تطرق الاحتمال إلى القياس أكثر، فيؤخر عن الخبر الذي لا يتطرق الاحتمال إليه إلا في طريق نقله، وهو عارض.
865- وقد رأينا عمر، رضي الله عنه، ترك القياس بالخبر في مسألة الجنين عندما علم أنه عليه السلام أوجب فيه الغرة2 وقال: لولا هذا لقضينا فيه بالقياس لثبوت الخبر، وكذا في دية الأصابع، حيث رأى أنها تتفاوت باعتبار منافعها فتتفاوت في ديتها، ولكنه ترك ذلك بخبر الواحد الذي يقول: "في كل إصبع عشر من الإبل، وكذا في ميراث الزوجة من دية زوجها وكان يرى أن الدية للورثة، ولأنها ليست من ملك الزوج فلا ترث الزوجة منها فأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتوريث الزوجة منها، فرجع إليه وترك القياس بخبر الواحد.--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ2 ص703.
2 الغرة: العبد أو الأمة، والغرة عند الفقهاء ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء "النهاية".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)

866- أضف إلى ذلك أنه لو قدم القياس على خبر الواحد للزم تقديم الأضعف على الأقوى، واللازم باطل إجماعًا، فالملزوم مثله فالخبر يجتهد فيه في أمرين: عدالة الراوي ودلالة الخبر، والقياس يجتهد فيه في ستة أمور: حكم الأصل، وتعليله في الجملة، وتعيين الوصف الذي به التعليل، ووجود ذلك الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل، ونفيه في الفرع.. هذا إذا لم يكن أصل القياس خبرًا، فإن كان كذلك وجب الاجتهاد في السنة المذكورة، مع الأمرين المذكورين، وهما العدالة والدلالة، وظاهر أن ما يجتهد فيه في مواضع كثيرة احتمال الخطأ فيه أكثر والظن الحاصل به أضعف فيكون أضعف من الخبر1.
867- وإذا كان القياس الصحيح هو الذي يوجب الوهن في رواية غير الفقهية فإن الوقوف عليه متعذر، فيجب قبول الخبر حتى لا نوقف العمل بالأحاديث تبعًا لهذه الحجة المتعذر الوقوف عليها والاتفاق عليها أيضًا، ولهذا وجدنا أن بعض العلماء، ومنهم الإمام الشافعي وابن تيمية، يقولون: إن القياس مع حديث المصراة وليس عليه وبينوا ذلك بحجج يمكن أن تكون مقبولة2 كما يمكن أن تقبل حجج غيرهم وما هذا إلا لتعذر الوصول إلى القياس الصحيح، ونظر كل واحد منهما إلى جانب من المسألة لا ينظر إليه الآخر.
868- والحق أن هذا الرأي وهو أن الخبر مقدم على القياس مطلقًا هو ما يمكن أن ينسب إلى أبي حنيفة وصاحبيه، فقد عملوا جميعًا بخبر أبي هريرة رضي الله عنه في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، وإن كان مخالفًا للقياس، حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: لولا الرواية لفلت بالقياس.
869- ويقول صاحب الطبقات السنية: إن مما شنع به الخصوم على--------------------------------------------
1 حاشية الأزميري حـ2 ص211.
2 القياس في الشرع الإسلامي: تقي الدين أحمد بن تيمية "661 - 728هـ" المكتبة السلفية -الطبعة الثالثة- القاهرة 1385هـ ص 36 - 37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)

أبي حنيفة أنه قدم القياس1 الذي اختلف الناس في كونه حجة على الأخبار الصحيحة التي اتفق العلماء على كونها حجة.
870- ثم أجاب عن ذلك بأن هذا زعم منهم؛ لأن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصحابة، وثبت ذلك واشتهر، ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرًا اختلف فيه الصحابة والعلماء فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر. ثم بالقياس إن لم يكن في الحادثة شيء مما ذكرناه2.
871- ثم ذكر من قول أبي حنيفة ما يدل على ذلك في كتابه إلى أبي جعفر المنصور. ثم ذكر بعض المسائل الشاهدة على أنه يقدم الخبر الصحيح على القياس ومنها "مسألة الرجل الذي يرد عبدًا آبقًا من مسيرة ثلاثة أيام".
فقد قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهمًا، وكان القياس ألا يجب، فترك القياس، وأخذ في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه في خبر طويل أن رجلًا قدم بآبق من الفيوم. فقال القوم: لقد أصاب أجرًا، فقال ابن مسعود: وأصاب جعلًا.
وفي مسألة تزوج الأمة على الحرة:
قال أبو حنيفة: لا يجوز، وكان القياس أنه يجوز. إلا أنه ترك القياس وأخذ في ذلك الخبر، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة" 3.--------------------------------------------
1 وذكر صاحب "جامع مسانيد الإمام الأعظم" أن ممن يتهمون أبا حنيفة بذلك الخطيب البغدادي. جامع مسانيد الإمام الأعظم: محمد بن محمود الخوارزمي "665هـ" طبعة أولى -دائرة المعارف- حيدر أباد الهند "1332هـ". 1/ 43.
2 الطبقات السنية 1/ 143 - 144.
3 قال الزيلعي في نصب الراية: روى الدارقطني في سننه في الطلاق من حديث مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلاق العبد اثنتان، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان، ويتزوج الحرة على الأمة ولا يتزوج الأمة على الحرة". ومظاهر بن أسلم ضعيف. وهناك أحاديث مرسلة وموقوفة على ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعلي حـ3 ص175.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)

وفي مسألة تزوج الرجل امرأة وهو غير كفء لها:
قال أبو حنية: للأولياء حق الاعتراض، وكان القياس ألا يكون لهم ذلك، ترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزوج النساء إلا من كفء".
وغير ذلك من الأمثلة والمسائل الكثيرة التي أخذ فيها أبو حنيفة بالخبر وترك القياس حتى ولو كان هذا الخبر موقوفًا على الصحابي كما في المسألة الأولى1.
872- أما أبو يوسف رحمه الله فقد نقل عنه في بعض أماليه أنه أخذ بحديث المصراة وأثبت الخيار للمشتري2.
ويقول في كتابهخ الخراج في مسألة الرجل الذي يسرق أو يشرب الخمر أو يزني لا ينبغي أن يقيم القاضي عليه الحد برؤيته لذلك حتى تقوم به عنده بينة "وهذا استحسان لما بلغت في ذلك من الأثر فأما القياس فإنه يمضي ذلك عليه، ولكن بلغنا نحو من ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما3".
873- وأما محمد رحمه الله فقد قال في الأصل: أرأيت رجلًا توضأ ونسي المضمضة والاستنشاق، أو جنبًا فنسي المضمضة والاستنشاق ثم صلى، قال: أما ما كان في الوضوء فصلاته تامة، وأما ما كان في غسل الجنابة أو طهر حيض فإنه يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. قلت: من أين اختلفا. قال: هما في القياس سواء، إلا أنا ندع القياس للأثر الذي جاء عن ابن عباس رضي الله عنه4.--------------------------------------------
1 الطبقات السنية 1/ 146 - 151.
2 كشف الأسرار حـ2 ص703.
3 الخراج ص193.
4 ورقة 10 عن الإمام محمد 266 والمبسوط حـ10 ص77. الطبقات السنية حـ1 ص148. وقال الزيلعي في "نصب الراية" حـ1 ص79 قال البيهقي في المعرفة، قال الشافعي: وقد اعتمد بعض الناس في ذلك على أثر ورد عن ابن عباس، ثم أخرج البيهقي من طريق الدارقطني بسنده عن أبي حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد، عن ابن عباس فيمن نسي المضمضة والاستنشاق قال: لا يعيد إلا أن يكون جنبًا. قال: وزعم أن هذا أثر ثابت يترك به القياس وهو يعيب علينا الأخذ بحديث بسرة في مس الذكر وعثمان بن راشد وعائشة بنت عجرد غير معروفين ببلدهما، فكيف يجوز لأحد أن يثبت ضعيفًا مجهولًا ويوهن قويًّا معروفًا؟!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)