بيعها تاركين السنة الصحيحة التي سبق أن ذكرناها -مدعين أن العرايا داخلة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر، قال الشافعي: "وخالفونا معًا في العرايان فقالوا: لا نجيز بيعها، وقالوا: نرد إجازة بيعها بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر وهي داخلة في المعنيين"1.
699- وهنا يدخل الشافعي معهم في نقاش شبيه بالذي فعله سابقًا مع الأحناف في ردهم بعض الأحاديث، وعدم جوازهم العمل بها كمخصص لعام الكتاب، أو تقيد لمطلقه، فيقول: إن الحجة على هؤلاء "في أن يطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحل ما أحل، ونحرم ما حرم" وهم يتناقضون في آرائهم؛ لأنهم يقولون: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" كما يقول الحديث؛ لكنهم يخرجون عليه في القسامة، فيغرمون من حلف، ويعطون من لم تقم له البينة، وهم خرجوا عليه؛ لأن عمر رضي الله عنه فعل ذلك، وحجتهم "أن عمر لا يجهل قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخالفه" أما كان الأولى أن يكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أدل على قوله من قول غيره؟ فيأخذون بحديث جواز بيع العرية، ويكون هذا الحديث دالًّا على أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، الآخر في تحريم المزابنة وبيع الرطب بالتمر عام خصص به رخصة؟!.. وقياسًا على قولهم في عمر: إنه صلى الله عليه وسلم لا يجهل قول نفسه ولا يخالفه2.
700- وإذا كان الشافعي رضي الله عنه قد أثبت حديث سعد وحديث العرية، وبين أنهما من الأخبار التي خصصت أخبارًا أخرى عامة فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، مما لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا حديث المصراة2.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص 324.
2 اختلاف الحديث ص 325 - 326.
3 صر الناقة يصرها صرًّا وصر بها شد ضرعها. والمصراة: هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس، ويقال منه: صريت الماء وصريته … =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
701- وحديث المصراة رواه مالك فقال: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر" 1.
702- وهذا الحديث صحيح، وقد رواه الشيخان وغيرهما2.
وروى الشافعي حديثًا آخر بإسناد صحيح فقال: أخبرنا سفيان عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم -مثله، إلا أنه قال: ردها وصاعًا من تمر لا سمراء "الحنطة".
703- ومع صحة هذين الحديثين لم يأخذ بهما أبو حنيفة رضي الله عنه، وقال: إن هذا من المنسوخ.
أولًا: لمخالفتهما عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 2. وقال جل شأنه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} 4. والصاع ليس بمثل ولا قيمة لما أخذه المشتري من اللبن. وقد تقدم القول في عرض الحديث على القرآن الكريم.--------------------------------------------
= وصريت الشاة تصرية إذا لم تحلبها أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها والشاة مصراة.. "اللسان" وقال الشافعي: والتصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها لذلك، ثم إذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها، بنقصانه كل يوم عن أوله. وهذا غرور للمشتري "مختصر المزني على الأم جـ2 ص184 - 185" وانظر "تحقيق الرسالة ص 556 للأستاذ أحمد شاكر عليه رحمة الله تعالى".
1 الموطأ "طبعة الشعب" ص 424. وانظر اختلاف الحديث 332 - 333.
2 صحيح البخاري "طبعة الشعب" 3/ 93 - صحيح مسلم بشرح النووي 4/ 15 وانظر نيل الأوطار 5/ 327.
3 البقرة: 194.
4 النحل: 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
ثانيًا: هذا الحديث مخالف لحديث آخر مشهور، وأخذ به جمهور الفقهاء وهو حديث1: "الخراج بالضمان"، وهذا الحديث رواه الشافعي فقال: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة بن--------------------------------------------
1 يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة؛ عبدًا كان أو أمة أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن على البائع شيء، والباء في الضمان متعلقة بمحذوف تقديره، الخراج مستحق بالضمان: أي بسببه. "النهاية لابن الأثير" وقال الأستاذ أحمد شاكر في تحقيقه الرسالة: "رواه البيهقي في السنن 5/ 321 - 322 من طريق الشافعي ورواه الطيالس رقم 1464 عن ابن أبي ذئب بالقصة مختصرة، ورواه كثير من العلماء عن ابن أبي ذئب فبعضهم اختصر القصة وبعضهم اقتصر على الحديث المرفوع "الخراج بالضمان" وأسانيده في أبي داود 3/ 304 - 305 - أحمد 6/ 80 و116 و161 و208 و237، والمستدرك للحاكم 2/ 15 … وقد رواه أيضًا: "مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام، وفيه قصة أخرى، قال أبو داود: هذا إسناد ليس بناك، وقال الترمذي في حديث ابن أبي ذئب عن مخلد": هذا حديث حسن، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، ثم رواه مختصرًا من طريق عمرو بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال: هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام بن عروة، واستغرب محمدج بن إسماعيل البخاري هذا الحديث من حديث عمرو بن علي.
وفي عون المعبود في الكلام على حديث مخلد: "قال المنذري: قال البخاري: هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال الترمذي: فقلت له: فقد روي هذا الحديث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة؟ فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، يعني مخلد بن خفاف. فقال: لم يرو عنه غير بن أبي ذئب وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجة" … والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.. وقد ذكرنا أن مخلدًا ثقة وقد روى عنه غير ابن أبي ذئب، خلافًا لما زعمه أبو حاتم، فقد نقل الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب أن حديثه هذا رواه أيضًا الهيثم بن جميل عن يزيد ابن عياض عن مخلد. فظهرت صحة الحديث بينة "تحقيق الرسالة ص 449 - 450".
والحديث ذكره الإمام الشافعي في الرسالة هكذا: "أخبرنا من لا أتهم عن ابن أبي ذئب عن مخلد ابن خفاف قال: "ابتعت غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى في مثل هذا أن "الخراج بالضمان". فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي. فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به له". "الرسالة ص448 - 449".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
الزبير عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "الخراج بالضمان" ويضيف الشافعي إلى هذا قوله مبينًا سبب هذا الحديث: "وأحسب، بل لا أشك -إن شاء الله- أن مسلمًا1 نص الحديث، فذكر أن رجلا ًابتاع عبدًا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب، فقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان".
704- وبمقتضى هذا الحديث لا يكون اللبن مضمونًا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري مدة بقائها عنده ينفق عليها2.
705- إذن فقد خالف حديث المصراة كتاب الله وهذا الحديث المشهور فيرد، وهذا ما فعله أبو حنيفة رضي الله عنه ومحمد، وفي بعض الروايات أبو يوسف أيضًا، وفي رواية أخرى يقول ما يقول به زفر والشافعي من العمل بالحديثين وعدم ردهما3.
706- إن الشافعي رضي الله عنه يرى هنا أن الحديث ثابت، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب الأخذ به ولا يقال: "لم وكيف" يقول: "وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس منه إلا التسليم فقولك قول غيرك فيه "ولم وكيف" خطأ، لكنه لا يكتفي بإثبات صحة الحديث عن طريق صحة رواته وإسناده، بل يترك هذا -وإن كان هو المقياس الوحيد عنده لإثبات الحديث -ليبين من خلال متن الحديث أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلف ولا يتعارض ولا يتناقض، ومن هنا فليزل ما يحاول البعض به أن يزعم أن حديث المصراة يتعارض مع حديث الخراج بالضمان، ليترك الأول بحجة أنه منسوخ بالحديث الثاني.
707- يقول: إن في حديث المصراة شيئًا ليس في حديث "الخراج--------------------------------------------
1 مسلم بن خالد الزنجي. من رواة هذا الحديث.
2 أبو حنيفة: د. محمد يوسف موسى "دراسات إسلامية" 3 مكتبة نهضة مصر بالفجالة ص82.
3 البيوع والمعاملات المالية المعاصرة: د. محمد يوسف موسى. الطبعة الثانية 1372هـ - 1954م- دار الكتاب العربي بمصر. ص75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
بالضمان"، وموضوع كل منهما مختلف عن الآخر؛ ذلك أن البائع عندما أراد أن يبيع الشاة أو الناقة المصراة كان يبيع شيئين الشاة أو الناقة ومعهما اللبن الذي في الضرع، وهذا كمن يبيع النخلة وعليها ثمرها؛ وقد كان يملك أن يحلبه قبل البيع كما يملك أن يقطع الثمر قبل أن يبيع النخلة. "فاللبن مبيع مع الشاة وهو سواها، وكان في ملك البائع" فإذا حلبه المشتري، ثم أراد أن يردها بعيب التصرية ردها وصاعًا من تمر؛ كثر اللبن أو قل. كان قيمته أو أقل من قيمته؛ لأن ذلك شيء وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن جمع فيه بين الإبل والغنم التي هي مختلفة الأثمان وألبانها كذلك.
708- أما الخراج الذي يستحق بالضمان فشيء آخر مختلف تمامًا، وهو ما لا يكون في ملك البائع وقت البيع، وفي حالة الشاة المصراة لو أمسكها المشتري بعد حلب اللبن المصرى، حتى اكتشف فيها عيبًا آخر فإن ردها ردها ولا يرد اللبن الذي حلبه بعد لبن التصرية؛ لأن هذا حدث في ملك المشتري، ولم يكن في ملك البائع، وفي عدم رد اللبن إنما ينفذ قوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان" ومثل هذا أن يبتاع عبدًا فإنما اشتراه بعينه، وما حدث له بعد ذلك من خدمة أو خراج أو مال أفاده فهو للمشتري؛ لأنه حادث في ملكه لم تقع عليه صفقة البيع، فهو كلبن الشاة الحادث بعد لبن التصرية في ملك مشتريها.
وكذلك نتاج الماشية يشتريها فتنتج ثم يظهر منها على عيب، فيردها دون النتاج، وكذلك لو أخذ لها أصوافًا أو شعورًا أو ألبانًا وكذلك لو أخذ للحائط ثمرًا إذا كان يوم يردها بحالها كيوم أخذها أو أفضل1.
709- ليس هناك -إذن- من تناقض ولا مجال لأن تقول كيف نرد المصراة مع صاع من تمر؛ لأن الله تعبد خلقه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بما شاء، لا معقب لحكمه، فعلى الناس اتباع ما أمروا به، وليس لهم فيه إلا التسليم و"كيف" إنما تكون في قول الآدميين الذين يكون قولهم تبعًا لا متبوعًا2.--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص333 - 334.
2 اختلاف الحديث ص339.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
710- والحق أننا مع الإمام الشافعي في أن الحديث متى صح من حيث الثقة في رواته لا ينبغي أن نرفضه أو نرده ونتركه وخاصة إذا لم تكن هناك من الأدلة على نسخه، ولا نعرضه على حديث آخر حتى ولو كان مشهورًا؛ لأن الشهرة وإن كانت تبعث على الاطمئنان القلبي إلا أنها لا تصح مقياسًا لرفض أحاديث أخرى لم تشتهر؛ إذ قد يكون مبعث شهرتها الحاجة إليها في كثير من المسائل والمشاكل الفقهية؛ لا لأن الذين رووها أوثق من الذين رووا الأحاديث التي لم تشتهر، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على حديث "المصراة" وعلى حديث "الخراج بالضمان" فالثاني لأنه يطبق في حالات كثيرة؛ في الحيوان وغير الحيوان اشتهر على الرغم مما قيل في إسناده، وحديث "المصراة" لم يبلغ من الشهرة مثل ما بلغ لأنه لا يطبق إلا في حالات قليلة، في الشياه أو الإبل المصراة ومع هذا فلم يتكلم في إسناده مثل ما تكلم في إسناد "الخراج بالضمان".
711- وكما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟!! هذا من أبطل الباطل"1.
712- وإذا كان الإمام الشافعي رضي الله عنه قد رفض عرض السنة على السنة من أجل رد بعضها والعمل ببعضها الآخر -فإنه استخدم ذلك لترجيح بعض الأحاديث الصحيحة على بعضها الآخر وعونًا على الفهم الصحيح لها والمعنى الذي أراده صلى الله عليه وسلم منها:
713- فقد رويت أحاديث في الإسفار والتغليس بالفجر، ولا شك أن وقت التغليس أسبق من وقت الإسفار، فالوقت إذن مختلف والأحاديث تبعًا لذلك مختلفة أيضًا.
714- روى الشافعي عن سفيان عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أسفروا بالصبح، فإن ذلك أعظم لأجوركم أو قال: للأجر.--------------------------------------------
1 إعلام الموقعين 2/ 251.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
وهذا كما نراه في الإسفار.
715- وروي في التغليس عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كن نساء من المؤمنات يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهن متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفهن أحد من الغلس.
قال: وروي زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق هذا، وروي مثله عن أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي عن النبي عليه الصلاة والسلام.
716- واختار الشافعي التغليس فقال: إذا انقطع الشك في الفجر الآخر وبان معترضًا، فالتغليس بالصبح أحب إلينا، ورأى بعض الناس الإسفار بالفجر أحب إليهم. وبين سبب اختياره للتغليس فقال: إنه أولى الحديثين بمعنى كتاب الله وأثبتهما عند أهل الحديث1 وأشبههما بجمل سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأعرفهما عند أهل العلم. فالسنة هنا أو جمل السنن -كما عبر- إنما هي عامل فقط من عوامل الترجيح مع معنى كتاب الله تعالى، وكون الحديثين أثبت من الآخر.
717- ثم بين السنة الأخرى التي رجحت حديث التغليس فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أول الوقت رضوان الله"، وسئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها".
718- وعقب الشافعي على هذا بقوله: "ورسول الله لا يؤثر على رضوان الله ولا على أفضل الأعمال شيئًا"2.
719- ويحرص الشافيع جهده ألا يترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت إسنادًا؛ فيزيل ما بين الحديثين من اختلاف، فيقول الله تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعل من الناس من سمعه فقدم--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص209 - فقد بين الإمام الشافعي ذلك.
2 اختلاف الحديث ص209 وانظر الرسالة ص282 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
الصلاة قبل أن يتبين الفجر، فأمرهم أن يسفروا حتى يتبين الفجر الآخر. فلا يكون معنى حديث رافع أن يؤخر الفجر عن وقته الأول، ولا يكون مخالفًا للحديث الأول، ويكون كلاهما على هذا النحو -ثابتًا"1.
720- ومما يدل على ذلك ويؤكده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئًا ولا يحرمه، فأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم الطعام". يعني من أراد الصيام2.
721- وقد أيدت السنة سنة أخرى عند الشافعي حتى لا يقال: إنه ذهب إلى رأي مخالف للسنة، فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجب الغسل إلا من الجنابة، وأخذ هذا الحكم من قول الله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} 3 وقال: إن الوجوب لا يتعدى الغسل من الجنابة إلى شيء آخر إلا أن تدل السنة على غسل واجب، فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها.
722- والشافعي لم يعلم دليلًا من السنة على وجوب الغسل من غير الجنابة.
723- ولكن ماذا يفعل فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ظاهره الوجوب كغسل يوم الجمعة، وفيه الأحاديث الصحيحة؟ ومنها ما رواه عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" وهذا أمر ظاهره الوجوب، وما رواه أيضًا عن مالك عن صفوان بن مسلم عن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وهذا أكثر صراحة من الأول في الوجوب.
724- هل ترك الشافعي هذه السنة الصحيحة حينما قال: إن غسل يوم الجمعة غير واجب؟! وكيف يتركها وهو المدافع عن كل ما ثبت عن--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص210.
2 الرسالة ص291.
3 سورة النساء: 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن السنة الأخرى الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي تعينه على الفهم الصحيح لهذه الأحاديث.
725- وبعرض هذه على تلك يتبين أنه يأخذ بها جميعها ولا يترك منها شيئًا -فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث أخرى في غسل يوم الجمعة يؤكد أن الوجوب هنا وجوب في الاختيار وفي النظافة ونفي الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل وجب حقك عليّ، إذا رأيتني موضعًا لحاجتك، ولسان العرب واسع يحتمل هذا ويحتمل أن الغسل واجب لا يجزى غيره فكان الاحتمال الأول أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث، وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل يوم الجمعة أيضًا.
726- ما هي هذه الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الأحاديث التي تؤكد أن الوجوب في غسل يوم الجمعة وجوب في الاختيار وفي النظافة؟
يروي الشافعي عن مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟! فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. وكان الرجل الداخل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه1.
ولم يزد الأمر على ذلك مما يدل على أنهما فهما الأمر على الاستحباب لا على الوجوب بدليل أن عثمان لم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك ولم ينكر عليهما من حضر الخطبة من الصحابة التي حدث في أثنائها الحوار بين عمر وعثمان رضي الله عنهما.
727- وذكر الشافعي بعد هذا حديثًا آخر ليؤكد المعنى الذي أراده النبي أن الوجوب ليس معناه الفرض فتترك الأحاديث التي لا تدل على--------------------------------------------
1 مسلم 2/ 496.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
الوجوب فقال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم1؟ " كما روي من حديث البصريين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" 2.
728- وهكذا خرج الشافعي بعرض السنة على السنة بذلك الفهم الصحيح لبعض الأحاديث ولم يفعل كالذين أخذوا بظاهر الأحاديث الأولى من وجوب الغسل يوم الجمعة للصلاة3. وهم بهذا خالفوا السنة الصحيحة وتركوا ما تدل عليه، وهو بهذا وثقها جميعها، وأخذ بها كلها ولم يترك منها شيئًا، لأنها ثابتة، ولا يجوز أن يترك الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
729- وندرك من كل هذا أن الأحناف استعملوا مقياس عرض السنة على السنة المشهورة من أجل توثيقها أو عدم توثيقها، وهم في هذا يقدمون عناية أخرى في نقد متن الحديث غير عنايتهم هم وغيرهم في نقد إسناده ورواته، وأن الإمام الشافعي وإن كان قد عارض في هذا المقياس لأنهم تركوا به بعض الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به؛--------------------------------------------
1 مسلم 2/ 497.
2 قال النووي: حديث حسن في السنن مشهور "مسلم بشرح النووي 2/ 498" - اختلاف الحديث ص 177 - 181. وانظر شبيهًا بهذا في باب من أصبح جنبًا في شهر رمضان ص 232 وما بعدها.
3 قال النووي: اختلف العلماء في غسل يوم الجمعة، فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب. قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث -يعني الأحاديث التي رواها مسلم- واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان مبينًا في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه ولا لزموه". صحيح مسلم 2/ 498.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
إلا أنه استخدمه لتاكيد ثبوته وتوثيق بعض السنن، وهي عناية تدل على أن الذين التزموا بأن صحة السند دليل على صحة المتن لم يغفلوا العناية بالمتن ولم يغلقوا أنفسهم على الاهتمام فقط بالسند دون النظر في معاني الحديث وملاءمتها للأصول الإسلامية. والذي فعله الشافعي هنا هو ما فعله في عرض السنة على القرآن؛ لتأكيد ثبوتها وما سيفعله في عرضها على القياس والمعقول وغير ذلك كما سنرى - إن شاء الله.
وننتقل إلى مقاييس أخرى من مقاييس الحنفية في توثيق متون الأحاديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
الفصل الثالث: عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم
730- هناك مقياسان غير ما تقدم لتوثيق الحديث أخذ بهما الحنيفة وهما:
1- الحديث الذي تعم به البلوى، والذي إليه تكون الحاجة ماسة في عموم الأحوال -لا بد أن يأتي بروايات مشهورة ليكون مقبولًا وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم. فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعم به البلوى.
2- الحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم -فإذا أعرضوا عن حديث- وهم الأصول في نقل الشريعة -دل ذلك على انقطاعه أو نسخه، "وذلك بأن يختلفوا في حادثه بآرائهم، ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث كان ذلك زيافة؛ لأن استعمال الرأي والإعراض عن النص غير سائغ"1.
731- وهذان المقياسان -كما يبدو واضحًا- يرجعان إلى أصل واحد وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاواهم ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم ويعملوا به، وحدث ذلك فعلًا ونقلوه قبل وكان صحيحًا. أما إذا أعرضوا عنه، وواجب عليهم ألا يعرضوا عما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلًا على أنه لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
732- وطبق الأحناف المقياس الأول، وشاركتهم فيه المالكية -كما يقول ابن حزم2- فقالوا: إن حديث مس الذكر مثلًا ليس صحيحًا لأنه مما تعم به البلوى.
وهذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة:
رواه أبو داود والنسائي من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان، فذكر--------------------------------------------
1 أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار 3/ 738.
2 الإحكام في أصول الأحكام 2/ 145.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
ما يكون منه الوضوء. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ" ورواه ابن ماجه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة.
ورواه الترمذي عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة"1.
733- قال الأحناف: إن هذا الحديث شاذ لانفرادها بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، فدل ذلك على زيافته؛ إذ القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص بسرة بالتعليم في هذا الحكم، مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة الحاجة إليه شبه المحال2.
734- وفي الحق أنه قد روي هذا الحديث عن صحابة آخرين غير بسرة كأبي هريرة وجابر وسالم وزيد بن خالد، وعائشة وأم حبيبة وغيرهم، إلا أن الروايات عنهم مضطربة الأسانيد، غير صحيحة لضعف رجالها، ولمعارضتها أيضًا بروايات أخرى صحيحة تخالفها، فلا ينتفي الشذوذ منها3..
ولو كان مما ينتقض بمس الذكر الوضوء لأشاعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقتصر على مخاطبة الآحاد، بل يلقيه إلى عدد يحصل به التواتر أو الشهرة مبالغة في إشاعته لئلا يفضي إلى بطلان صلاة كثيرة من الأمة من غير شعور به، ولهذا تواتر نقل القرآن، واشتهرت أخبار البيع والنكاح والطلاق وغيرها، فلما لم يشتهر هذا الحديث "علمنا أنه سهو أو منسوخ"4.
735- لقد اشتهر هذا الحديث بين المتأخرين عندما قبلوه وفي هذا دليل أيضًا على عدم ثبوته؛ إذ لو كان ثابتًا في المتقدمين لاشتهر أيضًا ولما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته.--------------------------------------------
1 سنن أبي داود حـ1 ص125 - 126، سنن النسائي حـ1 ص 100 - 101، جامع الترمذي حـ1 ص270 بشرح تحفة الأحوذي، سنن ابن ماجه حـ1 ص161.
2 أصول السرخسي حـ1 ص368.
3 كشف الأسرار حـ3 ص738.
4 المصدر السابق حـ3 ص 737.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
ومن أجل هذا السبب لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علة، ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة، وإن كان ذلك محتملًا؛ لأن الظاهر يكذبه في ذلك، ولم يقبل قول الرافضة وادعاؤهم النص على إمامة علي رضي الله عنه؛ لأن أمر الإمامة مما تعم به البلوى؛ لحاجة الجميع إليه، فلو كان النص ثابتًا، لنقل نقلًا مستفيضًا، وحيث لم يكن كذلك دل على أنه غير ثابت.
736- وإن الأخبار التي ينقلها الواحد مع أن العادة والمعقول اشتهارها بين الناس لا تقبل كمثل انفراد واحد بنقل قتل ملك في السوق، إن مثل هذا الخبر لا يقبل بطبيعة الحال، لأنه يبعد عادة ألا يستفيض مثله.
737- ومن الأحاديث التي شذت كذلك مع اشتهار الحادثة "حديث الجهر بالتسمية، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم كان يجهر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وروى أبو قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". ولما شذ مع اشتهار الحادثة ومع أنه معارض بأحاديث أقوى منه في الصحة دالة على خلافه لم يعمل به1.
738- وردوا أيضًا -تطبيقًا لهذا القياس- خبر الوضوء مما مسته النار. وخبر الوضوء من حمل الجنازة، وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها2.
739- ويقول الأحناف: إنه قد يعترض بعض الناس على قبولنا وجوب الوتر، ووجوب المضممة والاستنشاق في الجنابة، مع أن هذا وذاك من خبر الواحد مما تعم به البلوى … ويردون على ذلك بأن فعل--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ3 ص737.
2 أصول السرخسي حـ1 ص 369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمور ليس من الآحاد، وإنما هو من الأخبار المشهورة، أما الوجوب فقد قبلناه، وإن كان من أخبار الآحاد، لأنه مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم، فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم، فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه بالنقل المستفيض1.
740- وأسس الأحناف المقياس الثاني وهو أن أخذ الصحابة بالحديث دليل على صحته، وإعراضهم عنه مع الاختلاف بينهم في الحكم، دليل على انقطاعه وعدم صحته -على أن الصحابة وهم الأصول في نقل الدين، لم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجة ولم يتهموا بالكتمان والاشتغال بما ليس بحجة، وعنايتهم بالحجج كانت أقوى من عناية غيرهم بها -فترك المحاجة بخبر الواحد وعدم العمل به عند ظهور الاختلاف فيهم، وجريان المحاجة بينهم بالرأي والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر دليل ظاهر -كما قلنا- على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو منسوخ2 وكلاهما لا يعمل به وليس بحجة.
741- وطبق الأحناف هذا المقياس، فردوا حديث: "الطلاق بالرجال" الذي تمسك به الإمام الشافعي، رحمه الله، في اعتبار عدد الطلاق بحال الرجل، وهو ما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء".. والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال. فالكبار من الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بالحديث أصلًا، فذهب عمر وعثمان وزيد وعائشة رضي الله عنهم، إلى أن الطلاق معتبر بحال الرجل في الرق والحرية، وذهب علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما إلى أنه معتبر بحال المرأة، وهذا خلاف الحديث، ولم تحاج الطائفة الأولى الثانية بالحديث الذي سند رأيها ويقف بجانبه. وهناك قول ثالث أثر عنهم أيضًا، وهو ما روي عن ابن عمر أنه يعتبر بمن رق منهما حتى لا يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حرين3.--------------------------------------------
1 المصدر السابق حـ1 ص369.
2 كشف الأسرار حـ3 ص738.
3 المصدر السابق حـ3 ص738 - 739.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
742- وتركوا أيضًا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صدقة الصبي: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا؛ كي لا تأكلها الصدقة". ويقولون: لقد اختلف الصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الزكاة على الصبي اختلافًا ظاهرًا، ومع هذا لم يحاج بعضهم بعضًا بهذا الحديث، فذهب علي وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنه لا زكاة في ماله، وذهب عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم إلى الوجوب بما يدل عليه هذا الحديث.
وذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن الوصي يعد السنن عليه، ثم يخبره بعد البلوغ؛ إن شاء أدى، وإن شاء لم يؤد1.
743- ولو كان هذا الحديث ثابتًا لاشتهر فيهم، وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف؛ لأنهم كانوا أولع بالنص ولو احتجوا به لاشتهر أكثر من شهرة فتوى كل منهم في هذه المسألة، ولرجع المخالف إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخالفه، لأنهم كانوا أشد انقيادًا للحق من غيرهم "ولما لم يثبت شيء من ذلك علم أنه مزيف"2.
744- ويتصل بهذين المقياسين أو شبيه بهما عرض الحديث على عمل الراوي وفتواه وخاصة عمل الصحابي من حيث موافقته لما رواه أو مخالفته له، فإن بعض الرواة قد رويت عنه أحاديث وقال أو عمل بخلافها.
745- ويقول الأحناف: إذا كان العمل أو القول المخالف للرواية قبلها فإن ذلك لا يقدح في الخبر، ويحمل على أن ذلك كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يعلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون منه قبل أن يبلغه الحديث، ثم رجع إليه.
746- والاحتمالات الكثيرة التي تجعل الحديث غير موثوق به إنما--------------------------------------------
1 المصدر السابق حـ3 ص379.
2 المصدر السابق حـ3 ص739.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
تكون عند ما يعلم أنه خالف الحديث قولًا أو فعلًا بعد تاريخ روايته، ومن هنا يكون هذا الحديث غير حجة؛ لأن فتواه بخلافه أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الأصل للحديث"1 … إن الحال عندئذ لا تخلو من أن تكون الرواية تقولًا منه لا عن سماع، فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث من باب قلة المبالاة والتهاون بالحديث، فيصير بذلك الراوي فاسقًا لا تقبل روايته أصلًا؛ لاستهانته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يكون منه عن غفلة ونسيان، ورواية المغفل لا تكون حجة.
747- وهذا إن صح بالسنة لغير الصحابة وكبار الأئمة من التابعين فحاشا أن يكون هؤلاء كذلك، وهم العدول البررة الأطهار، الذين ضربوا السهم الوافر والقدح المعلى في توثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريرها والالتزام بها قولًا وعملًا.
ومن أجل هذا فإن عمل أحدهم أو قوله بخلاف الحديث، يحمل على غير ما تقدم، وهو أنه علم نسخ حكم الحديث.
748- ولكن … لم يروه عندئذ؟ وقد علم أنه منسوخ الحكم؟ إنه يروي -كما يقول السرخسي-: إبقاء للإسناد، وإبقاء لما صدر فعلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم … ولا ضير حينئذ من هذه الرواية؛ لأن قوله أو عمله بخلافها يكون دليلًا على النسخ وعدم العمل به … ولكن هذا لا يزيل توهم النسيان أو الغلط، فهذا يمكن أن يقع لكل إنسان … وباعتبار هذا التعارض بين الرواية وبين القول أو العمل ينقطع اتصال الحديث ولا يكون حجة تبعًا لهذا2.
749- ومثال ذلك ما روى سليمان بن موسى لعبد الله بن جريح عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي--------------------------------------------
1 أصول السرخسي حـ2 ص6.
2 المصدر 7 السابق حـ2 ص605.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" 1.
750- إن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذر ابن الزبير، وكان عبد الرحمن أبو حفصة بالشام، ولم يعلم بهذا إلا بعد مجيئه، بدليل أنه غضب، وقال: أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ ولما علمت عائشة رضي الله عنها غضبه قالت للمنذر: لتملكن عبد الرحمن أمرها، فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمرًا قضيته، فقرت حفصة عنده.
751- وهكذا رأت عائشة رضي الله عنها أن تزويجها بنت أخيها بغير أمره جائز، وأن العقد صحيح، بدليل أنها أجازت التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح، وهذا يثبت استحالة أن ترى ذلك "مع صحة ما روت، فثبت فساد ما روي عن الزهري" وأيضًا فإنها لما أنكحت فقد جوزت نكاح المرأة نفسها دلالة؛ لأن العقد لما انعقد بعبارة غير المتزوجين من النساء فلأن ينعقد بعبارتها أولى، فيكون فيه عمر بخلاف ما روت2.
752- ومثل هذا ما روي عن ابن عمر ري الله عنهما في رفع اليدين قبل الركوع وبعد القيام منه، فقد روي جابر عن سالم بن عبد الله أنه رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة حين افتتحها، وحين ركع، وحين رفع رأسه، فسأله جابر عن ذلك فقال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك.
هذا وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، قال مجاهد: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. فعمله هذا بخلاف ما روي يدل على نسخ رفع اليدين قبل الركوع وبعده، فلا تقوم به الحجة3.--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ3 ص782.
2 المصدر السابق حـ3 ص874.
3 أصول السرخسي حـ2 ص16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثًا1.
754- وشبيه بهذا أن يعمل بعض الأئمة من الصحابة بخلاف الحديث وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة، لأنه لما انطقع توهم أنه لم يبلغه، كما لا يظن به مخافة حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء رواه هو أو غيره، فأحسن الوجوه فيه أنه علم نسخه.
755- ومثال هذا ما روي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة".
756- وقد صح عن بعض الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم مع أنه كان لا يخفى عليهم الحديث؛ لشهرته لو صح، وصح عن عمر رضي الله عنه قوله:"والله لا أنفي أحدًا أبدًا". وقول علي رضي الله عنه: "كفى بالنفي فتنة"..!.. فدل هذا على أن هذا الحكم الذي يتضمنه الحديث وهو الجمع بين الجلد والتغريب منسوخ2.
757- ومما هو جدير بالذكر أن النسخ -وإن كان لا يؤثر في صحة ثبوت الحديث ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في مثل هذا الموقف وهو عرض الحديث على عمل الصحابي والقول به -من وجهة نظر المعارضين- انتقاص لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وترك له دون حجة وعدم الثقة به. وهذا يجعل القائلين به -من وجهة نظر المعارضين أيضًا- مثل الذين يتركون سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم بلا دليل، بل هم يفتحون الباب لأعداء السنة الذيينفذون منه لردها؛ يقول الإمام الشافعي: "أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
1 المصدر السابق حـ2 ص6.
2 المصدر السابق حـ2 ص7 وانظر رأي الإمام الشافعي في هذه المسألة في الأم حـ2 ص120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
أن يقال: قد كان هذا، ولعله منسوخ، فيرد علينا أهل الجهالة بالسنن بـ"لَعَلَّهُ"؟! 1
ونتعرف على وجهة النظر المقابلة، وإن كان بعضها بعد القرن الثاني الهجري لندرك ما قيمة هذه المقاييس عند الآخرين، وماذا فعلوا بالأحاديث التي ردها الأحناف؟
مناقشة الإمام الشافعي:
758- لقد رد الإمام الشافعي هذه المقاييس بما رد به المقياسين الأولين: عرض الآحاد على الكتاب وعلى السنة المشهورة.
يقول: إنه لا يهمنا في قليل ولا كثير أن يوافق عمل بعض الصحابة أو رأيهم الحديث أو يخالفه؛ لأن الحديث يثبت نفسه، بأن يرويه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فذلك ثبوته، وألا نقول على حديث ليثبت أن وافقه بعض أصحاب رسول الله، ولا يرد؛ لأن عمل بعض أصحاب رسول الله عملًا يخالفه؛ لأن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين كلهم حاجة إلى أمر رسول الله، وعليهم اتباعه، لا أن شيئًا من أقاويلهم تبع ما روي عنه ووافقه يزيد قوله شدة، ولا شيء خالفه من أقاويلهم يوهن ما روى عنه الثقة"2.
759- وإذا كان بعض الصحابة قد خالف الحديث فليس ذلك لأنه لم يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لأن كثيرًا منهم كان لا يبلغه الحديث فيفتي برأيه، أو يختلفون لأنهم لم يبلغهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع اختلافهم، فالخبر حجة على كافة الأمة والصحابي محجوج به كغيره فإن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} 3 وقوله عز وجل: {وَمَا آتَاكُم--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث حـ7 من الأم ص218.
2 اختلاف الحديث 138.
3 الأحزاب: 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)