وقال في رده على أهل المدينة حين رأوا أن القهقهة في الصلاة تبطل الصلاة ولا تنقض الوضوء: لولا ما جاء من الآثار كان القياس على ما قال أهل المدينة، ولكن لا قياس مع أثر، وليس ينبغي إلا أن ينقاد للآثار1.
874- وكان الإمام محمد يرى أن من سبقه الحديث بغير قصده وهو في الصلاة ينصرف فيتوضأ ويبني على صلاته، وأخذ في ذلك بالأثر الذي روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم". وقد روى عن أبي بكر وعمر وعلي ابن مسعودوابن عباس أنهم بنوا على الصلاة بعد الوضوء دون الاستقبال.
875- وأخذ الإمام محمد على مالك أنه كان يقول بذلك أولًا ثم رجع إلى أن عليه أن يستقبل الصلاة؛ لأن رجوعه هذا رجوع من الآثار إلى القياس2.
876- ووجه القياس هنا أن الطهارة -كما تكون شرطًا لابتداء الصلاة تكون كذلك لبقائها، "فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط" فكذلك بقاؤها3.
877- وهذا يجعلنا نرى -كما يقول بعض الباحثين: أن "هذا يدل على أن الإمام محمدًا ما كان ينظر إلى القياس إذا صح الأثر لديه مهما يكن الأصل المقيس عليه، والعلة الجامعة بين الأصل والفرع"4.
878- والحق، كذلك، أنه يبدو أن مدرسة الأحناف بأئمتها الثلاثة كانت تستخدم القياس في هذا الباب ولكن -مثل استخدام المقاييس الأخرى--------------------------------------------
1 الحجة ص 266.
2 المبسوط حـ1 ص 169.
3 الإمام محمد ص 267.
4 المصدر السابق ص 267.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
فيما رجحناه، أن في تأكيد ما ثبت ضعفه وانقطاعه أو انضمامًا إلى علامات أخرى توضح ضعف الخبر، فحديث المصراة عندهم ضعيف قبل أن يصلوا إلى النظر إليه من حيث ملاءمته للقياس أولًا، ثم تأتي مخالفته للقياس فتنضم إلى مخالفته للكتاب وللسنة المشهورة في نظرهم.. ولا محل للقياس ابتداء في ثبوت الخبر أو تضعيفه حتى ولو كان راوي الخبر غير فقيه، والقول بغير ذلك "قول مستحدث"1.
879- وهذا ما خرج به الأستاذ أبو زهرة من دراسته لأبي حنيفة، حيث رأى أنه يقدم القياس في أخبار الآحاد التي لم يكن سندها مقبولًا عنده.
ولكننا لا نوافقه في قوله: إن أبا حنيفة يقدم القياس على أخبار الآحاد إذا كان القياس قطعيًّا2.. ونقول كما قال أبو الحسن الكرخي، وكما تبين من هذه الدراسة، إنه لا يترك الخبر من أجل القياس قطعيًّا أو غير قطعي3، وكما يقول ابن تيمية: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوها"4.
الخبر والقياس عند مالك:
880- وإذا تركنا الأحناف وجدنا أنه روي عن مالك تقدم الخبر على القياس عند تعارضهما، ويقول الأستاذ أبو زهرة، إن الكثيرين من المالكية يقررون ذلك، وإنهم بالإجماع يذكرون أنه أحيانًا قد أخذ بالقياس ورد خبر الآحاد في تلك الحالة5.--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ2 ص703.
2 مالك: ص299.
3 كشف الأسرار حـ2 ص703.
4 صحة أصول مذهب أهل المدينة ص24.
5 مالك ص298.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
881- وقال القرافي: "حكى القاضي عياض في التنبيهات وابن رشد في المقدمات: في مذهب مالك في تقديم القياس أحد قولين1.
ثم ذكر الحجة في تقديم القياس على خبر الواحد، فقال: إن القياس موافق للقواعد الفقهية من جهة تضمنه لتحصيل المصالح أو درء المفاسد، أما الخبر المخالف لها فيمنع من تحقيق هذه المصالح أو من درء تلك المفاسد فيقدم الموافق للقواعد على المخالف لها2.
وإذا كانت حجة من منع تقديم القياس على خبر الآحاد أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله، لأنه لو قدم على أصله لأبطل الأصل، ولو أبطل أصله لبطل -فإنه يبدو من كلام القرافي أنه يرى أن مذهب مالك تقديم القياس على خبر الواحد بدليل أنه ينقد حجة من يرى تقديم القياس على خبر الآحاد فيقول:
ولا يقال: إن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله وإلا لأبطل أصله، لأن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس لا تناقض، فلم يقدم الفرع على أصله، بل على غير أصله2.
882- وذكر الدبوسي في تأسيس النظر4 والشاطبي في الموافقات5 كثيرًا من المسائل التي يقدم فيها مالك رضي الله عنه القياس على خبر الواحد ومن هذه المسائل: "غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقد جاء الحديث" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فيلغسله سبع مرات" 6.--------------------------------------------
1 تنقيح الفصول ص387.
2 شرح تنقيح الفصول ص387.
3 المصدر السابق ص387 - 388.
4 تأسيس النظر: عبد الله بن عمر الدبوس الحنفي. نشر زكريا علي يوسف - القاهرة ص65 - 67.
5 الموافقات حـ3 ص 10 - 11.
6 الموطأ: ص 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
883- قال الشاطبي: إن مالكًا قال في هذا الحديث: لا أدري ما حقيقته، وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟! فقد اتخذ من أكل صيده الثابت بأصل قطعي، وهو قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين} -دليلًا على طهارة لعابه، والحديث يدل على نجاسته، فتعارض الحديث مع استنباط قطعي من القرآن الكريم.
884- ومن هذه التي تعارضت مع القياس، فردها الإمام مالك رضي الله عنه -كما يذكر الشاطبي- حديث خيار المجلس الذي يوجب أن يكون لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما دام المجلس متحدًا لم يتفرق.
885- وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار" وقال بعد روايته: "وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه"1. ورده؛ لأن المجلس ليس له نهاية معلومة، بحيث يكون للفسخ مدة معلومة، وإن شرط الخيار يبطل إجماعًا إذا لم تكن له مدة معلومة، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطًا بالشرع؟ … ولو كان يجوز الخيار لمدة مجهولة لجاز اشتراط الخيار من غير مدة ويضاف إلى ذلك أن الحديث بجهالة مدته يعارض قاعدة نفي الغرر والجهالة في العقود2.
886- ومن الأمثلة التي ردها كذلك لمعارضتها بالقياس حديث صيام الأيام الست من شوال وفضيلتها، فقد نهى عن صيام ست من شوال، وأخذ من ذلك بمبدأ سد الذرائع خشية أن تؤدي المداومة عليها إلى زيادة رمضان واعتقاد وجوبها.
887- وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج فقال: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل قال ابن أيوب--------------------------------------------
1 الموطأ: ص416.
2 مالك: ص300.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" 1.
888- ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ومناقشتها؛ لأن غيرها لا يخرج بعضه عن طبيعتها وبعضها الآخر واضح منه تمامًا أنه يرفضه لا من أجل قياس، وإنما لمعارضته نص آخر أقوى منه، ومن هذا حديث عدد الرضعات الذي رده؛ لأنه يتعارض مع إطلاق الآية الكريمة: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم} 2 وحديث المصراة الذي يتعارض مع الآية والحديث، كما سبق أن ذكرنا.
889- أما الحديث الأول: وهو حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب فالواقع أن الإمام مالكًا لم يرده؛ لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غاية الأمر أنه لم يجعل الأمر للوجوب، وإنما جعله للندب، ثم استخدم القياس فقط لتأييد فهمه هذا، وكلام ابن القاسم الذي ورد فيه قوله: إنه "لم يدر حقيقة هذا الحديث" يدل على ذلك، وقد أورده ابن عبد البر في كتابه الاستذكار كاملًا وهو: "جملة مذهب مالك عند أصحابه اليوم أن الكلب طاهر، وأن الإناء يغسل منه سبعًا عبادة، ولايهرق شيء مما ولغ فيه غير الماء وحده ليسار مؤونته، وأن من توضأ به إذا لم يجد غيره أجزأه وأنه لا يجوز التيمم لمن كان معه ما ولغ فيه كلب، وأنه لم يدر ما حقيقة هذا الحديث، واحتج بأنه يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟ وقال مع هذا كله لا خير فيما ولغ فيه كلب: ولا يتوضأ به أحب إلى هذا كله ما روى ابن القاسم عنه"3.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي حـ3 ص230 - 231.
2 النساء: 23.
3 الاستذكار، لمذاهب فقهاء الأمصار: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر "463هـ" تحقيق علي النجدي ناصف. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 1391هـ - 14971، حـ1 ص258.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
890- وهكذا رأينا أن مالكًا لم يستطع أن يترك الحديث وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله، وكان من نتائج هذا القبول أن قال: إن غسل الإناء سبعًا على وفق ما جاء به الحديث عبادة، وأنه لا خير فيما ولغ فيه كلب، ولم يقل بنجاسته ووجوب غسله لأنه -بهذا الفهم- يتعارض مع ظاهر الآية الكريمة التي تحل أكل ما يصيده الكلب المعلم {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين} 1.
891- ومثل هذا تمامًا حديث النهي عن أكل عن كل ذي ناب من السباع، فقد أخذ به، لكنه لم يحمل النهي على التحريم، وإنما على الكراهة؛ لأنه يتعارض -بفهم التحريم- مع كتاب الله تعالى -ولما كان ثابتًا ومعه العمل قال بالكراهة كما قلنا.
892- أما عبارة "أنه لم يدر حقيقة هذا الحديث" فتدل على حيطة مالك وحذره إزاء ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما تدل على الجرأة على تركه، كما فهم بعض الدارسين لفقهه؛ لأنه -على الرغم من أنه يقول: إن الأمر بالغسل للاستحباب- فإنه لا يريد أن يحكم على الحديث بهذا الذي ذهب إليه، فأعلن أنه لا يدري ما حقيقة هذا الحديث من حيث فهمه، لا من حيث ثبوته، فهو ثابت عنده بدليل ما سبق من كراهته للماء الذي يشرب منه الكلب واستحباب غسل الإناء، وبدليل روايته في كتابه الموطأ فهو لا يروي فيه إلا أحاديث الثقات فقد سأله بعضهم عن راو، فقال: "هل رأيته في كتبي … ؟ أي إنه لا يدون في كتبه إلا الثقات وأحاديثهم"2.
893- إذن لم يترك مالك هذا الحديث بالقياس -كما فهم بعض الباحثين- وإنما قبله لأنه صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد استخدم القياس هنا حقًّا، ولكنه استخدمه لتأييد فهمه للحديث لا لرده.--------------------------------------------
1 المائدة: 4.
2 المحدث الفاصل "المطبوع" ص410.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
894- والحديث الثاني شبيه بهذا من حيث إن الإمام مالكًا رواه في موطئه، فهذه دلالة على أنه صحيح، ومن حيث فهمه له فهمًا خاصًّا غير ما يدل عليه ظاهره، وهو تفسير التفرق بالكلام وإتمام الإيجاب والقبول؛ يقول الدكتور محمد يوسف موسى عليه رحمة الله مبينًا وجهة نظر مالك وغيره ممن ذهب مذهبه في خيار المجلس، موضوع هذا الحديث "أما من ناحية الأحاديث التي استدل بها الذين أثبتوا هذا النوع من الخيار، فإن الآخرين يعمدون إلى تأويلها -كما قلنا- وفهمها على نحو آخر لا يجعلها يؤخذ منها وجوب خيار المجلس للمتبايعين متى تم البيع بصدور الإيجاب والقبول من طرفيه عن رضًا منهما … ومعنى هذا أن تلك الأحاديث -أحاديث خيار المجلس- صحيحة عند الجميع"1.
895- وقد ذهب مالك إلى هذا الفهم حتى لا يتعارض الحديث مع الآية الكريمة التي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فالله تعالى قد أباح للمشتري أكل ما يشتري، وللبائع أخذ الثمن بعد وقوع التجارة، وهي الإيجاب والقبول في عقد البيع وعن تراض، فالذين يمنعون ذلك بإيجاب الخيار "مدة المجلس" يخرجون عن ظاهر الآية ويخصصونها من غير دلالة وهذا ما توقاه مالك رحمة الله تعالى عليه2.
896- ويقول ابن العربي المالكي عند الكلام على هذه الآية مبينًا أنها هي وغيرها من الآيات التي وردت في ذكر البيع والشراء والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس ولا لافتراق الأبدان فيها: "قوله تعالى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} هو حرف أشكل على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم، … واختار الطبري أن يكون تأويل الآية إلا تجارة تعاقدتموها، وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها، وهذه دعوى.. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا وذلك ينقضي بالعقد، وينقطع بالواجب وبقاء--------------------------------------------
1 البيوع والمعاملات المالية المعاصرة: د. محمد يوسف موسى -الطبعة الثانية "1373هـ - 1954م" دار الكتاب العربي بمصر 60.
2 أحكام القرآن للجصاص حـ2 ص175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقًا ولا تنبيهًا. ثم بين أن الآيات التي ذكرت في البيع والشراء لا تدل على خيار المجلس1.
897- أرأيت كيف أن مالكًا لم يترك الحديث للقياس، وإنما فهمه فهمًا معينًا يتلاءم مع الآيات القرآنية الكريمة؟! وحتى لو قلنا: إنه ترك هذا الحديث فإنه لم يتركه مؤثرًا القياس عليه، وإنما لمعارضته للآيات القرآنية الكريمة وبعبارة أخرى: تركه لمعارضته لظاهر القرآن الكريم.
898- وعبارته تعقيبًا على هذا الحديث: "ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه" إنما تشير إلى أن الأمر ليس كما يفهم من ظاهر الحديث، فهو بهذا الظاهر لا يعمل به، وإنما يحتاج إلى فهم يتلاءم به مع النصوص القرآنية.
899- ويقول القاضي عياض في هذه العبارة قولًا آخر يدل كذلك على غير ما ذهب إليه بعض الناس من أنه رد هذا الحديث من أجل القياس، يقول: "وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في موطئه: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به" وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم وأشنع تشانيعهم، قالوا: هذا رد للخبر الصحيح إذ لم يجد عليه عمل أهل المدينة، حتى قد أنكره عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي ذئب فيه كلامًا شديدًا معروفًا، فالجواب أنه إنما أتيت بسوء التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده رد البيعين بالخيار وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث، وهو قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلا قدر ما تختبر فيه السلعة وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال البيع2.
900- وننتقل إلى الحديث الثالث، وهو حديث صيام الست من--------------------------------------------
1 أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي تحقيق على محمد البحاوي - الطبعة الثانية عيسى البابي الحلبي "1387هـ 1967م".
2 ترتيب المدارك حـ1 ص72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
شوال1 وهذا الحديث هو الذي يمكن أن نقول فيه: إن مالكًا رحمه الله تركه، فلم يذكره في الموطأ، وإنما أفتى بخلافه فيه فقد قال يحيى بن يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: "إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصه عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك".
901- ومن كلام مالك هذا نفهم أنه لم يرد الحديث للقياس وإنما لأن السلف لا يفعلون ذلك، والسلف لا يتركون هذه السنة لو صحت ولأنه لا يجد أحدًا من أهل العلم يفعل ذلك؛ اقتداء بالسلف، وعدمك بلوغهم هذا الحديث؛ لأن أحدًا منهم لا يستطيع أن يرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
902- ومما يؤيد ذلك تسميته له بالبدعة، ولم يقل أحد إن أهل العلم يكرهون رخصة من الرخص التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحض عليها؛ لأن العامة سيحلقونها بفريضة من الفرائض ويعتقدون وجوبها ويحيطونها بالبدعة.
903- إذن فالأمر لا يعدو أن مالكًا رضي الله عنه عرض هذا الحديث على عمل الصحابة والتابعين فوجدهم لا يفعلونه بل يرغبون عنه فرأى أن الحديث لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومناقشة مالك في هذا--------------------------------------------
1 قال النووي في شرح هذا الحديث في مسلم "حـ2 ص231" فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها. قالوا: فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم: قد يظن وجوبها، ينتقد بصوم عرفة وعاشوراء وغيرها من الصوم المندوب، قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
الحديث لا تكون على أساس: هل أخذ بخبر الواحد أو بالقياس وإنما على أساس آخر، وهو هل نترك خبر الواحد لعمل الصحابة أو بعضهم أو عمل العلماء أولًا؟ وأظننا نصل إلى جواب عندما نقرأ موقف الأحناف من عمل الصحابة أو فتواهم وموقف الشافعي المعارض له وهو ما سبق أن ذكرناه.
904- والذي أرجحه أن مالكًا رحمه الله لم يصله هذا الحديث بطريق صحيحة، فضم إليه قرينة عدم العلم من السلف وغيرهم فتركه.
905- وبعد، فلعلنا نستطيع أن نقول: إن مالكًا رحمه الله لا يترك الحديث الصحيح الثابت من أجل قياس من الأقيسة، وأن نوافق قول أحد العلماء الذي يقول: "وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل، وهذا القول باطل سمج، مستقبح عظيم، وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول، ولا يدري ثبوته منه"1.*
الإمام الشافعي وعرض الخبر على القياس:
906- وإذا تركنا ما قيل عن الإمام مالك إلى الإمام الشافعي وجدنا أنه يعلن أن لا مكان للقياس مع خبر الواحد، وغير الواحد من باب أولى، فوجود الخبر والقياس بمنزلة وجود الماء والتراب، وكما لا يجوز التيمم مع وجود الماء لا يجوز القياس مع وجود الخبر، يقول مبينًا هذا: "ويحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن، ويحكم بالسنةقد رويت عن طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه يمكن الغلط فيمن روي الحديث، ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة--------------------------------------------
1 كشف الأسرار حـ2 ص697.
* ويقول الخطيب البغدادي: إن أصحاب مالك يقدمون القياس على خبر الواحد "الفقيه والمتفقه مج1 حـ4 ص133" فيبدو أن هذا نسب إلى مالك كما نسب إليه تقدم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، وبعض أصحابه هم الذين فعلوا ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
ضرورة، لأنه لا يحل القياس والخبر موجود كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون من طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"1.
907- لكنه رحمه الله استخدم القياس على نحو آخر، وهو تعضيد ثبوت الأخبار وترجيحها على غيرها، يقول عن الأحاديث: "ومنها ما يختلف، ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي صلى الله عليه وسلم مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما أن يصار إليه"2.
908- وبعض الأمثلة التي ذكرها في كتابه اختلاف الحديث توضح ذلك:
في باب صلاة المنفرد خلف الصف روي "عن سفيان بن عيينة عن حصين … عن هلال بن يساف … قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: وابصة بن معبد، فقال: أخبرني هذا الشيخ "أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة".
وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال، عن وابصة، سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت.
909- "وسمعت من يروي بإسناد حسن أن أبا بكر ذكر للنبي، صلى الله عليه وسلم أنه ركع دون الصف، فقال له النبي: "زادك الله حرصًا ولا تعد" فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة--------------------------------------------
1 الرسالة ص599 - 600.
2 اختلاف الحديث ص57 - 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه1.
910- وهكذا نحن أمام حديثين مختلفين: أحدهما يحكم على صلاة المنفرد خلف الصف بالبطلان، والثاني يقول: صلاته صحيحة، وإن كانت مكروهة.
911- والحديث الذي رواه الإمام الشافعي ثانيًا حديث ثابت كما يقول، أما الحديث الذي رواه أولًا فهناك شك في ثبوته أو هو متأرجح بين الثبوت وعدمه.. وعلى كل حال سنفترض ثبوته، فأيهما يرجح على الآخر؟
912- يرى الشافعي أن الحديث الثاني أولى أن يؤخذ به لأن معه القياس وقول العامة "ثم يوضح هذا، فيقول: "فإن قال قائل: وما القياس وقول العامة؟ … قيل: أرأيت صلاة الرجل منفردًا أتجزئ عنه؟ فإن قال: نعم. قلت: وصلاة الإمام أمام الصف، وهو في صلاة الجماعة؟ فإن قال: نعم. قيل فهل يعدو المنفرد خلف المصلي أن يكون كالإمام المنفرد وأمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردًا، فالشافعي هنا قاس صلاة المنفرد خلف الصف بصلاة من يصلي وحده أو مع الإمام متقدمًا عليه وهذا جائز، فكذلك الحالة التي معنا، ثم قاس هذا على حكم آخر يدل عليه الحديث، وهو صلاة المرأة منفردة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن مالك أن جدته مليكة دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود … فنضحته بالماء، فقام عليه رسول الله، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف، وذكر الشافعي طريقًا آخر لهذا الحديث ثم بين ما يهدف إليه وهو أن هذا شبيه بذاك، وبالقياس عليه تتبين صحة صلاة المنفرد خلف الصف فيقول:--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص 218 - 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
"فأنس يحكي أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا كما تجزئها هي صلاتها"1.
913- وفعل الشافعي مثل ذلك في غير هذا الحديث، فرجح مثلًا حديث ابن الصمة الذي يقول: إن التيمم مسح الوجه واليدين إلى المناكب3 رجح الأول على الثاني؛ لأنه أشبه بالقرآن وأشبه بالقياس بأن البدل من الشيء إنما يكون مثله"4.
914- ورجح حديث أن الحجامة لا تفطر الصائم على حديث آخر يقول: إنها تفطره؛ لأن الأول معه القياس، وهو "أن ليس الفطر من شيء يخرج من جسد إلا أن يخرجه الصائم من جوفه متقيئًا، وأن الرجل قد ينزل غير متلذذ، فلا يبطل صومه. ويعرق ويتوضأ، ويخرج منه الخلاء والريح والبول ويغتسل … فلا يبطل صومه، وإنما الفطر من إدخال البدن أو التلذذ بالجماع أو التقيؤ، فيكون على هذا إخراج شيء من جوفه كما عمد إدخاله فيه"5.
915- وقد يعبر الشافعي رحمه الله عن القياس بكلمة "المعقول" أي: إذا كان عقلًا هذا الشيء شبيه بذاك فإنه يأخذ حكمه. ويرجح به بعض الأحاديث على بعض، ومثال ذلك مسألة: "من أصبح جنبًا في شهر--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص218 - 221.
2 انظر هذا الحديث في سنن أبي داود. طبعة حمص عام "1388هـ - 1969م" بتحقيق عزت عبيد الدعاس حـ1 ص233 - 234.
3 انظر جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي فيما روي عن عمار من أن المسح للوجه والكفين وقال الترمذي فيه: حسن صحيح "حـ1 ص440 - 442"، وما روي عنه أن المسح إلى المناكب والإباط وقال الترمذي: إنه ضعفه أهل العلم، وقال بعضهم: ليس مخالفًا للرواية الأولى؛ لأنه في الثانية لم ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم "ص451".
4 باب التيمم في اختلاف الحديث ص94 - 98 على هامش الأم حـ7.
5 اختلاف الحديث ص238.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
رمضان"، فقد روى الشافعي بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم … ".
وروى بسنده ما يخالف هذا، وهو أن أبا هريرة يقول: "من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم".
916- رجح الإمام الشافعي حديث عائشة وحديث أم سلمة الذي هو مثل حديث عائشة: لأنهما زوجتاه وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، ولأن عائشة مقدمة في الحفظ وأم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من رواية واحد.
917- وبعد أن رجح أحد الحديثين على هذا النحو أيد ذلك بأن الحديث الراجح معه "المعقول" وبين ذلك بقوله: إن الرجل يحتلم في نهار رمضان فيجب عليه الغسل ويتم صومه؛ لأنه لم يجامع في نهار رمضان، فكذلك من يصبح جنبًا؛ لأنه لا يجامع في نهار رمضان ووجوب الغسل لا يفطر1.
918- وماذا قال في الكلب يلغ في الإناء؟.
إنه إذا كان بعض الناس قد ادعى أن مالكًا نفى الحديث فيه لأنه يتعارض مع القياس فإن الشافعي، رضي الله عنه قد أكد ثبوته بالقياس حين بين أن ما ذهب إليه مالك من عدم وجوب الغسل يخالف القياس، وكذلك جواز شرب اللبن مما شرب منه الكلب.
919- وحجة مالك أن الكلاب لم تزل في البادية، وهناك من الحرج في منعها عن مثل هذه الأشياء، ورد عليه الشافعي بأن الفأرة مثلًا ألزم لأهل القرية من الكلاب لأهل البادية والكلاب أقل امتناعًا منها وإذا ماتت فأرة--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص232 - 235.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
أو دابة من دواب البيوت في الماء أو في اللبن في قرية أو بادية تنجسه فكذلك الكلاب، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن النجاسة تكون في الفأرة وهي في البيوت: "وإنما قال في الفأرة قولًا عامًّا وفي الكلب قولًا عامًّا".
920- ونهمس في أذن أستاذنا وأستاذ الجميع الإمام الشافعي: هل الكلام فيما شرب منه كلب حي وفأر حي أو في وقوع كلب ميت أو فأر ميت في شراب أو طعام؟! وهذا يختلف عن ذاك ومن القياس أن يكون هذا له حكم وذاك له حكم آخر.
921- وهكذا استخدام الشافعي، رضي الله عنه القياس بهدف زيادة تثبت الأخبار وزيادة توثيقها، ونعتقد أن هذا هو ما فعله الأحناف والمالكية فظن خصومهم أنهم يستخدمون القياس في نفس السنة، والحق أن الأمر ليس كذلك كما رأينا.
922- ونخلص من هذا بالتعرف على وجه آخر من وجوه العناية بالمتن واستخدام القياس من أجل توثيقه بعيدًا عن السند؛ بل الأمر في وجه من وجوهه توثيق للسند عن طريق المتن حتى يرجح الأمر إلى توثيق المتن نفسه، وترك ما عداه، أو ترك العمل بما عداه في حالة النسخ وهو مربط الفرس كما يقولون.
923- ولعلنا على ذكر من أن بعضهم قال: إن الرواية بالمعنى من غير الفقيه ربما تؤدي إلى تغيير في الحديث وخلل بمعناه الأمر الذي احتاج إلى وضع ضوابط للأداء بالمعنى، فتعميم الراوي من الخطأ في الرواية، وقد وضع هذه الضوابط الذين يجيزون رواية الحديث بالمعنى على حين تشدد الآخرون فلم يجيزوا الرواية بالمعنى ولكل حجته، وهذا ما سنفصله فيما يلي - بإذن الله عز وجل وفضل منه سبحانه وتعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
الفصل السادس: الرواية بالمعنى
924- يقول الخطيب البغدادي: إن كثيرًا من السلف وأهل التحري في الحديث رأوا أنه لا تجوز رواية الحديث بمعناه، بل تجب المحافظة على ألفاظه كما صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما تلقاها كل راو من زميله.
وممن ذهب إلى ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم عبد الله بن عمر فقد روى عبيد بن عمير أن ابن عمر كان جالسًا مع أبيه وعندهم مغيرة بن حكيم -رجل من أهل صنعاء- إذ قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إنما مثل المنافق مثل الشاة بين الربَّيضين" 1 من الغنم" فقال عبد الله لو علمت علمه، علمت أنه لم يقل إلا حقًّا ولم يتعمد الكذب، فقال: إنه لثقة، ولكني شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال هذا، قال: كيف يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق مثل الشاة بين الغنمين". فقال عبيد بن عمير هي واحدة إذا لم يجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا، فلا يضرك أن قدمت شيئًا أو أخرته، فهو واحد2.
925- وهذه القصة مع دلالتها على تمسك ابن عمير بلفظ الحديث وأدائه دون تغيير في ألفاظه بما لا يغير المعنى، فإنها تشير إلى اتجاه آخر عند الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أنهم يجوزون رواية الحديث بالمعنى ما دام ذلك لا يغير "أو لا يجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا" كما يعبر الصحابي عبيد بن عمير. وسننتقل إلى هذا الاتجاه بعد قليل.
929- وقد روي هذا عن الإمام مالك رضي الله عنه، فقد سأله أحد تلاميذه عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد؟ … قال: أما ما كان من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيه أو ينقص3.--------------------------------------------
1 الربيض: الغنم نفسها، والربض: موضعها الذي تربض فيه، أراد أنه مذبذب كالشاة الواحدة بين قطيعين من الغنم، أو بين مربضيهما. "النهاية".
2 الكفاية ص 268 - 269.
3 جامع بيان العلم وفضله حـ1 ص97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
927- وقد حكى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يحب أن يحدث بالألفاظ "أي يتمسك بألفاظ الحديث ولا يغير فيها"1.
928- وروي هذا أيضًا عن القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوه"2.
929- وحجة أصحاب هذا الاتجاه أن الحديث بالمعنى وعدم التمسك بألفاظ الرسول، صلى الله عليه وسلم قد يغير مما أراده، خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم والفصاحة في البيان ما هو نهاية لا يدركه فيه غيره، ففي التبديل بعبارة أخرى لا يؤمن التحريف أو الزيادة والنقصان فيما كان مرادًا له3.
930- ومن حجتهم كذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "نَضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فقد أمر صلى الله عليه وسلم بمراعاة اللفظ في النقل، وبين المعنى فيه وهو تفاوت الناس في الفقه والفهم، واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عامًّا عن تبديل اللفظ بلفظ آخر4.
931- ومن حجتهم أيضًا ما يرويه الإمام أحمد بسنده عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أويت إلى فراشك، فتوضأ ونم على شقك الأيمن وقل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة". قال البراء: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت … "آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت "وبرسولك" قال: "لا، وبنبيك الذي أرسلت" 5 … قال أصحاب هذا الاتجاه: أفلا ترى أنه لم--------------------------------------------
1 الكفاية "م" ص259.
2 معرفة السنن والآثار حـ1 ص44.
3 أصول السرخسي حـ1 ص355.
4 أصول السرخسي حـ1 ص355 والمحدث الفاصل:"المخطوط" ص346.
5 المسند حـ4 ص392 - 393.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ؟ ولم يجز تبديل كلمة "بنبيك" بكلمة "برسولك"؟ مع أن المعنى لا يتغير بهما1؟
932- ولكن الواقع أن من ذهبوا إلى هذا قليلون وليسوا كثيرين كما يقول الخطيب -وربما هذا هو ما جعل السرخسي يصف هذا الاتجاه بأنه "قول مهجور"2.
933- وبعض الروايات التي رويت عمن قيل عنهم ذلك تحتمل أحد أمرين:
الأمر الأول: أن إنكارهم كان على الزيادة والنقصان في الحديث وهذا بطبيعة الحال -يستدعي التغيير في المعنى في غالب الأمر، ومن هذا ما رواه الخطيب بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: "لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد ولا ينقص ولا مثل عبد الله بن عمر"3.
الأمر الثاني: هو الكراهة فقط أو استحباب الرواية على اللفظ ولا يتعدى ذلك إلى رفض الرواية بالمعنى، ولهذا فسر أئمة المالكية قول مالك السابق بأنه "على الاستحباب" وأن "الأولى والمستحب المجيء بنفس اللفظ ما أستطيع"4 وقد عبر مالك نفسه عن هذا الاستحباب بقوله: "فأحب أن يؤتي به على ألفاظه"5 ومما يؤكد ذلك أنه أجاز زيادة الواو أو الألف إذا كان ذلك لا يغير المعنى6 ومما يؤكد ذلك أيضًا أن القاضي عياضًا قد عده من المجيزين لرواية الحديث بالمعنى أي من أصحاب الاتجاه الثاني.--------------------------------------------
1 الكفاية "م" ص27.
2 أصول السرخسي حـ1 ص355.
3 الكفاية "م" ص265.
4 الإلماع ص179.
5 المصدر السابق ص180.
6 ترتيب المدارك حـ1 ص148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
934- ويحمل على هذا الأمر كذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من سمع حديثًا فحدث به كما سمع فقد سلم" أي الأحوط أن يحدث به على لفظه وهذا ما لا يختلف فيه1.
935- وأصحاب هذا الاتجاه كما لا يجيزون الرواية بالمعنى لا يجيزون تقديم كلمة على كلمة، فابن عمر رضي الله عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: على أن تعبد الله، وتكفر بما دونه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام رمضان". فقال الرجل: نعبد الله ونكفر بما دونه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت، قال: لا: أجعل صيام رمضان آخرهن -كما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم2.
936- وابن عمر أيضًا لم يجز زيادة حرف واحد وإن كان لا يغير المعنى فقد روى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا على القوم المعذبين -يعني حجر وثمود- إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم - أو قال: يصيبكم مثل ما أصابهم3.
937- وقد عبر الشعبي عن هذا بقوله: "كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوًا أو ألفًا أو دالاً4.
938- وقد غالى بعض أصحاب هذا الاتجاه فرأى ألا يصحح لحنًا وقع في الحديث من أحد الرواة قبل أن يأتي إليه"5.
939- وقال أصحاب هذا الاتجاه: إن رواية الحديث على النقصان والحذف لبعض متنه غير جائزة؛ لأنها تقطع الخبر وتغيره، "فيؤدي ذلك إلى إبطال معناه وإحالته"،وكان بعضهم لا يستجيز أن يحذف منه حرفًا--------------------------------------------
1 الكفاية "م" ص 267.
2، "3" و"4" و"5" الكفاية "م" على التوالي ص271، 274 و280 - 284.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
واحدًا، يقول عبد الملك بن عمير: "110هـ" "والله إني لأحدث بالحديث، فما أدع منه حرفًا"1 وقال الخليل بن أحمد: لا يحل اختصار حديث النبي، صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: "رحم الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، كما سمعه" 2.
940- وروى عن مالك أنه كان لا يرى أن يختصر الحديث، وقال أبو عاصم النبيل: يكره ذلك؛ لأنهم يخطئون المعنى3.
941- وإذا كان أصحاب هذا الاتجاه قليلين -كما رأينا- فإن الغالبية العظمى، وجمهور السلف والخلف -قد أجازوا رواية الحديث بمعناه ومن هنا رأينا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة أتت بألفاظ وعبارات مختلفة.
942- وممن ذهب إلى ذلك من الصحابة واثلة بن الأسقع وابن مسعود وأنس وغيرهم. ومن التابعين الحسن البصري وابن عون والشعبي.
روي عن الحسن أنه كان يحدث اليوم بحديث، ويعيده من الغد فيزيد فيه أو ينقص منه غير أن المعنى واحد "وقيل: لإبراهيم النخعي: إنا نسمع منك الحديث فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعناه، قال: أرأيتك إذا سمعت تعلم أنه حلال من حرام؟ قال: نعم، قال: فهكذا كل ما نحدث.
وروى ابن عون قال: كان الحسن والشعبي وإبراهيم يحدثون مرة هكذا ومرة هكذا، ويقول ابن عون أيضًا: لقيت منهم من كان يحب أن يحدث الحديث كما سمع، ومنهم من لا يبالي إذا أصاب المعنى4.
943- وممن روي عنه في القرن الثاني ذلك الزهري الذي يقول: إذا أصبت المعنى فلا بأس5 والإمام الشافعي وأبو حنية ومالك6 رضي الله عنهم جميعًا وكذلك جعفر بن محمد وسفيان الثوري وسفيان ابن عيينه، وحماد بن زيد ويحيى بن سعيد القطان7.--------------------------------------------
1 و2 و3 الكفاية "م" على التوالي: 289، 290، 291.
4 المحدث الفاصل ص348 - 350.
5 كتاب العلم لابن أبي خيثمة ص134.
6 الإلماع "التحقيق" ص187 عن الإكمال لشرح كتاب مسلم بن الحجاج في الصحيح ل3 أ.
7 الكفاية "م" ص314 - 316.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)