Arabic source text

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

📘 توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته (رفعت بن فوزي عبد المطلب)

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
553- وواضح أن الشافعي رضي الله عنه أخذ بهذا المرسل لأنه عضده قول أبي بكر وفتوى بعض التابعين.
554- ويقول السيوطي: إن هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد بن المسيب يصلح مثالًا لأقسام المرسل المقبول، فإنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فقد روى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي عن مسلم بن خالد، عن ابن جريح عن القاسم ابن أبي بزة قال: "قدمت المدينة، فوجدت جزورًا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي الرجل من أهل المدينة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت، فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرًا".
قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم ابن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلًا. والظاهر أنه غير سعيد؛ فإنه أشهر من ألا يعرفه القاسم ابن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه … قال: وقد رويناه من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة1، فمنهم من أثبته، فيكون مثالًا لما له شاهد سند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضًا مرسلًا انضم إلى مرسل2 سعيد.
555- وفي "باب زكاة مال اليتيم" من "الأم" رأى الشافعي أن الزكاة تكون في مال اليتيم كما في مال البالغ، وكان دليله في ذلك حديث
مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ابتغوا في مال اليتيم لا تستهلكه الصدقة أو لا تذهبه الصدقة".. وما عضد ذلك المرسل من فعل لعائشة وعلي وقول لعمر رضي الله عنهم3.--------------------------------------------
1 انظر الاختلاف في هذا السماع في كتاب العلل لعلي بن المديني ص55 - 57.
2 تدريب الراوي 1/ 201.
3 الأم 2/ 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)

556- ثم بين الشافعي أنه إذا كانت توجد بعض الدلائل التي تجعلنا نقبل المرسل فليس معناه أنه مع المتصل المسند في درجة واحدة، ولكن الأخير أقوى منه وذلك لأن احتمال كون المرسل قد أرسل عمن يرغب في الرواية عنه لضعفه قائم، وكذلك إن وافقه مرسل، لاحتمال أن يكون مخرجهما واحد، من حيث لو سمى لم يقبل، وأيضًا إذا كان قول بعض الصحابة يقوي المرسل، فإنه من المحتمل أن يكون المرسل قد غلط بإرساله هذا الحديث حين سمع قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من الفقهاء1.
557- وعلى هذا فاحتمال الخطأ والغلط قائم في جميع الحالات الأمر الذي لا يجعل المرسل بحال يرقى إلى مستوى الحديث المتصل الصحيح الذي انكشف فيه جميع رواته وقويت صلته برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن أجل هذا لم نجد سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم؛ ولكننا وجدنا ذلك في بعض المرسل كما في حديث محمد بن المنكدر الذي سنذكره قريبًا -إن شاء الله، فلم يقل به أحد من أهل الفقه كلهم2.
558- أما القسم الثاني، وهو مرسل "من بعد كبار التابعين"، من صغارهم وتابعيهم، وتابعي التابعين -فيقول الشافعي، رضي الله عنه: إنه لا يعلم واحدًا منهم يقبل مرسله، لعدة أمور:
1- أنهم أشد تجوزًا فيمن يروون عنه، فلا يتحرون أن يروون عن الثقات فقط، وإنما يأخذون منهم ومن غيرهم.
2- وهذا مترتب على الأول، وهو أنه قد وجدت الدلائل فعلًا على ضعف ما أرسلوه.
3- استطالة السند وكثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة فيها كانت أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه، فتتسع دائرة الاحتمال السابق، وهو الأخذ عن الضعفاء.--------------------------------------------
1 الرسالة ص464، 465.
2 المصدر السابق ص 467، 471.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

559- ورأي الشافعي هذا فيمن بعد كبار التابعين إنما هو ناشئ عن الخبرة بهم وبما يرسلونه، فهو قد رأى بعضهم ينزع إلى جهة واحدة ومنبع واحد من منابع العلم ثم يترك منابع أخرى ربما كانت تعطي مثلها أو أثرى منها، وهذا البعض من أهل التقصير في العلم، ومن الواجب علينا أن نبحث عما قصر فيه ونستفيد منه، يقول الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "رأيت الرجل يقنع بيسير العلم، ويريد إلا أن يكون مستفيدًا إلا من جهة1 قد يتركه من مثلها أو أرجح، فيكون من أهل التقصير في العلم".
ورأى أن بعضهم كان على العكس من ذلك؛ فقد رغب في أن يتوسع في العلم فيقبل عن كل ضرب، ومنه ما كان بنبغي له أن يربأ بنفسه عنه توثيقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحريًا في أخبار دينه، يقول الإمام الشافعي: "ورأيت من عاب هذه السبيل -يعني سبيل المقصرين- ورغب في التوسع في العلم، من دعاه ذلك إلى القبول عمن لو أمسك عن القبول عنه كان خيرًا له".
ورأى الشافعي أيضًا منهم أن الغفلة قد تدخل على أكثرهم فلا يتحرون أهل الصدق والضبط فيما يأخذون، وقد تؤديهم غفلتهم إلى أن يحملوا الغث ويتركوا السمين، يقول: "ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم، فيقبل عمن يرد مثله وخيرًا منه". وهذا الصنف المغفل من أهل العلم قد يقبل الأحاديث من الضعفاء، لأنها توافق رأيًا ارتآه، أو قولًا يقول به. وقد يرد الأحاديث التي يرويها الثقات، لأنها تخالف رأيه وقولًا أخذ به، أي: أنه يحكم رأيه في الأحاديث، فيقبل منها ما يوافقه، ولا شك في أن هذا فيه من الخطورة ما فيه على عملية توثيق الأحاديث وتحريرها؛ لأن أي إنسان قد يخطئ في رأيه وقد يصيب فيخطئ في الحكم على الأحاديث تبعًا لذلك أو يصيب، يقول الشافعي: "ويدخل عليه، فيقبل عمن يعرف--------------------------------------------
1 كذا في النص المحقق وقد علق الشيخ شاهر على هذه العبارة بقوله: "أو يريد ألا يكون" وهو يخالف للأصل وألف "أو" مزادة في الأصل بخط واضح -والحق أن التعبير يستقيم بهذه العبارة التي في سائر النسخ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

ضعفه، إذا وافق قولًا يقوله: ويرد حديث الثقة إذا خالف قولًا يقوله"1.
560- ثم ضرب لنا الإمام الشافعي مثلًا من المراسيل التي رفضها محاولًا أن يطبق بعض ما قاله في مرسل: "من بعد كبار التابعين": وهو ما أخبر به سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر "أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، وإنه يريد أن يأخذ مالي، فيطعمه عياله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" 2.
فهذا الحديث لم يقبله الشافعي؛ لأنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:
أولًا: لأن الله سبحانه وتعالى لما فرض للأب ميراثًا محددًا من الابن، كغيره من الورثة، وهذا الفرض قد يكون أقل فروض كثير من الورثة - دل ذلك على أن ملكية المال إنما هي لابنه دونه.
ثانيًا: ولأن محمد بن المنكدر الذي أرسل هذا الحديث، وإن كان في غاية الثقة والفضل في الدين والورع -فإننا لا ندري عمن قبل هذا الحديث. ومثله في هذا مثل الشاهدين العدلين يشهدان على الرجلين فلا تقبل شهادتهما حتى يعدلاهما أو يعدلهما غيرهما.
وإذا كان محمد بن المنكدر لم يسم لنا من أرسل عنه، فاحتمل أن يكون أرسل عن غير ثقة -فإن غيره ممن أوثق منه سمى لنا من أرسل عنه، فكان ضعيفًا، وبان عوار حديثه، فهذا ابن شهاب الزهري يقول: "إن--------------------------------------------
1 الرسالة ص 465، 466.
2 رواه ابن ماجه عن جابر. ورواه عنه الطبراني في الأوسط، والطحاوي ورواه البزار عن هشام بن عروة مرسلًا، وصححه ابن القطان، وله طريق أخرى عند البيهقي في الدلائل وأخرجه ابن حبان عن عائشة، قال في المقاصد الحسنة: "والحديث قوي" "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: إسماعيل بن العجلوني الجراحي "1162هـ" - مكتبة التراث الإسلامي- حلب. 1/ 239 - 241 رقم الحديث 628".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة"1.
ويقول الإمام الشافعي: أنه لم يقبل هذا؛ لأنه مرسل، حقًّا إن ابن شهاب إمام في الحديث والتخبير وثقه الرجال، وهو كثيرًا ما يسمي بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خيار التابعين، "ولا نعلم محدثًا يسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب؛ لكنه هنا قبل عن سليمان بن أرقم، وهو ضعيف؛ لأنه رآه رجلًا من أهل المروءة والغفلة، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه؛ إما لأنه أصغر منه، أو لغير ذلك، ولم يسمه إلا عندما سأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له2.
561- ومن أجل هذا يقول الإمام الشافعي: "يقولون: نحابي … ولو حابيننا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم3 … وإذا احتمل في ابن شهاب أن يروي عن مثل هذا الراوي الضعيف مع مكانته التي رأيناها -فالاحتمال أقوى وأكثر وقوعًا في غيره ممن هو أقل منه في إمامته وفضله.
562- هذا وقد زعم الماوردي أن الإمام الشافعي، في المذهب الجديد، يحتج بالمرسل إذا لم يوجد دليل سواه، وكذا نقله غيره، ولكن ابن السمعاني رد هذا بإجماع النقلة من العراقيين والخراسانيين عنه بأن هذا لا يجعل المرسل حجة عندالشافعي4.
563- وقد نسب التاج السبكي إلى الشافعي أن المرسل إذا دل على محظور ولم يوجد سواه، فالأظهر وجوب الانكفاف عن هذه المحظور - يعني احتياطًا وتورعًا5.--------------------------------------------
1 سبق الكلام عن هذا الحديث. انظر ص264 - 265 من هذا البحث.
2 الرسالة ص 467 - 470.
3 معرفة السنن والآثار 1/ 81.
4 فتح المغيث 1/ 142.
5 المصدر السابق 1/ 243.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

الاتجاه الرابع:
564- ويقف فيه المحدثون الذين لا يقبلون إلا الحديث المتصل ولا يعتبرون الحديث المرسل أو المنقطع حجة بأية حال ومن أي قرن..
565- ويمثل هذا الاتجاه الأئمة الكبار في القرن الثاني الهجري ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي يقول الإمام مسلم: "المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"، وحكى ذلك ابن عبد البر عن جماعة من المحدثين1،. ويقول النووي: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين"2.
ويرى يحيى بن سعيد القطان أن مرسلات أئمة الحديث لا فائدة فيها وليست ثابتة وإنما هي شبه الريح، يقول: "سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء لو كان فيه إسناد صاح به"، ويقول: "مرسلات أبي إسحاق الهمداني عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير" -يعني مثله. ويقول: "مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف" ويقول: "مرسلات ابن عيينة شبه الريح.. ثم قال: أي والله سفيان بن سعيد"3، ويقول أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ثم يقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه4. وقال في مراسيل الزهري: شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه5.
وإذا كانت مرسلات كبار المحدثين والعلماء هكذا فما بالك بمرسلات من هم دونهم؟!..--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد ص75.
2 التقريب ص9.
3 المراسيل ص12.
4 المصدر السابق ص11.
5 تدريب الراوي 1/ 205.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

566- وقد عرض العلماء المتأخرون حجة هؤلاء في رفضهم المراسيل وتمسكهم بالأسانيد المتصلة فقط، يقول ابن حزم: إن الذي يرسل إنما هو بمثابة من يحدث عن مجهول، و"من جهلنا حالة فرض علينا التوقف في خبره، وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله"، وسواء أقال الراوي العدل: "حدثنا الثقة" أم لم يقل لا يجب أن يلتفت إلى ذلك، إذ قد يكون عنده ثقة؛ لأنه لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره … والجرح أولى من التعديل، فقد وثق سفيان الثوري جابرًا الجعفي، وجابر من الكذب والفسق والشر والخروج عن الإسلام بحيث قد عرف، ولكنه خفي أمره على سفيان، فقال بما ظهر منه عنده"1.
567- ويقول النووي قريبًا من هذا: "ودليلنا في رد العمل به أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل؛ لجهالة حاله - فرواية المرسل أولى؛ لأن المروي عنه محذوف مجهول العين والحال2". ويفصل الإمام ابن حجر في شرح النخبة فيقول: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف"، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا، وإذا كان تابعيًّا فإنه يحتمل أن يكون ضعيفًا، وإذا فرض أنه ثقة فإنه من المحتمل أن يكون قد حمل عن تابعي آخر ضعيف وبالاستقراء وجد أن هناك سبعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فليس كل مرسل روى فيه التابعي عن الصحابي، حتى نقول ونتأكد أنه أرسل عن ثقة ولم يرسل عن ضعيف3.
568- ومن حيث الواقع العملي فهناك في زمن الصحابة والتابعين من يحدث وهو غير ثقة، فربما يروي عنه ولا يسميه، فتكون النتيجة هي روايتنا عن الضعاف دون أن ندري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبي: إني لأسمع الحديث استحسنه، فمنا يمنعني من ذكره إلا كراهية أن--------------------------------------------
1 الإحكام 2/ 135.
2 قواعد التحديث ص 133.
3 شرح نخبة الفكر ص17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)

يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به، فهذا يدل -كما يقول ابن عبد البر- أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره.
وقال عمران بن حدير: إن رجلًا حدثه عن سليمان التيمي، عن محمد ابن سيرين "أن من زار قبرًا أو صلى عليه فقد برئ الله منه". قال عمران: فقلت لمحمد عند أبي مجلز: إن رجلًا ذكر عنك كذا، فقال أو مجلز: كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء، فإذا لقيت صاحبك فأقرئه السلام، وأخبره أنه كذب. قال: ثم رأيت سليمان
عند أبي مجلز، فذكرت ذلك له، فقال: سبحان الله! … إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب.
569- وقد تقدم سما قاله ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج يقول بعد ما تاب:
إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا.. قال ابن حجر: إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل؛ إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن، فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطع، فيحتج به"1.
570- والأخبار التي تروي أن كثيرًا من المراسيل إنما ظهر ضعفها بعد كشف ما قطع منها- كثيرة، وتحمل في طياتها تحذير الأئمة من الأخذ بالأسانيد غير المتصلة2.
الإمام أحمد والمراسيل:
571- والحق أن الإمام أحمد رضي الله عنه ينتظم في سلك هذا الاتجاه، إذ أنه يعد الأحاديث المرسلة من الأحاديث الضعيفة التي لا يحتج بها، فقد--------------------------------------------
1 فتح المغيث 1/ 137 - 138.
2 المحدث الفاصل ص313 "المطبوع" - معرفة السنن والآثار 1/ 82.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

سئل عن حديث ثوبان: "أطيعوا قريشًا ما استقاموا لكم" قال: ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان، فقد حكم ببطلان هذا الحديث لأنه مرسل"1. ويضعف أحاديث راو بأنها تهوى وتنحط لأنها مرسلة، يقول في أبي الحارث بن سليمان الفزاري: "حديثه يهوى، ويفسر عبد الله هذا بقوله: -يعني مراسيل2 … وقد سئل عن حديث النبي، صلى الله عليه وسلم" مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين -متصل برجال ثبت، فقال: "عن الصحابة أعجب إلي"3، فهذا يدل على أن المرسل ليس بحجة عنده؛ إذ لو كان حجة عنده ما قدم عليه قول الصحابي لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي"4.
ويقول أبو زهرة عليه رحمة الله تعالى، مقررًا هذا الاتجاه عند الإمام أحمد: "إن أحمد رضي الله عنه اعتبر المرسل من قبل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابي، وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح قط، فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبر ضعيفًا لا صحيحًا وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف لا من قبيل الحديث الصحيح"5.
572- وعلى الرغم من هذا فقد نقل عنه ما فهمه بعض الباحثين على أنه يقبل المراسيل ويحتج بها، فيكون في هذا شأنه شأن أصحاب الاتجاه الأول الذي على رأسه الإمام مالك -كما قررنا- ومن أقواله التي يستدل بها على ذلك قوله: "ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا من المتصل" وقوله: "ربما--------------------------------------------
1 أصول مذهب الإمام أحمد: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي الطبعة الأولى 1394هـ - 1974م مطبعة جامعة عين شمس بالقاهرة ص294.
2 العلل ومعرفة الرجال 1/ 378.
3 المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، مجد الدين أبي البركات عبد السلام وشهاب الدين عبد الحليم وتقي الدين أحمد جمعها أبو العباس بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي "ت 745هـ" تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - مطبعة المدني بالقاهرة ص310.
4 أصول المذهب الإمام أحمد: ص 393 - 394.
5 ابن حنبل ص230.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

كان المرسل أقوى إسنادًا، وقد يكون الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه"1.
573- ولكن الذي يدرك عادة أئمة الحديث وعباراتهم عندما يوازنون بين الأحاديث يعرف أن هذه العبارة وأمثالها لا تعني أن الإمام أحمد يحتج بالمراسيل، بل قد تعني العكس تمامًا، إذا فهمناها على وجهها الصحيح، فهو يريد أن يقول: إن الحديث إذا جاء بطريق منقطع وآخر متصل فقد يكون هناك غلط في اتصاله، وأن الصحيح إنما هو انقطاعه أي أنه منقطع في الحقيقة، وواقع الأمر، وهذا بصرف النظر عن كونه يحتج به أو لا يحتج به. وهذا كثير وشائع في استعمالات المحدثين2. ولهذا كان الإمام أحمد يعجب من هؤلاء الذين يولعون بكتابة الأحاديث المتصلة ويأخذونها على أنها صحيحة مع أنها في الحقيقة مرسلة، فوصلها أحد الرواة غلطًا، يقول الميموني تلميذه: "كان يعجب أبو عبد الله رضي الله عنه، ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا منه وهو يوقفه، وقد كتبه على أنه متصل".. ويضعف هؤلاء الذين يرفعون المراسيل، ولو رووها على حقيقتها مرسلة ما كان هذا منكرًا منهم، وما كان سببًا في تضعيفهم، يقول عن صدقة السمين: "ما كان من حديثه مرفوع منكرًا، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل، وهو ضعيف جدًّا"3. ويقول في المغيرة بن زياد: "ضعيف الحديث، روي عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضر الجنازة قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم. قال عبد الله، قال أبي: رواه ابن جريح وعبد الملك عن عطاء مرسل.. وروي عن عطاء عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قصر وأتم". والناس يروونه عن عطاء مرسل4.--------------------------------------------
1 أصول مذهب الإمام أحمد ص300.
2 انظر علل الحديث لابن أبي حاتم ففيه الأمثلة الكثيرة جدًّا على ذلك.
3 العلل ومعرفة الرجال 1/ 84.
4 المصدر السابق 1/ 131 - 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

ومثل هذا ما قاله عبد الله بن الإمام أحمد سألته -يعني أباه- عن حديث رواه محمد بن مصفى الشامي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه وعن الخطأ والنسيان". وعن الوليد عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله، فأنكره جدًّا وقال: ليس يروي فيه إلا عن الحسن1. فقد أنكر الإمام أحمد هنا المسند، وذلك لوجود الخطأ فيه وأثبت المرسل، وذلك حتى لا يؤخذ المرسل ليحتج به على أنه مسند مع أنه في الحقيقة ليس مسندًا والأصح أنه مرسل.
وقد كان الإمام أحمد يوثق هؤلاء الرواة المتيقظين الذين يروون المرسل على إرساله والمتصل على اتصاله لا يخلطون بينهما، ويقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري -ليث بن سعد؛ يفصل ما روي عن أبي هريرة -يعني مرسلًا- وما عن أبيه عن أبي هريرة -هو ثبت في حديثه جدًّا2.
574- وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه أخذ ببعض المراسيل، الأمر الذي جعل بعض الحنابلة يفهمون منه أنه يأخذ بحجية المرسل مطلقًا ومنهم القاضي أبو يعلى الذي اختار أن يكون الإمام أحمد يحتج بالمرسل. وحجته كما قلنا أن الإمام أحمد أخذ ببعض المراسيل، فقد قال فيما نقله ابنه عبد الله: آخذ بحديث ابن جريح، عن ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار، عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبد الآبق إذا جيء به دينار.
وحكم على بعض المراسيل بالصحة، فقال: مرسلات إبراهيم لا بأس بها، ومرسلات سعيد ابن المسيب أصح المرسلات3. وقال: وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه4.
575- ومن أجل هذا الفهم من أبي يعلى تكلم على وجه أخذ الإمام أحمد بالمرسل، فقال: إن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ--------------------------------------------
1 العلل ومعرفة الرجال 1/ 203.
2 المصدر السابق 1/ 107.
3 العدة في أصول الفقه ص239.
4 المسودة ص276 عن أصول مذهب الإمام أحمد ص298.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} ولم يفرق بين من أنذر بمرسل أو مسند، ولأن عادة التابعين إرسال الأخبار إلى آخر الحجج التي تعرفنا عليها عند الآخذين بحجية المرسل. كما رد على الاعتراضات التي تثار ضد قبول المرسل.
576- والحق أن القاضي أبا يعلى لم يقل: إن الإمام أحمد قد قال بتلك الاستدلالات الكثيرة التي أوردها، حتى نلزمه بها ونقول: إنه يحتج بالمرسل مطلقًا.
577- والواقع أنه لا تناقض بين ما قلناه من أن الإمام أحمد يعتبر المراسيل من الضعيف وما نقل عنه من أنه قبل بعض المراسيل؛ لأنه يقبل بعض المراسيل بعض المراسيل مع الإقرار بأنها ضعيفة، وهذا في حالة واحدة يمكن أن نسميها حالة الاحتياط، وذلك إذا لم يجد غيرها بعد أن يفتش فلا يجد الأحاديث الصحيحة المسندة ولا الأقوال المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم. والأحاديث المرسلة شأنها -في ذلك عنده- شأن كل الأحاديث الضعيفة الأخرى التي يأخذ بها في هذه الحالة. إنه لا يوثقها، وإنما يقول: إنها -على ضعفها- أقوى من رأي الرجال1. ولو كانت موثقة عنده ما أخرها عن أقوال الصحابة وفتاواهم، وفي أقوال الإمام أحمد ما يدل على مرتبة هذه الأحاديث المرسلة، فهو يقول: "إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم تخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه"2. وإذا كان هذا النص لا يبين بالتحديد مكانة المرسل من أقوال الصحابة والتابعين فإن أدنى ما يقال ويفهم منه أنه يأخذ--------------------------------------------
1 قواعد التحديث ص 113.
2 المسودة لآل تيمية ص 276.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

بالمرسل في بعض الأحيان، وأنه أخره في الذكر عن أقوال الصحابة والتابعين، مما قد يشعر بأنه أقل منزلة منها، كما قربه بالحديث الضعي الذي في إسناده شيء.
578- وقد أدرك ابن القيم أن الإمام أحمد يؤخر المرسل إلى المرتبة الرابعة كما قد يحتمل من هذا النص، فذكر أن الإمام أحمد يأخذ بالنصوص فإذا لم يجد شيئًا منها لجأ إلى فتاوى الصحابة فإذا لم يجدهم أجمعوا، اختار من أقوالهم إذا اختلفوا، فإذا لم يجد عندهم إجماعًا ولا اختلافًا أخذ بالمرسل والحديث الضعيف1.
579- ولكن الذي يستوقفنا عند ابن القيم هو أنه قال -عقب ذلك- مبينًا منزلة الضعيف عامة والمرسل منه: إنه قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن عند الإمام أحمد، وأنه لم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف2.
وقد تبع ابن القيم في هذا أستاذه ابن تيمية الذي رأى هذا الرأي: لأن الحديث عند المتقدمين ينقسم إلى صحيح وضعيف فقط، وأن الحسن اصطلاح أحدثه الترمذي.
وقد سار على هذا الدرب بعض الباحثين المحدثين، وفسر أقوال الأئمة في الحديث الضعيف والأخذ به في ضوء هذا الرأي.
580- وقد ناقشناه في رسالة الماجستير. وأثبتنا أن الأئمة لا يعنون بالضعيف الحسن، وإنما يعنون به ما هو أقل منه، مما لا يحتج به في الحلال والحرام والحسن يحتج به عندهم فيهما3. كما أشرنا إلى أن أبا حاتم الرازي سبق الترمذي في استعمال الحسن4.--------------------------------------------
1 أعلام الموقعين عن رب العالمين: ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر "751هـ" - إدارة الطباعة المنيرة بالقاهرة 1/ 25.
2 أعلام الموقعين عن رب العالمين 1/ 25.
3 عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ص 229 - 230.
4 المصدر السابق ص229 - 300.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

581- ولكن الذي نضيفه هنا هو أن إطلاق الحسن على الحديث وعلى الراوي وراد على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، بل ورد هذا الإطلاق على لسان أحمد نفسه، وأنه كان يستعمله بالمعنى الاصطلاحي الذي هو دون الصحيح وفوق الضعيف.
582- ثم ما الداعي إلى تفسر كلمة ضعيف بالحسن؟ مع أن ظاهخر كلام أحمد يشير إلى أن مراده بالضعيف الضعيف الذي لم تتحقق فيه شروط القبول، فإنه يريد أن الرأي لا يعتد به عنده ما دام قد نقل في المسألة نص ولو ضعيف؛ فإن الضعيف خير من الرأي.."ضعيف الحديث أقوى من الرأي".
583- "وإذا فسرنا" الضعيف "بالحسن" فأي فائدة في هذا التنصيص من الإمام أحمد على أن الحسن مقدم على الرأي؟ إذ أن هذا أمر ثابت مقرر فالحسن حجة في كافة وجوه الاحتجاج، ولم يقل عن أحد من المتقدمين نفي الاحتجاج بالحسن إلا ما نقل عن أبي حاتم"1.
584- وتخلص من هذا إلى أن الإمام أحمد يعتبر المرسل غير صحيح وضعيف وينضم في سلك هذا الاتجاه، الذي يرفض المراسيل كأحاديث صحيحة يحتج بها.
أثر هذا الاتجاه في توثيق السنة:
585- وقد أفاد هذا الاتجاه أيما إفادة في توثيق الحديث، إذ قام أصحابه بما يشبه الاستقراء في تمييز الروايات التي جاءت مرسلة، والتي حدث بها مرسلوها عمن لم يسمعوها منهم، وأسقطوا من حدثوهم. وعرفوا من أرسل عن ثقات وسموه ومن كان غير ذلك، وسدوا بذلك النقص الذي أحدثه المتقدمون بإرسالهم الكثير من الأحاديث، ولو ذهبوا إلى ما ذهب إليه--------------------------------------------
1 قواعد في علوم الحديث: التحقيق في الهامش ص100 - 107 من بحث الشيخ محمد عوامه فينقد كلام ابن تيمية وابن القيم في الضعيف عند الإمام أحمد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

أصحاب الاتجاه الأول مثلًا ما فعلوا ذلك، يقول: "قد تأمل المتقدمون مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره"1 … وقال ابن المديني: "مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها "وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين"2.
وقال شعبة بن الحجاج: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا، فقال أحمد بن حنبل: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاسًا والحسن، وقد سمع قتادة من خلاس3.
586- وبعد أن انتهينا من الاتجاهات في الأخذ بالمرسل وعدم الأخذ به فإننا نسجل ملاحظتين على هذه الاتجاهات:
الأولى: أنه يتمثل في هذه الاتجاهات جميعها الحرص على أخذ السنة صحيحة متصلة الإسناد، ولم يكن في أخذ بعض العلماء بالمراسيل تخل عن هذا المبدأ وإنما لأنهم رأوا أن المراسيل كلها عند البعض أو بعضها عند البعض الآخر إنما هي صحيحة وإن بدت شكليًّا أنها منقطعة.. وكما يقول عبيد الله بن مسعود من الحنفية الذين يأخذون بالمرسل: "والمرسل منقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الظاهر لعدم الإسناد الذي يحصل به الاتصال لا من حيث الباطن للدلائل المذكورة في المتن الدالة على قبول المرسل4.
وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن كل العلماء على اختلاف اتجاهاتهم في هذا السبيل كانوا يأخذون بالمسانيد في حقيقة الأمر، والاختلاف هنا شكلي أو راجع إلى أسس أخرى غير كون الحديث مرسلًا أو غير مرسل. وقد يقال: لم إذن هذه الدراسة وهذا العناء؟ نقول: إنها أفادتنا في أمور منها: أننا أصبحنا على يقين من أن الذين رأوا الأخذ بالمراسيل لم يكونوا مفرطين، كما يبدو--------------------------------------------
1 معرفة علوم الحديث ص26.
2 تدريب الراوي 1/ 204.
3 العلل ومعرفة الرجال 1- 88.
4 شرح التوضيح على التنقيح: عبيد الله بن مسعود. الطبعة الأولى بالمطبة الخيرة بمصر 2/ 257.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

من أول وهلة -ومنها تصحيح بعض الأخطاء- من وجهة نظرنا التي وقع فيها بعض الباحثين كاتهام مالك مثلًا بأنه تناقض مع نفسه حين أخذ بالمراسيل وترك بعضها …
الثانية: أن هناك تدرجًا زمنيًّا في قبول المراسيل -كما يقول الأستاذ أبو زهرة1- فكلما كان الإمام أسبق أو العلماء أسبق كانوا أكثر قبولًا للمراسيل وكلما بعد الزمن وجدنا التشدد في قبولها، والسبب في ذلك أن الناس كلما اقتربوا من عهد الصحابة كانوا أكثر تورعًا وتقوى، فلا يروون إلا ما صح عندهم والقليل من كان غير ذلك … أيضًا فالسند يكون غير طويل، فإذا أرسل تابعي فإنه من العادة أنه سمعه من صحابي أو من زميل له تابعي يثق فيه والمرسلون عن بعضهم أحياء، ويستطيع المتحمل للحديث أن يتصل ببعضهم ويعرف حقيقة ما يحدثون، وليس الأمر كذلك في زمن الشافعي مثلًا، وفي زمن أحمد بن حنبل وأئمة الحديث في عصره، فالتدين قل … واستفحلت المذاهب، ودعاتها كثروا … واستطال السند ومن أرسل عنهم ماتوا ويحتمل أن يكونوا من الضعاف.
587- وبعد؛ فقد تعرفنا على جهود العلماء، من فقهاء ومحدثين في وضع أسس توثيق سند الحديث ورجاله الذين نقلوه، وكانت لهم جهود أخرى في وضع أسس تعنى بمتن الحديث بعيدًا عن نقلته وهو ما سنتعرف عليه -إن شاء الله عز وجل في القسم الثاني الذي أصبحنا على مشارفه واقتربنا من عتباته بعون من الله الكريم وفضله.--------------------------------------------
1 ابن حنبل ص231.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

‌‌القسم الثاني: توثيق متون السنة
‌‌مدخل
…
تقدمة:
588- في القسم الأول تعرفنا على جهود علماء القرن الثاني الهجري من محدثين وفقهاء في توثيق السنة من خلال توثيقهم لراوي الحديث وسنده، وهي طريقة استولت على معظم جهودهم وجهود من بعدهم؛ لأنه -حقًّا- إذا نقل السنة رواة ثقات، وأسلمها بعضهم إلى بعض بطريقة سليمة، فإنه -مما لا شك فيه- ستنتقل كما صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تبديل أو تغيير أو دخيل.
589- وعلى الرغم من أن هذه الجهود كانت كافية في توثيق السنة، مما جعل كثيرًا من المحدثين يكتفون بها -فقد كانت هناك كثير من المشكلات والصعوبات التي رأى بعض الفقهاء أمامها البحث في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن الرواة والأسانيد، أو بعبارة أخرى أدق: دون الاهتمام الكثير بنقلة الحديث، على حين يركزون الضوء، ويعملون الذهن والفكر فيما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه: هل يتلاءم مع اعتبارات معينة -من وجهة نظرهم- فيكون وثيق الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، أم يتناقض مع هذه الاعتبارات، فيكون دخيلًا ومزورًا.
590- ومما أباح لهم تلك النظرة أن الحكم بصحة الأسانيد وتوثيق الرواة إنما هو حكم من حيث الظاهر، والله سبحانه وتعالى هو -وحده- العليم ببواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم فقد يأتي الحديث بإسناد يبدو صحيحًا، ولكنه في واقع الأمر وحقيقته على خلاف ذلك وتدل على هذا اعتبارات أخرى كما أشرنا، فقد يبدو خبر الواحد متناقضًا مع النصوص الثابتة، وقد يكون متناقضًا مع عمل أهل بلد معين، وخاصة إذا كان هذا العمل هو عمل أهل المدينة، وهم أبناء المهاجرين والأنصار الذين توارثوا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل … وغير ذلك من الاعتبارات التي سنبحثها، ونسير مع من وضعوها مقاييس العمل بخبر الآحاد أو تركه، وبعبارة أخرى توثيقه أو عدم توثيقه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

591- وجدير بالذكر -كما أشرت- أن معظم المحدثين اكتفوا بتوثيق الأسانيد وسيلة إلى توثق المتن، وهم في هذه الحالة لا يرون تعاوضًا بسبب هذه الاعتبارات يشكل خطرًا على الحديث، ويهدم ما بنوه من توثيق بعض الأسانيد وتوثيق متونها، تبعًا لذلك.. ووجهة نظرهم أننا ما دمنا قد وثقنا من الحديث عن طريق الثقة بنقلته -فإن أية محاولة أخرى إنما هي هروب من العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحكيم الآراء التي قد تخطئ وقد تصيب، وأن أي تعارض إنما هو من وجهة نظرنا، ولا يزيله إلا أن نؤمن بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بالإسلام ومبادئه منا، وقد عبر الإمام الشافعي عن هذا الاتجاه وأكده في أكثر من موضع، وفي كل مناسبة أوضح تعبير، يقول: "فلم يكن له -يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا لأحد إدخال "لم"؟ و"كيف" ولا شيئًا من الرأي على الخبر عن روسل الله صلى الله عليه وسلم، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحدًا1 ".. فلا اعتبار فوق اعتبار أن الحديث قد نقل نقلًا صحيحًا، برواة عدول ضابطين، وقد ضرب المثل على أن الحديث قد يبدو معارضًا لكتاب الله عز وجل، ومع هذا نقبله، وليس لنا حجة في ذلك إلا أن الذي نقله ممن يثبت أهل الحديث حديثه، يقول: "قد روينا ورويت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن تحج عن أبيها، ورجلًا أن يحج عن أبيه، فقلنا نحن وأنت به، وقلنا نحن وأنت معًا لا يصوم أحد عن أحد، أفرأيت إن احتج له أحد ممن خالفنا فيه، فقال: الحج عمل على البدن كالصلاة والصوم، فلا يجوز أن يعمله المرء عن نفسه، وتأول قول الله عز وجل: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 2 وتأول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} 3 وقال: السعي العمل، والمحجوج عنه غير عامل، فهل الحجة عليه إلا أن الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن يثبت أهل الحديث حديثه، وأن الله فرض طاعة رسوله، وأن ليس لأحد خلافه،--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص21 وانظر شبيهًا بهذا في ص 339 منه.
2 سورة النجم: 39.
3 سورة الزلزلة: 7، 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

ولا التأول معه؛ لأنه المنزل عليه الكتاب المبين عن الله معناه1؟ …
592- فالإمام الشافعي هنا يقول: إنه قد يبدو لنا تعارض بين الحديث وبعض الآيات القرآنية، مما يجعل البعض يترك حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم ويستعمل القياس فيما يثبت خلاف السنة، ولكن لا تعارض في الحقيقة؛ لأنه ما دام الحديث قد نقله الصادقون فإننا نتأكد أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحكمة يعلمها الله ورسوله إن خفيت علينا وعلينا العمل به، تنفيذًا لأمر الله عز وجل بطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، ويكون الحديث حينئذ مخصصًا لهذه الآيات، حتى لو فهمناها كما فهمها من قال بالتعارض بينهما وبين الحديث.
ويوضح الإمام الشافعي هذا مرة أخرى، فيقول: "فوجب على كل عالم ألا يشك أن سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا قامت هذا المقام مع كتاب الله عز وجل في أن الله أحكم فرضه بكتابه، وبين كيفما فرض على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأبان على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم ما أراد به العام والخاص -كانت كذلك سنته في كل موضع لا تختلف. وأن قول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا استعلمنا ظاهر القرآن، وتركنا الحديث- جهل، لما وصفت.. فأبان الله لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها، لا أن لنا معها من الأمر شيئًا إلا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأن كل ما سواها من قول الآدميين تبع لها"2.
593- فهو هنا يؤكد أنه من الجهل عرض السنة على القرآن لتثبيتها أو ردها، وأنه يجب ألا نأخذ بهذا المقياس من أجل ذلك، كما ينبغي ألا تعرض على القياس أو شيء آخر.
594- وفي الفصول التالية سنمضي -إن شاء الله عز وجل مع الفقهاء الذين أخذوا بهذه المقاييس والذين ردوها مقارنين بين هؤلاء--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص31، 32.
2 اختلاف الحديث ص44، 45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

وأولئك … إنه -بصرف النظر عن اختلافهم- سيتضح لنا بيقين افتراء الحاقدين على سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى علمائنا حينما قالوا: إنهم لم يقدموا الأحاديث موثقة، وإنهم انشغلوا بأسانيدها، ولم يعتنوا بمتونها وأنه إذا كان هذا ينطبق على فئة من العلماء -فإنه لا ينطبق عليهم جميعًا.
الأمر الذي أدى إلى وضع المقاييس التي لا تقل أهمية في توثيق السنة عن المقاييس التي وضعت لتوثيقها من حيث السند.
595- وهذا وذاك أدى -بفضل من الله عز وجل إلى تثبيت سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحفظها نقية خالصة للمسلمين؛ كي ينهلوا من معينها، تبين لهم كتاب ربهم وتهديهم -مع كتاب الله الكريم- إلى التي هي أقوم …

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)